انضم إلينا
اغلاق
"بلاك ميرور" وبياناتنا بعد الموت.. هل نعلق في عالم "Big Data"؟

"بلاك ميرور" وبياناتنا بعد الموت.. هل نعلق في عالم "Big Data"؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

تَمَلَّك تشارلي بروكر، كاتب وصانع مسلسل "المرآة السوداء" (Black Mirror)، إحساس غريب في اللحظة التي ظهر فيها أمامه رقم صديقه المُتوفّى. كان في ذلك اليوم يتصفح الأرقام المسجلة على هاتفه ليمسح بعضها ويفسح المجال للبعض الآخر -حدث ذلك في ماضٍ ليس ببعيد كانت فيه ذاكرة هواتفنا الجوالة محدودة للغاية- حين ظهر أمامه فجأة اسم ورقم صديق كان قد تُوفّي قبلها ببضعة أشهر. من الناحية العملية، لن يحتاج بروكر إلى هذا الرقم مجددا أبدا، ومع هذا، فقد وجد نفسه عاجزا عن مسحه، فهو على حد قوله: "ذكرى تركها شخص قد رحل، ومن ثم سيكون عليّ الاحتفاظ بها والبحث عن رقم آخر لأمسحه". ومن تلك الحادثة البسيطة، وُلدت لدى بروكر فكرة حلقة "سأعود بعد قليل" (Be Right Back) من مسلسل "المرآة السوداء". [1] [2]

  

تدور هذه الحلقة حول مارثا التي رحل عنها زوجها آش، ومثل صديق بروكر، ترك خلفه بعض البيانات الإلكترونية. لكن بيانات زوج مارثا الراحل، كحال معظمنا اليوم، تتعدى مجرد كونها اسما ورقمَ هاتف؛ فقد ترك آش خلفه أرشيفا ضخما من البيانات الرقمية على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي على غرار فيسبوك وتويتر وإنستغرام، ورسائل كثيرة بعث بها لمارثا على مدار علاقتهما الطويلة، وصورا ومقاطع مصورة تجمعه بمارثا وبأصدقائه وعائلته. ولأن أحداث "المرآة السوداء" تدور في مستقبل وصل فيه التطور التقني إلى حدود غير مسبوقة، تجد مارثا استخداما لبيانات آش الرقمية أفضل بكثير من مجرد الاحتفاظ بها على قرص صلب.

     

  

قد يبدو السؤال المبدئي الذي تطرحه تلك الحلقة من المسلسل عن مصير بياناتنا الرقمية بلا أهمية كبيرة لنا اليوم، لكن عندما نعرف أنه بحلول عام 2070 سيصل عدد حسابات فيسبوك التي تُوفي أصحابها إلى 4.9 بليون حساب، ما يعني أن عدد الأموات في فيسبوك سيتخطّى عدد الأحياء ويتحوّل فيسبوك حينها إلى مقبرة إلكترونية فسيحة، يصبح من البديهي أن نبدأ في التساؤل عمّا سيحدث لكل تلك البيانات التي نتركها خلفنا.[3]

 

في "سأعود بعد قليل"، يقدم بروكر تخيّلا لواحد من السيناريوهات المتوقع حدوثها في المستقبل القريب. فمارثا مفطورة القلب، في لحظة ضعف ووحدة تامّة، تستخدم بيانات آش الإلكترونية في برنامج تجريبي يُتيح لمستخدميه رفع بيانات مَن رحلوا، ومن ثم يخلق البرنامج ذكاء اصطناعيا يقوم بمحاكاتهم. وفي اللحظة التي تحدث فيها تلك المحاكاة، يبدأ السؤال الثاني، والأهم، الذي تطرحه تلك الحلقة من المسلسل: هل ستغير التكنولوجيا بشكل جذري تجربتنا مع الموت؟

      

        

موت ليس كالموت 

يبقى الموت منذ اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا على الحياة الحقيقة الوحيدة غير القابلة للشك. لم يذهب أحد في تلك الرحلة المحتومة للعالم الآخر وعاد ليروي لنا ماذا ينتظرنا هناك، ولهذا، قضت البشرية الشطر الأكبر من تاريخها في تكهّنات عمّا سيحدث بعد أن نغمض أعيننا للمرة الأخيرة. لكن، بعيدا عن التكهنات، نعرف جميعا، بدرجة ما، ما سنشعر به وكيف سينقلب وجودنا رأسا على عقب عندما يُواري الموت عنّا أحد أحبائنا. وحدة مطلقة، أسى لا يشبهه شيء، خواء يستعصي وصفه على الكلمات، وحنين، حنين لا يُطاق، فمَن نَحِنُّ إليه رحل عنّا للأبد ولن يقدر على إرجاعه إلينا شيء.

 

"ظهر الحنين للعالم أول مرة عندما نحت أحدهم وجه مَن يفتقده في الصخور"

(بلال علاء)

   

نحاول أن نضمّد ذلك الحنين بالأغراض الصغيرة التي تركها مَن رحلوا خلفهم، تلك التي لمسوها يوما فتركوا فوقها شيئا من رائحتهم وذكرى أثيرية لوجودهم، نحاول أن نتلمّس فيها آثار ذلك الوجود. ويساعدنا التطور التقني على هذا، فيمكننا الآن أن نتأمل وجوه أحبائنا المرسومة في الصور في يوم صيفي سعيد خلّدته ضغطة زر على الكاميرا، وأن نصبّ في آذاننا المشتاقة إليهم صوتهم من تسجيل قديم. واليوم أيضا، يمكننا أن نعود ونقرأ آلاف الرسائل التي تشاركناها يوما وسجّلها أحد التطبيقات.

   

    

هكذا تبدو تجربتنا مع الفقد في الوقت الراهن، أقصى ما نستطيع الوصول إليه هو تذكارات بسيطة لمَن نَحِنُّ إليهم تحمل أشكالهم وأصواتهم وطريقتهم في الكلام. لكنها أبدا لن تُمكّننا من التواصل معهم من جديد في لحظة وحدة مطلقة، وهو أكثر ما احتاجت إليه مارثا حين اكتشافها أنها حبلى من آش الذي رحل. في لحظة الوحدة المطلقة تلك، امتلكت مارثا خيارا ليس متاحا لنا الآن. تطبيق أخبرتها عنه صديقة لها مات عنها زوجها أيضا، يستطيع أن يخلق ذكاء اصطناعيا يُحاكي أي شخص عبر التدرب على بياناته الإلكترونية. وفي لحظة الإحباط الشديدة التي تملّكتها، ورغم تقززها المبدئي من الفكرة، وجدت مارثا نفسها على استعداد أن تفعل أي شيء لتتحدث مع آش، أو ما يشبه آش، مرة أخرى.

  

كحال عوالم مسلسل "المرآة السوداء"، لا تقع الشخصيات سوى على بُعد ضغطة زر واحدة من واقع مغاير لكل ما عهدناه في واقعنا الفعلي. تضغط مارثا تلك الضغطة، وفورا، تجد نفسها على الجانب الآخر من حديث يجمع بينها وبين ما يبدو للوهلة الأولى، ولفترة طويلة بعدها، آش. تندمج مارثا كليا في الكلام مع آش المزيف، تستكشف ذلك البرنامج الغريب الذي يُحاكي ببراعة طريقة زوجها الراحل الساخرة في الحديث، تقضي الليل بطوله تتحدث معه، وبعدها، وعندما تُعبِّر عن اشتياقها لصوت زوجها ورغبتها في سماعه مرة أخرى يتحدث إليها، يكشف لها آش المزيف أن ذلك ليس بالشيء الصعب، فقط ستمد البرنامج بفيديوهات ومقاطع لآش، وستتوّلى الخوارزمية فعل كل شيء. لا تمر سوى دقائق وتجد مارثا بعدها نفسها تتحدث وصوت آش يرد عليها، ولا تمر فترة طويلة قبل أن تكتشف أنه لقاء دفع مبلغ كبير من المال، سيُمكنها شراء محاكاة مِن سيليكون لجسد آش تستضيف المحاكاة الإلكترونية له. سيبدو كما لو أن آش لم يرحل ويتركها، أليس كذلك؟ ليس تماما، وهو ما ستتعلّمه مارثا بالطريقة الصعبة.

     

    

آمال كبيرة ووعود زائفة

يكمن سر تميز حلقة "سأعود بعد قليل" في كونها تنطلق من مفهوم إنساني وحساس للغاية -على العكس من بقية حلقات المسلسل التي تدور أغلب الوقت حول مفاهيم فكرية مجردة-، وتناقش سؤال: كيف نتعامل الآن، وكيف سنتعامل في المستقبل، مع موت أحبائنا؟ أسّس سيناريو بروكر لذلك الجزء الإنساني والعاطفي من الحلقة في أول عشر دقائق. فعلى العكس من حلقات "المرآة السوداء" الأخرى التي تستغل الفصل الأول من القصة في الـتأسيس لعالمها الغريب، اختار بروكر أن يؤسس عوضا عن هذا لعلاقة آش ومارثا.

   

هنا، نتعرف عليهما، ونرى فيهما حبيبين يبدو عليهما الاعتياد والأريحية الشديدة في التعامل مع بعضهما بعضا، ما يخبرنا أن ماضيا طويلا يجمع بينهما. ونعرف أيضا أن آش مدمن على استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ما سيلعب دورا كبيرا في تسهيل "استعادة" مارثا إليه عبر البيانات الكثيرة التي تركها عليها. والأهم من كل هذا، سنرى آش الحقيقي المصنوع من لحم ودم، ما سيُمكّننا بعدها من مقارنته بآش المصنوع من سيليكون ودوائر كهربية.

  

 

يورط هذا الجزء من الحلقة، على قِصَره، المشاهد مع مارثا. فنعرف خلاله طبيعة العلاقة الحميمية والدافئة التي تجمعها مع آش، والذي يؤسس لما سيعتريها من وحدة وانكسار مع موته، ويجعل المشاهد قادرا بسهولة على وضع نفسه في مكانها، والتعاطف مع خيارها في استعادته مرة أخرى عبر التقنية. في خيار مارثا ذلك، تكمن المعضلة الأساسية للحلقة. فمارثا في معاناتها من مشاعر الفقد بعد موت آش، تقع عند أول مرحلة من مراحل الحزن الخمسة، كما جاءت في نموذج الطبيبة النفسية السويدية كيوبلر-روس والمكونة من: إنكار، غضب، مساومة، اكتئاب، تقبّل. [4] وحتى تعبر مارثا بسلام من الإنكار حتى التقبّل، عليها المرور بكل المراحل الأخرى من غضب ومساومة واكتئاب. هنا، تتدخل التقنية في القصة، وتتلاعب بمشاعر مارثا مُفسدة التطور الطبيعي، والمؤلم لا محالة، في رحلتها لتجاوز موت آش.

   

فعندما تتحدث مع آش المزيف وتجده يتحدث تماما كآش الحقيقي، تدفن نفسها أبعد في المرحلة الأولى، مرحلة الإنكار. فتتظاهر مارثا هنا، وبمساعدة التقنية، كما لو أن آش لم يرحل، وتُعامل البرنامج الإلكتروني تماما كما كانت ستُعامل آش. تكلّمه حتى ساعات متأخرة في الليل، وتأخذه معها في نزهات في الطبيعة، وتصطحبه في زياراتها لطبيبة التوليد. فآش الإلكتروني يُحاكي آش الحقيقي بشكل جيد بما فيه الكفاية ليُبقيها أسيرة لذلك الوهم. وعلى مستوى آخر من الحدث، تخبرنا الصورة بشيء عكس ما يخبرنا به تتبّعنا لانفعالات مارثا التي يبدو عليها السعادة برفقة آش المزيف. فعندما تتحدث مارثا عبر حاسوبها الشخصي معه، نرى غرفتها مُغرقة في الظلام، لا مصدر للنور فيها سوى شاشة الحاسوب التي ينبعث منها ضوء أزرق بارد باعث على التوتر ومُنذر بالسوء.

   

      

تأتي نقطة التحوّل عندما تختار مارثا أن تأخذ آش المزيف من الأجهزة الإلكترونية التي يسكنها وتعطيه جسدا، وهنا تتفق الصورة والحدث فيما يُخبراننا به: مارثا اتخذت قرارا سيؤذيها. فعلى العكس من الصورة الذهنية الموجودة لدينا عن الميلاد كلحظة انعتاق وبداية جديدة يغمرها الضوء، "يولد" آش المزيف ليلا، في حمام غارق في عتمة لا يقطعها أي نور. وعلى عكس المتوقع من أن تدفع مارثا النسخة المجسمة من آش أبعد وأبعد في الإنكار، تبدأ الهوة بين الإنسان الذي أحبّته وبين محاكاته المصنوعة من سيليكون في الانفتاح من تحت قدميها، مهددة الثبات النفسي الهش الذي مكّنتها منه التقنية، ومُعلِّمة إياها بطريقة قاسية أن بعض ما يُريحنا في اللحظة الراهنة قد يصير سببا من أسباب تعاستنا فيما بعد.

   

فبالرغم من أن آش المزيف المتصل بالإنترنت يتعلم من أفلام البورن ويطارحها الغرام مثلما لم يفعل آش الحقيقي يوما؛ وبالرغم من أنه، أيضا بفضل اتصاله بالإنترنت، يعرف تماما الكمية القصوى من الكحول التي عليها كامرأة حبلى ألا تتخطاها ويحذرها عندما توشك أن تفعل هذا؛ وبالرغم من أنه لا يمتلك حياة منفصلة عنها ما يجعله موجودا دائما رهن إشاراتها؛ بالرغم من كل هذا، أو ربما بسببه، تكتشف مارثا أن آش المزيف ليس إلا خادما إلكترونيا ولن يصلح يوما لأن يحل محل زوجها الميت.

  

   

  

هذا ما تكتشفه مارثا، وتكتشف معه أيضا أن آش المزيف هو مجرد واجهة التصقت فوقها بعض الجوانب السطحية من شخصية زوجها بلا سياق يجمعها: "أنت لست هو، أنت مجرد صدى له بلا ماضٍ أو تاريخ، أداء خاوٍ لأشياء كان يؤديها بلا تفكير". لكنها تكتشف ذلك كله بعد فوات الأوان. نقول بعد فوات الأوان لأن الطريق الذي اتخذته مارثا لا رجعة فيه، فوجود ما يحمل صوت زوجها وصورته ويحاكيه على مستوى ما يُبقيها عاجزة عن التخلص من ذاك الشيء، ومع عجزها عن التخلص منه تعجز أيضا عن المرور بمراحل الحزن الباقية وتخطي موت آش، ما يُبقيها أسيرة لذلك الموت، تعيش دوما في ظله، عاجزة عن تخطيه لحياة أقل إيلاما.

   

بتتابعين اثنين عبّر بروكر عن كل تلك المعاني. في التتابع الأول يتحدّث آش وهو بعد على قيد الحياة مع مارثا، ويروي لها كيف أن والدته بعدما مات أخوه حزمت كل صوره وأغراضه ووضعتها بعيدا عن الأنظار في العُلية. وفي التتابع الثاني، نرى مارثا بعد سنوات طويلة من موت آش في البيت نفسه بصحبة ابنتهما التي كبرت وصارت على أعتاب المراهقة. نظن في البداية أنهما يعيشان هناك وحدهما، إلا أننا نكتشف في المشهد التالي أنه مثلما وضعت أم آش أغراض أخيه الميت في العُلية، خبأت مارثا آش المزيف هناك.

 

يقع المشهد الأول في بداية الحلقة، والثاني نهايتها، ما يعطي للقصة بناء دائريا يخبرنا أنه مهما اختلفت الأوقات يبقى حزننا على مَن رحلوا واحدا، لكنّ طرقنا في البحث عن الالتئام تختلف. ففي المستقبل، قد تتحوّل صور الماضي العادية التي وجدنا فيها بعضا من المواساة إلى مجسمات ثلاثية الأبعاد تجاذبنا أطراف الحديث. لكن بينما ينتهي تاريخ الصورة عند لحظة التقاطها ولا تصير بعدها أكثر من ذكرى للحظة لن تتكرر، تعدنا المجسمات المزيفة بالكثير. مَن يدري، ربما تَصدُق تلك الوعود حقا، أو نكتشف مثل مارثا أنها كانت وعودا كاذبة، لن تمدنا سوى بخواء لا يُسمن ولا يغني من جوع، لكننا سنبقى في النهاية نبتلعه كمدمن يُسكّن آلامه بسموم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار