انضم إلينا
اغلاق
"خيال مآتة".. هل بدأ نجم أحمد حلمي في الأفول؟

"خيال مآتة".. هل بدأ نجم أحمد حلمي في الأفول؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

بعد ثلاث سنوات كاملة من غياب النجم الجماهيري المحبوب أحمد حلمي عن الشاشات، استقبل الجماهير والنقاد خبر عودته بفيلم جديد هذا العام بكثير من الحماس. مرت ثماني سنوات كاملة على آخر فيلم متميز يقوم حلمي ببطولته، وخلال كل تلك الفترة، لم يخرج علينا حلمي سوى بـثلاثة أفلام، كلها متواضعة.[1] ضاعف كل ما سبق الترقب لآخر أفلامه، وجعل الجميع يتساءل: هل سيفي عمله الجديد بتوقعات الجميع المرتفعة؟

 

كل من يشاهد "خيال مآتة" سيدرك أن أحمد حلمي أراد بشدة أن يفعل هذا، أن يفاجئ الجماهير بشيء لم يعتادوه من قبل، ويسترجع مرة أخرى الحفاوة النقدية والجماهيرية التي كان يلقاها فور طرح أفلامه الناجحة. يتضمن الفيلم أفكارا غير مطروحة كثيرا من قبل، مع طاقم تمثيل سبق وشارك حلمي أهم نجاحاته، وعلى الملصق الدعائي للفيلم اسم السيناريست الكبير عبد الرحيم كمال مؤلفا للفيلم. لكن، كل ما سبق لم يكن كافيا لخلق عمل مميز جدير بعودة أحمد حلمي المنتظرة.

    

  

"خيال مآتة" واللعب على الحبال

حاول "خيال مآتة" أن يجمع بين "أنواع فيلمية" عديدة في الوقت نفسه، آملا أن يصل إلى توازن منشود يجعل منه فيلما جيدا على أكثر من صعيد، لكن انتهى به الأمر كشخص مفتقد للياقة يرقص على الحبال، لا يمر وقت طويل قبل أن يهوي عنها جميعا ويرتطم بالأرض في سقوطٍ مُدوٍّ.

  

يدور الفيلم في خطه الأساسي حول العجوز الثري واللص السابق، يكن، الذي بدأت أولى وأكبر خطواته في عالم الجريمة في ستينيات القرن الماضي، حينما نجح في سرقة بروش أم كلثوم، والانضمام إثر ذلك لكيان إجرامي كبير يستولي على مقتنيات باهظة، ويبيعها في مزادات سرية لأعلى سعر. تمر السنوات، ويجد بروش أم كلثوم مشتريا فاحش الثراء، إلا أن يكن الطاعن بالسن الآن، يأبى أن يتخلى عن البروش، ويضع خطة للاحتيال على الكيان. ولكن لكي تنجح هذه الخطة، فسيضطر للاستعانة بحفيده زيزو، على الرغم من الخلافات العميقة التي فرقتهما عن بعض عمرا بأكمله.

   

أول الحبال التي حاول الفيلم أن يرقص عليها دون نجاح هي الكوميديا، فقد صنع أحمد حلمي اسمه وتاريخه كممثل كوميدي في الأساس، ومن الطبيعي أن يكون هذا النوع الفيلمي هو أول ما يلجأ إليه في محاولة العودة مرة أخرى للشاشة. لكن ما رأيناه في "خيال مآتة" كان أبعد ما يكون عن الكوميديا القائمة على المفارقات الثرية القادرة على توليد الضحكات التي تميزت بها أفلام حلمي الناجحة، حيث آثر الفيلم أن يستعين بقوالب شخصيات (كاركتارات) محفوظة ومستهلكة في كوميديا سطحية لن تستدر من المشاهد أكثر من ابتسامة مُتحفظة.

     

  

فأغلب الكوميديا في الفيلم كانت معتمدة على "كاراكتر" العجوز البخيل "يكن"، الذي يلعب حلمي دوره، وحرصه الشديد على عدم إنفاق أي نقود بالرغم من ثرائه الفاحش. لا يصلح هذا "الكاراكتر" المستهلك على الإطلاق كمصدر رئيسي، ووحيد تقريبا، للكوميديا في الفيلم، حيث سبق ورآه المشاهد المصري في أفلام عديدة -حلمي نفسه سبق واستعان به في السابق، عبر شخصية رجل الأعمال البخيل الذي لعب دوره "حسن حسني" في فيلم "جعلتني مجرما"- ومن ثم يصير من الصعب أن يأتي "خيال مآتة" بأي شيء جديد أو مبتكر فيه يستدر ضحكا حقيقيا.

   

هل قصة الفيلم وباقي شخصياته فقيرة حتى يعتمد حلمي فقط على هذا "الكاراكتر" المستهلك؟ الإجابة هي لا قاطعة. ففي الفيلم بذور حقيقية للكوميديا ألقى بها الفيلم بعيدا ولم يتكلف عناء أن يستثمرها لصالحه. أوضح وأفضل هذه البذور هي "الكيان"، المنظمة الإجرامية التي ينتمي إليها يكن. بالطبع رأينا جميعا منظمات إجرامية في السينما وفي أفلام كوميدية من قبل، لكن "الكيان" ليس كأي منظمة أخرى.

  

فبينما اعتدنا أن يتكون أعضاء المافيا في الأفلام من مجموعة من رجال في منتصف العمر يبدو عليهم القوة البدنية والشر، يأتي الكيان ليقلب صورتنا النمطية تلك تماما، فأعضاء الكيان ليسوا سوى مجموعة من العجائز الذين بلغوا من العمر أرذله، يلعب أدوارهم أسماء عظيمة لممثلين اعتدنا رؤيتهم حصريا في أدوار أجداد طيبين ذوي وجوه بشوشة: رشوان توفيق، وعبد الرحمن أبو زهرة، وإنعام سالوسة. تخيل فقط أنك ترى إنعام سالوسة تلعب دور زعيمة عصابة! كانت تلك مفارقة جديرة بخلق كوميديا ممتازة إن أُحسن استغلالها، لكن الفيلم يتجاهلها تماما ويحصر الكيان في بضعة مشاهد قصيرة تسلط الضوء فقط، ككل الفيلم، على بطله أحمد حلمي الذي يستأثر بالشاشة بلعبه لشخصيتي الجد والحفيد دفعة واحدة.

   

  

في الحقيقة، ليس هناك ما يعيب لعب بطل الفيلم أكثر من شخصية، لكن عندما يأتي تعدد الأدوار على حساب مساحات الشخصيات الأخرى، فهنا تكمن المشكلة؛ حينها، يخسر التعدد مبرره الدرامي أو الكوميدي أيًّا كان، ويشعر المتلقي أن البطل يود أن يُسلط الضوء عليه وحده، ما يضر عادة بالفيلم ككل. ربما نجد أفضل مثال على لعب البطل أكثر من شخصية مع عدم الإخلال بتوازن مساحات الشخصيات الأخرى في فيلم "الناظر"، الذي، للمفارقة، كان أحد أهم الأفلام التي وضعت حلمي نفسه على الساحة. فبالرغم من أداء الراحل علاء ولي الدين لأدوار أب وأم وابن دفعة واحدة، فقد ترك رقعة واسعة للممثلين الآخرين ليبدعوا فيها بحرية ويشاركوا البطل خلق الضحكات، فتظل شخصيتا "عاطف" و"اللمبي" التي لعبها أحمد حلمي ومحمد سعد من الشخصيات التي لا تُنسى في ذاكرة المشاهد المصري، والتي ما زالت حيّةً حتى الآن في نكات و"ميمز" مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي.

    

لا يمكننا أن نتوقع المصير نفسه لشخصيات فيلم "خيال مآتة"، فهي شخصيات تعجز عن أن تَعْلق في الذاكرة، ليس لسنوات، بل حتى بنهاية الفيلم نفسه. فالأركان الأساسية التي لا بد أن تتوفر في رسم موفق للشخصية معظمها مفقود هنا؛ شخصيات "خيال مآتة"، باستثناء يكن، بلا ماضٍ أو دوافع، وكأن وجودها مقتصر على المشاهد التي تؤديها على الشاشة، وبعد تلك المشاهد، تذوب بلا أثر. يمكن للمشاهد أن يتوقع ويتقبل لدرجة ما سطحية رسم الشخصيات التي لا تلعب دورا كبيرا، مثل مزلاوي سائق ومساعد يكن على سبيل المثال. لكن، ألا نعرف شيئا ذا قيمة عن أحد أبطال الفيلم، زيزو حفيد يكن، حتى نهاية الفيلم، باستثناء وظيفته كصاحب متجر صغير، فذلك يضعف الفيلم دراميا بشكل كبير وينزع العمق أو الجدية عن حبكته والصراعات التي يولدها بين الجد والحفيد.

    

إن كانت شخصية يكن مرسومة بشكل سطحي، فعلى الأقل يحاول الفيلم أن يبرر وجودها لنا دراميا، وإن بتبرير غير مقنع كما سنرى بعد قليل، لكن هنالك شخصيات أخرى تحتل مساحة غير ضئيلة بلا أي مبرر  لوجودها على الإطلاق داخل الحدث. على رأس تلك الشخصيات تأتي شخصية "آسيا"، مساعدة يكن الشابة، التي لا نرى لها أي دور محوري في القصة، حيث ندرك أنها موجودة فقط لتمد خطا رومانسيا جاء على عجل بلا تأسيس، يجمع بينها وبين زيزو، ويضاف للحبال الكثيرة التي حاول الفيلم أن يرقص عليها جميعا في آنٍ واحد معا. فبجانب الخط الكوميدي غير الموفّق، والخط الرومانسي المبتسر، تضمن الفيلم أيضا خط جريمة احتل معظم وقت العرض ولم يكن حاله أفضل كثيرا من الخطوط الأخرى.

    

   

ليس بالبطل وحده تنجح الأفلام

تلعب جريمة سرقة البروش في الماضي وتبعاتها في الحاضر دورا محوريا في الفيلم، يمتد منذ المشاهد الأولى وحتى اللقطات الأخيرة. وكحال معظم عناصر فيلم "خيال مآتة"، نجدها تمتلئ بالكثير من العيوب والثغرات التي تتفاوت في فداحتها، بين ما يمكن التغاضي عنه بسهولة، وما يقوّض منطق الأحداث من أساسه.

    

فيولد المحرك الأساسي للأحداث طوال أكثر من ثلثي الفيلم من عجز يكن -كما يشرح لمساعديه في البداية- عن اقتحام خزانة الكيان المحروسة بعناية للاستيلاء على البروش. ومن ثم، يفكر في طلب المساعدة من صديقه القديم خليل الذي يحتفظ لنفسه بنسخة طبق الأصل من البروش. لكن خليل مصاب بخلل دماغي جعل ذاكرته تتوقف عند يوم الحادثة منذ أكثر من خمسين عاما. ومن ثم، يجد يكن نفسه في حاجة إلى الاستعانة بحفيده زيزو، المشابه له تماما، حتى يذهب لخليل ويقنعه أنه هو نفسه يكن الشاب، ليعرف منه مكان البروش.

    

 

يشوب هذه الخطة الكثير من اللا منطقية والاعتماد على المصادفات السعيدة والحظ، بداية من مرض خليل غير الموجود في الطب أساسا، [2]مرورا بافتراض الفيلم أن البروش سيبقى في المكان نفسه الذي وضعه فيه خليل منذ أكثر من نصف قرن، لكن كل هذا على الأقل لا يتناقض مع منطق الأحداث. لكن ما يدمر بناء القصة هو ما نشهده في الثلث الأخير من الفيلم، حيث نرى زيزو وهو مُقنّع كيكن، يذهب لخزانة الكيان ويفتحها بكل بساطة بأوامر من جده عن طريق بصمة الوجه، ليس مرة واحدة، بل مرتين. لا يوجد على الخزانة أي حراسة، ولم تقابل زيزو أي صعوبات في فتح الخزانة، ما يجعلنا نتساءل: لماذا لم يوفر يكن على نفسه عناء إعادة بناء ماضٍ بأكمله ليحصل على المعلومات من خليل، والاستعانة بحفيد لا يجمعه به سوى الخلافات، ويذهب بكل بساطة ويأخذ البروش كما رأينا زيزو يفعل مرتين؟ لا يناقض الفيلم هنا نفسه فقط، بل يخلخل المنطق القائم وراء الجزء الأكبر من حبكته، وينفي سبب وجود زيزو، بطل الفيلم بجانب يكن من الأساس.

   

تضمّن "خيال مآتة" عوامل نجاح كثيرة على الورق، من فريق تمثيل موهوب، لمؤلف له تاريخ طويل من الأعمال الرائعة، لمخرج وقف وراء الكاميرا في بعض من أهم أفلام أحمد حلمي. لكن ليس بهذا فقط تنجح الأفلام، فخلق عمل سينمائي مميز هو معادلة صعبة، تحتاج إلى وعي وحساسية، وفريق عمل متكامل يضع كلٌّ منهم كل مهاراته وموهبته وخبراته في سبيل الخروج بأفضل شيء ممكن. لكن ما حدث في "خيال مآتة" هو السيطرة الكاملة والواضحة لأحمد حلمي على جميع عناصر الفيلم. وكما يقول الناقد السينمائي محمود مهدي في مراجعته للفيلم: "ليس من الظلم أن ننسب فشل هذا الفيلم بالكامل لأحمد حلمي، كما اعتدنا أن ننسب نجاحات أفلامه السابقة إليه، فهو صاحب الصوت الأقوى". [3]

   

الممثل الجيد لن يضع بالضرورة اللمسات الأفضل على القصة، والقالب القصصي و"الكاراكتر" السينمائي الذي يضع الممثل نفسه فيه في أكثر من فيلم لن يعجب المشاهد طوال الوقت، فهل يتعلم أحمد حلمي من أخطائه المتراكمة ويُحسن الاختيار؟ أم أنه سيظل يصم أذنيه عن أصوات الآخرين ويسير في الطريق نفسه حتى نهايته الأليمة؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار