انضم إلينا
اغلاق
مسلسل "زلزال".. لماذا تنجح دراما محمد رمضان رغم الثيمة المتكررة؟

مسلسل "زلزال".. لماذا تنجح دراما محمد رمضان رغم الثيمة المتكررة؟

ليلى يوسف

كاتبة
  • ض
  • ض

هناك، في الساحات البعيدة للمسارح اليونانية، كان الجمهور يلتف حول الممثلين ليشاهدوا عروض سوفوكليس ويروبيدس وغيرهم من شعراء المسرح في القرون الوسطى، وبين الضحك والبكاء تنوعت العروض واشتعل حماس التفاعل بين الجماهير وبين مجموعة من الأقنعة المصمتة المتحركة، نعم، كان الممثلون في المسرح اليوناني لعقود طويلة يرتدون تلك الأقنعة موحدة الملامح والتعبير كأنهم أجساد مخلّقة لا جوف لها، تسمع أصواتهم وتتماهى مع حركاتهم، لكن الوجوه لم تكن سوى قوالب جافة لا تعكس سوى وجه واحد لا يتغير، وهذا القناع اليوناني المصمت هو الأداة الذهبية التي كان وما زال يطالعنا بها محمد رمضان مع كل عمل درامي جديد له[1].

  

القناع

يحكي محمد رمضان عن الأميال التي قطعها في صباه من حي الجيزة إلى منطقة وسط البلد في رحلة يومية للبحث عن الذات، مسافة قطعها بالرغبة في أن يصبح ممثلا، وعلى هامش الرحلة يسرد معاناته في الوصول إلى مكاتب شركات الإنتاج السينمائي والمخرجين ليطلب منهم أن ينظروا إليه، وأن يشاهدوا قدرته على التمثيل، بالأحرى تقليد المشاهير -أو ما عُرف قديما بفن التشخيص- ليستعرض أمامهم وجهه الذي يتقن فن التقليد. في إحدى المرات ارتدى لهم قناع أحمد زكي فذهلوا وظنوا أنه بُعث فيه من جديد، وعندما استعار نبرة زكي ليتحدث بها أدركوا تماما أنهم أمام ممثل ماهر يجيد لعبة الأقنعة[2]. إذا كان التعريف البسيط للممثل بأنه ذلك الساحر الذي يوهمنا بواقع ما وبأنه شخص آخر[3]، فإن محمد رمضان في بداياته نجح بالفعل في أن يلعب الأحاجي ليتقلب بين وجوه أحمد زكي المتعددة، لكنه في مرحلة فاصلة من مسيرته قرر أن يخلع عنه هذا القناع ليخدعنا بقناع جديد يمارس به السحر أمامنا، هذا القناع الجديد هو نسخة مطابقة لوجهه.

   

 لقطة من مسلسل "الأسطورة" (مواقع التواصل)

     

في حديث معه عبّر أحمد زكي عن حزنه الغامر عندما استمع إلى تعليقات تُثني على براعته في تقليد شخصية جمال عبد الناصر في فيلم "ناصر 56"، لأن هذا الرأي يطفئ تماما الشعلة التي يكشف بها أحمد زكي عن نفسه في ثوب عبد الناصر، ويحزن لأن التقليد هو أسهل منهاجية يتبعها الممثل ليؤدي بها شخصية معروفة سابقا، وهو ما ابتعد عنه زكي تماما في تمثيل الدور ليكون نسخة خاصة به من جمال عبد الناصر، لا يستنسخها، بل يحييها بداخله ويراقبها ويروضها لتتجلى أمام الجميع في صورة قناع ينتمي أولا وأخيرا لأحمد زكي وينجح بذكاء في الوقوف على مسافة ناعمة بين زكي وعبد الناصر[4].

   

يفسر الناقد شاكر عبد الحميد متلازمة "الأنا والآخر" "الممثل والشخصية" التي يعيشها الممثل أثناء التمثيل، وأن أناه بصراعاتها ورغباتها الشخصية قد تكون هي في ذاتها هذا الآخر، وأن جزءا من استحضار الممثل لماضي الشخصية التي يؤديها سيتخلّله حتما ماضيه الشخصي بكامل المشاعر التي تخصه، حينها سيتحول ميزان المعادلة إلى أن الآخر هو أيضا "الممثل"[5].

   

في مساحة موازية يسعى فيها محمد رمضان للنضج والابتعاد عن ساحة تقليد الآخرين ليتبع منهجية تخصه وحده، وليستثمر في نفسه ويؤسس مشروعا خاصا يرسي فيه قواعده وينصب بيده أعمدته، وفي كل عمل فني جديد يقدم لنا حجرا جديدا في هذه البناية التي تحمل اسمه، وعندما سئم من قناع الشاب البلطجي الذي يتربح من الكسب السريع ويطارد العصابات الشريرة بخفة حركته قرر الانتقال إلى قناع جديد يتصدر به مرحلة جديدة أكثر ثقلا يمكننا تسميتها "رحلة الصعود"، وهذه الرحلة تحمل ملامح جديدة تبدو أكثر نضجا للقناع الذي بات يتأرجح بين الخفة والثقل، ويحاكي بصورة مستترة النسخة الشخصية من رحلته.

   

تراجيديا الصعود

لا تخلو اللقاءات الحوارية لمحمد رمضان من تكراره الدائم لرحلة صعوده من قاع مظلم إلى قمة جبل باسق، يسرد لنا بنبرته الرزينة كيف تحول من شاب موهوب يحطمه الجميع -بالتنمر أو الرفض أو الإذلال- إلى تمثال فولاذي لا يفله شيء، كأنه يعيد حكي أسطورة بطل درامي كلاسيكي نحفظها جيدا، ولأنه مهووس بالدراما، وبالحكم والاقتباسات التي تليق بكتب التنمية البشرية، يرتدي رمضان القناع الحزين الذي استطاع به أن يكسب ودنا، ليؤكد أنه مضطهد فقط لأنه موهوب، وأنه بحار ماهر في بحر لا تهدأ فيه الأمواج، وفي الدراما التي هي صورة إبداعية لواقع متخيّل تماما نرى القناع نفسه ونقتفي آثار رحلة الصعود نفسها، ونجرد الشخصيات الدرامية التي يلعبها إلى نسخة مطابقة لمحمد رمضان يداعب بها مشاعرنا كجمهور تجاهه.

  

   

لا يخلو قوام مسلسل "زلزال" هذا العام من ثيمة رحلة الصعود الشخصية لمحمد رمضان والمشابهة لمسلسله الأسبق "الأسطورة"، والبطل (محمد حربي الشهير بزلزال) الذي نعاصره هنا في صباه تمر به السنين ويشتد عوده ويخوض رحلته في الحياة من الصفر بعد أن فقد أسرته وبيته في الزلزال الذي أصاب القاهرة وضواحيها في التسعينيات، تواجهه الصعاب لأن الحياة ليست وردية، ولأنه مثابر متشبث بحلمه يستمر البطل في الصعود على مهل، سيقع في حب فتاة في مستوى اجتماعي أعلى منه، وسيُنتهك حقه ظلما ولن ينجح في استعادته، سنمر معه بالتفاصيل نفسها التي سمعناها سابقا من رمضان مرارا، ورحلة هذا البطل الكلاسيكية ارتبطت في ذهن الجمهور برمضان دون سواه، ولا ترسّخ لشيء سوى سيرته الشخصية التي يعيد سرد تفاصيلها طيلة الوقت، في الواقع وفي الدراما، مع اختلاف الشخصيات والظروف التي تعاكسها، لأن الأنا امتزجت مع الآخر، وهو ما يفسر لنا تكرار الثيمة نفسها الخاصة بشخصية ناصر الدسوقي في مسلسل "الأسطورة"، لكن هل هذا التكرار والتطابق في أعمال محمد رمضان ميزة أم آفة؟

  

   

لم ينل مسلسل رمضان السابق "نسر الصعيد" القدر الكبير من النجاح المتوقع له، لذا، كان على رمضان أن يعود من جديد للقناع الوحيد الذي يملكه. إن تكرار الثيمة في "زلزال" لم يكن أمرا متوقعا، لأن اسم السيناريست عبد الرحيم كمال يقترن بالمسلسل الذي ينسب تأليف المسلسل له، لكن ما هو غير متوقع جاء بعد مرور الحلقات الأولى التي تخلو من أسلوبية عبد الرحيم الواضحة التي لا تخطئها عين الجمهور والتي لا تخلو منها النزعة الصوفية وعذوبة الحوار والابتعاد التام عن العنف كأنه يعزف بأعماله أغاني يرددها الجمهور من ورائه.

 

لكن جاء "زلزال" بعيدا كل البعد عن عالم المؤلف، وهو ما سيوضّحه البيان الذي أصدره عبد الرحيم كمال قائلا: "اكتشفت حدوث تغييرات في بعض خطوط الدراما وإضافة شخصيات لا علم لي بها (ذات أسماء بذيئة)، وذلك دون إعلامي بأي ملاحظات يمكنني تعديلها وفقا للمتعارف أخلاقيا وفنيا ومهنيا عليه بين المخرج والمؤلف"[6]، ويستطرد عبد الرحيم موضحا: "إن هذا المسلسل تم التدخل فيه بشكل سافر وغير فني مما أضر بشكل ومضمون موضوعي الأصلي للعمل وصياغته"، وهو ما يمكننا اعتباره بوضوح شراء لاسم عبد الرحيم كمال صاحب القاعدة الجماهيرية في الدراما التليفزيونية المصرية، أما عن المضمون الدرامي للمسلسل فستتم إعادة قولبته في قناع محمد رمضان المعتاد.

    

    

ميلودراما البسطاء

إن القالب المحبب لمحمد رمضان سواء في حياته الشخصية أو الدرامية هو "الميلودراما"، لطالما كانت البوابة التي يحبها الجماهير لأنها تثير بصورة مبالغة مشاعر الحزن والفجيعة، وهو ما اعتادت عليه أجيال بأكملها في الأفلام العربية والأجنبية الكلاسيكية حيث الخير أبيض والشر أسود، والمبالغة في كل العناصر الفنية هي عماد الميلودراما، كالمبالغة في الألوان، شريط الصوت، المعارك، الجمل الحوارية، مشاهد الحب والكراهية[7].

  

في واحد من مشاهد "زلزال" يتعمّد خليل (ماجد المصري) إهانة زلزال أمام الجميع وحبيبته وعلى خلفية موسيقى تصويرية يشدو فيها الناي على أوتار الوجع، وتتوالى في مشهد واحد لم تتجاوز مدته أربع دقائق سلسلة من المبالغات الدرامية والصفعات غير المبررة وانتهاء بحبس البطل زلزال لأن عيون الشر يجب أن تقض مضجع الخير. كل هذه المبالغات تثير عاطفة الجمهور، وتذكره بالإهانات التي تعرض لها محمد رمضان في بداية مسيرته الفنية، وتذكر كل فرد من الجمهور بالواقع من حوله، وبنفسه وموقف في حياته تعرض فيه للإهانة أو الظلم، إلى أن يشاهد تلك الصفعات الدرامية التي توهمه بالانتصار، وتعزز أكثر وأكثر من صورة بطله المثالي، الأسطورة، والزلزال، ومحمد رمضان، بالأحرى المشروع المتكامل لمحمد رمضان.

  

    

يصف دافيد ريفاس التراجيديا -وفق أرسطو- بأنها تستحضر عاطفتي الخوف والشفقة، الخوف من الوقوع في المصير المأساوي نفسه للبطل، والشفقة على سقوط البطل من المرتفع العالي، وهو ما ينتهي بهم في النهاية إلى الشعور بالتنفيس والتطهير العاطفي[8]، وهو ما يُمكننا تتبعه في أدوار محمد رمضان الذي يحرص على تنوعها بين الكوميديا والتراجيديا، إلا أن الأولى منسية والأخيرة هي دوما الأقرب إلى القلوب، لأنها تنطوي على مشاعر تخص الجمهور من جهة، ورمضان من جهة أخرى، وتؤكد لنا ما يؤكده رمضان دوما أن الوصول إلى قمة الجبل هي النهاية الحتمية للمثابرة في الصعود رغم مصاعب الحياة. سيكرر رمضان إطلالته علينا بالقناع نفسه، وسينجح كل مرة في جذب قاعدة عريضة من جماهيره، لأن القناع المصمت حيلة ساحر يحبها الجمهور حتى لو أصابته بالسأم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار