انضم إلينا
اغلاق
الواقعية المفرطة: عندما يصبح الواقع ضربا من الخيال!

الواقعية المفرطة: عندما يصبح الواقع ضربا من الخيال!

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض

في كتابه "آفاق الفن التشكيلي" يقول مختار العطّار، إن القرن العشرين أقبل بطوفان لم يسبق له مثيل من الاتجاهات والأساليب الفنية؛ التي وصلت حد الابتذال، وحار فيها المراقبون والنقاد؛ حتى إن بينالي فينيسيا وهو أحد أهم وأعرق المعارض الدولية، أغلق أبوابه منذ بضع سنوات على مدى دورتين متتاليتين، تحت ضغط المظاهرات والاحتجاج على ما وصل إليه الإبداع الفني من التفاهة والتدني.

دينيس بيترسن، دوامة (مواقع التواصل الاجتماعي)


بعد فضيحة البينالي، ظهر في عالم الفن التشكيلي في أمريكا اتجاه جاد؛ تتوافر فيه كل عوامل المعاصرة، هو أسلوب "الهايبر رياليزم" أو "الواقعية المفرطة" يعتمد هذا الأسلوب بشكل جزئي على التصوير الفوتوغرافي؛ لذلك يميل بعض النقاد إلى أن يطلقوا على هذا الاتجاه الجديد "الواقعية الفوتوغرافية"؛ لأن فنانينه يعتمدون بشكل كبير على آلات التصوير، التي يميل بعض النقاد إلى التقليل من شأنها في الأعمال الفنية، مع أن الكاميرا منذ أن ظهرت، كانت محط اهتمام وإعجاب الكثير من الفنانين العظماء.

 

ويشير مختار العطار إلى أنه رغم ذلك لم يستخدم الواقعيون المتفوقون الكاميرا مباشرة لمجرد نقل صور الأشياء؛ إنما استعانوا بها بشكل استطيقي /جمالي؛ كما فعل فنانو الأسلوب الجماهيري "بوب - آرت" حين استفادوا من التصوير الفوتوغرافي في وضع الألوان الصريحة خلال عمليات التحميض وغيرها.

ففي رأيه؛ تعمل "الواقعية المفرطة" على إبراز ما تهمله عدسة العين البشرية، وتعوض أخطاء العدسات الزجاجية، وتخرج صورا تتفوق بدقتها على الكاميرا؛ فتثير الانتباه إلى الجمال الكامن في التفاصيل الدقيقة المهملة. تجاوز هذا الفن الواقعي الجديد كل ما عداه من الإبداع الواقعي على مر التاريخ؛ بما في ذلك الواقع الفوتوغرافي، هذا لشدة أمانته في نقل صور الأشياء والأشخاص بأدق التفاصيل.

 

حيث تنقل "الهايبر رياليزم" الواقع بموضوعية مثيرة للدهشة؛ فالفنان لا يضيف إلى الواقع في لوحاته غير ما هو موجود وقائم بالفعل؛ فهو يرى أن الواقع في ذاته أبلغ تعبيرا من أي خيال؛ فيعمل بشكل محايد تماما في مواجهة هذا الواقع، ينظر إلى الأشياء بعيون زجاجية لا تعكس تأثّرها الداخلي على اللوحات؛ ليترك مساحة شاسعة لعشرات التأويلات المختلفة أمام المشاهد.

 

تقول الناقدة "جيريت هنري" عن هؤلاء الفنانين: "إنهم يصورون الحقائق بقوة؛ عن طريق القدرة الخارقة على رسم كل نقطة في الشكل بدقة بالغة. يظهرون الواقع وكأنه ضرب من الخيال".
 

الطابع التحريضي في الواقعية المفرطة

دينيس بيترسن، من تراب إلى تراب

مواقع التواصل الاجتماعي
 
يتبنى بعض فناني الواقعية المفرطة تقديم طروحات اجتماعية وسياسية وثقافية في مقاربتهم للواقع، من ضمن هؤلاء الفنانين ذوي الطابع التحريضي "دينيس بيترسن" و"غوتفريد هيلنوين" و"لطيف مولان" تُلقي أعمال هؤلاء الضوء على الانحرافات السياسية والثقافية والواقع الاجتماعي المتدني، والنتائج الجنونية للمآسي التي يمتلئ بها العالم.(5)

 

حاول هؤلاء الفنانون مواجهة الظروف الإنسانية الفاسدة؛ من خلال الأداء السردي في لوحاتهم؛ بوصفها وسطا يحمل طابع الشاهد الذي سرعان ما يتحول إلى دليل تاريخي على الإساءة المهولة التي يتعرض لها الإنسان في ظل الحكومات العسكرية والأنظمة الشمولية؛ خصوصا في العالم الثالث.

  

تركز أعمال "دينيس بيترسن" على الاضطهاد، والتشتت البشري، وجرائم الإبادة الجماعية، وواقع اللاجئين في كل مكان؛ بوصفها تحديا سياسيا؛ من خلال أعمال مقنعة ومربكة بصريا؛ بسبب ما تحمله من شحنة عاطفية عالية. لقد عمل بيترسن على تعرية الأنظمة الشمولية؛ من خلال تصوير سردي لما أنتجته هذه الأنظمة من فساد وقمع. (5)

 

عُرفت موضوعاته عالميا بأنها ترسم شخوصا يواجهون -بهدوء داخلي مدهش- ما يحيطهم من رعب وأمراض قاتلة وعذاب موشك. اعتاد بيترسن أن يعرض أعماله في مجموعات مسلسلة حسب كل موضوع. وكثير من هذه الأعمال تكون موضوعاتها إنسانية للغاية، وبالرغم من موضوعيتها في رسم الواقع؛ إلا أن إظهار هذا الواقع بكل هذه التفاصيل بالغة التعقيد والدقة؛ يجعل من اللوحة عملا ينبض بالانفعالات الشعورية؛ إذ يتعمد الفنان في كل لوحة أن يُظهر للمشاهد مقدار الوقت المذهل والجهد المضني الذي تحققت فيه هذه اللوحات.

دينيس بيترسن، حظ قاس وألم (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

في سلسلة لوحاته الأخيرة عرض بيترسن عشر لوحات تُصور -بدقة تفصيلية مثيرة للدهشة- مجموعة من المباني الأيقونية الشهيرة بنيويورك والتي تعتبر ضمن المعالم الجماهيرية بالمدينة. تطل المباني على شوارع المدينة المزدحمة بالمشاة والسيارات. الناس في لوحاته عالقون وتائهون ومنسحقون تحت وطأة اللوحات الإعلانية الضخمة التي تملأ الشوارع والمباني التي يعيشون فيها.

 

يعكس هذا بوضوح رؤية بيترسن للمجتمع المعاصر؛ حيث يسكن أعماله شعورا ما بالخسارة والألم والقلق؛ بشأن موقف الأفراد؛ في ظل ثقافة معدة مسبقا، تسيطر عليها الشركات الأمريكية الكبرى؛ لكنه ما زال يعمل على إظهار شخصوصه كأفراد مستقلين؛ بالرغم من المحاولات الهائلة  لتسليع كل شيء.

دينيس بيترسن، ميدان أحمر (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

أما "غوتفريد هيلنوين" فقد رسم لوحاته بطريقة سردية غير تقليدية؛ يركز من خلالها على الأهوال المظلمة للهولوكست؛ خصوصا فيما يتعلق باضطهاد وإساءة معاملة الأطفال إبان عهد الرايخ الثالث.

غوتفريد هيلنوين مع لوحاته (مواقع التواصل الاجتماعي)


بدأ الفن الهايبريالي في أمريكا؛ ثم انتشر في العديد من البلدان الأخرى؛ خصوصا في أوروبا، وبالرغم من النظرة المتفائلة للعالم التي تحاول وسائل الإعلام الأمريكية تصديرها؛ إلا أن لوحات الأمريكيين "الهايبرواقعية" تميزت بالتشاؤم.

 

يصورون الفوضى والآثار الجانبية التي تفسد البيئة في المجتمع الصناعي الاستهلاكي، يرسمون أماكن معينة وأشياء خاصة لا تخطئها عين المواطن الأمريكي؛ فاستطاعوا بهذا الأسلوب المباشر أن يخاطبوا بإبداعهم جماهير المشاهدين والذواقة، معتقدين أن الرؤية الحقيقية يمكنها أن توجد في عالم الواقع بلا أي تفسير، أفضل من أي رؤية في عالم الخيال، وأن أي شيء يمكن للعين أن تراه فهو يستحق التأمل.

 

جدير بالذكر أنه بالرغم من الواقع المأساوي في دول العالم الثالث، إلا أن هذا الفن لم يظهر فيها تقريبا. يبدو أن الواقع في العالم الثالث لا يمكن أن يكون بيئة خصبة لفن يتطلب مناخا ثقافيا حرا وصحيا؛ فهذا الفن الذي يحمل طابعا روائيا موضوعيا، يعتمد في تنفيذه على أدوات مكلفة وغير متوافرة بسهولة، كما أنه يحتاج في إبداعه إلى وقت طويل؛ لا تصبر عليه مطالب الحياة اليومية التي تستلزم الكسب السريع من أقصر الطرق، وهو أمر شائع في العالم الثالث.

 

ففي مصر -على سبيل المثال- نرى أن أكثر الفنانين تسويقا لأعمالهم؛ هؤلاء الذين يرسمون لوحات ذات طابع سياحي، أو تصور الرسوم الفرعونية، أو الزخارف العربية والإسلامية؛ مع إضافة اللمسة الخشنة التي توحي بالقدم، وهي حيل أسلوبية لا تستلزم وقتا أو ثقافة خاصة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار