انضم إلينا
اغلاق
رأسمالية "ريك ومورتي".. كيف استطاع مسلسل كارتون أن يشرح معاناة الإنسان الحديث؟

رأسمالية "ريك ومورتي".. كيف استطاع مسلسل كارتون أن يشرح معاناة الإنسان الحديث؟

مها فجال

محررة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

هنالك صفات كثيرة يمكننا أن نستخدمها لنَصِفَ ريك سانشيز: إنه عبقري، مغرور، نَزِق، أناني، إنه سكّير، وحيد، تعيس، ويرفض الاعتراف بذلك، وهو بالإضافة إلى كل ما سبق لا مُنتمٍ. يُعرِّف الكاتب كولن ولسون في كتابه "اللا منتمي" ذلك النوع من الأشخاص كالآتي: "هو شخص يرفض أن يعيش حياة العوام المريحة والمعزولة، يرفض أن يُسلِّم بما يراه ويلمسه على أنه الحقيقة النهائية، فهو يرى بعمق أكثر من اللازم"[1]. يرفض اللامنتمي بالضرورة أن يكون جزءا من المجتمع بأنظمته القائمة، فيتمرّد عليه ويتطرّف في ذلك التمرُّد أحيانا. وهو ما ينطبق تماما على ريك C137 من كوكب الأرض، بطل أحداث مسلسل "ريك ومورتي".

   

فعلى طول أحداث المسلسل بمواسمه الأربعة، يأبى ريك أن يكون جزءا من أي كيان أكبر منه. فيحارب الحكومة المجرّية (Galactic Federation) ويسعى إلى تدميرها، ولا ينضم إلى "قلعة نُسخ ريك" (Citadel of Ricks)، مثلما فعلت ملايين النُّسخ منه في أبعاد أخرى. ولأن ريك رجل ذكي، فإن هناك بالضرورة ما يجعله يتمرّد على تلك الأنظمة ويرفض الانتماء إليها، فما السبب يا تُرى وراء ذلك؟ 

   

    

ريك: اللا منتمي

كتب الروائي البلغاري إلياس كاناتي ذات مرة يقول: "لا يخشى الإنسان شيئا خشيته من المجهول، فهو يودُّ دوما أن يرى ما سيواجهه، ويميل إلى تجنُّب الاتصال مع أي شيء غريب. كل المسافات التي يضعها البشر من حولهم هي نتيجة لذلك الخوف". تلك المسافات ليست بالضرورة مسافات مادية، فقد تأتي أحيانا على هيئة أنظمة صارمة يبنيها البشر من حولهم ليعيشوا في أُطرها حياة روتينية متوقعة، مضيّقين فيها مساحة غير المألوف أو الغريب أو الصادم إلى أقصى حد.

    

في عالمنا -والعالم من حول ريك- يعيش البشر اليوم في ظل واحد من تلك الأنظمة: النظام الرأسمالي الحديث. ففيه، يقضي معظم البشر يومهم أسرى داخل وظائف روتينية، مربوطين إلى مكاتب صغيرة يذهبون إليها كل صباح ليؤدّوا وظائف معظمها غير ذات تأثير، "روبوتات تظن أنها ذات إرادة حرّة"[2]، كما كتب عالم النفس إريك فروم، حياة لا مساحات كبيرة فيها للخطر أو المجهول، ولا للحرية أو الفردانية كذلك.

   

ليس عالم "قلعة نُسخ ريك" (Citadel of Ricks) الذي يتمرد عليه ريك ويرفض الانتماء إليه سوى محاكاة لذلك النظام. فلكونهم عُرضة دائما للخطر بسبب أعدائهم الكُثر، تتفق بضعة آلاف من نُسخ ريك عبر أبعاد مختلفة على تأسيس عالم مُصغَّر خاص بهم وحدهم، وتشاركهم نُسخ مورتي التابعة لهم العيش فيه. يحكم المؤسسون ذلك العالم بجيش يجلسون على قمته، وتكون ملايين لا حصر لها من نسخ "ريك" و"مورتي" -كما أشار ريك في إحدى الحلقات- قوام المجتمع من تحتهم.

     

  

بالرغم من كون ذلك العالم صناعيا، وبالرغم من أن سُكّانه هم نُسخ من الرجل الأذكى في الكون، فإنه يُحاكي عالمنا في معظم تفاصيله. حيث يعيش مجتمع الريكس -جمع "ريك"- طبقا للهرم الاجتماعي نفسه الذي ينقسم إليه البشر على الأرض، فعلى القمة يجلس طبقة حاكمة وسياسون أثرياء وأصحاب رؤوس أموال يقضون حياتهم مُنعّمين في رفاهية، بينما يزدحم الوسط بملايين آخرين من نُسخ ريك عليها أن تعمل بكدّ في مهن روتينية حتى تجني ما يكفيها للعيش. أما القاع، فمحجوز فقط لنُسخ "مورتي" التي تسكن على أطراف أزقّة وضيعة تُعشّش فيها الجريمة.

   

نتبع واحدا من نُسخ ريك، في الحلقة التي تتناول القلعة، عن كثب. إنه ريك الطبقة المتوسطة الذي قضى خمسة عشر عاما أسيرا لخط إنتاج، لا يفعل شيئا في يومه أكثر من الكدّ أمامه ليلا ونهارا. هو في ذلك نُسخة لا يكاد يميزها شيء عن المئات من زملائه الآخرين الواقفين على الخط نفسه، والذين تفرض عليهم مهنتهم المشتركة الحياة نفسها. في نهاية الحلقة، ينفجر ريك العامل صارخا: "لقد قالوا لنا أننا مميزون، ثم سلبونا كل ما قد يجعل أيًّا منّا فريدا".

   

هكذا نرى، لو جمّعت نُسخا لا متناهية من الشخص الأكثر عبقرية في الكون وفرضت عليها نظاما خانقا كالرأسمالية، فإنك ستنتهي بملايين تعيش في بلادة حياة رتيبة لا مجال فيها للمغامرة، للحرية، للإبداع، للتفرّد، حياة يأبى ريك كوكب الأرض من البُعد C137 أن يعيشها، ومن ثم ينطلق في التمرُّد عليها. القلعة ليست النظام القمعي الوحيد في المسلسل الذي يتمرّد عليه ريك ويحاربه، فهو أيضا مُصنَّف كواحد من أخطر أعداء "الحكومة المجرّية" (Galactic Federation)، الكيان العابر للمجرّات يحاول أن يُخضِع شتى الكواكب إلى سلطته.

       

  

على الجانب الآخر، يعيش البعض في وفاق تام مع تلك الأنظمة، فالأمان والاستقرار اللذان تغلّفهم به أهم بكثير بالنسبة إليهم من حريتهم وفردانيتهم التي يدفعونها في المقابل. جيري سميث، زوج ابنة ريك، هو واحد من هؤلاء. فأسعد لحظاته في المسلسل تأتي عندما تُخضع الحكومة المجرّية (Galactic Federation) الأرض لسيطرتها، وتؤمّن لجيري وظيفة بعد أن فشل لسنوات في إيجاد عمل.

   

في ظل حكم الحكومة المجرّية، يعود جيري لزوجته وأبنائه بعد انقضاء ساعات عمله ويعلن لهم: "استيلاء الحكومة المجرّية على الأرض هو أفضل ما حدث لهذه الأسرة! ترقّيت اليوم للمرة السادسة خلال أسبوع وأنا لا أعرف حتى ما وظيفتي!"، ليس جيري وحده الذي لا يعرف ما وظيفته أو لا يدري ما أهميتها، فوفقا لعالِم الأنثروبولوجيا دافيد جرايبر، يشاركه 37% من القوى العاملة في ذلك، لكن على عكسه، فعدم معرفتهم للهدف وراء وظائفهم يُشعرهم بانعدام جدواهم ويؤدّي إلى تدهور الحالة النفسية للبعض[3].

   

في وفاق جيري لتلك الأنظمة، وتمرُّد ريك عليها، نجد أحد أهم أسباب كراهية الاثنين العميقة لبعضهم بعضا. فجيري هو ما يصفه ريك في إحدى الحلقات بـ "كتلة بليدة من جزيئات اجتمعت معا بشكل عشوائي وأخذت تطفو في أي اتجاه يُلقي بها الكون فيه"، وهو ما يصير إليه أي شخص يتخلّى عن المغامرة في الحياة ويخضع للقوالب التي يصبّه فيها النظام في وجهة نظر ريك، فبالنسبة إليه أن تعيش بحقّ عليك "أن تُغامر وتضع كل شيء على المحك".

    

  

فالحياة في نظر ريك بعيدة كل البُعد عن تلك التي يرسمها النظام لنا، هي ليست إطارا موضوعا سابقا يخضع إليه ويعرف في كل مرحلة من مراحله تفاصيل ما سوف يأتي، بل هي مغامرة تتفتح فصولها على كل جديد. أما مَن يعيشون في ظل النظام وطبقا لقواعده، فليسوا بالنسبة إليه أكثر من "حمقى خلقهم كون مولع بكل ما هو عادي ليلتهمهم في النهاية".

   

تحقيقا لرؤيته تلك للحياة، يدمن ريك المغامرات، فليس أسهل عليه في كل مرة يشعر بالملل أن يضغط على المسدس العابر للأبعاد (Portal Gun) ويدخل مغامرة جديدة. هكذا، يعيش ريك الحياة بخفة، مقاوما أي ثقل قد يقيّده، ولا تأتي القيود بالنسبة لريك فقط على هيئة كيانات قمعية عابرة للأبعاد على غرار القلعة أو الحكومة المجرّية، فهنالك شكل آخر لها يخشاه ريك بعنف: الارتباطات الإنسانية. ولهذا الخوف، وقعت أسرة ريك، ووقع هو نفسه، ضحايا.

   

ريك: الرجل الأكثر وحدة في هذا الكون

"لا يوجد ما هو أسهل على ريك من الهرب"

  

عندما حوّل ريك كل أشكال الحياة على كوكب الأرض إلى وحوش عملاقة، أخذ مورتي وهرب إلى بُعد آخر كل شيء فيه على ما يُرام. وقبل ذلك بسنوات طويلة، يمكننا أن نحزر أنه مرّ بمشكلة في زواجه على ذلك الغرار، جعلته يأتي بالحل ذاته ويهجر عائلته الصغيرة إلى حيث لا يدري أحد. في الحالة الأولى، خلّف ريك وراءه كوكب الأرض وقد ارتدّ إلى أزمنة ما قبل التاريخ، وفي الحالة الثانية، ترك في أنقاضه ابنته الصغيرة بيث لتُعاني معاناة سيتردّد صداها لسنوات، وسترثها أسرتها معها.

     

  

ففي إحدى الحلقات حين تسترجع بيث ذكريات طفولتها ويذكّرها ريك بكل الأشياء الغريبة والعدوانية التي كانت تفعلها، تفسرها بيث بكونها محاولاتها الطفولية في لفت انتباهه إليها. كامتداد لهذا، يمكننا أن ننظر إلى حمل بيث في الثانوية من شخص غير جذّاب أو ذكي بالحد الأدنى على غرار جيري، ثم زواجها منه الذي غيّر مسار حياتها بالكامل، بالطريقة نفسها، صرخة لجذب انتباه والدها المنشغل عنها في طفولتها، والذي رحل عنها إلى حيث لا تدري في مراهقتها ونضجها.

   

هكذا، يمكننا أن نرى في هجر ريك لبيث اللبنة الأولى التي بنت عائلة بيث وجيري، وبالتبعية عائلة ريك التي يضرب المرض في جذورها، فتحتفظ بيث بحملها، وتلد سمر طفلتها الأولى، وبعدها بسنوات تتبعها بمورتي، لترصف هكذا لنفسها للأبد طريقا هي ليست على ثقة أنها أرادت أن تخطو فيه خطوة واحدة. تمضي السنوات على هذه الأسرة الصغيرة دون أن يحدث في حياتها أي شيء غير مألوف أو غير اعتيادي، حتى يعود ريك مجددا إلى الصورة.

   

مثلما هجر ريك بيث في السابق دون أي تفسير، عاد إلى حياتها مرة أخرى بلا تفسير أيضا. وكعادة ريك عندما يدخل على أي جماعة أو نظام قائم -في حالتنا هذه عائلة بيث وجيري- تضرب الفوضى المكان. فعندما ترى بيث والدها الذي طالما قدّست عبقريته مرة أخرى، تُبدّيه مرة تلو المرة على زوجها جيري وعلى طفليها أحيانا، وبسبب مغامراته الكثيرة مع ريك، يعجز مورتي عن أن يعيش حياة عادية كأي مراهق، وفي وسط كل هذا تشعر سمر أنها مُهمَلة ولا أحد يكترث لأمرها. تصل تلك الفوضى إلى ذروتها عندما ينتهي زواج بيث وجيري كنتيجة مباشرة لوجود ريك.

     

  

وأمام كل تلك الفوضى التي سبّبها، يلجأ ريك لحل وحيد: الهرب. ريك، الرجل الأذكى في الكون، يجد من الأسهل عليه أن يواجه كائنات فضائية خارقة ومنظمات قمعية عابرة للأبعاد، على أن يتواصل مع المقرّبين إليه. فيُسخِّر دائما ذكاءه الخارق لا لحل مشكلاته، بل للهرب منها، هو يستطيع أن يصنع عالما كاملا خياليا لابنته بيث في طفولتها، لكنه يعجز عن أن يُجالسها ويتواصل معها كأي أب، ويستطيع أن يُحوِّل نفسه إلى قطعة من الخيار المخلل، لكنه يعجز عن حضور جلسة علاج أُسري لمواجهة مشكلات عائلته التي كان هو نفسه سببا أساسيا فيها.

   

فحتى تتواصل بشكل عميق مع شخص آخر، يصير عليك أن تكشف جزءا من هشاشتك واحتياجك إلى ذلك الآخر، وهو ما يرفضه ريك وتأباه عليه نرجسيته. لهذا، يقنع نفسه أنه لا يحتاج إلى أي أحد، فكما يقول في إحدى الحلقات: "الحب هو تعبير عن أُلفة تأتي مع الوقت، ولأني أستطيع أن أسافر إلى عدد لا نهائي من الخطوط الزمنية، لا أجد بي حاجة إلى الارتباط بأي شخص". هذا ما يظنه عن نفسه، لكن ذلك الظن هو ميكانيزم دفاعي آخر، محاولة أخرى للهرب، فريك ليس فقط الرجل الأذكى في الكون، بل الرجل الأكثر وحدة أيضا. ووحدته، كعبقريته، من صنع يديه، فيُبدِّد مرة تلو الأخرى كل فرصة للتواصل، ليجد نفسه حبيسا لسياج من عزلة وحزن.

   

في الموسم الأخير من المسلسل، تأتي لريك تلك الفرصة على هيئة طوني، الفضائي الذي اعتدى على خصوصية ريك وأخذ يستخدم مرحاضه الخاص الذي وضعه في كوكب منعزل. يُهدِّ١د ريك طوني بالقتل إذا ما اقترب من مرحاضه مرة أخرى، لكن طوني لم يكن محض فضائي آخر، بل روح وحيدة تفهم ما يعتري قلب ريك من ألم. ولهذا، لا يهرب طوني، بل يعود مرة أخرى إلى المرحاض حتى يقابل ريك ويتحدث معه.

     

  

حينها، لا يفعل ريك إلّا ما اعتاد أن يفعله، يهرب من فرصة التواصل، ويُسخِّر عبقريته ليُبقي طوني بعيدا عنه. فيحتفظ ريك بكل أولئك الذين يودّ أن يُبقيهم بعيدين عنه وفي الوقت نفسه لا يرغب في إيذائهم في غرفة في مختبره، منوّمين داخل عقار هلوسة، ما يُوضِّح لنا لأي مدى قد يذهب ريك حتى لا يضطر أن يفتح قلبه لأي شخص. وهناك، يضع طوني.

   

لا ينجح العقار مع طوني، فيُطلق ريك سراحه ويتوعّده حتى لا يأتي مرة أخرى. لكن ريك هو الذي يأتي إليه في المرة التالية، فقد أبى عليه غروره أن يتصالح مع كون أحدهم قد اخترق حواجزه واستبصر ما يعانيه من وحدة، ومن هنا، يحاول إذلال طوني. كان يخطط أن يجذب طوني للمجيء إلى المرحاض مجددا، وفور جلوسه عليه، تنطلق مزحة ريك القاسية. عندما يحاول ريك مقابلة طوني مرة أخرى، يكتشف أنه ذهب إلى حيث لن يستطيع ريك إيجاده أبدا، مات طوني.

   

تضرب الوحدة حينها كيان ريك، وتضغط بثقلها عليه. اخترقت أُلفته لطوني أسيجة عزلته رغما عنه، وعندما رحل شعر بخواء يحطم قلبه. إلى المرحاض حيث اكتشف وجود طوني أول مرة، وحيث حضّر له الخدعة، يذهب ريك سكيرا. فور جلوس ريك على المرحاض، تنطلق الخدعة التي صار هو فريستها، عشرات الأطياف له تصرخ معا: "هاك! استمتع بالجلوس هنا وفكّر، لا أحد يريد أن يكون قريبا منك، فقد أفسدت كل شيء على نفسك، أنت أيها الوغد الكبير".

     

  

يظن ريك أنه بردّه لمحاولات الآخرين التواصل معه بقسوة فهو يؤذيهم، لكن ما لا يُدركه، أو ما يدركه ويحاول إنكاره، أنه يؤذي نفسه في هذا بالقدر نفسه. تُمثِّل خدعة المرحاض المجاز الأمثل على هذا، فالمقلب الذي جهّزه لإذلال طوني أذَّله هو، ووجد نفسه في النهاية يجلس عاريا وهشّا، ويستمع إلى عدوه الذي لم يقهره أبدا؛ ذاته وهي تتلو عليه كل ما يعانيه في ضحك هازئ.

   

في تلك اللحظة من الوحدة القارصة، لم يكن لذكائه نفع، فالعبقرية، رغم رغبة ريك في أن يؤمن بالعكس، لا يمكنها أن تحل كل شيء، أحيانا، يكمن الملاذ الوحيد من برودة وعدم اكتراث الكون في الانتماء للآخرين، في الاستسلام لحاجتنا إلى أن نكون جزءا من كلٍّ أكبر -من عائلة، من مجموعة أصدقاء- نجد في وجوده ملجأ من كل ما هو قاسٍ وسيئ في هذه الحياة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار