انضم إلينا
اغلاق
ماذا يعلمنا "Game of thrones" عن دهاء السياسة وقواعد حكم العالم؟

ماذا يعلمنا "Game of thrones" عن دهاء السياسة وقواعد حكم العالم؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

"في صراع العروش إما أن تفوز وإما أن تموت"

(سيرسي لانيستر)

   

منذ دخولنا بوابات قارتي ويستروس وإيسوس في مسلسل "لعبة العروش" (Game Of Thrones) ونحن ندق أبواب القلاع العالية وقاعات إدارة الحكم، نقتفي أثر النبلاء والسادة بمنأى عن شعوبهم، لا توجد طبقة وسطى في هذا العالم، فقط عامة الشعب -الذين نرى ظلالهم في الخلفية- من الفلاحين وأصحاب الحانات، وقلة قليلة هم الشخصيات الرئيسة من العائلات الثرية الملتفة حول دائرة الحكم، نعي تماما أننا في عالم فانتازي، لكن أسئلة السياسة وألاعيبها تشغلهم كما تشغل واقعنا الذي نعيش، أو كما يقول أستاذ العلوم السياسية "جوشا ويكيريت" إن صراع العائلات في قارة ويستروس للسيطرة على الحكم يشبه تماما المجال العام في السياسة الأميركية، نعرف أن أميركا لا تحكمها الملكية كما الحال في ويستروس، لكن العديد من الأميركيين يشعرون أن النخبة هم المتحكمون في اللعبة السياسية[1].

  

"حين يسيطر الأغنياء على العملية السياسية، يكون من الصعب على أي بلد أن يظل ديمقراطيا"

(جون بليك)

   

استنادا إلى الإحصائيات يكتب براين مويلان في صحيفة الغارديان أن الجمهوريين لا يحبون مسلسل "لعبة العروش"، بينما يحبه الديموقراطيون، ويفسر مويلان الأمر باعتبار أن الجمهوريين لن يشعروا بسعادة وهم يشاهدون الملك النرجسي الذي يتم إحباطه والقضاء عليه على يد منافسيه، فالجمهوريون يليق بهم مشاهدة أفلام الأبطال الخارقين[2].

    

"الملك جوفري" وريث العرش والابن الأكبر لروبيرت باراثيون والرئيس الأميركي "دونالد ترامب" (مواقع التواصل)

    

لا يتورع جورج ر.ر. مارتن -صاحب الرواية المقتبس منها أحداث المسلسل- من عقد المقارنة بين "الملك جوفري" وريث العرش والابن الأكبر لروبيرت باراثيون، وبين الرئيس الأميركي "دونالد ترامب". في حقيقة الأمر تبدو هذه المقارنة في محلها، خاصة فيما يتصل بشعبية الاثنين، فكلاهما غير محبوب من قطاع عريض من البشر، وكلاهما تحكمه الأنا المتعالية، وكلاهما يلوّح بأن مقاليد الرئاسة في يده كأنها عصا سحرية ستمكّنهم من فعل أي شيء، وإذا كان مفهوم السلطة يمكن تلخيصه في كلمة واحدة فإن جوفري وترامب سيلخصانه في أنفسهم، بأن هذا هو الملك، وذاك هو الرئيس. نتذكر جوفري في لحظات اتخاذه القرارات المهمة كفرض الضرائب أو خوض الحرب، حيث كان يتعامل مع آلية اتخاذ القرار بطفولية تستند إلى مزاجه الشخصي، ودون أن يعقد جلسة استشارية يدرس فيها تبعات قراراته تلك، ذلك لأنه لا يلتفت سوى لنفسه وما يدور في رأسه هو، فنراه كطفل أبله يلوح يمينا ويسارا بصوت مرتفع، لأنه يلعب دور الملك، وهذه اللعبة تُغويه. يقول جورج مارتن: "أي شخص يقرر الترشح لمنصب قيادي.. أنت هناك لخدمة الناس، وليس لخدمة نفسك، وليس لخدمة مساعديك"[3].

   

ثورات داخلية وهجمات خارجية

  

لا تخلو ساحات الانتخابات من الصراعات والمكائد، ولا تتوقف يوما النزاعات السياسية بين دول العالم، الكثير من الطاقة والوقت يهدرون من أجل فرض السطوة وتحقيق انتصارات شخصية في كثير من الأحيان، لكن كل هذا الجهد لن يصب في صد هجمات خارجية ستواجهنا وتهدد حياتنا على كوكب الأرض. هناك مقاربة رمزية يعقدها النقاد والجمهور بين الاحتباس الحراري الذي يهدد كوكب الأرض في الواقع وبين جدار الشمال في أحداث المسلسل، هذا الجدار الذي يفصل سكان العالم عن خطر السائرين البيض وقدوم الشتاء، ولأن لعبة السياسة تشغلهم، لا يصدق أغلب الشخصيات وجود خطر حقيقي وراء الجدار، تماما مثل سيرسي لانستر التي اختارت أن تنأى بجيشها عن خوض تلك الحرب مع هجوم الشتاء لأن حرب العرش هي شاغلها الأول الذي أعماها عن تصديق أن هناك خطرا حقيقيا سيقضي على البشرية[4].

  

يؤكد جورج ر.ر. مارتن وجود مقاربة بين الجدار والاحتباس، لكنها غير مقصودة، لأنه عندما شرع في كتابة الرواية لم يكن الاحتباس ظاهرة مطروحة على الساحة العامة. يزعج مارتن إصرار الساسة على قلقهم الدائم بشأن مناصبهم القيادية في حين أن جل قوتهم يجب أن ترتكز في التفكير تجاه أزمة التغيرات المناخية التي ستنتهي بنا إلى الهلاك[5]. في المسلسل استطاع الأبطال هزيمة السائرين البيض بعد حرب ضارية كادوا أن يهلكوا فيها، لكن الأمر كلّفهم الكثير من الوقت والجهد للاستعداد لهذه الحرب، وفور انتهائها عادوا من جديد إلى حروبهم الداخلية على العرش، وهذا هو ملخص الموسم الأخير.

  

الدين والسياسة


  

"الآثمون سواسية أمام الآلهة"

(هاي سبارو، المسلسل)

  

تبحث سيرسي عن القوة في أي موضع حولها لتُثبّت أقدامها أكثر في ساحة العرش على أرض كينجز لاندينج، في الجزء الخامس من المسلسل تأرجحت سيرسي على حافة الهاوية، فقدت ابنها وأباها، وأخوها جايمي عاد إليها مهزوما وفاقدا يده اليمنى، لم يعد هناك من شيء يصلب قامتها التي لا تنحني أبدا، جالت بنظرها إلى الأسفل بين الشعب، وإلى الأعلى حيث الآلهة السبعة، وقررت أن الدين هو السلاح الذي سيعيد القوة إلى قبضتها من جديد لتستعيد زمام الأمور.

   

يكتسب الكهنة قوة لا يضاهيها شيء، فإذا أخبرك أن ما تفعله إثم يُغضب الإله فسيكون هذا مفتاحه لفرض سطوته عليك والتحكم فيك، الإله صك في يده يخول له التحكم في كل شيء، ولأن سيرسي أعماها الطمع، فقد انقلب كل شيء عليها كما قلب هاي سبارو الأمور رأسا على عقب بين الشعب، أغلق بيوت الدعارة، صادر الخمور، نشر قواته التي تنهى عن المنكر فحسب، لكن ما لم تعرفه سيرسي أن هذه القوة الدينية ستنال منها أيضا، ومن ابنها الملك، لتخبرنا الدراما في "لعبة العروش" أن سلطة الدين يمكن أن تكون باطشة، لا عيبا في الآلهة، بل في رجال الدين أنفسهم. تتعرض سيرسي للحبس والذل باسم الدين الذي يريد تطهيرها من ذنوبها الآثمة، هذا الذل يجردها من ملابسها ليلقيها الشعب بالحجارة دون رحمة. ندمت سيرسي على اختيارها لمصدر قوة خاطئ، لنجدها في النهاية تختار العلم، تلجأ إلى كايبرن الذي يساعدها بأبحاثه العلمية للانتقام، فيدمر الكاتدرائية عن بكرة أبيها، لتعرف أن هذه هي القوة التي يريدها الحكام، قوة الأسلحة والدروع الحصينة. العلم قوة تشفي من الأمراض وتحصن القلاع، أما الدين عليه أن يبقى في القلوب وفي المعابد بعيدا عن عرش الممالك السبعة[6].

   

لا تثق في مساعد الملك ومستشاريه

  

في لعبة الشطرنج، نحرّك الأحجار من أجل خوض لعبة هدفها دك الخصم، ليحيا ملك واحد فقط، وفي قواعد اللعبة مسموح للملك أن يخطو خطوة واحدة في أي اتجاه، لكنّ المحيطين به لهم الحق في خطوات أكبر، وحده الوزير الذي يقف ملاصقا للملك له الحق في السير في أي تجاه يريد، فقط لأنه مساعد الملك وحاميه الأول، ولأنه في أحايين كثيرة أهم من الملك محدود الخُطى، لكن هناك قاعدة مهمة لا تنسها: لا تثق أبدا في مساعد الملك[7].

   

في الموسم الأول، نتعرف على اثنين من مساعدي الملك روبرت باراثيون، الأول اللورد جون آرن الذي مات بشكل مفاجئ، ونيد ستارك الذي عيّنه روبرت مساعدا له خلفا لجون، لكن مصير نيد ستارك ينتهي بالقتل، منذ البداية نعرف أن هذا المنصب يشكل خطورة على كرسي العرش، وأن رجلا صالحا يعلي مبادئ الحق والعدالة لن يستمر في هذا المنصب، في "لعبة العروش" إما أن تفوز وإما أن تموت، لذلك مات نيد، وتيريون الذي سيتولى المنصب من بعده سيعيش إلى النهاية. تيريون هو أكثر شخصيات المسلسل مكرا ودهاء، هذا القزم يعترف بأنه لا يليق به دور الفارس في ساحة الحرب، لكنه العقل الذي يعرف جيدا كيف يفكر ويدبر.

  

يتبع تيريون طريقته الخاصة في كسب ثقة جميع من حوله والتي يمكننا تسميتها بـ "القراءة الباردة"، إذا تعرف عليك تيريون سوف يسألك عن نفسك، من أنت؟ ما رغباتك وآمالك؟ سيحتسي معك الخمر ليتمكّن من اصطيادك بسهولة، فتحكي له عن نفسك دون زيف، إن قراءة الآخرين هي مفتاحه للتعامل معهم، سيتحدث معك بنفس لغتك ونبرة صوتك، سيغريك بما تشتهي، حينها سيتمكّن من التأثير عليك، فإذا كنت تعقد معه صفقة ما، فسينتهي الحال بأن تنفذ ما يريده هو دون أن تشعر أنه حقا فعل ذلك، والغريب أنك ستشعر بالرضا في نهاية الأمر[8]. في مواجهة الموت الذي يتعرض له شخصيات المسلسل هناك من يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهناك من يعطيه الموت فرصة أخيرة بفعل سحر ما أو تنفيذا لنبوءة ما، وحده تيريون الذي ينجو من الموت في كل مرة فقط بسبب دهائه وقدرته على القراءة الباردة للآخرين، في "لعبة العروش" أنت تفوز أو تموت، والموت هنا لا يليق بتيريون.

    

    

الفوضى هي سلم الصعود

ابتسامته الهادئة قادرة على كسب ود الآخرين، لكن هذه الابتسامة لا تحمل أي عاطفة تجاه أي أحد، إنها قناع ميكيافيلي خادع لرجل طالما حلم باعتلاء العرش. يشغل اللورد بايليش في أحداث المسلسل مسؤولية بيوت الدعارة، يرى أن العاهرات أهم من السفن والجيوش، لأنه قرر قديما ألا يكون فارسا يخوض المعارك في ساحات الحرب، إنه يدير منظومة الدعارة في المملكة ويخطط لمكائد غير شريفة، يقول بايليش: "علمت أنني لن أفوز أبدا، فهذه لعبتهم وقواعدهم الخاصة، لذا قررت ألا أقاتلهم، قررت أن أضاجعهم بدلا من محاربتهم"، وهذه هي الوسيلة التي يبررها ليسير بها لغايته[9] .

   

المضاجعة التي يمارسها بايليش هي باختصار الفوضى الهادئة التي يدسها كالسم لكل من حوله، شعلة صغيرة من النار تتسبب لاحقا في حريق كبير لن ينطفئ بين آل لانيستر وآل ستارك، فبسبب كذبة صغيرة وخدعة رسم محاورها، أخبر آل ستارك أن آل لانيستر هم من قتلوا مساعد الملك، وفي حقيقة الأمر كان هو من قتله بدم بارد، وعندما قطع نيد ستارك الأميال إلى كينجز لاندينج ليصبح مساعد الملك تآمر مع آل لانيستر ضده من أجل قتله، وعندما واجه نيد، غرس السكين في عنقه وأخبره بنبرته الهادئة: "سبق وأن حذرتك ألا تثق بي".

        

  

ولأنه أيضا يدير العمل في بيوت الدعارة، فإن النساء هن الفريسات اللاتي يلقي عليهن شباكه، في البدء تسبب بايليش في الوقيعة بين الأختين كاتلين ولايسا، ولاحقا نجح في اصطياد سانسا ستارك ليعقد بها الصفقات ويحقق بها آماله في الصعود. في كتاب "الأمير" يسطّر ميكافيلي خطوطا شرسة للوصول إلى مقاليد الحكم: "لا تحاول أبدا أن تفوز بالقوة طالما يمكنك أن تفوز بالخداع"[10]، والخداع في قاموس اللورد بايليش هو الفوضى الهادئة التي ينشرها بين المحيطين به من مساعدي الملك والعائلات الثرية، عملا بالمبدأ الخاص به: دمّر من حولك لتتمكّن من الصعود إلى مبتغاك في هدوء ودون أن يلتفت لك أحد ويعرقل خُطاك.

   

"من الآن فصاعدا لن يولد الحكّام، بل سيتم اختيارهم"

(تيريون لانيستر)

   

ينتصر المسلسل في حلقته الأخيرة إلى تدمير العرش، وإلى ما هو أبعد من ذلك، فلتسقط العائلات، ولينتهِ التوريث الذي طالما أشعل الفتن في الممالك السبع، وأن الحكم بالانتخاب هو الحل. في خطبته الطويلة التي تختصر كل شيء يختار تيريون أن يكون بران هو الملك، ويختار بران أن يكون تيريون مساعد الملك، لتبدأ دورة جديدة للحكم ما زال تيريون طرفا رئيسا فيها بفضل دهائه وقدرته على الإقناع، ولأن آل لانيستر لا يهتمون بالنبوءات مثل ليدي مكبث، لكنهم سوف يستغلونها للوصول إلى مبتغاهم في نهاية الأمر، وإذا بدا لنا تيريون في نهاية الأمر من أغلق طاولة الشطرنج وبدأ اللعبة من جديد من أجل تحقيق العدالة، فلا تنس أن لعبة السياسة لا تليق بحسن النيّات، وأنه لا يجب عليك أن تثق في مساعد الملك، وأن الفائزين في "لعبة العروش" ليسوا دائما الأخيار.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار