هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
توم هانكس.. أن تستحق أوسكار أفضل ممثل وأسوأ كاتب!

توم هانكس.. أن تستحق أوسكار أفضل ممثل وأسوأ كاتب!

زهراء مجدي

محررة فن
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

دائمًا ما كان لتوم هانكس هذا الظهور المحبب أمام الكاميرا لعشاقه، وهذا ما جعله لاحقا كاتبًا ذا هيئة براقة، إذ أنه حينما جلس أمام جمهوره يقرأ قصصه في حفل توقيع كتابه الجديد... ولكنْ لحظة، قصص؟ متى بدأ هانكس كتابة القصص؟ وكيف يكون عندما يكتب؟

      

كتب هانكس مؤخرًا مجموعة قصصية باسم "نمط غير شائع وبعض القصص"، مكونة من 17 قصة في 400 صفحة، ما يُعد أكثر من المعهود في القصص القصيرة، من حيث عدد القصص وعدد الصفحات،  إذا استثنينا القصص المجمعة لآليس مونرو أو جورج سوندرز، والتي كتبوها على مدار حياتهما، ولكنْ في حالتنا هذه قد يبرر هذا الحجم للمجموعة القصصية أن المؤلف حائز على جائزة الأوسكار ويُعد كنزا وطنيا أمريكيا.(1)

        

يتسع النطاق الزمني في القصص، تنتقل بين الحرب العالمية الثانية وبين المستقبل وسفر أربعة أصدقاء إلى القمر في قصة "آلان والأربعة" بعد ضيق الأرض على أهلها. للمجموعة القصصية بنية تقنية متشابكة بطريقة غريبة، فالقصة الأولى والسابعة والأخيرة من القصص الـ17 فيها الشخصيات نفسُها، بينما في أربع قصص أخرى يكون الراوي كاتبا مخضرما في صحيفة محلية، اسمه هانكفيست، يستخدم الآلة الكاتبة القديمة في عمله، وهي آداة الكتابة التي يستخدمها توم هانكس ويشير إليها في معظم قصصه، والتي جاءت شبيهة بقصصه بعض الشيء؛ ثقيلة، وبطيئة. ولكنْ، ما الأزمة هنا حتى الآن؟ 

             

           

بعدما وقع هانكس كتابه الجديد "نمط غير شائع وبعض القصص" في حفل ترويجي في نيويورك، يوم 18 أكتوبر 2017، كتبت عنه "غارديان": "رؤية نجم سينمائي يكتب قصصًا خيالية تشبه سماع كلب يلقى خطابًا"، فنحن نادرًا ما نفكر في مدى حُسن أو سوء ما يقدمه، ولكن كل العجب في أنه قام بذلك من الأساس، فهانكس يكتب وكأنه لم يقابل أناسا في الواقع، وللدقة، لم يقابل امرأة حقيقية في الوقت الذي كانت فيه كل الأعين مسلطة على المعاملة التي تلقاها المرأة في هوليوود بعد حملة شرسة ضد التحرش والعنصرية على أساس الجنس، وكيف تبدو لهم بعض الشخصيات النسائية ضعيفة وتافهة وسبيل للمتعة الجنسية. (2)

         

هانكس.. أمريكي عتيق كالآلة الكاتبة
كان "إيسان" سعيدًا بسقوط الشيوعية في بلغاريا، حتى لو كلفه ذلك الفرار منها على متن سفينة بدون آلته الكاتبة، لكنه كان يساعد في الخدمة على ظهر السفينة، لأنه يعرف أن هذا ما ينتظره منه الشعب الأمريكي، العمل. بعد أن وصل إلى نيويورك، ذهب إلى رجل يُدعى كوستاس يطلب منه وظيفة في مطعمه: قال إيسان: "هل يمكنني الحصول على وظيفة لديك، من فضلك؟"، وقال كوستاس: "لا".

     

وفي اليوم التالي عاد إيسان وسأل مرة أخرى، ورفض كوستاس طلبه ثانية. عاد إيسان مرة ثالثة، وسأله كوستاس: "أظن أنك مازلت تريد عملًا"، فقال إيسان: "لا، أريد قهوة فقط"، فقال له كوستاس: "طلبك صعب، يمكنك الحصول على وظيفة".. ابتسم إيسان وتمتم: "الثبات والعمل الجاد يؤتي ثماره في أرض الأحرار ووطن الشجعان".(5) من قصة "تعال وانظر يا كوستاس"

       

يرى مارك لاوسون، الناقد المسرحي والكاتب لصحيفتي "غارديان" و"ذا تابلت"، أن هانكس كتب عن الأمريكيين ولهجتهم الدارجة في الشارع بطريقة من لم يحتكّ بالشارع الأمريكي منذ سنوات، فكانت لغته محافظة ومتكلفة وتبدو ساذجة وغريبة، وكأنه يتحدث في الحاضر بلهجة أهل نيويورك في 1970، ما ظهر بكيفية سيئة في قصتين يمارس فيهما مراهقون الجنس لأول مرة، وأخرى لفتيات مجتمعات للسهر.(3)

      

وانتقد مارك لاوسون رؤية هانكس لأمريكا، التي هي أرض ترحب بالغريب ويسهل العيش عليها، ومستقر الحرية، وموطن الشجاعة، لا يمنع العمل الشاق أهلها من التفاؤل بأن القادم أفضل، والجميع يأكل فطيرة التفاح في كل قصص المجموعة، دون تفرقة أو عنصرية.. وكأن هانكس يحقق بدبلوماسية نظرة الكثير عن أمريكا العادلة التي لم تتحقق بعد، ويقول إنه كان على دار النشر مساعدة توم هانكس على اختيار أقوى قصصه، وبينما لم يحدث ذلك، فقد جمع كتابه 17 قصة، تراوحت بين قصص غاية في السوء وأخرى متواضعة، وودت لو كان كتبها أي شخص آخر حتى يتسنى لي السؤال: كيف وافقت دار النشر على طباعة هذا الكتاب؟

                

     

أما عن الآلة الكاتبة فقد كرر هانكس صورًا في قصصه، والتي تعد سيرة  ذاتية مجتزأة في حكيه عن نفسه، فحكى عن مجموعة من 50 آلة كاتبة عتيقة يملكها، ظهرت معه في فيلم وثائقي، من إنتاج 2017، وهنا هاجمه أليكس بريستون، كاتب لصحيفة "ذا أوبزيرفر"، على أنه عندما تكتب للجمهور عن آلة كاتبة محاولًا اجترار النوستالجيا ثم تنشر كتابك لن يصل إليهم الحبر الأسود مكوما على الصفحة البيضاء كما كانت قديمًا، فالآن دور النشر تطبع رقميًا في نسخ نظيفة لا يلتصق فيها الحبر بأنامل القارئ، لذا إذا أردت إدخال القارئ في نوستالجيا عليك التعبير عن ذلك في كتابتك، وليس في اختيار آداة الكتابة.(1)

    

في جانب الكتابة، وعلى الرغم من تقدم هانكس بالشكر للعديد ممن قدموا له نصائح في الكتابة، فإنهم لم يبلوا كما يجب، فهناك سقطات تحريرية، وقع فيها هانكس، مثل فقرة استخدم فيها كلمة واحدة مرتين بمعنيين مختلفين، وكانت "Ham salad"، أي "سلطة بلحم الخنزير"، و"Ham radio"، بمعنى "إذاعة محطة هام"، ما يعد تشتيتًا للقارئ. وتكرر الأمر في خطأ تحريري عندما كتب كلمة "بعض" ثلاث مرات في 11 كلمة، ما يعد خطأ لا يقع فيه كاتب جيد، بعيدًا عن سقطة أن تضع القصص المقبولة والسيئة في كتاب واحد ليفسد كله.(3)

         

أنا توم هانكس.. ممثل في الأصل
كان "فيرجيل" يمشي محاذيًا سور الحديقة الذي علاه الثلج، وفتح باب البيت وقال: "عيدَ ميلاد مجيدا للجميع.. عيد ميلاد سعيدا يا زوجتي"، أجابه أفراد العائلة. علق معطفه بجوار المرآة، وأخرج آلته الكاتبة القديمة، وجمع أطفاله حوله ليكتب رسائلهم إلى سانتا كلوز قبل أن يذهبوا للنوم.
    

قبل موعد النوم بلحظات، رن الهاتف، كما يحدث دومًا عشية عيد الميلاد:

-مرحبًا.

-هل تتخيل أن عشر سنوات قد مرت منذ ليلة عيد الميلاد 1944؟

-في الواقع، إنها تسع سنوات فقط.

كانت تسع سنوات قد مرت عندما كانا في معركة شاطئ نورماندي، وشهدا مقتل العديد من رفاقهم، وهو الأمر المؤلم، فقد حاربوا سوية عشية عيد الميلاد عام 1944، عندما انفجرت قذيفة وأصابت ساق "فيرجيل"، ونقله صاحبه ليلقى رعاية طبية، ما أشعره بالأمان.

-هل أنت متأكد من أنك لا ترغب في زيارة المقابر هذا العام أيضًا.

-نعم، سنتحدث مرة أخرى، في العام المقبل.

صعد "فيرجيل" السلم وذهب إلى فراشه، وشعر أنه كم عظيم أن يكون أمريكيًا، على الرغم من حزنه على رفاقه الذين رحلوا.(5) "عشية عيد الميلاد" تجري الأحداث عام 1953.

        

        

بين سطور قصصه يشدد هانكس بكثرة على اختلاف الحياة الواقعية عن الأفلام السينمائية، ولكن الغريب أن أكثر قصص المجموعة ترابطًا كانت أكثر القصص سينمائية، مثل "الماضي يخصنا"، والتي تشبه فيلم "Groundhog Day"، في دخول البطل دوامة زمنية تتكرر فيها الأيام. وقصته "وليمة في مدينة الأضواء"، التي  يحكي فيها عن "روريثورب"، ممثل أمريكي، في رحلة لأسواق التحف في أوروبا للبحث عن آلة كاتبة قديمة بيعت في مزاد علني لممتلكات فندق فخم عتيق.(4)

    

كممثل، وكتوم هانكس بالتحديد؛ يغير بين شخصياته التي يمثلها بكيفية غير معتادة؛ وظائفهم، ملابسهم، لغة أجسادهم، فربما كان هذا مفيدًا له عندما شرع في الكتابة. فقليل من الأدباء المتمكنين من سرد وصف دقيق لِما يبدو عليه ارتداء بدلة رجل فضائي، أو كيف يبدو شعورك وأنت تمشي مرتديًا آخر صيحات الأحذية عام 1930، ما يجعلنا نؤمن بأن فيلما مثل "Apollo 13" قد أفاد توم هانكس في قصته التي تحكي عن رحلة إلى سطح القمر، ومسلسل قصير مثل "Band of brothers" ساعده في الكتابة عن ذكريات أحد قدامى المحاربين عن معركته في الحرب العالمية الثانية. ومثل هانكس دور الصحافي مرتين، الأولى في مسرحية "luck guy" كصحافي استقصائي، و"The post" من إخراج ستيفن سبيلبيرغ كمحرر في "واشنطن بوست"، وهو بالتأكيد ما ساعده في كتابة شخصية صحافي محنك، مع ملحوظة أن اسم الصحافي في قصة توم هانكس "هانكفيست" وهو نفسُه اسم بطل المسرحية التي مثلها من قبل.(3)

    

من هي "آنا" يا هانكس؟ لا تقل إنها رمز الأنثى
يغمرنا الأدب المعاصر بالشخصيات النسائية التي لم توجد سوى لتعزيز حكاية الرجل العاطفية، والتي غالبًا ما تنشأ خلال الممارسة الجنسية، على الرغم من الخيال الملحمي الذي تُمزج به القصة، ومع الأسف حتى الخيال الملحمي لم يتوفر في كتابة هانكس. في وقت يتشابه الأدب الأمريكي المعاصر في وصفه الشخصيات النسائية بمظهرها فقط، ماذا ترتدي، كيف يبدو جسدها، كيف تعتني بشعرها وبشرتها كل يوم، دون واقعية في الحديث عما تقوم به من دور في المجتمع.. تجاهل يتوازي مع صورة مفرطة الخيال وغير واقعية للرجال عن النساء، ودون إدراك لأن تلك "الأجساد" تشاركهم الوعي المجتمعي نفسَه، والوظائف نفسَها، وربما إغفال كل هذا في قصص توم هانكس ما دفع عدة صحف لاتهامه بالعنصرية على أساس الجنس، وربما هذا ما سيود هانكس تعديله قريبًا. ولكنْ بالنظر إلى القصص المخجلة لنجوم هوليوود، هل كان خطأ هانكس، فعلًا، مفاجئًا؟(2)
 
توم هانكس يحمل نسخة من كتابه "نمط غير شائع وبعض القصص" (رويترز)

 

في قصص هانكس الـ17، هناك -على الأقل- 17 فرصة أضاعها لكتابة شخصية نسائية مقنعة لم تتطور إلى ما بعد مرحلتي المظهر والجسد، حتى إذا كانت هي بطلة القصة، ففي إحدى قصصه وصفت بطلتها "سو غليب" نفسها بأنها شابة صغيرة وجميلة، رائحتها تشبه ماء الورد. أما "آنا"، البطلة التي افتتحت قصة بكونها "جسد ضئيل، خصر مشدود، نحيفة"، فيقول لها صديقها وقد استيقظا مبكرًا: "مازال لدينا بعض الوقت نقضيه في الفراش"، فتهمس آنا قائلة: "اخلع ملابسك"، وبقية القصة يحكي عن فستانها الأخضر الذي يكشف عن قدر متواضع من ساقيها، وصاحبها المراهق، والرومانسية المادية الجسدية.(1)

    

وبطريقة غير محبوكة، قام بها أدباء قبله بطريقة أفضل، تكررت شخصية مثل "آنا" أكثر من ثلاث مرات على مدار المجموعة القصصية، بجسدها النحيف وبكائها المستمر، وهي الشخصية التي تجلس وهي تفكر وتحكي عن أمريكا الجميلة، أمريكا العادلة، أمريكا حيث لا شيء يمكن أن يكون أفضل من ذلك. تكررت شخصية آنا في أكثر من قصة رغم انعدام أي رابط بين أدوارها في القصص بأي شكل يدعو للتكرار. ويبدو أن هانكس حاول أن يأخذ بتكراره لـ "آنا" بعدًا آخر لكتابه، ويضفي إحساسًا لم يحدده فلم يصل إلى القارئ.

  

وقد كتبت لوسي سكولز في صحيفة "إندبندنت" أنه في مشهد خيالي يصف فيه هانكس خمسة أصدقاء أمريكيين مسافرين للقمر، في قصة "آلان والأربعة" وهم يرون الفرق بين ألوان بشرته وهي تتدرج من الأسمر إلى الأشقر، ما مس قلب الأصدقاء، و دفع "آنا" إلى البكاء فدفنت رأسها في صدر صديقها، وهو الطبيعي، "فمن المعروف عن النساء كثرة البكاء"، كما كتب هانكس. وأضافت لوسي أن الكتاب في مجمله مليء بقصص أفكارها "إكليشية" عن المرأة بدرجة مربكة، فالفتيات يجتمعن في الليل للفتنة على الأخريات ولا يفعلن سوى تبادل قصصهن الحميمة مع الرجال، وفي الوقت نفسه فإن مصطلحاتهن توقفت عند "هيا نأكل ونمرح"، و"جسد آنا مازال مشدودا وجميلا".

  

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار