انضم إلينا
اغلاق
مسلسل "Chernobyl".. هكذا أخفق أبناء فلاديمير لينين في حرب الموت والأكاذيب

مسلسل "Chernobyl".. هكذا أخفق أبناء فلاديمير لينين في حرب الموت والأكاذيب

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

 "في آخر يوم من حياتنا تلك، ما قبل تشرنوبل، كنا سعداء"

    

جلست لودميلا أمام الصحفية مرتبكة وهي تستدعي كل ذكرياتها مع جسد زوجها المحترق، كيف اخترقت حواجز المستشفى لتقضي الليالي المتوترة بجواره، وكيف ضاق بهما العالم فتكسرت عظامهما، كيف نجا هو من الحياة بالموت، وكيف واجهت هي الموت بالحياة وحدها إلا من ذكراه التي لا تغيب، ما زالت تشم رائحة الكارثة رغم مرور الأعوام، وتتفحّص العيون التي يغمضها الموت فجأة، هكذا تقول لودميلا، إن الناس تموت فجأة في الشوارع والمحال التجارية، يموتون وباقات الزهور في قبضة أياديهم المرتعشة، يموتون وهم يصمون آذانهم عن سماع الحقيقة، يموتون لأنه ذات مساء انفجر المفاعل النووي تشرنوبل ومنذ تلك الليلة ما زال الموت يزحف ويفترس أجسادهم الحيّة في صمت.

  

أصوات من تشرنوبل
تحتفظ ذاكرة العالم المعاصر بأنه عام 1986 انفجر المفاعل النووي تشرنوبل الذي يقع على حدود أوكرانيا وبيلاروسيا، كان هذا قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، وقبل أن تنكس الرايات الحمراء وصورة الزعيم الأوحد فلاديمير لينين، لكن ما يتبقى من هذه الذكرى المعتمة يشوبه ضباب قبيح، تخبرنا الأرقام الصادرة من الاتحاد السوفيتي سابقا أن هذه الكارثة الإنسانية تسببت في وفاة 31 شخصا، لكن مع أحدث إنتاجات الشركة الأميركية "HBO" التي قدمت منذ أيام قليلة مسلسل "تشرنوبل" لتخبرنا أن أعداد الخسائر البشرية تتراوح من 4 إلى 93 ألف شخص، وأن الحقيقة الوحيدة التي وثّقها الاتحاد السوفيتي عن هذا الانفجار النووي كانت محض أكاذيب. لكن أين تختبئ الحقيقة؟ وما جذورها؟ 

   

 مفاعل تشرنوبل من الداخل (رويترز)

         

في كتابها "صلاة تشرنوبل" الذي يسرد حكايات الناجين من كارثة انفجار تشرنوبل، تتجاور كلمتا الثقة والكارثة، كأن الأخيرة هي نتاج الأولى، تقول الصحفية والكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش*: "وثقنا بما علمونا إياه، أن المحطات النووية السوفيتية هي الأكثر أمانا في العالم"، لكن مع انفجار قلب المفاعل النووي تشرنوبل استبدلت كلمة الرعب بالثقة، وتولدت مشاعر مضطربة موروثة من مخلفات الحروب السابقة، هنا تحولت تشرنوبل إلى ساحة حرب يهرب فيها الإنسان من افتراس الموت، من عدو غير مرئي يخترق جسده ويدمره، هذا العدو هو من صنيعة الإنسان نفسه.

   

"انتشر الموت في كل مكان، لكنه موت من نوع آخر، بأقنعة جديدة ومظهر غير معروف"

(سفيتلانا أليكسييفيتش)

   

ما الذي حدث؟

منذ المشهد الأول يضعنا مسلسل "تشرنوبل" أمام حقيقة واحدة وهي الأكاذيب، وأن المراحل التي يمكننا بها سرد حكاية انفجار تشرنوبل لا يهم فيها من هم الأبطال بقدر الوقوف على أرض الحقيقة، هل يعرف العالم ما الذي حدث بالفعل؟ وما الذي أدى إلى انفجار المحطة النووية الأكثر أمانا؟ اختار كاتب المسلسل "كريج مازن" أن يتتبع دراميا خطوات الجناة، وأن يكشف الستار الكاذب الذي يخفي وراءه فسادا وبيروقراطية تم التعتيم عليهم ليُلقى اللوم في النهاية على ثلاثة موظفين، وفي حقيقة الأمر أن المنظومة السياسية والإدارة السوفيتية مذنبة بالكامل ومتسبّبة في هذه الكارثة النووية، وهو ما سيقوله لاحقا آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف.

  

هنا لعبت الدراما في المسلسل دورا لم تلعبه الحكومات وقت وقوع الكارثة، جعلت مفاعل تشرنوبل هو البطل الرئيس، وحقيقة ما حدث له هو محور أحداث الحلقات الخمسة من المسلسل القصير، كل ما شاهدناه يمكننا مقارنته بالصور والفيديوهات التسجيلية الحقيقية، الصورة هنا تستنسخ من الواقع دون تزييف، ولأن ما قدمته الحكومة للناس مزيفا، كان الاتهام الأول للمسلسل أنه يُزيّف بعض الحقائق، وفي ميزان الدراما فإن ما قدمه المسلسل جاء عكس السائد في الأعمال الدرامية المقتبسة من الواقع، هنا قدّم المسلسل الحقيقة كما حدثت واختزلها فقط في أجساد درامية.

     

 مشهد المحاكمة (مواقع التواصل)

      

لماذا انفجر مفاعل تشرنوبل؟

تخبرنا القاعدة الأولى في إدارة الأزمات بضرورة التحلي بالهدوء الذي سيقودنا بسلام إلى القاعدة الثانية وهي الاستعداد لمواجهة الأزمة[1]، لكن ما شاهدناه في أحداث المسلسل منذ الحلقة الأولى هو حالة من الإنكار لوجود أزمة بالأساس، وهو ما يجعلنا أمام عشرات الأسئلة، أولها: إذا لم يقتنع الإداريون بوجود أزمة في المفاعل النووي، فكيف ستُحلّ؟ هذا الإنكار والتخاذل في الخطو إلى الأمام تسبّب في تفاقم أركان الأزمة، ومرور الوقت على انفجار داخلي في قلب المفاعل سيترتب عليه حتما بركان لن يُطفئ نيرانه شيء، من هنا بدأت الأسئلة تجول في عقول المشاهدين، وأصبحت الصورة كاملة، وهذا هو محور اللعبة الذكية لسيناريو المسلسل الذي جعلنا متورطين في هذه الحرب النووية، متورطين بالمعرفة.

  

الكثير من الكتب والأفلام الوثائقية والحكايات المبتورة من هنا وهناك تجمع لنا شتات ما حدث في تشرنوبل، لكن ما الجديد الذي يقدمه لنا مسلسل "تشرنوبل"؟ يمكننا تلمّس الإجابة كمشاهدين من طريقة سرد واقعة الانفجار وتبعاتها، وكيف أصبحت معرفتنا بالمعلومات تُشكّل جانبا مهما من دراما التشويق. يعرّف المخرج ألفريد هيتشكوك الإثارة (Suspense) بأن تسبق معرفة المشاهد معرفة الشخصيات الدرامية[2]، فكلما زادت معرفة المتلقي عن الشخصية زاد التشويق وزاد تأثرهم العاطفي، وهو النهج الذي اقتفى أثره كريج مازن في السرد على مدار خمس حلقات، فنحن منذ البداية على علم بمعلومات أكبر من معلومات الشخصيات، وكل الأكاذيب نعرف حقيقتها، لكننا في حالة ترقب دائمة مع كل مشهد ومع كل شخصية تواجه الأزمة أو تقاتل من أجل الحياة.

  

بعد فترة طويلة قضاها كريج مازن في القراءة حول تشرنوبل كان هذا السؤال يلاحقه طيلة الوقت: "لماذا انفجر مفاعل تشرنوبل؟"، كل المقالات والكتب والبرامج تتحدث عن ما بعد الانفجار، لكن السؤال عن مجريات الأحداث خلف ستار الكواليس كان التساؤل الأهم. اعتدنا في الأعمال الدرامية التي تسرد لنا كوارث مشابهة أن تنتهي الحلقة الأخيرة بالانفجار الذي هو الحدث الجلل الذي يليق بنهاية الخط الدرامي، لكن مازن لم يشغله الانفجار بقدر تبعاته، وبقدر أسبابه أيضا، لذا، بدأت أحداث الحلقة الأولى من المسلسل بالانفجار ليضع في ذهن المشاهد السؤال الذي طالما لاحق كريج في مرحلة تحضيره لكتابة السيناريو "لماذا وقع انفجار تشرنوبل؟". يقول مازن إن الانفجار حدث تراجيدي بالفعل ولم تكن الكتابة بحاجة إلى تهويل الفاجعة بدرجة أكبر، لكن ما أراد التركيز عليه هو الجانب الإنساني والخسارة الإنسانية التي لا يعوضها شيء[3].

    

دماء وقرابين

   

قدمت الممثلة الأيرلندية "جيسي باكلي" في المسلسل شخصية لودميلا، وهي شخصية حقيقية بالفعل، عرفناها سابقا في كتاب "صلاة تشرنوبل" وهي تسرد حكايتها مع الكارثة. لم تغامر لودميلا بحياتها فحسب، حين جلست بجوار زوجها المصاب من احتراق تشرنوبل بطبيعة عمله كرجل إطفاء، بل إنها ضحّت أيضا دون أن تدري بطفلتها "ناتاشا" التي كانت تنمو في رحمها، تقول لودميلا: "ابنتي أنقذتني"، ثم تستطرد في حديثها بشجن عن ابنتها التي تشبع جسدها بكل مخاطر الإشعاع، وأن الرضيعة التي توفيت بعد ولادتها بسويعات كانت كبش الفداء، والتضحية الأكثر إيلاما، لأن موت الابنة هو السبب الرئيس في حياة الأم إلى الآن.

  

في أحد مشاهد المسلسل، قبل الاجتماع الطارئ مع وزير الطاقة بوريس شربينا وفاليري ليجاسوف بشأن أزمة المفاعل، يقف الاثنان في ممر طويل تستقر على أحد حوائطه لوحة "إيفان الرهيب" للفنان الروسي إيليا ريبين، هذه اللوحة التي تجسد آلام الأب الذي ضرب ابنه "تساريفيتش" على صدغه فمات الابن بين أحضان أبيه، وتترك علامات الذعر ترتسم على عيون الأب وتكسو ملامحه، بينما دمعة صغيرة تنهمر من عيون الابن القتيل الذي راحت حياته على يد أبيه[4]، كأن حياة الابن ضاعت هباء على يد الأب، كأن أسطورة التضحيات تتحقق من جديد.

  

يشترك الابن "تساريفيتش" والطفلة "ناتاشا" في المصير نفسه، فكلاهما زُهقت أرواحهما على يد آبائهما، والإشارات الدائمة التي يقدمها لنا المسلسل تذكرنا طيلة الوقت بالتضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوفيتي لوطنه الكبير، الوطن الذي خدعهم غدرا ودس لهم السم في أنفاسهم، هناك من ماتوا دون ذنب، وهناك الآلاف حملوا أكفانهم وتطوعوا كرها من أجل مساعدة الوطن في تجاوز الأزمة والتخلص من نفايات الانفجار النووي، تقدموا وهم يعلمون أن حياتهم ستنتهي بعد مدة قصيرة، لكن أبناء فلاديمير لينين فُطروا على الطاعة والتضحية، وتعلموا أن أرواحهم تقدم على أوانٍ ذهبية للوطن وسادته كأنهم قرابين لآلهة لا تعرف الرحمة.

  

"ما تكلفة الأكاذيب؟ الخطر الحقيقي هو أنه إذا سمعنا ما يكفي من الأكاذيب لن نعود نميّز الحقيقة على الإطلاق.. في هذه القصص لا يهم من هم الأبطال، كل ما تريد معرفته هو: على من يقع اللوم؟"

    

جانب من المنطقة التي أُجليت بعد كارثة تشرنوبل في بيلاروسيا (رويترز)

      

يضعنا مسلسل "تشرنوبل" أمام الكذب ككارثة تسببت في دمار غير محمود، وعبثا لا يمكننا وضع الأصفاد في أيدي الكذب، فالمذنب الرئيس هنا أفعال بشرية بحتة لا تقتصر فحسب على منظومة الاتحاد السوفيتي -كما قدمتها معالجة المسلسل-، بل على ما يخلّفه الفساد الأخلاقي من فساد وخديعة، هنا، لا يخبرنا المسلسل أن المفاعلات النووية شر يجب التوقف عن بنائه، لكنه يضعنا أمام نتاج سلوكياتنا الأخلاقية الفاسدة، والكذب الذي يدمر علاقة عاطفية أو أسرة صغيرة أو حياة متهم بريء بإمكانه أيضا أن يتسبب في دمار بشري ينتهي بالموت. يقول كريج مازن: "أريد من المشاهدين بعد مسلسل "تشرنوبل" أن يفهموا كيف أن كل حكوماتنا ليست ببعيدة عما حدث في الاتحاد السوفيتي"[5]، الأمر بالنسبة لمازن لا يقف عند حدود انفجار نووي حدث في الماضي، بل إن الخطر واحد وقد يتكرر في حروب أو صراعات أو فساد سياسي سنكون نحن ضحاياه بطبيعة الحال، كضحايا تشرنوبل.

  

بنهاية مسلسل "تشرنوبل" سنعيد فتح العديد من أبواب الماضي المغلقة، حيث تقبع كل الكوارث والأزمات التي خدعتنا بها السياسة وأوهمتنا كذبا بحقائق زائفة، سنفكّر مليا قبل الإقرار بحقيقة أي شيء، نفتح السجلات ونطالع الكتب ونسأل الناس في الشوارع بحثا عن الحقيقة التي تحمل فقط وجها واحدا لا يتلوّن بحلول النهار.

   

"الحقيقة موجودة دائما شئنا أم أبينا.. ستبقى متربصة أبد الدهر"

  

لنعرف المزيد عن الحقيقة، نستعرض لك في النهاية عددا من الكتب والأفلام الوثائقية التي تخبرنا الكثير عن كواليس تشرنوبل، وتكشف لنا جانبا خفيا من الحقيقة الذي لطالما توارى عن أنظار العالم:

  1. كتاب "صلاة تشرنوبل" لـلكاتبة الصحفية سفيتلانا ألكسييفيتش[6]
  2. وثائقي "كابوس تشرنوبل" على شبكة الجزيرة الوثائقية
  3. وثائقي "CHERNOBYL. 3828" للمخرج سيرجيو زابولوتني [7]
  4. وثائقي "Chernobyl: Chronicle of Difficult Weeks"
  5. كتاب "Chernobyl 01:23:40" للكاتب أندرو ليذر بارو [8]
  6. كتاب "Midnight in Chernobyl: The Untold Story of the World's Greatest Nuclear Disaster" للصحفي[9] Adam Higginbotham 
  7. كتاب[10] "Manual for Survival: A Chernobyl Guide to the Future" 
  8. فيلم الدوكيودراما[11] "Chernobyl Nuclear - "Surviving Disaster"" إنتاج BBC 
  9. كتاب[12] "Ablaze: The Story of the Heroes and Victims of Chernobyl"

 -----------------------------------------------------------------

* حصلت الكاتبة على جائزة نوبل في الآداب عام 2015.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار