انضم إلينا
اغلاق
"أُمّة الطفل الواحد".. حين قتلت الصين أبناءها

"أُمّة الطفل الواحد".. حين قتلت الصين أبناءها

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

إن كنت مواطنا صينيا، فلن تستطيع أغلب الظن أن تحكي قصة عن ماضيك الشخصي دون المرور رغما عنك بسياسات البلاد. ففي الصين، حيث تخضع أكثر القرارات شخصية للقوانين العامة للبلاد، يمتزج الخاص بالعام بشكل لا فرار منه، هذا ما اكتشفته المخرجة الصينية نانفو وانغ بعد أن صارت حبلى.

  

بعيدة عن بلادها آلاف الأميال، في الولايات المتحدة الأميركية حيث باتت تعيش، استدعى حملها لرأسها ذكريات عن ماضيها الشخصي. لم تكن تجربة الحمل في بلدها مثل تجربة الحمل في أي مكان آخر في العالم. ففي الصين، من 1980 وحتى 2015، طبّقت الدولة سياسة الطفل الواحد التي تُجرِّم إنجاب أكثر من طفل لكل زوج.

   

في ظل تلك السياسة، كان خبر الحمل يُستقبل في بلدتها الصغيرة بمزيج من الفرح والقلق. يبتهج الأهل والجيران لفكرة مجيء روح أخرى للحياة، لكنهم يدعون من كل قلبهم أن تأتي تلك الروح في جسد ذكر لا أنثى، فالفتاة لن تحمل اسم العائلة ولن تساعد أبويها في أعباء الحياة، والأسرة بعد تلك السياسة لن تستطيع أن تحظى بطفل آخر. أما في حالة كون ذلك الحمل هو الحمل الثاني في الأسرة، يسود الذعر وحده الموقف، فشيء واحد من الاثنين فقط سيحدث؛ إما ستُجهض المرأة غصبا، أو ستلد ويُقتَل طفلها فور الولادة. تقول وانغ: "كان بعد حملي أن بدأت التفكير في سياسة الطفل الواحد وكل أولئك النساء اللواتي فقدن الحد الأدنى من الأمان على حياتهن وحياة أبنائهن، ومع الأمان، ضاع منهن كل يقين حيال مستقبل حملهن وأطفالهن إن وُلدوا".

   

  

وحتى تُقنع الدولة الشعب بسياستها المنافية للإنسانية، انطلقت من خطاب يبدأ وينتهي بسيناريوهات خيالية، فأخذت تُحدِّث الشعب عن أزمة سُكانية ساحقة ستضرب البلاد وستُهدّدها بالفناء لو احتفظ كل شخص بحريته الإنجابية، وانطلقت في رسم صورة لمجاعات محققة ستجعل الناس يأكلون بعضهم بعضا في الشوارع لو استمرت معدلات الزيادة على حالها. وفي المقابل، أخذت تسرح بخيالهم عبر آلة البروباغندا العملاقة التي تُديرها إلى صور وردية لحياة رغدة سينعم بها الجميع لو سمع كل شخص وأطاع وأنجب طفلا واحدا كما تأمره السلطة.

   

لكن تلك البروباغندا بسنياريوهاتها الجامحة غضّت طرفها عن الواقع، ولم تعطنا ولو لمحة عن حياة أشخاص من لحم ودم عاشوا في ظل سياسة الطفل الواحد، ما ترك السؤال عمّا حدث بالفعل مُعلَّقا في الهواء بلا إجابة. من هذا السؤال تنطلق المخرجتان نانفو وانغ وجيالينج زانغ في فيلمهما "أمة الطفل الواحد" (One Child Nation)، وعبر مزيج من المقابلات والصور والأحاديث الذاتية تُزيحان الغطاء عن واقع مروّع بكل المقاييس.

   

سياسة الطفل الواحد: من الإجهاض القسري إلى الاتجار بالأطفال

  

لم يكن فيلم "أمة الطفل الواحد" التجربة الإخراجية الأولى لنانفو وانغ؛ ففي عام 2016، صوّرت فيلمها "الطائر المشاغب" (Howling Sparrow) حيث تناولت تعتيم الدولة على اغتصاب مجموعة من المسؤولين لفتيات قُصّر. ونظرا للنبرة السياسية للفيلم، لوحقت وانغ من الشرطة، وأُلقي القبض على بعض من أصدقائها وأفراد عائلتها للتحقيق معهم. [1] أثّرت تلك التجربة بشدة على الطريقة التي قرّرت بها وانغ أن تُخرِج فيلمها "أمة الطفل الواحد"، فحتى تحافظ على أمانها الشخصي وأمان المحيطين بها، قرّرت أن تبدأ رحلة تقصيها عن آثار سياسة الطفل الواحد من دوائرها القريبة، وتُجري حواراتها فقط في البيوت بعيدا عن الأماكن العامة. [2]

  

كان لذلك القرار الذي نبع أول الأمر من اعتبارات عملية أثر فارق على محتوى الفيلم وأسلوبه. فقد ضيّق دائرة البحث الأولية لوانغ وجعلها تتجه أول ما تتجه لمساحات شخصية، كما أضفت البيوت التي أجرت بها الحوارات درجة من الحميمية والصدق على الحديث. طفح ذلك الصدق على لسان هوران يوان، قابلة القرية التي ولّدت جميع نسائها، عندما سألتها نانفو عن عدد الأطفال الذين جاءت بهم إلى الحياة، لترد عليها برقم آخر تماما: "لا أتذكر كم طفلا ولّدت، ما أعرفه هو أني أجريت ما بين 50,000 لـ 60,000 عملية إجهاض وتعقيم". وبعد لحظة صمت ثقيل تستطرد: "دفعني شعوري بالذنب لعدّهم. كنت أقتل الأطفال، العديد منهم كانوا أحياء مكتملي النمو وأنا قتلتهم. يدي كانت ترتعد وأنا أفعل هذا". لم ترد واحدة من النساء التي أجهضتها يوان أو عقمتها أن يجري لها هذا، لكنّ "مسؤولي الدولة في تلك الفترة كانوا يخطفون النساء ويقيّدوهن ثم يجرّوهن إلينا كالماشية".

  

في بحثها عن الخلاص من الذنب، اتجهت يوان إلى العمل في علاج العقم، حتى تهب الحياة لأطفال آخرين بدل أولئك الذين قتلتهم. لم يخلّصها هذا من إحساسها بفداحة ما فعلت، فهي تعلم كما تقول أن عقاب السماء سيقع عليها يوما ما. لكن شعورها بالندم والذنب لا يُقارن بما يشعر به شيهاو وانغ، خال نانفو الذي ترك مولودته الأولى تموت حتى يتسنى له أن يحاول إنجاب ذكر.

   

  

في ظلام الليل، ترك شيهاو رضيعته لأمه وأخته -والدة نانفو- ليأخذاها في سلة صغيرة إلى سوق قرية بعيدة، وعند محل أحد الجزارين تركاها. ليومين ظلّت الطفلة هناك، لا أحد يحنّ إليها، لا أحد يأخذها إلى بيته ليطعمها ويأويها، لا أحد يقترب منها سوى الحشرات التي التهمت وجهها، وفي اليوم الثالث، فقد جسدها الضئيل القدرة على مواصلة الحياة وماتت. ينظر شيهاو لنانفو بعينين تطفوان فوق أنهار من دموع لا تسيل ويحاول التبرير: "هددتني والدتي أنها ستخنق الفتاة حتى الموت ثم تقتل نفسها لو لم أتركها"، ثم يُطرِق لحظة ويقول: "حين تخلّيت عنها ظننت أنني أُنقذ حياتها، لكنها ماتت".

  

كانت ابنة عمة نانفو أوفر حظا من ابنة خالها، فقد وُلدت بعد العام 1992، حين فتحت الصين أبوابها للتبني الدولي لينبثق من هذا تجارة ستفتح باب الربح أمام الكثيرين: التجارة بالأطفال. في ظل تلك التجارة، كان الآباء يعطون أبناءهم للمهربين، الذين بدورهم يبيعون الأطفال للمياتم، ومن المياتم، يُرحَّل الأطفال سعيدو الحظ لدولة أجنبية ليعيشوا في كنف عائلة أخرى تبنّتهم.

  

لم يفت الدولة بالطبع التربّح من خلال تلك التجارة، فبدلا من إجهاض النساء، انتظر مسؤولو تنظيم الأسرة أن تضع المرأة حملها ليخطفوا بعدها رضيعها ثم يضعوه في ميتم سيبيعه لأسرة أجنبية لقاء 10 آلاف دولار. ولم يتوقف الخطف والبيع على الرُّضع، الكثير من أبناء الأُسر الفقيرة لقوا المصير نفسه. وهكذا، أخذت رحلة تقصي الآثار الحقيقية التي تركتها سياسة الطفل الواحد نانفو من مساحات الأهل والأقارب، إلى الكشف عن دوائر فساد عميقة على مستوى الدولة. 

   

  

وعلى مدار رحلة التقصي تلك، تشارك جميع مَن حاورتهم نانفو الرغبة نفسها في البوح، في المكاشفة، فمثلما قالت مخرجة الفيلم جيالينج زانغ في حوارها معنا في "ميدان"، كانت تلك المرة الأولى التي يتسنّى للبعض فيها الحديث عمّا وقع. بعد أن ينتهي الكلام، تظل كاميرا نانفو مُعلَّقة على الوجوه، تراقب ابتسامات البعض المرتبكة وهي تتحوّل إلى صمت حزين، وتصوّر العيون التي تخاف المواجهة وهي تنظر إلى بعيد مطرقة. وفي هذا الصمت وتلك النظرات، تغوص مشاعر عصيّة على الكلمات فتلوذ بالسكوت، ويبقى سؤال واحد يطرح نفسه ضمنا في كل هذا: من المسؤول عن كل هذا القدر من الألم؟

  

دماء يتبرّأ منها الجميع
في قطع مونتاجي في نهاية الفيلم، تعود كل الوجوه التي ارتكب أصحابها جرائم في حق الرُّضع -من مسؤولي تنظيم إلى الأسرة وحتى الآباء الذين تخلّوا عن أبنائهم- وعلى ألسنتهم جميعا العبارة نفسها: "لم يكن لديّ خيار". سينتاب الكثيرون الغضب حيال تلك الإجابة، سيشعرون أنها ليست كافية ولا تُبرّر ما حدث. لكن نانفو تتفهّم تماما ما عناه كل هؤلاء بما قالوه، فكما قالت في الفيلم: "حين يُؤخذ كل قرار مصيري نيابة عنك، فسيكون من الصعب عليك الشعور بالمسؤولية أمام النتائج". ومن هنا، يفقد كل فرد شعوره بالمسؤولية، ومعه يضيع منه شيء من ضميره، فمثلما قالت القابلة في الفيلم: "أنا لم أتخذ أي قرارات، فقط كنت أُنفّذ الأوامر". ولم يصل كل هؤلاء إلى تلك الدرجة من موت الضمير وانعدام الإحساس بالمسؤولية سوى لافتقادهم ما هو أهم وأبعد أثرا: الشعور بالذاتية.

  

ففي الصين، يمر كل فرد منذ ميلاده بعملية طويلة من سلخه شعوره بالذاتية، قراراته لا ترجع إليه، ومصلحته الشخصية يجب أن تكون آخر ما يُفكّر فيه، وحدها مصلحة الجماعة تعلو كل شيء آخر، والجماعة أو الدولة أو أيًّا كان الكيان الكبير الذي ينتمي إليه هو وحده مَن يملك الحق في تحديد المعايير الأخلاقية والصواب والخطأ؛ فعندما ترى الحكومة أن قتل الرضع وإجهاض الأجنة والتعقيم القسري للنساء يصب في المصلحة العامة، تتحوّل كل تلك الأفعال في الوعي العام إلى أشياء مَرْضِيٍّ عنها رغم بشاعتها وتنافيها مع أبسط معايير الإنسانية. [3] [4]

   

  

في حوارها معنا في "ميدان"، قالت المخرجة جيالينج زانغ عن هذا: "في الصين، لا يوجد وعي كبير بالحقوق الشخصية لا سيما في الأجيال الأكبر سِنًّا. يرى الجميع نفسه جزءا من شيء أكبر منه، جزءا من عائلة أو مدرسة أو مؤسسة، ما يعطي هذا مساحة لانتهاك الحياة الخاصة، وهو ما حدث في سياسة الطفل الواحد. قيل لنا إن تلك السياسة ستُطبّق من أجل المصلحة العامة والتطور الاقتصادي، ومن ثم سيكون على كل شخص التضحية بعائلته أو رغبته في إنجاب الكثير من الأطفال ويكتفي بطفل واحد". ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل مثلما رأينا في الفيلم إلى قتل الأجنة لإيمان الجموع أن الإصلاح الاقتصادي لن يتم سوى فوق جثثهم الهشة.

  

وهو ما ذهب إليه الفنان التشكيلي بينج وانغ نفسه، واحد من القلة التي عارضت سياسة الطفل الواحد في أوجها، فيما قاله بحوار نانفو معه بالفيلم: "تعود كل تلك الجرائم إلى ما تم من تلقين الجميع لعقائد معينة لسنوات طويلة، عقائد على غرار: "المصلحة العامة فوق الجميع" أو "الحزب لا يُقهَر"، يدمر هذا التلقين إنسانية الفرد وضميره، يفكر: ما دام هذا أمر الحزب، فلا بد أنه صحيح".

  

هكذا، تصير الدولة المحدد الأساسي للبوصلة الأخلاقية للشعب، والاتجاه الذي تشير إليه تفيض إليه الجموع. يفسر هذا وجهة نظر أبناء الكثير من أبناء الأجيال الأكبر سِنًّا الذين تحدثت معهم نانفو في الوثائقي، والذين، رغم معاناتهم جرّاء تلك السياسة، ظلوا يروّن أنها جاءت بالخير للبلاد. ولا يكفي بالطبع أن تسن الدولة قانونا حتى يتسرب إلى الوعي العام، فحتى تجعل توجّهاتها معروفة للجميع، وحتى تحوّل تلك التوجهات من أوامر مصمتة إلى ثقافة عامة، تسلّط آلة البروباغندا الخاصة بها على الجموع. تقول عن هذا جيالينج زانغ في حوارها معنا: "ليست البروباغندا في الصين سطحية أو ساذجة كما قد يظن البعض، على العكس، إنها متطورة ومركبة للغاية، فأفضل الفنانين في كل المجالات يعملون عليها. كما أن أفكارها لا تباغتك بفجاجة، بل تُزرع في خفاء في الأفلام والمسلسلات التي تشاهدها. وفي النهاية، تتغيّر طريقة تفكيرك دون حتى أن تدرك هذا".

  

"أمة الطفل الواحد".. صراع الذاكرة ضد النسيان

  

ولا تتحكم الدولة فقط في الأفراد وضمائرهم والوعي العام للجموع، بل تمتد سيطرتها إلى ما هو أخطر، إلى التاريخ نفسه، فهي وحدها مَن تمتلك القدرة على كتابة ذلك التاريخ وتعديله وتشويهه لتُضفي بريقا كاذبا على صورتها، كما تتوقع نانفو أنه سيحدث مع سياسة الطفل الواحد، فتمحوها تماما، لتصير فصولا دامية في الماضي كأن لم تكن.

   

تقول نانفو في حوار لها عن هذا: "في الصين، تُعيد الحكومة الاستبدادية رواية التاريخ طبقا لسرديتها الخاصة، وتغيّر الكثير من الوقائع لتتطابق مع الرواية الرسمية للأحداث. نتيجة لهذا، نجد أن الكثير من الأجيال الأصغر سنا في الصين لا تدري شيئا عن احتجاجات ساحة تيانمين المعروفة في العالم أجمع، ولا تعرف شيئا عن الثورة الثقافية. كل تلك الذكريات ضاعت أو تم محوها، لأن مَن عايشوها إما ماتوا أو اعتُقلوا أو نُفوا". وتستطرد: "سياسة الطفل الواحد من السياسات الحديثة، فقد انتهت فقط في عام 2015، لكننا نرى بالفعل كيف تحاول الحكومة منذ اللحظة محو آثارها، وخلال خمسة أعوام ستُمحى على الأرجح آثار البروباغندا التي وثّقناها في "أمة الطفل الواحد". لهذا، نخشى حقا أنه خلال عشرة أعوام لن يتذكّر الناس عن سياسة الطفل الواحد شيئا سوى ما تقوله الحكومة عنها". [5]

  

ولهذا، ورغم إنهاء السلطة لتلك السياسة، قررت نانفو وانغ وجيالينج زانغ أن تصنعا "أمة الطفل الواحد" للسبب نفسه الذي قرّر من أجله الفنان التشكيلي بينغ وانغ الاحتفاظ بالأجنة التي وجدها في مقالب القمامة وتصويرها ورسمها، من أجل محاربة النسيان. فكلٌّ منهم يحاول بطريقته الخاصة استخدام ما لديه من أدوات ليترك وثيقة للأجيال القادمة عن ماضٍ يُمحى من الآن، يحاول أن يزرع بذرة الوعي بما حدث أمام سلطة توجّه كل طاقتها لتحول دون ذلك الوعي، يحاول أن يكسر تلك الدائرة الملعونة حيث تُعيد الأُمة التي تنسى ماضيها كل ما به من أخطاء. إنهم يخوضون مع السلطة صراعا من نوع خاص، صراعا يعلمون تماما أنهم يخسرونه في الحاضر، لكنهم يستمرون فيه ويراهنون على المستقبل، يوثّقون أمس حتى لا يُبعث مرة أخرى في الغد، إنه صراع أوجزه ميلان كونديرا ببراعة حين كتب يقول: "صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان". [6]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار