انضم إلينا
اغلاق
المدينة الموحشة.. مغامرات في فن الاختلاء

المدينة الموحشة.. مغامرات في فن الاختلاء

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
''إنك تولد وحيدًا وتموت وحيدًا. وقيمة الحياة في المسافة بينهما تأتي من الحب والثقة"

هكذا كتبت الفنانة لويز بورجوا في يومياتها قبل أن تشارف حياتها الطويلة والعريضة على الانتهاء في تأملها
كيف تثري العزلة العمل الإبداعي. العزلة حالة جميلة، لكنها بقدر ما تمكّن أولئك الذين يريدون اعتناقها، بقدر ما تكون موحشة لأولئك الذين انكمشت مساحات الحب والثقة لديهم إلى سجن خانق. لأننا حالما نكون في العزلة، كما قال ويندل بيري، ''تصير أصوات المرء الداخلية  مسموعة ويستجيب المرء بوضوح أكبر للحياة،' 'بينما في الوحدة يقمع صراخ المرء الداخلي، ويقطع ويصم الآذان عن أي خيط يمكن أن يربطه بها.''

 

كيف نفتك من هذا السجن إلى فضاء الحب والثقة هو ما تستطلعه أوليفيا لاينغ Olivia Laing في كتابها المدينة الموحشة: مغامرات في فن الاختلاء  - عملها المذهل ليس مجرد مذكرات ذاتية، إنه يجمع ما بين أسلوب هيلين ماكدونالد وأسلوب فيرجينيا وولف، في الكتابة حول تجربة الاغتراب الذاتي، الجسدي والنفسي، والتي ترسم صورة حميمةً عن الوحدة بوصفها '' مكان مزدحم: مدينة في ذاتها''.
 

اللوحة ل إيسول من Daytime Visions (مواقع التواصل الإجتماعي)


بعد الانهيار المفاجئ لعلاقة رومانسية سعيدة منحتها الأمان، غادرت لاينغ مسقط رأسها في إنجلترا مع قلبها الممزق إلى نيويورك،'' تلك الجزيرة الطافحة بالزجاج والخرسانة والنيس.'' الوحدة اليومية العميقة التي عاشتها هناك كانت تبعث على الشلل بقوّتها العارمة، وللمفارقة، فقد مثلت في الوقت نفسه دعوة غريبة للحياة.  كان خيارها بالرحيل عن موطنها والتجوال في مدينة غريبة في ذاته استعارةً لطبيعة الوحدة المتناقضة، حيث تتساوى أحاسيس القلق والخدر، والتي تحول الإنسان إلى متسكّع ومتصوف جامد في الوقت نفسه. ومع ذلك، تظلّ الوحدة مختبرًا حيويًا نعيد فيه اكتشاف الذات من جديد. بئر الوحدة، كما وجدت لاينغ، "قد يقود المرء للتفكير في أسئلة أوسع حول ما يعنيه أن يكون على قيد الحياة'' وتكتب:

 

''لقد تجلت بعض الأشياء لي، لا بوصفي فردًا، وإنما أيضًا كمواطنة في هذا العصر، عصرنا الصوري. ماذا يعني أن تكون وحيدًا؟ كيف نعيش، إن لم نتواصل بشكل حميمي مع إنسان آخر؟ كيف نتواصل مع الآخرين، تحديدًا إن لم يكن الكلام بالأمر السهل. هل تداوي العلاقة الحميمة وجع الوحدة، وماذا إن اتضح أن أجسادنا معطوبة، إن كنا في مرضٍ أو غير منعمين بالجمال؟ وهل تساعد التكنولوجيا في هذه الأمور؟ هل تقربنا من بعضنا بعضًا، أم أنها تحبسنا خلف الشاشات؟"

 

مُترعةً بهذا الوجع العاطفي الحادّ، تسعى لاينغ لإيجاد المواساة في الثقافة الإبداعية لعرّابي الوحدة في القرن العشرين. من هذه الباقة المختارة من المفكرين، وهم جان ميشال باسكيا، ألفريد هيتشكوك، بيتر هوجار، بيلي هوليداي، ونان جولدين - وتختار لاينغ أربعة فنانين عرفوا الوحدة كما لم يعرفها أحد وهم: إدوارد هوبر، آندي وورهول، هنري دراجر، ودافيد فويناروفيتش الذين جمعهم '' اشتباكهم المباشر بالوحدة بحكم العمل وبحكم الحياة.''

 

أوليفيا لاينغ(مواقع التواصل الإجتماعي)

 

إنها تشيد، على سبيل المثال، بوورهول - وهو فنان لطالما نبذته إلى أن غاصت في وحدتها. ''كنت قد رأيت طوابع رؤوس الأبقار والرئيس ماوتسي تونغ التي صممها وورهول آلاف المرات، واعتقدت في كل مرة أنها فارغة وتافهة، وتجاوزتها كما نفعل عادةً مع الأشياء التي ننظر إليهَا لكننا نعجز عن رؤيتها.'' تكتب:

 

''يطوف فن وورهول في المسافة ما بين الناس، بتحقيقاته الفلسفية الكبرى في مفاهيم البعد والدنوّ، الألفة والقطيعة. وكغيره من الوحيدين، كان وورهول مدّخرًا أصيلا، يحيط نفسه بالأغراض ويصنعها، لأنها كانت تمنع إحساسه بالحاجة للصحبة الإنسانية. كان يخشى التواصل الجسدي، ونادرًا ما غادر منزله دون عتاد الكاميرات ومسجلات الأشرطة، ليستخدمهم في الحيلولة دون أي تواصل محتمل: يلقي هذا السلوك الضوء على الطريقة التي نوظف فيها التكنولوجيا في زمن يدعى زمن التواصل''

 

لقد حيكت استفساراتها عن طبيعة وسياق وخلفية حياة هؤلاء الفنانين وأعمالهم في خامة تجربتها الشخصية والتي يهيمن عليها غالبًا موضوع الوحدة. غير أن اعتبار تحفتها '' مذكرات'' وحسب سيكون إجحافا، بقدر ما سيكون تسمية هذه المواضيع '' تاريخ الفن''، لأنها على النقيض من ذلك، '' فن راهن'' إن جاز القول - لما فيها من تأملات أنيقة ومتبحّرة بكيفية حضور الفن معنا، كيف يدعونا الفن لأن نكون حاضرين مع أنفسنا ويبرهن عن ذلك الحضور، ليخفف من وطأة إحساسنا بالوحدة.

 

تعاين لاينغ بالتحديد، شكلا متعارفا عليه من الوحدة من منظور تبدو فيه الإنسانية وسط دوامة:

 

''تخيل الوقوف بالنافذة ليلا، في الطابق السادس أو السابع أو الثالث والأربعين من مبنًى. حيث تكشف المدينة عن نفسها كسجن كبير حيث الزنازين فوق زنازين أخرى، مائة ألف نافذة، بعضها غارق في الظلمة، فيما بعضها الآخر يشعّ بالنور الأبيض أو الأخضر أو الذهبي. في داخلها، غرباء يمضون جيئة وذهابا، منصرفين إلى شؤون حياتهم الخاصة. تستطيع أن تراهم، لكنك لن تصل إليهم، وعليه فهذه الظاهرة المدينية الشائعة، التي تدمغ أي مدينة في العالم ليلًا، تنقل حتى لأكثر الناس اجتماعيةً ارتعاشة الوحدة، إنها مزيج مربك من الانفصال والانكشاف.''

 

إنك قد تكون وحيدًا في أي مكان، لكن ثمة نكهة بعينها للوحدة تفوح من العيش في مدينة، محاطًا بملايين البشر. وقد يعتقد المرء أن هذه الحالة لا تتفق مع الحياة الحضرية، مع الحضور الهائل لكائنات بشرية أخرى، إلا أن ّ التجاور المادي لا يستطيع ببساطة تشتيت الإحساس بالانعزال الجوانيّ. إن من الممكن - بل من السهل حتى - الإحساس بالخواء والهجران داخل الذات أثناء عيشنا جنبًا إلى جنب مع أناس آخرين.  قد تبعث المدن على الوحدة، وإن اعترفنا بذلك، فإننا نرى أن الوحدة لا تتطلب بالضرورة عزلة جسدية، وإنما غياب أو شح الاتصال، أو القرب، أو اللطف: في العجز عن إيجاد الألفة المنشودة، لسبب أو لآخر. التعاسة كما يصفها المعجم، هي نتيجة البقاء دون صحبة الآخرين. لا عجب إذن، أنها تصل ذروتها حينما نكون وسط حشد من الغرباء.  
 

وبينما يستمر العلماء في الكشف عن الجوانب النفسية للوحدة، فلا عجب أن حالتها النفسية تأتي مصحوبة بأبعاد جسمانية، تلتقطها لاينغ بوضوح:

 

ماذا يشبه أن يكون المرء وحيدًا؟ إنه يبعث على الإحساس بالجوع: أن تحس بالجوع بينما الجميع حولك متأهبون للجلوس إلى المائدة.  يبعث على الإحساس بالخزي والقلق، ومع مرور الوقت تمتد إشعاعات هذه الأحاسيس إلى الخارج، وتزيد في عزل صاحبها واغترابه. وهذا موجع، على الصعيد الانفعالي، وله عواقبه الجسمانية التي تحدث بوضوح، داخل حجرات الجسد. إنها تتنامى، أريد أن أقول، قارصة البرد واضحة كالبلّور، تطوّق المرء وتغمره.

 

إنّ هنالك بالطبع، الكثير من الاختلافات ما بين العزلة والوحدة - اتجاهان داخليّان مختلفان جذريًا لهما ذات الظرف الخارجي ألا وهو الافتقار إلى الصحبة.

مواقع التواصل الإجتماعي

إنّ هنالك بالطبع، الكثير من الاختلافات ما بين العزلة والوحدة - اتجاهان داخليّان مختلفان جذريًا لهما ذات الظرف الخارجي ألا وهو الافتقار إلى الصحبة. حينما نتحدث عن العزلة، فإننا نتحدث عن '' عزلة إبداعية'' بوصفها إنجازًا إنمائيًا أساسيًا في قدرتنا على الإبداع، لكن الوحدة مدمرة وجرداء، حيث تتنافر مع إرادة الابتكار. ولأزيد من الشعر بيتًا، فالوحدة مؤشر على فشل وجودي - وصمة اجتماعية تتناول لاينغ فروقها الدقيقة بجمال: 

 

''يصعب الاعتراف بالوحدة، ويصعب تصنيفها أيضًا. كالاكتئاب، الذي يتقاطع مع الوحدة، وسرعان ما يصبح عنصرًا غائرًا في ذات المرء، ملتحما به بقدرِ ما قد تفعل ضحكة عفوية. ومرةً أخرى، في وسعه أن يكون سائلا، يغمرنا ويتسرب منا في ردّ فعل على ظرف خارجي، كالوحدة التي تتبع فجيعة أو انفصالا أو تغييرًا في الدوائر الاجتماعية.
 

كالاكتئاب أو السوداوية أو القلق، هي خاضعة أيضا للتناول العلاجي، ولأن تعتبَر مرضا. يقالُ بثقةٍ أن الوحدة لا تخدم أي هدف...لربما أكون مخطئة، لكنني لا أعتقد أن أي تجربة نخوضها بانفصال هائل عن الحياة المشتركة يمكن أن تخلو تمامًا من المعنى، من ثراء أو قيمة من أي نوع.

 

بنظرةٍ إلى يوميات فيرجينيا وولف الرائعة عن الوحدة والإبداع، تقول لاينغ:

 

الشعور بالوحدة قد يأخذك إلى مكانٍ يتعذر الوصول إليه بالواقع.

 

''منساقة وبمفردها في المدينة التي تعد سكانها '' هبة الخصوصية وحماسة المشاركة''، تمضي لاينغ في حلقة من الأوطان المؤقتة - شقق الأصدقاء المستأجرة، البيوت المُعارة، إحساس الاغتراب والغيرية بما أنها مجبرة على شقّ  حياة ضمن أغراض الآخرين، في بيت شيده شخص آخر منذ زمن طويل.''

 

كارسون إليس من Home   (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

غير أن استعارة الحياة ذاتها تكمن في هذا الأمر تحديدًا - إننا، في نهاية المطاف، نستأجر وجودنا من المدينة والمجتمع والعالم الذي مضى على وجوده قبلنا بكثير، مرتب سلفًا بطريقة قد لا تكون على هوانا، قد لا يبدو هذا مشابهًا لبيت نبنيه بأنفسنا ونشرف بأنفسنا على تصميمه الداخلي. ومع ذلك نكيف أنفسنا للإحساس بأننا في البيت وفقًا للأشياء الموجودة سلفًا، المشوبة وفي بعض الأحيان بالغة القبح. ومعيار الحياة من عدمها ينبغي أن يتصل بهذه القدرة على الاستئجار - بمقدار قدرتنا على المكوث في هذا المأوى المستعار، والمشوب وبمقدار الجمال الذي نجلبه للوجود بهذه السيطرة القليلة التي قد نملكها على تصميمه.

 

ولهذا السبب ربما، وجدت لاينغ نفسها، وإن كان مؤقتًا، في راحة من الوحدة ضمن نشاط مدفوع بهذا السلوك من مغادرة البيت المستعار: المشي. حيث تكتب:

 

''عند ظروف معينة، قد يكون البقاء في الخارج وعدم القدرة على الانسجام في الداخل، مصدرًا للرضى، وحتى السرور. إن ثمة أنواعًا من العزلة يمكن أن توفر انعتاقًا من الوحدة، إجازةً منها إن لم يكن شفاءً. في بعض الأحيان حينما أمشي، أطوف تحت دعامات جسر ويليامزبيرغ أو أتبع النهر الشرقي كل الطريق إلى الهيكل الفضي للأمم المتحدة، أنسى ذاتي المسكينة، وأصبح عوضًا عنها شفافًة لا يحدني شيء كما السديم، مدفوعة بسرور في مسارات المدينة.''

 

لكن مهما منح هذا المهرب المشّائي للعزلة من رمزية لمركز داخلي أكثر صلابة، إلا أنها كان صلابة هشة:

 
''إنني لم ألمس ذلك الشعور حينما كنت في شقتي؛ وإنما فقط حينما كنت في الخارج، إما وحيدة كليًا أو مغمورةً في حشد من الناس. وفي هذه الأوضاع شعرت بتحرري من ثقل الوحدة المستمر، والإحساس بالخطأ، وهيجان الجراح والأحكام والرؤية. لكن لم يكلفني الكثير أن أخمد وهم الصفح الذاتي، أو إعادتي من جديد لا إلى نفسي وحسب بل إلى الإحساس المألوف والمرهق بالافتقار.''

 

(Edward Hopper: Nighthawks (1942 (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

في الفجوة ما بين الصفح عن الذات واكتشاف الذات وجدت لاينغ نفسها وقد جذبتها أعمال الفنانين الذي أصبحوا رفاقها في الرحلة صوب وبعيدا عن الوحدة.  كان هنالك إدوارد هوبر بتحفته Nighthawks الوهاجة بلون اليشم، والتي تكتب عنها:

 

ليس هنالك لون في الوجود يستطيع أن يوصل الاغتراب المديني، وتذرية الكائنات الإنسانية داخل الصروح التي شيدتها، كما يفعل هذا اللون الأخضر الشاحب، والذي جاء إلى الحياة فقط مع ابتكار الكهرباء، والذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمدينة الليلية، مدينة زجاج وأبراج المكاتب المضيئة الفارغة وإشارات النيون.

 

كان المطعم مكان لجوء بالتأكيد، لكن لم يبدو أن هنالك مدخلًا مرئيًا، لا سبيل للدخول أو الخروج على حد سواء. كان ثمة باب عسلي اللون في الخلف في اللوحة، يؤدي ربما إلى مطبخ ممرغ بالزيت. لكن من الشارع، كانت الغرفة مقفلة: كما لو أنها حوض سمكٍ بشري، زنزانة من زجاج.
 

أخضر فوق الأخضر، زجاج فوق الزجاج، كان هذا ما هيمن على مزاجي كلّما أثقلت الخطى في مشيي، ليفاقم إحساسي بالاستياء. هوبر نفسه كان مختلفًا مع التفسير الشائع للوحدة التي كانت تيمة مركزية لأعماله. وعلى الرغم من أنه عادةً ما نفى أنها خيار إبداعي مقصود، إلا أنه أكد في مقابلة: '' إنني لربما أكون بالفعل إنسانًا وحيدا.'' لاينغ، التي جعل اهتمامها وحساسيتها إزاء تجربة الاستئجار من كتابها عملا بالغ الروعة، ترى كيف كان التقاط اختيار هوبر للغة جوهر الوحدة:
 

إنَّ لها صياغة غير معتادة، حيث ثمة فرق بين اعتراف المرء بوحدته، وبين أن يكون شخصا وحيدا. إنها تقترح أنه بغياب ألّ التعريف، فإنّ ثمة حقيقة تقاومها الوحدة بطبيعتها. فعلى الرغم من أن توحي بالعزل التام، بأنها عبء شخصي قد لا يختبره أي شخص آخر أو يشاطره، إلا أنها في الحقيقة حالة شائعة، تستوطن الكثير من الناس. في الحقيقة، فإن دراسات حالية تقترح أن أكثر من ربع مجموع البالغين يعانون من الوحدة، بغض النظر عن العرق، التعليم والإثنية، بينما 45 بالمائة من البالغين البريطانيين يبلغون عن شعورهم بالوحدة إما غالب الأحيان أو بعضها. وقد يمثل الزواج والدخل المرتفع روادع طفيفة، لكن الحقيقة أن قلة منا محصنون تماما ضد الشعور بحنين عارم لتواصل يمكن أن يرضينا. الأشخاص الوحيدون، أقوى بمئات ملايين المرات.
 

ولهذا لا أتعجب من أن لوحات هوبر لا تزال مشهورة حتى يومنا هذا، ولا يزال إنتاجها مستمرا.

 

فبقراءة اعترافه الممتنع، يكون في وسع الواحد منا رؤية لماذا لا تعتبر أعماله رائعة وحسب وإنما مواسيةً أيضا، بالتحديد حينما نرى كافة الأشخاص فيها بشكل جماعي. إنه من الصحيح أنه رسم، ليس مرة بل مرارا، وحدة المدن الكبيرة، حيث إمكانيات التواصل يحبطها النظام المجرد من الصفات الإنسانية في الحياة المدينية. لكن ألم يرسم أيضا الوحدة في المدينة الكبيرة، كاشفا عنها بوصفها مكانا مشتركا وديمقراطيا، مأهولا طوعا وكرها، بالعديد من الأرواح؟
 

ما يلتقطه هوبر جميل ومخيف في آن. فصوره ليست عاطفية، إلا أن فيها جاذبية استثنائية... وكأن الوحدة كانت شيئا يستحق النظر إليه. وأكثر من ذلك، كأن النظر نفسه ترياق، طريقة لهزيمة لعنة الوحدة الباعثة على الاغتراب.
 

(David Wojnarowicz by Peter Hujar (Peter Hujar Archive (مواقع التواصل الإجتماعي)


بالنسبة للفنانين الذين يصحبون لاينغ في جولتها - بمن فيهم هنري دارجر، بواب شيكاغو العبقري والمريض نفسيا الذي جعلته لوحاته المكتشفة بعد مماته واحدا من أبرز فناني الفن الدخيل في القرن العشرين والمبدع دافيد فويناروفيتش، الذي قضى مرض الإيدز على حياته في سن الثلاثين - كانت الوحدة غالبا مجدولة بحزن عميق آخر للروح هو: الخسارة. في فقرة معبرة من كتاب باول جودمان بعنوان taxonomy of the nine types of silence, تصنيف أنواع الصمت التسعة، تعرض لاينغ تصنيفا للوحدة من خلال منظور الخسارة:

 

الخسارة هي ابنة عم الوحدة. إنهما تتداخلان وتتقاطعان، ولذا فليس من الغريب أن عمل حزينا قد يبعث على إحساس بالوحدة، بالانفصال. إحساسنا بالفناء وحدة. الوجود الجسماني وحيد بطبيعته، عالق في جسد يتحرك حتما صوب الاضمحلال والتقلص، والفناء والتصدع. ثم هنالك وحدة الإحساس بالفجيعة، وحدة الحب الضائع أو المدمر، وحدة اشتياق إنسان أو العديد من الأشخاص المعينين، وحدة الرثاء.

 

لكن وحشة حقيقة أننا فانون تجد لها ترياقا في المواساة المستمرة التي يوفرها خلود الأعمال الفنية. '' الفن يصون وعد الاكتمال الداخلي'' كتب الفيلسوف آلان دي بوتون ومؤرخ الفن جون أرمسترونغ في تحقيقهم بشأن وظائف الفن السبع، وإن كانت الوحدة، كما تضعها لاينغ، '' حنينا للتكامل، لإحساس بأننا مكتملون،'' فما الذي يجيب عن هذا التوق سوى الفن؟ في النتيجة، في الكلمات الخالدة لجيمس بالدوين، '' وحده الفنان يستطيع أن يقول، ووحدهم الفنانون قد أخبرونا منذ فجر البشرية، ماذا يعني أن يأتي إنسان إلى هذا الكوكب وينجو منه.''

 

 

وبالنظر إلى خبرتها الماضية تكتب لاينغ:

 

إن ثمة الكثير من الأشياء التي لا يستطيع الفن القيام بها. إنه لا يستطيع إعادة الموتى إلى الحياة، ولا يستطيع ردم الخلافات بين الأصدقاء، أو معالجة الإيدز، أو الحد من وتيرة التغير المناخي. لكن بغض النظر عن ذلك، فإن له بعض الوظائف الاستثنائية، قدرة عجيبة على خلق علاقة  بين الناس، بمن فيهم أشخاص لم يلتقوا سابقا ومع ذلك نجدهم يتسربون إلى حياة بعضهم بعضا ويثرونها. إن لديه القدرة على خلق الأنس، لديه طريقة لشفاء الجراح، وحتى أنه يظهر لنا جمال بعض الجراح، وأنها قد لا تحتاج شفاءً.  

 

ولئن بدوت متعنتة، فإن هذا بسبب حديثي عن تجربة شخصية. حينما قدمت إلى نيويورك كنت عبارة عن شظايا، ومع أنني سأبدو محافظة، إلا أن الطريقة التي استعدت فيها اكتمالي لم تكن بمقابلة شخص ما أو الوقوع في الحب، بل بالأحرى من خلال التعامل مع الأشياء التي فعلها الآخرون، ببطء أتشرب بتلك الطريقة من التواصل حقيقة أن الوحدة والتوق لا يعنيان أن المرء قد فشل، وإنما ببساطة أنه على قيد الحياة.

 

لكن بقدر العمق الشخصي بقدر ما سيحس المرء بالوحدة، إنها غير قابلة للفصل عن أبعاد الحياة السياسية العامة. في فقرة الخاتمة تضيف لاينغ:

 

إن هنالك تحسينا يحدث للمدن، وتحسينا للمشاعر أيضا (هذا النوع من التحسين يرتبط بطرد الفقراء من المدن لصالح الأثرياء)، بالإضافة إلى تأثير المجانسة والتبييض والقمع. في خضم التماعة الرأسمالية المتأخرة، فإنه يتم تلقيننا فكرة أن كل المشاعر الشاقة - الاكتئاب والانكزايتي، والوحدة والغضب - هي ببساطة عواقب كيمياء غير مستقرة في الدماغ، مشكلة يجب حلها، أكثر من كونها استجابة على الجور العمراني أو من جهة أخرى، استجابة للبنية الطبيعية للتجسيد، ألا وهي قضاء الوقت، كما يضعه دافيد فويناروفيتش بتميز، في جسد مستأجر، مع كل الحزن والإحباط المصاحبين.

 

إنني لا أؤمن بأن علاج الوحدة هو اللقاء بشخص ما، ليس بالضرورة. إنني أعتقد أنه يكمن في أمرين: تعلم مصاحبة الذات وفهم أن الكثير من الأشياء التي يبدو وأنها تؤذينا كأفراد هي في الحقيقة نتيجة قوى أكبر تقوم على الوصم و الإقصاء، والتي يمكن وينبغي مقاومتها. الوحدة شخصية، وهي أيضا سياسية. الوحدة جماعية: إنها مدينة.

 

وفيما يتعلق بطريقة السكن فيها، فليس ثمة قواعد أو أي داع للإحساس بالخزي، إلا أن نتذكر بأن مطاردة السعادة الفردية لا تعرقل ولا تعفي عن التزاماتنا تجاه بعضنا البعض. نحن سويا في هذا التراكم من الندبات، هذا العالم من الأشياء، هذا النعيم الجسدي والمؤقت الذي غالبا ما نعتبره من ملامح الجحيم. ما يهم هو اللطف والتضامن. ما يهم هو البقاء متيقظين ومنفتحين، لأننا إن كنا نعلم شيئًا مما مضى قبلنا، هو أن زمن الإحساس لن يدوم طويلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط المقال الأصلي: https://goo.gl/wri7yX

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار