انضم إلينا
اغلاق
ما السر وراء نجاح شخصية شيرلوك هولمز؟

ما السر وراء نجاح شخصية شيرلوك هولمز؟

Philosophy Now

مجلة فلسفة
  • ض
  • ض

كيف انتصر أكثر المحققين الخيالين شهرة في التاريخ على الشر في أكثر من خمسين قضية مشهورة؟ إلى ماذا -أو لمن- قد نعزو نجاحه؟ كان السير كونان دويل، صانع شخصية هولمز، قد اعترف بنفسه أنه صمم هولمز في سماته وتصرفاته استلهاما من الرجل الذي كان يعمل لديه في السابق، وهو الجراح الاسكتلندي البارز جوزيف بيل (1837-1911). بالطبع علينا أن نمنح كامل الفضل لخصال بيل الاستثنائية في الملاحظة والاستنتاج. إلا أن القراءة المتأنية لمغامرات شيرلوك هولمز تكشف أن طريقته في حل قضاياه يرجع الفضل فيها إلى أكثر من إلهام بيل وحده.

مدرسة هولمز

قيل الكثير بالفعل عن البراعة المعرفية لشيرلوك هولمز، مثل قدرته على استثمار المنطق والملاحظة في أدق التفاصيل، بالإضافة إلى التركيز الشديد، والتقييمات الموجزة، والقوة لتجميع ذلك كله. فمن أي مدرسة فلسفية (إن وجدت)، وإلى أي نظام (إن وجد)، ولمن، من بين كبار مفكري التاريخ، يدين هولمز بالفضل؟ بالنظر إلى جنسية هولمز وما يحيط بها، يمكن للمرء أن يبدأ بالتقاليد الفلسفية المعروفة باسم التجريبية البريطانية[1]، ويرتبط هولمز بفكر جون لوك[2] (1632-1704) أو ديفيد هيوم [3](1711-1776) مثلا. حيث إن عادات التفكير المذكورة أعلاه هي بالتأكيد سمة مميزة للتطبيق التجريبي، وكذلك اهتمام هولمز بالعلوم واعتماده على الأدلة التجريبية. أم ربما ينبغي لنا أن ننظر أبعد قليلا في المكان والزمان؟ ربما تنبع شكوك هولمز المنتظمة بعناية من المتشكك رينيه ديكارت (1596-1650)؟ وأيضا، نظرا للعصور، يجب ألا ننسى الدين.

  

كان التزام هولمز بالكتاب المقدّس راسخا بقدر استخدامه للتفكير المنطقي وأخلاقه الصارمة. هل تكشف أساليبه إذن عن قرابة مع الواقعي الميتافيزيقي في العصور الوسطى، توما الأكويني[4] (1225-1275)؟ أم يمكن للمرء أن يتجه جنوبا وعبر أكثر من ألفي سنة، لربط هولمز بأرسطو نفسه، لأن كلا الرجلين برهن على كفاءة في العلوم الطبيعية وفي الميتافيزيقا. أم إذا أخذنا في الاعتبار طباع هولمز، واختيارات قضاياه، والسمات الدرامية، فهل من الأصح القول إنه ينتمي إلى المدرسة الرومانسية؟

    


أرى أن هولمز وأساليبه تتحدى الارتباط السهل بأي مدرسة فكرية أو مفكّر واحد. لكنها في النهاية تميل إلى الاقتراب من فلسفة أحد المفكرين (على الرغم من أنه ليس لاهوتيا بالضرورة) وهو شخص أقرب إلى أصل هولمز الفرنسي من أصله البريطاني، وأكثر تماشيا مع الجانب الفني منه إلى الجانب العلمي؛ وهو بليز باسكال[5]. بالرجوع لقصص هولمز، أتمنى أن أثبت القرابة الفلسفية بين هولمز وباسكال، وبذلك نحدّد المصدر المعرفي لنجاح هولمز الجامح.

 

أسلاف في الحدس

في قصة "مغامرة المترجم اليوناني" (1893)، نلقى هولمز وواطسون في مناقشة؛ يقول واطسون: "إلى أي مدى تعود موهبة الشخص لأصوله وإلى أي مدى تعود لما اكتسب من التدريب؟". فيجيب هولمز: "كان أجدادي إقطاعيين ريفيين، يبدو أنهم عاشوا الحياة الطبيعية نفسها لطبقتهم. لكن رغم ذلك، فإن نشوئي كما أنا عليه كان في عروقي، وربما جاء من جدتي، التي كانت أخت فرنيه[6]، الفنان الفرنسي. والفن الذي يسري في الدم يأخذ أغرب الأشكال". إذن، في التركة الفرنسية لشيرلوك هولمز نكتشف أكبر ميراث له، فمثل جده، هو عبقري فنان، رغم أنه ليس رساما (أو عازف كمان كذلك).

     


شيرلوك هولمز، فرنسي؟ وعبقري فنان؟ كيف يُعقل هذا؟ في الثقافة الشعبية، يُجسّد هولمز ربطا نمطيا للعقل التجريبي البريطاني المعاصر: فهو يقظ تماما ونزيه وعقلاني ومعياري للغاية. بعبارة أخرى، يمتلك سمات العالِم الحقيقي. هذه الخصائص تصح لعالم رياضيات أو عالم أحياء مجهرية أو خبير بشؤون التأمين أو محاسب. وحتى في مجال التحقيق، يبدو أن بعض قضايا هولمز قد حُلَّت على ما يبدو من خلال ما يمكن استخلاصه من خلال عدسة مكبرة أو مجهر، لا من خلال الجلوس والتأمل على كرسي (وهولمز هو العضو الخيالي الوحيد في الجمعية الملكية البريطانية للكيمياء). ومع الإنجازات الحديثة في علم الطب الشرعي مثل علم التحليل الجنائي للمقذوفات (كالرصاص مثلا) أصبح حل الجريمة اليوم مسألة تعود للمختبر.

 

ومع ذلك، فبالنظر إلى تعقيد الجريمة وتأصلها في الأخطاء البشرية، ومع مراعاة وجود الشر (كما يعترف هولمز)، نجد في حل الجريمة ما هو أكثر من التقييم التجريبي البسيط. ومثل أي محقق جيد، كان لهولمز معاييره الأخلاقية. فقد لوّن الشر والخير عالمه وقدم تعريفا لمهنته. إن الشر غامض بقدر ما هو ظاهر، ولمعرفة كيف يسود الخير، يحتاج المرء إلى أكثر من مجرد دليل مادي. في الواقع كما هو الحال في الخيال الأدبي، يشتهر المحققون بالانطلاق في بحثهم من هاجس أو شعور غريزي أو إحساس، كلها مرادفات للحدس. في الواقع، ليس حدس المحقق أكثر أو أقل من الفرضية التي لم يتم تأكيدها بعد. ومن ثم فإن أساليب هولمز تشمل -وتتجاوز- القياسات والرسوم البيانية والأرقام والصيغ في آن واحد.

 

من كلمة "intueri" اللاتينية، التي تعني "النظر في"، الحدس هو في نهاية المطاف لغز في الأصل والتطبيق. ومع ذلك، أقترح على المحققين استخدام الحدس لحل القضايا، وسيكون من المؤسف إذا لم يفعلوا ذلك. وفي قدرته على توجيه الطريق، يمكن للحدس فتح قضية على مصراعيها وتحديد نقطة انطلاق لحلها. لم يعرف أحد ذلك أكثر من شيرلوك هولمز، بقدرته على التفكير بالأدلة المادية للجريمة واستخدام الحدس فيما هو أبعد منها. ولكن لكي نفهم ذلك على أفضل وجه، يجب أن نتحول إلى عبقرية رفيقه الروحاني الفلسفي، بليز باسكال.

فيلسوف البراعة

"إننا نعرف الحقيقة ليس فقط من خلال عقلنا ولكن أيضا من خلال قلوبنا"، هكذا يستهل عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي باسكال (1623-1662) في القسم الأول (الفصل السادس) من أعظم أعماله "بنسيز أو أفكار". وتأثير باسكال على الفلسفة الحديثة لا يُقدّر بثمن لأجل هذا الافتراض وحده، حيث إنه أعاد فتح الباب أمام سؤال يعود إلى العصور القديمة (وتركه مفتوحا): هل العقل هو المصدر الوحيد والواقعي للحقيقة؟ هل يمكن لأي شيء أن يمنح معرفة بمعزل عن الحساب والاستنتاج والاستدلال أو بالإضافة إليه؟

     

قلة تمكنوا عبر التاريخ من الإدلاء بمثل هذا التصريح عن تجاوز العقل بناء على هذه الأسس بمثل تلك السيرة الرائعة. حيث يُذكر أنه قد اكتشف بنفسه اثنتين وثلاثين أطروحة لإقليدس في سن الثانية عشرة، ونشر أول عمل رياضي له في السابعة عشر، وابتكر الآلة الحسابية، وأعلن تجربته مع الفراغات، والضغط الجوي، ونظرية الاحتمالات. حتى إنه صمم نظام نقل عاما، بواسطة عربة حصان. لم تكن غالبية كتابات باسكال حول الفلسفة أو اللاهوت، بل في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا. (لا عجب إذًا أن لغة البرمجة قد سُمّيت باسمه). لكن تماما كما فهم باسكال القيمة التي لا تُقدّر بثمن للتعليل الرياضي والعلمي، فقد فهم حدودهما. في نهاية حياته القصيرة، كانت الأمور العلمية تزعجه قليلا، في حين صب اهتمامه على الفلسفة واللاهوت.

 

قال ألبرت أينشتاين: "يجب أن تجعل الأمور بسيطة قدر الإمكان، ولكن ليس أبسط من ذلك". وعلى عكس هؤلاء المفكرين المشهورين الذين تم تعريف عملهم من خلال الفكر الموسع في المجلدات المسهبة، كانت عبقرية باسكال تكمن في بساطته. كتب باسكال حول أصل السخط الوجودي للإنسانية (وهذا قد ينطبق بالقدر نفسه على ميلنا الإجرامي): "لقد قلت مرارا إن السبب الوحيد لعدم رضا الإنسان هو أنه لا يعرف كيف يجلس بهدوء في غرفته".

في تحديد طريقة تفكيرنا، اقترح باسكال أن العقل ذو شقين ويعمل على طول مسارين، ولكن ليس بدون التقاطع الضروري: "نحن نعرف الحقيقة ليس فقط من خلال عقلنا ولكن أيضا من خلال قلوبنا. من خلال الأخير نعرف المبادئ الأولى، والعقل الذي لا علاقة له به يحاول دحضها عبثا. ليس لدى المشككين أي غرض غير ذلك، وهم يعملون فيه بلا هدف.. لأن معرفة المبادئ الأولى، مثل الفضاء والوقت والحركة والأرقام، صلبة مثل أي شيء مشتق من العقل، وعلى هذه المعرفة القادمة من القلب والغريزة يجب أن يعتمد العقل ويؤسس حجته. يشعر القلب أن هناك ثلاثة أبعاد مكانية وأن هناك سلسلة لا حصر لها من الأعداد. إننا نشعر بالمبادئ، ونتثبّت من الافتراضات، ونتيقّن من كليهما بوسائل مختلفة".

    


علاوة على ذلك، بالنسبة إلى باسكال، يسير مسار التفكير الرياضي (ésprit de geometrie)، بمنطقه وحسابه، على طول المسار العقلاني، في حين أن ما نشعر به أو نحكم عليه (esprit de finesse) يتقدم عن طريق افتراض تقييمي موجز ينبثق من قلوبنا (أو كما قد نقول في مصطلحات أكثر حداثة: من اللاوعي). وتُعد آثار الأول أكثر موثوقية بسبب شفافية البيانات. ومع ذلك، فإن الأخير الغامض في مصدره وطريقة عمله قادر على الحكم بشكل يسبق البيانات ويتجاوزها. وسواء في مسائل الجمال، كأن نقول لماذا يختار الرسام لونا على آخر، وهذا المشهد أو الحالة بدلا من ذلك؟ أو الخير والشر، كلماذا يقوم أي شخص، وكيف يمكن لأي شخص أن يرتكب جريمة قتل؟، فإنه تتم ممارَسة الحدس لتحقيق فهم نوعي أو تقييمي. كما يوضح إيه جي كريلشيمر الباحث والمترجم لأعمال باسكال قائلا:

  

"مثلما لا يمكن الجمع بين الخطوط والمربعات والمكعبات لكون أن لكل منها نظاما مختلفا، فالأمر نفسه في مجال المعرفة البشرية التي تناسب الجسم (الحواس)، والعقل (المنطق)، والقلب، فكلها من أنظمة مختلفة ويجب تمييزها بعناية لتجنب الخطأ. إن القلب، لدى باسكال، هو القناة المناسبة للمعرفة البديهية، ولإدراك المبادئ الأولى ما قبل العقلانية، والموافقة على الافتراضات فوق العقلانية، وكذلك للتجارب العاطفية والجمالية".

   
كم كان من الصعب على باسكال، عالم الرياضيات البارز، كامل الاعتماد على التطبيق المنطقي، أن يدفع بنظرية بديلة، وقدرة عليا للحكم! والحدس هو الحكم. يكتب باسكال: "الحدس يقع على عاتق الحكم، والرياضيات تقع على عاتق العقل". لاحظ أنه هنا، كما كانت عادته، يستخدم ما تمت ترجمته كـ "عقل" متبادلا مع التفكير الرياضي (ésprit de geometrie). فما مدى صحة هذا بالنسبة للمحقق، الذي تكون الأمور بالنسبة له على المحك؟ ففي حل قضية جنائية، يجب وضع الفرضيات والعمل عليها، وفي نهاية الأمر يجب تقديم الأحكام والتصرف وفقا لها، مع كل الروابط الدقيقة فيما بينها. في قلبه، فهم هولمز هذا لأنه مارس حدسه بنجاح لا نظير له.
    

قلب المحقق

كانت اهتمامات هولمز متنوعة بقدر تنوع عملائه، بداية من تربية النحل إلى الباريتسو[7]( بارتيتسو، وهو فن قتالي انتقائي). استلهمت بحثا واهتماما شاملين، خاصة عند الاتصال بقضية ملحة. وكثيرا ما ظن خطأ أن الكد والحدة اللتين اتبعهما هولمز للوصول للحقيقة كانت تحفظا، وحتى تسلطا. "إن هولمز علمي أكثر من اللازم بالنسبة لذوقي، وأقرب للدم البارد"، يقول يونغ سامفورد في رواية "دراسة في اللون القرمزي"، حتى إن الدكتور واطسون يعاتب صديقه القديم قائلا: "أنت حقا إنسان آلي، أشبه بآلة حاسبة" (رواية "علامة الأربعة"). لكن في الحقيقة كان هولمز بعيدا كل البعد عن الدم البارد، وطريقته بعيدة كل البعد عن الآلة. ففي سماته كان بوهيميا[8] للغاية؛ فهو غير تقليدي في المهنة، سواء عدد الساعات ونوع العادات (غير صحية)، وهو مزاجي ويميل إلى الدراما ("بعض اللمسات الفنية للفنان ترتفع في داخلي، وتدعو بإصرار للحصول على أداء مسرحي جيد") كما يذكرنا هولمز في رواية "وادي الخوف" 1915، وانجذابه إلى كل ما هو غريب مثل كلاب الجحيم ومصاصي الدماء، وما إلى ذلك.

   

كان قادرا على الحب لكن فقط لامرأة من نوع خاص. ويكشف هذا عن السمة الرومانسية الشاملة للفارس الشارد في العصور الوسطى، أو لأحد المحققين في العصر الفيكتوري الذي يعيش لتصحيح الأخطاء. في الأسلوب، تعد تجريبية هولمز هي مجال تخصصه وهي أسطورة أدبية: "أنت تعرف طريقتي، فقد تأسست على ملاحظة التفاهات" (لغز وادي بوسكومب). ولكن بمجرد أن يتم جمع الأدلة، من خلال الملاحظة وجمع القرائن، فإن الصعوبة الأكبر تكمن في: تخمين الدافع، تحليل الشخصية، الآثار الأخلاقية، كل ذلك يتجاوز فهم أي تحليل علمي قائم على البيانات. وكما قال هولمز: "مثل كل الفنون الأخرى، فإن علم الاستنتاج والتحليل هو فن لا يمكن اكتسابه إلا عن طريق دراسة طويلة وصبورة، ولا حياة طويلة بما يكفي للسماح لأي بشري أن يحقق أعلى درجة ممكنة من الكمال فيه. قبل أن ننتقل إلى تلك الجوانب الأخلاقية والعقلية من هذه المسألة التي تشكل أكبر الصعوبات، دع المحقق يبدأ بإتقان المزيد من المشاكل الأولية" (دراسة في اللون القرمزي).

  


وصف هولمز للاستنتاج والتحليل كالعلم والفن يضعه مباشرة في فلسفة باسكال، كذلك نظريته في الجوانب الأخلاقية والعقلية للجريمة. في مسرح الجريمة، لم يستطع هولمز تخمين أصل ونوع أثر القدم أكثر مما يستطيع تحديد رماد التبغ عن طريق الحدس. لكن البيانات لا ترتكب جرائم. يجب أن يحسب هولمز أيضا ما يتجاوز البيانات المباشرة؛ كالعوامل البشرية، مثل الحب والكراهية والجشع والشهوة والطموح والغيرة، وغيرها من الدوافع الشريرة التي تدفع لارتكاب الأخطاء، وفي نهاية المطاف سيوفر ذلك وسيلة لحل الجريمة. يجب أن يضع في الحسبان أيضا كيف يتم الكشف عن الفضائل والرذائل أو كيف يتم إخفاؤها بين ثنايا أدق السلوكيات البشرية، من النظرات الخاطفة إلى الوقفات القصيرة، كل ذلك في نطاق عمل الحدس.

   

أعلن هولمز هذه القدرة من البداية. حيث اعترف بالكثير إلى واطسون عندما تساءل الأخير ما يفعل المحقق الاستشاري في أول قصة شيرلوك هولمز، دراسة في اللون القرمزي. أجاب هولمز أن عملاءه "هم كل الذين يواجهون مشكلة بشأن شيء ما، ويريدون القليل من التنوير. أستمع إلى قصتهم، ويستمعون إلى تعليقاتي، ثم أجمع أتعابي". يقول واطسون: "لكن هل تقصد أن تقول إنه بدون مغادرة غرفتك، يمكنك حل بعض العقبات التي لا يستطيع الرجال الآخرون حلها، على الرغم من أنهم رأوا كل التفاصيل الصغيرة بأنفسهم؟" فيقول هولمز: "نعم، إلى حد بعيد، فأنا أملك هذا النوع من الحدس".


تستمد إنجازات هولمز من قدرته الخارقة على تحقيق التوازن بين الأدلة المادية للقضية -البيانات الموضوعية- مع الحقائق الذاتية الأكثر تحديا في كثير من الأحيان، في حكم واحد متماسك. وعلى وجه التحديد، كان قادرا على حساب كل ما يمكن وما لا يمكن تفسيره، مع دقة شديدة. تسلط رواية "مغامرة الجوهرة الزرقاء" الضوء على ذلك، كما سنرى الآن.
  

موسم الغفران

"لقد اتصلت بصديقي شيرلوك هولمز في صباح اليوم الثاني بعد عيد الميلاد، بنية أن أقدم له تمنيات الموسم"

 

تُعد "مغامرة الجوهرة الزرقاء" هي قضية عيد الميلاد الوحيدة لهولمز. والمقدمة التي قدمها واطسون جديرة بالملاحظة. حيث إن فضائل وعواطف هذا الموسم توفر خلفية للقصة: مناقشات الحب ومظاهر الغفران، والتحول، والإحسان والوقار، مهما كانت ضمنية، فإنها تعطي المغامرة تفردها بين اللائحة. وكذلك الأمر بالنسبة لإدراك هولمز في هذا الموسم وفهمه لماهية عيد الميلاد مع قدرته على تحويل الحياة. وبالنظر إلى أهميته الوجودية حينها، فإن موضوع عيد الميلاد يوفر أفضل بيئة لهولمز لممارسة حدسه حول النفس البشرية.

    


تبدأ المؤامرة مع وجود قبعة غريبة. يقول واطسون: "هذه المسألة تافهة تماما"، فيتحدى هولمز واطسون: "إليك عدستي. أنت تعرف أساليبي". "لا أستطيع رؤية أي شيء"، أجاب واطسون، بينما كان يفحص القبعة. يجيب هولمز قائلا: "كان الرجل مثقفا للغاية بالطبع كما يتضح، وأيضا كان ميسور الحال في السنوات الثلاث الأخيرة، رغم أنه الآن في وضع سيئ. كان لديه بصيرة، لكنها الآن أقل من السابق، ما يشير إلى التراجع الأخلاقي، الذي عندما يؤخذ مع تراجع حظوظه، يبدو أنه يشير إلى بعض التأثير السيئ، وربما يشرب الخمر. قد يفسر ذلك أيضا الحقيقة الواضحة التي تقول إن زوجته لم تعد تحبه".

 

هناك أكثر بكثير في تلك القبعة مما تراه عين واطسون. فمن تفحص لمظهر القبعة، واهتمام هولمز حينذاك بالعلوم الكاذبة (أنه من الواضح أن الرجل كان مثقفا إلى حد كبير لأن القبعة كانت كبيرة جدا)، ينتقل المحقق العظيم من التحليل إلى الحكم: "الأيام سيئة"، "التراجع الأخلاقي"، "تأثير سيئ"، والزوجة غير المحبة، هي كلها تصريحات ناشئة عن الحدس. على الرغم من أن كل من هذه الأحكام يدعمها أدلة مادية ضمنا، على سبيل المثال، أن القبعة بها "تراكم أسبوع من الغبار" التي تترجم إلى فقدان عاطفة الزوجة، في حكم هولمز لفهم الخير والشر، والأخلاقي وغير الأخلاقي، والحب الذي يتجاوز بالضرورة الأدلة. إذا كان لهذه القضية أن تحل، فيجب على هولمز أن يعتمد على حدسه.

 

عندما يعود مالك القبعة، تتأكد شكوك هولمز، مما يمنحه القناعة والمصداقية اللازمة لتقييم القرائن الإضافية: حاجب أخرق وأوزة مطهوة لتؤكل في عيد الميلاد، وبداخل الأخيرة جوهرة لا تُقدّر بثمن سُرقت من الكونتيسة. ولكن على الرغم من أن "مغامرة الجوهرة الزرقاء" سُمّيت على اسم تلك الغنيمة الملكية، فإن هولمز قادر على الحكم في سياقه الصحيح: "من يظن أن شيئا جميلا قد يكون طريقا للمشنقة والسجن؟" عندئذ، يكشف هولمز، عن فهمه للتناقض المتواصل، الآثار الحقيقية للقضية بكل وزنها الأخلاقي: "تذكر واطسون، أنه على الرغم من أننا لدينا شيء مألوف كأوزة في أحد طرفي هذه السلسلة، فإن لدينا في الطرف الآخر الرجل الذي سيحصل بالتأكيد على عقوبة سبع سنوات ما لم نتمكّن من إثبات براءته. من الممكن أن يكون بحثنا مؤكدا لإدانته. لكن في أي حال، لدينا خط من التحقيقات التي غفلت عنها الشرطة، والتي وضعت فرصة فريدة في أيدينا. دعنا نتابع الأمر إلى النهاية المريرة".

 

وفي ظل التعقيد الشديد، كان قول هولمز يعني من جهة حضور كل مكان يمكن أن يكون فيه الدليل، ومن ناحية أخرى التفاعل مع كل شخص معني. فذهنه الوقّاد والقدرة على التخمين الفوري للشخصية أو الملامح النفسية لأي شخص له صلة بالقضية أشياء لا غنى عنها لتحرير رجل بريء.

 


ولقاء هولمز مع المشتبه به الرئيسي هو أفضل مثال على مهاراته مع الناس. يلتقي هولمز وواطسون وجها لوجه مع المشتبه به الرئيسي، وهما يتقّفيان أثر الأوزة المملوءة بالأحجار الكريمة إلى بائعها "رجل ضئيل خبيث". ولتسريع ما لا مفر منه، نادى هولمز سيارة أجرة لثلاثتهم. وشرع في قيادة اللص للاعتراف بالتدريج: "لكن أخبرني من فضلك، قبل أن أكمل، من الذي من دواعي سروري الحديث معه؟"، تردد الرجل للحظة وأجاب بنظرة خاطفة: "اسمي جون روبنسون". "لا لا؛ الاسم الحقيقي"، قال هولمز بلطف وأكمل: "إنه أمر غريب أن تعمل باسم مستعار". احمر وجه الغريب وقال: "حسنٌ اسمي الحقيقي هو جيمس رايدر". أثار هولمز التوتر بالركوب نصف ساعة صامتة إلى شارع بيكر، حيث قام، أمام المدفأة، بإخراج غنيمة رايدر السابقة البراقة، وقال بهدوء: "انتهت اللعبة يا رايدر". "انتظر، يا رجل، وإلا سقطت في النار! ساعده ليجلس يا واطسون. ليس لديه ما يكفي من الجرأة للدخول في جناية".

 

وكان اعتراف رايدر فيما بعد بالسطو مليئا بالتفاصيل وأسماء الشركاء لا يتخلله إلا الندم: "بحق الله، ارحمني، فكر في والدي! والدتي! سوف تكسر قلوبهم. لم أخطئ من قبل! لن أفعل ذلك مرة أخرى أبدا، أقسم لك. سوف أقسم على الإنجيل. لا تذهب إلى المحكمة! بحق المسيح، لا تفعل ذلك". يفكر هولمز في رايدر التائب ويستمع وينتزع المزيد من المعلومات حول الجريمة، قبل أن يقول بشكل غير متوقع: "اخرج!". "ماذا يا سيدي! فلتباركك السماء!".

  

يرجع سبب هولمز الواضح لإطلاق سراح السارق إلى تحول في التركيز، مرة أخرى ينبثق من حدسه. ومع ضمان براءة الرجل الملفق له التهمة، تحول عقل هولمز وقلبه إلى مأزق رايدر. إن قرار هولمز هو رهان مستوحى من حدسه بأن من الآن فصاعدا سيسترشد رايدر بندمه.


لم يكن الرهان نزوة؛ فقد كان هولمز مستلهما بروح عيد الميلاد. إن توسل رايدر الحقيقي للرحمة، باسم المسيح، يجب أن يُقابل بالمغفرة: وحياة رايدر المستقبلية، حتى روحه ذاتها (ناهيك بروح هولمز) تعتمد عليها. كما يشرح هولمز لواطسون: "لن يخطئ هذا الرجل مرة أخرى فهو خائف للغاية. إن أرسلته إلى السجن الآن، فإنه سيُسجن مدى الحياة. كما أننا في موسم الغفران".

 

كتب سكوت فيتزجيرالد[9] ذات مرة أن "اختبار الذكاء العالي هو القدرة على الاحتفاظ بفكرتين متعارضتين في العقل في الوقت نفسه، والتمكن من الأداء". ربما تكون هذه العبارة قد كُتبت لهولمز في "المغامرة الزرقاء"، أعظم المحققين في العالم يبرهنون على عقل لامع ومتناقض قادر على ممارسة المنطق القادر على المغفرة، والغفران المعقول. بالتأكيد، إنها علامة على رجاحة عقل، ورجل محبوب بقدر ما هو نبيل.

 ____________________________________________

ترجمة: سارة المصري

هذا المقال مترجم عن PhilosophyNow ولا يعبر بالضرورة عن آراء ميدان. 

_____________________________________________

هوامش

[1] توجه فلسفي يؤمن بأن كامل المعرفة الإنسانية تأتي بشكل رئيسي عن طريق الحواس والخبرة. تنكر التجريبية وجود أي أفكار فطرية عند الإنسان أو أي معرفة سابقة للخبرة العملية.

[2] فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي.

[3] فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي.

[4] فيلسوف ولاهوتي إيطالي كاثوليكي شهير من أتباع الفلسفة المدرسية.

[5] اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات، هو من اخترع الآلة الحاسبة. استطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرسائل الريفية. عبر عن إيمانه بأن هناك حدودا للحقائق التي يمكن أن يدركها العقل.

[6] رسام فرنسي اشتهر برسمه للمناظر الطبيعية وللمعارك.

[7] مزيج من رياضات الجوجوتسو (فن قتالي ياباني)، والملاكمة، والمبارزة بالعصا.

[8] مصطلح يدل على أي كاتب أو فنان يميل إلى اتخاذ سلوك أو العيش بنمط حياتي غير مألوف، سواء كان هذا سلوكا واعيا أو غير واعٍ منه.

[9] مؤلف أميركي للروايات والقصص القصيرة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار