انضم إلينا
اغلاق
من المثلية إلى حق الجسد.. كيف يعيد اليسار تشكيل هوليوود؟

من المثلية إلى حق الجسد.. كيف يعيد اليسار تشكيل هوليوود؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

طال الجدل والانتقادات فيلم "الجوكر" الأخير لمخرجه تود فيليبس، وذلك حتى قبل أن يصل إلى قاعات العرض. الإعلان وحده كان أكثر من كافٍ لإثارة حالة من الجدل ما لبثت أن تصاعدت حين بدأ عرض الفيلم. ففي "الجوكر"، يعرض فيليبس لأول مرة تاريخ وخلفية شخصية الكوميكس الأكثر غموضا والأشد عنفا. لكن عوضا عن رسم الشخصية في إطار سلبي تماما، يُضفي عليها فيليبس هنا لمحات إنسانية، ويجعلها قادرة على خلق نوع من تعاطف المشاهدين معها، ما رآه الكثيرون إشكاليا للغاية في ضوء الجرائم التي ترتكبها الشخصية.

  

عند سؤال فيليبس عن رد فعله على الهجوم الذي ناله فيلمه، قال: "ما يُثير دهشتي حيال النقاش الدائر حول الفيلم هو كيف لليسار المتطرف أن يبدو تماما كاليمين المتطرف عندما يُلائم هذا أجندته[1]. يوجد فيما صرّح به فيليبس نقد مُستتر لثقافة الصوابية السياسية التي صار لها اليد العليا الآن، وهو النقد الذي وجَّهه صراحة لتلك الثقافة عند سؤاله لماذا ترك الأفلام الكوميدية واتَّجه لصناعة فيلم مثل الجوكر: "اذهب وحاول أن تكون مضحكا اليوم وسط سيطرة الصوابية السياسية. كتبت الكثير من المقالات حول عجز الفنانين عن خلق الكوميديا اليوم، سأقول لك لماذا، لأن كل الكوميديانات الآن يقولون: "لن أصنع شيئا، فأنا لا أريد أن أهين أو أزعج أحدهم"".[2]

    

مشهد من فيلم "الجوكر" (مواقع التواصل)

   

تحاول تلك الثقافة أن تُخضِع الفن لمعايير أخلاقية خارجة عليه، تهدف أغلب الوقت لخلق تمثيل ملائم للأقليات، وصناعة أعمال لا يوجد فيها أي نوع من أنواع التحريض على العنف. تنبع تلك المعايير من وجود إيمان تام لدى مناصري الصوابية السياسية أن الفن يحمل مسؤولية حقيقية تجاه الواقع، ومن ثم يجب أن يخضع للمساءلة والمراقبة لاعتبارات غير فنية. صحيح أن المعايير التي تطرحها الصوابية السياسية للحكم على الفن تُعَدُّ حديثة تماما، إلا أن فكرة إخضاع الفن لاعتبارات أخرى ليست بالجديدة على الإطلاق.

   

الفن والفضيلة: علاقة يشوبها الاضطراب

إن الحكم على الفن من سياقات خارجة عليه -أغلبها أخلاقي- هي ممارسة قديمة قِدَم الفن نفسه. فقبل أكثر من ألفي عام، قرر أفلاطون في كتابه "الجمهورية" أن ينفي الشعراء من مدينته الفاضلة، كونهم في قصصهم وملاحمهم "يرتكبون أفدح الضلالات، حيث يصورون معيشة الأشرار باعتبارها حياة سعيدة، بينما يعاني الطيبون في مشقة وبؤس".[3] لم يُبالِ أفلاطون حقا لكون أولئك الشعراء في قصصهم يحاكون واقع الحياة كما رأوه، لم يُبالِ مثلا لاعتبارات أن الفن مرآة للحياة يُفترض بها أن تعكس كل ما في الوجود، الجميل فيه والقبيح، ففي وجهة نظره، نوع واحد فقط من الفنون سيسمح له بالوجود في مدينته: ذلك الذي يحض على الفضيلة.[4]

  

كتاب الجمهورية لأفلاطون (مواقع التواصل)

      

ينبع حرص أفلاطون الشديد على مراقبة أنواع الفنون في مدينته الفاضلة من رؤية سيشاركها معه مناصرو الصوابية السياسية الآن، تنص تلك الرؤية على كون الفن يضطلع بمسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعه. فبسبب مقدرة الفن بأشكاله المختلفة على الانتشار واللعب على شعور ووعي متلقيه، يحمل تلك المسؤولية الثقيلة في نشر الفضيلة. لكن شكل تلك الفضيلة تغيَّر كثيرا بالطبع بين زمان أفلاطون وزماننا.

   

لحقب طويلة، وعبر حضارات مختلفة، شكَّلت الأخلاق الجنسية والشوفينية الوطنية والإيمان الديني دعائم الفضيلة. فالشخص الفاضل لا يُمارس الجنس خارج إطار الزواج، ويؤمن بدينه -أيًّا كان هذا الدين- ويدافع عن أرضه ووطنه. لهذا، شكَّلت السينما صدمة عميقة في عهودها الأولى للمحافظين على تلك الرؤية للفضيلة. فبينما لم تتحدَّ السينما، على الأقل في بداياتها، مفاهيم الوطنية، فقد أخذت تُمثِّل على الشاشة أشخاصا يعيشون نمط حياة منحل يسود فيه الجنس ويلعب دائما على حواف العنف والجريمة. سبَّب هذا ذعرا أخلاقيا للجماهير المحافظة، ولهذا، لم يكن من المستغرب ما حدث عام 1934 من فرض "قانون إنتاج الأفلام" (Motion Picture Production Code) الشهير، والذي منع أن يظهر على الشاشة أي شيء قد يمت بصلة للجنس، وأي نوع من أنواع انتصار الشر -مُمثَّلا في المجرمين- على الخير -مُمثَّلا في الشرطة-.[5]

  

يشجب مناصرو الصوابية السياسية أي تمثيل إيجابي -أو حتى إنساني- لأي شخصية تمارس العنف ضد الأبرياء، وهو ما يفسر الهجوم الذي تعرض له فيلم الجوكر

مواقع التواصل 
  

قد يظهر ذلك القانون مُتزمِّتا بشكل مضحك الآن. لكن كل ما في الأمر أن الكود الأخلاقي للمجتمع وما تترجم إليه كلمة "الفضيلة" هما فقط اللذان تغيّرا؛ فما زال البعض على الدرجة نفسها من التزمُّت فيما يخص تطبيق قيم المجتمع الفضلى -أيًّا كانت تلك القيم- على الفن.

 

تغيَّرت معاني الفضيلة، في الغرب على الأقل، تغيُّرا جذريا الآن؛ فبعد نضال طويل قاده اليسار دفاعا عن حقوق الأقليات الإثنية والنساء والمثليين، تُوِّج في القرن الحادي والعشرين بانتصارات قانونية وحقوقية كثيرة -لعل أهمها السماح للمثليين في الولايات المتحدة بالزواج-. باتت الفضيلة في الفن، أو كما صارت تسمى، الصوابية السياسية، تُترجم إلى ضرورة وجود تمثيل جيد في الأعمال الفنية، خاصة في السينما والمسلسلات، للنساء والأقليات. فينتقد مناصرو الصوابية السياسية هيمنة الرجال البيض على صناعة السينما، في هوليوود بشكل خاص، وتهميشهم لكل مَن عداهم، ويرون أن الوقت قد حان الآن لتغيير الدفة وفرض تمثيل جيد لكل الأقليات التي طالما هُمِّشت طوال التاريخ. وبسبب موجات العنف المتصاعد التي تجتاح العالم الآن، يشجب مناصرو الصوابية السياسية أيضا أي تمثيل إيجابي -أو حتى إنساني- لأي شخصية تمارس العنف ضد الأبرياء، لو كان هذا التمثيل بغرض دراسة وفهم تلك الشخصية، وهو ما يفسر الهجوم الذي تعرض له فيلم الجوكر.

 

قد تبدو تلك الأفكار بشكل مجرد نبيلة حقا، فتأتي كنوع من رد الاعتبار لفئات طالما طالها الظلم والاضطهاد. لكن فرضها على الفن فرضا يضعنا أمام معضلات كثيرة؛ أهمها يُحيلنا مرة أخرى لتلك العلاقة المضطربة التي تجمع الفن بالأخلاق. فلو أخذنا الصوابية السياسية معيارا أوحد للحكم على الأعمال الفنية، كما يفعل عدد متزايد من المتلقين الآن، أفلن يكون في هذا ظلم بشكل عام للفن؟ وفي فرض تلك المعايير بشكل قسري على صناع السينما كما يحدث الآن في هوليوود، ألا يوجد نوع من تقويض حرية الفنان؟ توجَّهنا بتلك الأسئلة للكاتب والروائي شادي لويس، باحثين في آرائه عن إجابات.

      

الكاتب والروائي شادي لويس (مواقع التواصل)

     

الالتزامات الأخلاقية ليست وحدها ما يتحكم في الفن من خارج سياقه

بادئ ذي بدء، يرى لويس أن هنالك مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الفن وعلى مبدعيه والقائمين عليه على السواء، فالجماعة الفنية، على حد قوله، "كأي جماعة مهنية يقع عليها عدد من المسؤوليات الأخلاقية تجاه ذاتها وتجاه أعضائها وتجاه المجتمع بشكل أوسع ونحو الإنسانية أيضا".

  

ويستطرد لويس: "هذا لا يعني أنه من المطلوب من الفنان أن يُقدِّم خطبة سياسية أو موعظة أخلاقية، لكن عليه أن يكون واعيا أن المنتج الفني، أي منتج فني، شاء الفنان أم أبى، يحمل ضمنيا مجموعة من الرسائل والمعاني والافتراضات التي تنتقل للجمهور، وترسخ السائد في المجتمع أو تتحداه؛ وأن المنتجات الفنية تُشكِّل وعي الناس بأنفسهم وفهمهم للعالم، وعلاقات الناس به، وقيم الجميل والمقبول والمرفوض، ومفاهيم الانتماء وغيرها الكثير".

  

وكمثال على هذا يقول لويس: "قد يحمل مشهد غرامي في فيلم على خلفية موسيقية رومانسية يدور وقت غروب الشمس عددا كبيرا من المعاني، بقصد الفنان أو دون قصده، عن علاقة الجنسين والأدوار المنتظرة من كل جنس منهم، وكيف تبدو علاقة نموذجية في إطار المجتمع أو بالتمرد عليه".

       

مشهد من فيلم "نسخة طبق الأصل" (مواقع التواصل)

    

ولرؤيته أن الفن يحمل مسؤولية أخلاقية حقيقية على أرض الواقع، يذهب لويس لكون ما تفعله المؤسسات الفنية اليوم من إعادة هيكلة لذاتها حتى تكون "أكثر انفتاحا وإنسانية ومساواة وعدالة وتمثيلا" ليس فقط شيئا واجبا، بل إنه على حد قوله "متأخر وغير كافٍ". فكما يقول لويس: "أغلب تلك التعديلات تكون شكلية أو لأغراض العلاقات العامة أو الدعاية". ومن هنا، يرى لويس أنه: "لو أن هنالك مشكلة في الصوابية السياسية فهو أننا نحتاج إلى المزيد منها، وأن يتم التعامل معها بجدية أكبر وإخلاص".

  

لكن يبقى السؤال: ألن يؤدي هذا إلى تقويض حرية الفنان؟ وهو ما أجاب عنه لويس: "يأتي في ذهن أي جهة مانحة أو منتجة لعمل فني مئات الاعتبارات. فيجب أن يكون العمل الفني متوافقا مع القانون من الصحة والسلامة وحتى قانون الضرائب. كما يجب أن تضع في حسبانها شروط السوق، والربحية، ومزاج الجمهور، وشركات التوزيع، ورأي النقاد، والمزاج العام، ونجومية المشاركين، والموضة، والمنافسة، والتوقيت، وأسعار التذاكر، ودراسات الاستهلاك، والجماعة المستهدفة من الجمهور، والحملة الإعلانية ومدى جاذبيتها، ومواقف المانحين السياسية والاجتماعية، ومئات الآلاف من التفاصيل الأخرى المادية والتقنية والفنية والاقتصادية والإعلامية والإعلانية. فلماذا نجد كل هذا مقبولا ولا غنى عنه بشكل واقعي وعملي، بينما نرى أن الاعتبارات الأخلاقية هي ما ستقف في طريق الفن؟".

 

ويستطرد: "تصور أن الفن يتم إنتاجه في صومعة الفنان هو تصوّر خرافي. فالعمل الفني يتم إنتاجه وسط ومن خلال شبكة شديدة التعقيد من العلاقات الاقتصادية والسياسية والإجرائية والمؤسسية، وشبكاتها، وفي خضم كل هذا، تبدو الاعتبارات الأخلاقية الأهون والأقل عبئا". لكن لا يتفق الكل بالضرورة مع آراء لويس. 

     

يرى البعض أن الفن لا يجب أن يُصنَع لشيء سوى ذاته، أنه هو الغاية والوسيلة في الآن نفسه، وغير منوط به الدفاع عن أي قضايا

مواقع التواصل
   
فن لأجل الفن

بالنسبة للكثيرين على الجانب الآخر من النقاش، تسلب تلك النظرة الفن الكثير من خفته وجرأته وميله لكسر التابوهات والتجريب، وتجعله خاضعا للنظم الاجتماعية القائمة، مُحمَّلا بأثقال لا تخصه. فيرى هؤلاء أن الفن لا يجب أن يُصنَع لشيء سوى ذاته، أنه هو الغاية والوسيلة في الآن نفسه، وغير منوط به الدفاع عن أي قضايا اجتماعية أو سياسية، أو أن يحوي أي رسالة من أي نوع.

 

يحمل هذا الرأي أصداء لحركة "فن لأجل الفن" (Art for Art's sake) الشهيرة التي انتشرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، والتي كان لأصحابها الرأي نفسه.[6] سنجد من أشهر المدافعين عن تلك الفكرة الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد، الذي كتب في افتتاحية روايته الأولى والوحيدة "صورة دوريان غراي" هذه الجملة المثيرة للجدل: كل الفن لا نفع له.

    

الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد (مواقع التواصل)

   

في توضيحه لما قصده من تلك العبارة كتب وايلد يقول: "الفن لا يهدف لأكثر من خلق جوٍّ ما، ولهذا، فلا فائدة حقيقية له. ليس من المفروض على الفن أن يُوجِّه الآخرين أو أن يُؤثِّر في أفعالهم بأي شكل من الأشكال. فالفن عقيم تماما، وذلك العقم هو ما يجعله مصدرا للمتعة. فلو تبع تأمل أحدهم لعمل فني أي نوع من أنواع الفعل، فهذا معناه إما أن ذاك العمل الفني رديء، أو أن المتلقي فشل في استيعاب فنيات العمل. فمثل أي وردة، لا توجد فائدة من وراء الفن. الوردة تزهر لسعادتها، ونشعر نحن بالسعادة عندما ننظر إليها، وهذا كل ما يمكننا قوله عن علاقتنا بالورود".[7]

 

تنزع تلك الرؤية عن الفن أي ثقل أو دور أخلاقي، وتراه أكثر طيفا حرا طليقا، يطوف في حرية في أي أرض شاء، ويكسر ما بدا له من قواعد. لكن في ظل سيادة اتجاه الصوابية السياسية ورؤيته للفن عاملا مؤثرا يلعب دورا حقيقيا في تشكيل الواقع، ومن ثم فيجب مراقبته ومحاسبة القائمين عليه لاعتبارات لا علاقة لها بالفن، يجد أصحاب تلك الرؤية أن الفن الآن صار يعيش في واقع خانق، موضوعا تحت رقابة وضغط مجتمعي يضيق الخناق عليه، ويجعله بعيدا كل البُعد عن استكشاف كل الإمكانات الموجودة، حبيسا لأُطر ضيقة وقوالب محددة.

 

يكتب ويسلي موريس الصحفي والناقد الفني في النيويورك تايمز في مقال عنوانه "هل على الفن أن يكون ساحة قتال من أجل العدالة الاجتماعية؟" ويقول: "المعضلة الأساسية لعالم اليوم هي السلطة وكل ما يخصها: سوء استخدام السلطة، أو تداول السلطة، أو نزع السلطة. في هذا العالم، ما عاد الفن يملك رفاهية أن يكون فنا لأجل الفن، صار عليه أن يكون فنا لأجل العدالة. اليوم، ولأسباب مختلفة كثيرا، أولئك الأشخاص أنفسهم الذين عانوا من الرقابة عادوا الآن ليمارسوها".[8]

  

في دورة مهرجان فينيسيا لهذا العام، وجد مدير المهرجان ألبيرتو باربارا نفسه محل هجوم شديد، لكون فيلمين اثنين فقط من إخراج النساء وصلا للمسابقة النهائية

رويترز
   

ويستطرد ويسلي: "ما عاد الصراع قائما حول ما سُمِّي يوما بالقيم العائلية. اليوم، صار الصراع حول "التمثيل" -مقاعد في المائدة الثقافية محجوزة على أساس العِرق والنوع والجنسانية- في المتاحف وفي التلفاز وفي الأفلام. باتت الأعمال الفنية تُقَيَّم لا حسب جودتها، بل بحسب القيم التي تُرَوِّج لها. صارت الأسئلة التي تطرح اليوم كالآتي: هل هذا الفنان، أو تلك الشخصية، أو هذه المزحة، مؤذية لمشاعر النساء أو المثليين أو غير البيض؟ هل فريق العمل متنوع عِرقيا بما فيه الكفاية؟ بشكل متزايد، باتت تلك الأسئلة تحل محل النقاش حول الفن ذاته".[9]

   

كمثال هذا، يطرح ويسلي جوائز الأوسكار التي باتت على حد تعبيره "مسابقة في النقاء الأخلاقي" حيث تحوَّلت "الترشيحات لاستفتاء حول الحالة الأخلاقية للصناعة، بينما تأتي الجودة الفنية في مرتبة ثانوية".[10] كتب ويسلي هذا المقال عام 2018، ووقع بعدها بعام واحد مثال واضح على ما كان قد أشار إليه من حلول المناقشة حول التمثيل محل الحديث عن الفن. ففي دورة مهرجان فينيسيا لهذا العام، وجد مدير المهرجان ألبيرتو باربارا نفسه محل هجوم شديد، لكون فيلمين اثنين فقط من إخراج النساء وصلا للمسابقة النهائية التي تضمَّنت 21 فيلما.

 

وُجِّهت انتقادات للمهرجان أنه "رجعي"، ومتأخر كثيرا عن غيره من المهرجانات العالمية التي حقَّقت تمثيلا أفضل للنساء، مثل مهرجان برلين الذي شكَّلت أفلام المخرجات فيه 41% من الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، وصندانس الذي وصل فيه تمثيل النساء إلى 45%. لكن أمام كل تلك الانتقادات، ظل باربارا مدافعا عن رأيه الرافض لوجود أي نوع من أنواع الحصص المحجوزة سابقا لأي فئة من الفئات، مُصِرًّا على أن تكون القيمة الفنية هي المعيار الوحيد للاختيار.

 

في حواره مع الأسوشييتد بريس قال باربارا: "لا أعتقد أن المهرجان يستطيع أن يفعل أي شيء حيال هذا، فنحن نأتي في نهاية عملية الإنتاج، ولا نملك القدرة على أخذ قرار مَن سيُتاح له أن يصنع فيلما. ولا أعتقد أنه يجب علينا أن نختار فيلما فقط لأن امرأة قامت بإخراجه. هذا ليس معيارا للحكم، المعيار الوحيد هو جودة الفيلم نفسه".[11] [12]

  

  

وفي حوار آخر يقول: "أي معايير أخرى، سياسية كانت أو اجتماعية أو إثنية، هي في وجهة نظري غير مقبولة في عملية الاختيار. فعلى هذا المنوال، سيكون علينا أن نخلق حصصا في الجوائز لكل الأقليات". ثم يستطرد: "لو عليَّ أن أضع التمثيل الملائم للجميع في الاعتبار بينما أختار 60 فيلما من أصل 1800 تم تقديمهم للمسابقة، فسيصير عليَّ أن أختار عددا من الأفلام صنعها مخرجون سود، وعددا من الأفلام صنعها مخرجون مثليون، وأفلاما أخرى صنعها مخرجون آخرون تعرضوا لاضطهاد لأسباب مختلفة؛ بهذا، سيتحوّل فينيسيا من فعالية سينمائية إلى مهرجان للحقوق المدنية".[13]

   

الفن في أزمنة الصوابية السياسية: أكثر أمانا وأقل تأثيرا

في تلك الأجواء التي تسيطر عليها الصوابية السياسية بكل تبعاتها التي تُثقل الفن، يُعَدُّ ما حدث لفيلم الجوكر أفضل مثال نرى عبره كل ما هو خاطئ حيال تطبيق ذلك النسق الأخلاقي على السينما. أظهر تود فيليبس في فيلمه شخصية قاتل يشبه كثيرا كل أولئك الرجال البيض الذين بدوا طبيعيين تماما حتى أخرجوا من مخابئهم أسلحة نارية وأخذوا يطلقون النار دون تمييز على الأبرياء. ليس فيليبس أول مَن يتناول تلك الشخصية، لكنه واحد من مخرجين قلائل أخرجوها من أنماط الأبيض والأسود وقوالب الخير والشر المعتادة وجعلها شخصا من لحم ودم له ماضٍ أليم يخلق نوعا من التعاطف معه ويُشكِّل دافعا لجرائمه.

   

لهذا السبب، ولاعتبارات لا علاقة لها بالفن -فالصوابية السياسية كما أردفنا تأخذ الحديث عن الفن لمساحات غير فنية بالمرة- وجد الفيلم نفسه موضوعا لانتقادات واسعة. فكما أشار الناقد الفني دان بروكس في مقاله عن الفيلم بالنيويورك تايمز، نبع الهجوم على الفيلم في الدوائر الغربية بشكل أساسي من تساؤل المحللين عن آثاره على الناس في الحياة الواقعية. فوصفه أحد النقاد بـ "صرخة تجمع حولها المجرمين المضطربين نفسيا"، وكتب آخر أنه "مهما كان أداء يواكين فينيكس رائعا، فسيكون من الخطر عليك التعاطف معه وأنت لا تعرف مَن يجلس بجانبك في السينما، فربما يكون هو أيضا شخصا مضطربا سيأخذ من أسى آرثر فليك دافعا ليُبرِّر أفعاله الإجرامية". بالإضافة إلى كون هذا النقد يمارس ويفترض نوعا من الفوقية الأخلاقية للناقد على المشاهدين العاديين الذين تحوي صفوفهم أشخاصا مضطربين نفسيا سينطلقون في قتل الأبرياء بعد مشاهدة الجوكر، فإنه أيضا يُمثِّل أحد أوجه قصور الصوابية السياسية الكبرى: ميلها للمنع والنقد الضاري عوضا عن النقاش.

     

  

يطرح فيلم تود فيليبس قضية إطلاق النار الجماعي والعنف في المجتمعات الحديثة طرحا مثيرا للجدل، يذهب فيه لمناطق رمادية ومُعقَّدة؛ وهذا بالضبط ما تكرهه الصوابية السياسية، ففي الإشكاليات الخلافية، تنحو دائما لرسم صورة مبسطة من الأبيض والأسود، ينتصر فيها الأول على الثاني، في تناول لا يختلف كثيرا عن التناول الذي حبَّذه أفلاطون قديما لصراعات الخير والشر، وما أراد قانون إنتاج السينما أن يُرسِّخه في الثلاثينيات. الفارق الوحيد أن دلالات الأبيض والأسود تغيَّرت، لكن ظل التزمُّت الأخلاقي والحكم على الفن بمعايير خارجة عليه على حالهما.

  

تسلب ثقافة الرقابة والمنع تلك المساحات الفنية حريتها، فالأعمال المثيرة للجدل لا تحصل على دعم مادي غالبا حتى تُنتج من الأساس. يصنع هذا كله مناخا من تضييق المجال العام و"تنظيفه" بشكل عقيم، بحيث يصير من المسموح لأفكار ورؤى بعينها فقط أن تُطرَح، بينما يذوي كل ما هو مثير للجدل في الخلفية. فمثلما يكتب ويسلي موريس: "ينتهي بنا المطاف مع فن وحوار مجتمعي أكثر أمانا وأقل قدرة على الإثارة والإزعاج وخلق الصدمات، مع ثقافة استبدلت الحكم الأخلاقي بالقيمة الفنية. قد ينتج عن هذا بالفعل نوع من العدالة الاجتماعية، لكنها تسلبنا أيضا كل ما هو فوضوي وموتر ومتمرد في الفن".[14]

  

والفن، وإن كان يمارس نوعا من التأثير على الواقع كما يرى البعض، فليس هو السبب في كثير مما هو قبيح في ذلك الواقع، وعندما يحمل الفن مرآته العاكسة ليرسم لنا ذلك الواقع ونرى الانعكاس قبيحا، فهو ليس السبب في ذلك. عندما نحطم المرآة ونرفض أن نرى الأشياء كما هي، نحبس أنفسنا طوعا في أوهام ذاتية، قد تكون مريحة، لكنها تظل محض أوهام، الواقع خارج أُطرها يظل قبيحا على حاله. وهو ما ذهب إليه فيليبس نفسه في رده على الهجوم على الجوكر: "لا يمكنك أن تُلقي اللوم على الأفلام لكوننا نعيش في عالم فاسد".[15]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار