انضم إلينا
اغلاق
مسلسل "Chernobyl".. كيف أصبحت الشيوعية بهذا الغباء؟

مسلسل "Chernobyl".. كيف أصبحت الشيوعية بهذا الغباء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

تبدأ الحكاية من مكان بعيد بعض الشيء عن المدينة الأوكرانية تشيرنوبيل، وفي زمن مختلف، إنه العام 2013، حينما تلقّى تيموثي كويس، الفيزيائي من جامعة ميرلاند، طردا ملفوفا في قماش أزرق ومحاطا بكمٍّ كبير من المناديل الورقية، ليجد بداخله مكعبا من اليورانيوم، بعرض نحو خمسة سنتيمترات. اليورانيوم غير نشط ولا يبعث على الخوف بأي طريقة، لكن المثير للانتباه كان تلك الجملة التي كُتبت(1) عليه: "مأخوذ من المفاعل النووي الذي حاول هتلر بناؤه، هدية من نينينجر".

 

اليورانيوم الألماني

في تلك اللحظة قرر كلٌّ من كويس وباحثة الدكتوراه بالجامعة نفسها مريم هايبرت، أن يتتبّعا جذور ذلك المكعب، كيف جاء إلى الولايات المتحدة؟ وما ماضيه؟ هل كان حقا جزءا من مفاعل هتلر النووي؟ هل كان الألمان على مقربة من القنبلة النووية قبل الولايات المتحدة الأميركية؟ والإجابة هي "ربما"، توصل الباحثان إلى أن الإدارة الألمانية، على عكس الأميركية، كانت قد قسّمت مشروع السلاح النووي إلى ثلاث فِرق بحثية، كلٌّ منها أخذ اسم مدينة، "لايبتزج" و"جوتتو" و"برلين".

   

أدار فيرنر هايزنبرج، الفيزيائي واسع الشهرة، إحدى تلك الفِرق، وعلى الرغم من التأخر الشديد في مشروعه، فإن مشكلته لم تكن فقط تقنية أو علمية، لكن -حسب مقال بحثي أخير- كانت أيضا في فكرة تقسيم العمل على ثلاث فِرق متنافسة، ما أدّى بدوره إلى تنافس شديد حول الموارد، في مرحلة تالية كانت حاجة(2) هايزنبرج هي المزيد من اليورانيوم، لكن الإدارة العلمية المتعنتة والمتشككة دائما لم تسهّل طريقه فباءت المحاولات بالفشل. حتّى مع دخول الحرب إلى ألمانيا نفسها، كان لدى هايزنبرج أمل في استكمال عمله بالمخابئ تحت الأرض، لكن هذا العمل لم يكتمل.

     

  

يدفعنا ذلك إلى تساؤل جديد. في تلك الفترة المتوترة من تاريخ العالم، خلال الحرب العالمية الثانية ثم انتقالا إلى الحرب الباردة بين السوفييت والأميركان، كان الواضح في الأمر هو التأخر الروسي والألماني الكبير في نطاقات العلوم والتكنولوجيا، في مقابل التقدم الأميركي، وارتبط هذا التأخر بطبيعة الإدارة المتعنّتة والمتشكّكة وقتها في البلدين، في ألمانيا كان السبب كذلك هو هجرة العقول الذكية مع قيام النظام النازي، أما في الاتحاد السوفيتي فقد كانت الشيوعية هي السبب.

   

اكذب ثم اكذب ثم اكذب

يكشف لنا مسلسل(3) "تشيرنوبيل" الذي نال إعجاب العالم كله وأصبح الأعلى تقييما في التاريخ، حتّى إنه سبق "بريكنغ باد" و"صراع العروش"، بعضا من المشكلة، لكن الأمر أعمق دائما مما يعرضه التلفاز. في الواقع، فإن العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والعلوم المختلفة تدفع بنا للتأمل، وربما الضحك في بعض الأحيان.

  

على سبيل المثال، ظهرت الحركة الليسينكووية(4) في الثلاثينيات من القرن الفائت، وهي حملة قائمة على أهداف سياسية ظهرت على يد البيولوجي السوفيتي "تروفيم ليسينكو"، لترفض كل أساسات علم الوراثة سواء عبر الجينات أو قواعد مندل أو الانتقاء الطبيعي، وتزعم أن الصفات المكتسبة تتوارث وأن الكائن قد يتحول من نوع لآخر!! قد تتعجب من ذلك، لكن جوزيف ستالين أيّد هذه الفكرة وشن حملة لفصل وسجن وإعدام آلاف علماء ومتخصصي البيولوجيا الرافضين لها.

  

    

    

كان سبب ذلك(5) هو تعارض هذه العلوم مع المذهب الماركسي القائل إن جوهر طبيعة الإنسان يمكن أن يتغيّر بفعل البيئة، مما دفع "لينسكو" لمحاولة إيجاد دليل علمي للفلسفة الماركسية، ولاقت أبحاثه دعما كبيرا في حين أنها كانت -ببساطة- خاطئة، انتهت الليسينكووية في الستينيات، بعد قرابة أربعين سنة من التدليس باسم العلم، أدّى ذلك إلى تراجع شامل في العلوم البيولوجية السوفيتية ما زال واضحا إلى لحظة كتابة هذه الكلمات.

 

بل ووصل الأمر للربط بين الانشقاق السياسي والمرض النفسي، ربما لم تسمع من قبل عن "الفصام البطيء"(6)، وهي حالة من الفصام لم يتم تشخيصها إلا في الاتحاد السوفيتي فقط، تقول إن هناك صورة من الفصام تظهر ببطء شديد جدا، فقد يكون الإنسان بلا أي أعراض تُذكر، لكن ووفقا لهذا التصور السابق، فإنه يتم تشخيصه بهذا المرض. هنا قد نسأل: من أكثر الناس تشخيصا بالفصام البطيء؟ بالضبط، كما توقّعت، المنشقون السياسيون وهؤلاء الذين عارضوا الأفكار الماركسية أو الستالينية أو غيرها من قواعد الدولة الأيديولوجية.

  

الأمثلة كثيرة في الحقيقة، وسوف نفرد قريبا على "ميدان" تقريرا خاصا للكارثة التي حدثت على إثر تدخل السوفييت سياسيا في نطاقات علم النفس والطب النفسي فقط من أجل دعم الأيديولوجيا المسيطرة وقتها، لكن دعنا الآن نلتفت إلى الفيزياء(7)، لقد سار الأمر على الخُطى نفسها في البداية، فقد رفضت الإدارة السوفيتية ميكانيكا الكم والنظريتين النسبيتين من وجهة نظر الفلسفة المثالية، وقد طوّر بعض الفيزيائيين السوفييت نموذجا إحصائيا لميكانيكا الكم يتوافق مع فلسفة "المادية الجدلية"، لكن هذا الخط الذي يريد للفيزياء أن تصبح "متوافقة أيديولوجيا" مع مبادئ الاتحاد السوفيتي توقف سريعا، لأنه تعارض مباشرة مع الطريق ناحية التطور المطلوب في الفيزياء النووية.

       

  

في الواقع، لقد استمر التقدم الواضح للاتحاد السوفيتي في نطاقات الطاقة النووية تحديدا، فكانوا ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تمتلك قنبلة نووية، إلا أن تلك الفترة من تاريخ الإمبراطورية، الثمانينيات من القرن الفائت، والتي حدثت أثناءها كارثة تشيرنوبيل، كانت أكثر فسادا من غيرها، يمكن أن نتأمل في تلك النقطة تصريحا(8) لـ "نيكولاي رايزكوف" رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي في فترة جورباتشوف حينما قال: "لقد سرقنا من أنفسنا، أخذنا وقدمنا رشاوى، كذبنا في التقارير، وفي الصحف، ومن المنابر العالية، لقد تمرّغنا في أكاذيبنا، أعطينا ميداليات لبعضنا بعضا. وكل هذا جاء من أعلى النظام إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى".

   

سقوط العمالقة

لكن المسلسل أخطأ بدرجة ما في توضيح موضع حادثة تشيرنوبيل تحديدا في تاريخ الاتحاد السوفيتي، بالطبع كانت هناك كل الكوارث التعتيمية التي يوضّحها المسلسل، بل ومن الأمثلة الشهيرة في هذا النطاق رفضت الإدارة السوفيتية إلغاء مسيرة عيد العمال في كييف ومطالبتهم بإحضار الأطفال إلى الشوارع لإظهار أن كييف كانت آمنة، في حين علم(9) الناس بعد ذلك أن أبناء النخب الحزبية السوفيتية قد نقلوا خارج كييف خوفا عليهم.

   

أما ميخائيل جورباتشوف نفسه، الأمين العام للاتحاد السوفيتي، فقد أوضح الأمر بقوله إن كارثة تشيرنوبيل كانت أحد الأسباب المباشرة لسقوط الاتحاد السوفيتي بعدها بنحو خمس سنوات، وقال في تصريح آخر واصفا سبب انهيار الاتحاد السوفيتي إن(10) "النموذج السوفيتي هُزِم، ليس فقط على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ولكن على المستوى الثقافي. لقد رفض مجتمعنا، شعبنا، الأكثر تعليما والأكثر فكرا، هذا النموذج على المستوى الثقافي لأنه لا يحترم الإنسان، يضطهده روحيا وسياسيا".

    

  

كان كل ذلك حقيقيا، مع الوقت أصبحت مهمة الإدارة السوفيتية هي حماية الإدارة السوفيتية، فطالما أن الحزب هو الضامن الوحيد لحياة الناس وأمنهم، إذن سيكون ما هو جيد للحزب جيدا للناس، والعكس صحيح، تطورت تلك الأيديولوجيا شيئا فشيئا طوال تاريخ الاتحاد السوفيتي، لتصل في النهاية إلى مرحلة يتم خلالها قطع الاتصالات عن سكّان مدينة بريبيات المجاورة للمفاعل وتأجيل ترحيلهم من أجل الحفاظ على سمعة الإدارة السوفيتية، والتي اعتمدت على الكذب كقاعدة رئيسية للحفاظ على المنظومة ثابتة.

  

لكن كارثة تشيرنوبيل تحديدا جاءت في سياق آخر لم يذكره المسلسل، فمع رغبة الإدارة السوفيتية في الحفاظ على صورتها، وتحديدا صورة علماء الفيزياء النووية الروس، أعلم أهل الأرض بحد ادّعائهم، رغم أن الجميع كان على علم بأن المفاعلات التي انتشرت في روسيا هي مجموعة من القنابل الموقوتة، اقترن ذلك مع تطبيق ميخائيل جورباتشوف لسياسة الغلاسنوست(11) (Glasnost) وتعني "الانفتاح والشفافية"، إلى جانب سياسة أخرى تُسمى بالبيريسترويكا (Perestroika) وتعني "إعادة الهيكلة، وهي برنامج للإصلاحات الاقتصادية من أجل إعادة الاتحاد السوفيتي إلى سابق عهده.

    

تكلفة الكذب

ظن جورباتشوف أن تلك السياسة هي الحل الوحيد الذي قد يساعد على الحد من قدرة الفساد على النخر في الطبقات العليا بالحزب الشيوعي والحكومة السوفيتية، وتخفيف قدرات رجال الحزب على استخدام سلطاتهم بصورة مطلقة، خاصة تلك المجموعة التي سيطرت في السابق بشكل كامل على الاقتصاد. أُزيلت الرقابة عن المكتبات والجرائد، وأعطيت حرية أكبر للرأي والتعبير، وخفف جورباتشوف من قمع الانتقادات للحكومة، إلخ.

      

ميخائيل غورباتشوف (رويترز)

  

هذا هو ما جعل من تشيرنوبيل، وما تلاها من أحداث تسببت فيها سياسة الانفتاح، كالقشّة التي قصمت ظهر البعير، حيث كانت ثمرة نظام مبني على الأكاذيب والمحسوبية والأيديولوجية الشمولية التي وضعت نفسها دوما قبل حياة رعاياها، ومع فتح الباب للناس، سواء باب المعرفة أو حق التعليق، فإن ما حدث هو نهاية حتمية وصفها ميخائيل جورباتشوف عندما قال(12) إن تلك الحادثة "قد فتحت إمكانية الحصول على قدر أكبر من حرية التعبير، لدرجة أن النظام كما نعرفه لم يعد بإمكانه الاستمرار".

   

يدعو ذلك للتأمل بدرجة ما، فمن وجهة النظر تلك كان تفكك الاتحاد السوفيتي -بشكل ما- خطوة مفيدة للمواطن السوفيتي، لأن سياسات الانفتاح التي كشفت له فساد الحكّام وضعف المنظومة الشديد أتاحت له أيضا فرصة التذمر، وهو ما حدث بالفعل، أثناء تشيرنوبيل كان الاتحاد السوفيتي مستقرا بدرجة ما، لم يكن أحد ليتوقع سقوطه، لكن انكشاف الحقائق غيَّر خط سيره، لقد بات واضحا أن أي استمرار للمنظومة تلك هو استمرار للفساد.

   

هل كان من الأفضل أن يستمر الكذب والخداع؟ هل كان الحفاظ على الحزب، أو السلطة، أو الإدارة، أو أي من تلك الاصطلاحات الجوفاء التي طالما تسببت في إهانة الإنسان بدعوى "الخير العام" أو "الخير الأكبر"، هو أفضل طريق للناس؟ لا، لأن الكذب لا أقدام له ليقف عليها، في الحلقة الأخيرة من مسلسل "تشيرنوبيل" يقول فاليري ليجاسوف: "كل كذبة نقولها تتحمل دَينا للحقيقة، عاجلا أم آجلا سيتم دفع الدين". دفع هذا الدين عشرات الآلاف من المواطنين الذين أُصيبوا بالسرطان بعد حادثة تشيرنوبيل بجانب قتلى الحادثة نفسها، ومئات الآلاف من البائسين، فقط لأن البعض خشي أن يعرف العالم أن مفاعلاته النووية بها خطأ ما، فقط لأن النظام اتخذ من الكذب سياسة من أجل الحفاظ على ذاته بغض النظر عن الناس. ورغم أن حادثة تشيرنوبيل كانت درسا قاسيا لكل العالم في تلك النقطة، فإن البعض لم يتعلم الدرس.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار