انضم إلينا
اغلاق
غيوم الحرب الأهلية في السينما اللبنانية

غيوم الحرب الأهلية في السينما اللبنانية

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض
اضغط لاستماع

  

إذا كنا نعرف عن الحرب الأهلية اللبنانية من الكتب والمذكرات وحكايات التاريخ القريب، فإن السينما اللبنانية كانت ولا تزال تطلعنا على الكثير من جروح حرب لم تندمل بعد، لأنها غائرة وتضرب بعصب الدولة اللبنانية التي تتجاور فيها الطوائف في البيوت وتتقاتل في الساحات. يمكننا الآن أن نسمع صوت المخرج اللبناني مارون بغدادي وهو يردد في فيلم "حرب على الحرب" (1983): "الجيل الطالع الذي سيبقى له لبنان ماذا نعطيه؟ جيل الحرب ماذا نورثه؟ أي إرث؟ ماذا يبقى له بعد أن حطّمنا أحلامه والرؤية؟".

  

إذا كانت الذاكرة البشرية مُعرَّضة للنسيان فإن ذاكرة السينما لا تنسى هموما حُفرت بالنور على شاشتها، وإذا كنا نريد أن نعرف أكثر عن الحرب الأهلية اللبنانية فهناك الكثير من الأفلام التي تختزل الكثير من حكايات تلك الحرب.

   

"سينما الحرب اللبنانية هي كتاب تاريخ في بلد ليس له كتاب موحَّد للتاريخ"

(المخرج هادي زكاك)

  

حروب صغيرة

  

لم يحصر مارون بغدادي معالجته السينمائية للحرب الأهلية في القالب السياسي، وهو ما حدث في فيلمه "حروب صغيرة" (1982) الذي يقدم الحرب من خلال حياة شخصيات درامية عادية يرصد من خلالها تحوّلات المدينة التي دمرتها الحرب من خلال ثلاث شخصيات تنجرف في دوامات الحرب الكبيرة لتخوض حروبها الحياتية الصغيرة، فهناك كمال الذي يُختطف والده الإقطاعي فيتحول الابن إلى لاعب في ساحة الحرب، وثريا المحبوبة التي تحاول مساندته، ونبيل المصور الصحفي الذي يجوب الشوارع بالكاميرا يرصد الواقع وتشغله فكرة البطولة، أن يكون كأبطال الحرب.

 

تقع أحداث الفيلم عشية اندلاع الحرب الأهلية، وفي الخلفية سحب رمادية وعبثية وعنف تتجوّل أقدامه في الشوارع تُنذر بالعواصف التي تسبق الحرب، المارة يُفتَّشون ويُرفَع عليهم السلاح من قطاع الطرق، عبث لا متناهٍ لحرب كبيرة قادمة. يتتبّع الفيلم آثار الحرب بطريقة غير مباشرة فهو يتلصص على الحروب الصغيرة التي تخوضها شخصيات خيالية على هامش الحرب.

  

تدين السينما اللبنانية بالفضل للمخرج مارون بغدادي الذي بدل ملامحها بعد ظهوره على ساحة صناعة الأفلام، ويصف المخرج هادي زكاك مسيرة مارون السينمائية كأنها وثيقة فنية ممتدة من عام 1975 وحتى 1991 تؤرخ في صورة وثائقية وروائية الحرب الأهلية اللبنانية وهو ما لم يفعله مخرج لبناني آخر[1]. تقول أرملته ثريا بغدادي: "سينما مارون وضعت الفرد في مركز الاهتمام، فالأمور عنده ليست مرتبطة بالقدر والقوى الغيبية المسيطرة، بل إن الفرد هو محور العمل ومحط الأنظار"[2]. تتجوّل كاميرا مارون بين أطلال الشوارع الخربة، نتنفّس معها رائحة البارود والموت الذي مرّ من هنا. الفيلم سيناريو وإخراج مارون بغدادي، بطولة ثريا خوري، نبيل إبراهيم، روجيه حوا.

   

المخرج مارون بغدادي (مواقع التواصل)

     

بيروت الغربية

يقود أبو طارق السيارة ليوصل ابنه إلى المدرسة، الوضع بالخارج غير مطمئن لكنه متمسّك بالنزول رغم أنه لا يعرف شيئا، نشاهد على جانبَيْ الطريق علامات التوتر واللا أمن، عربات مكشوفة يخرج منها رجال يحملون الأسلحة ويرددون شعارات حماسية غير مفهومة، وبائع الجرائد يحمل معه أخبارا مرتبكة عن توترات في الساحة اللبنانية، تسأله زوجته: "هل تفهم شيئا؟"، فيخبرها: "علمي علمك"، كأن الأمور بالخارج اشتعلت فجأة دون سابق إنذار. يمرّون على لجنة شعبية مسلحة يرفضون مرور أبو طارق لأنه مسلم، يخبرهم: "أنا من بيروت"، فيجيبه الشاب المسلح: "بيروت! وحّد الله يا زلمة، بيروت صارت شرقية وغربية". تفككت المدينة والهوية، من الآن أنت لست بيروتيا، أنت شرقي أو غربي.

  

مشهد من فيلم "بيروت الغربية" (مواقع التواصل)

     

"ركّز فيلم بيروت الغربية على إظهار الحرب وكأنها مغامرة شخصية لتتحوّل إلى مأساة وطنية"

(الناقد شفيق طبارة)

    

في حديث لاحق مع زوجته يخبرها أبو طارق أنهم اعتادوا على الحرب وتهديداتها فلا داعي للتوتر، تبدو الجملة مخيفة قليلا، لماذا قد تجبرنا الظروف على اعتياد الحرب ونحن في أحداث الفيلم على مشارف حرب جديدة. يتتبع الفيلم ظلال الحرب الأهلية عبر مراهقَيْن، طارق وصديقه عمر، اللذين أجبرتهما اضطرابات المدينة على الانقطاع عن المدرسة ومراقبة ما يحدث لبيروت الغربية الخاصة بالمسلمين والتي انفصلت عن بيروت الشرقية ورسمت لهما حدودا جديدة تفصل بينهما. تم تصوير وعرض الفيلم بعد إعلان انتهاء الحرب في بداية التسعينيات[3]، وهو يعيدنا إلى ماضٍ قيل إنه سيُنسى لكنه مستمر حتى الآن في ذاكرة الكاميرا التي اختارت أن تعود للسبعينيات، إلى اللحظات الأولى لحرب تُعيد تشكيل خريطة المدينة والمواطنين وفق معتقداتهم الدينية. الفيلم إخراج زياد دويري، بطولة رامي دويري، محمد شمس، كارمن لبس، جوزيف بو نصار.

    

زوزو

  

الكثير من أفلام الحرب اللبنانية أبطالها أطفال ومراهقون، ربما في الأمر دلالة لأن الذاكرة الصبيّة لا تنسى ولا تغفر. بطل فيلم "زوزو" طفل على مشارف المراهقة، من بيروت الشرقية، وقرار أسرته بالهجرة إلى السويد كان النجاة الوحيدة من تلك الحرب الداخلية. يذهب زوزو لشراء بعض الأشياء قبل السفر، وعند نزوله إلى الشارع ينفجر بيته ويدمر الموت أسرته، فقط يبقى أخوه الصغير حيًّا فيحاول إغماض عينيه كي لا يرى الموت. تتردّد السويد في أحلام زوزو، الحلم بالفرار هو مبتغى هذا الطفل الذي يتغذّى حلمه على حياة بعيدة هانئة ويتغذّى واقعه على رائحة الموت. ينجح زوزو في السفر إلى السويد، تحقق الحلم لكن بدون أسرته التي قتلتها الحرب، لكن خيالات الموت والقتل ما زالت تطارده وتتشبّث في ثيابه، كوابيس ليلية وأحلام يقظة تحول أي مشاجرة بين طفلين إلى إعلان باندلاع حرب يعرفها زوزو جيدا. الجرح يتسع بداخل الصبي وقاموسه لا يحمل صوت الموت وصوت القصف والرصاص. الفيلم إنتاج 2005، سيناريو وإخراج جوزيف فارس، بطولة عماد كريدي، كارمن لبس، إلياس غيرجي.

   

"السينما اللبنانية ابنة شرعية للحرب"

(أمل عارف)[4]

  

بيروت لم تعد كما كانت
جوسلين صعب (مواقع التواصل)

   

أشبه بمرثية لبيروت. استغلت المخرجة جوسلين صعب فترة الهدنة عام 1976 وتجوّلت بالكاميرا بين خراب مدينة كانت الحياة تسير في طرقاتها يوما ما. بيروت هي بطلة الفيلم، تكشف عن وجهها الحزين بين أبنائها الذين دمّروها بسبب حروبهم الصغيرة، شوارع خاوية وبنايات مُهدَّمة وسحب رمادية تظلّل كآبتها. ستة وثلاثون دقيقة من التجوّل الحُر لا يُظهر لنا الحرب لكنه يُخبرنا: "هنا كانت الحرب". نعرف بيروت بالمدينة الساحرة التي تُصَوَّر فيها أفلام العشق والغرام، ونتخيّل أن أبناءها يرقصون الدبكة كأنهم يعيشون في فيلم غنائي متواصل، لكن فيلم جوسلين صعب يضعنا أمام ملابس حداد ودراما صامتة لنهاية الغناء في هذه المدينة.

   

حرب على الحرب

   

وثائقي آخر لمارون بغدادي كأنه نص شعري مفتوح على أسئلة الموت يصوّر قسوته في مقابل قوة الحياة. وثائقي قصير يتجوّل بين رماد الحرب على خلفية موسيقى جابريال يارد ليوثّق يوميات صامتة لمدينة بيروت في محاولاتها لإعادة الإعمار في خضم الحرب.

 

لا تحاكي السينما التسجيلية الواقع، بل تُقدِّمه كما هو، بإمكاننا أن نُعيد الشريط من البداية لنرى الماضي، لنستمع إلى صوته وصرخاته المكتومة، ولنرى حاضرنا ومستقبلنا فيما مضى. يقول الروائي اللبناني ربيع جابر في رواية "الاعترافات": "في البدء كانت الأشياء، كل الأشياء، غير مفهومة". لكن يمكننا الآن أن نعيد ما مضى لنفهمه على مهل، ومَن أمهلتهم الفرصة للحياة يمكنهم مواجهة الماضي في شاشة السينما التي تخبرنا الكثير من الحكايات وعلينا فقط أن ننصت جيدا لهذا الحكي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار