انضم إلينا
اغلاق
السر.. لقاء مع المصور هنري ليوتويلر

السر.. لقاء مع المصور هنري ليوتويلر

henryleutwyler.com

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
ولد مصور البورتريه هنري ليوتويلر في سويسرا عام ١٩٦١، وقيل له إنه لن ينجح في مجال التصوير. رفضته واحدة من كبرى مدارس التصوير في سويسرا، وبعد عام ونصف من افتتاحه الستوديو الخاص به بمدينة لوزان - فيه التقط صورا للساعات والشيكولاته والأجبان - أعلن إفلاسه.

 

لكنه انتقل في عمر الخامسة والعشرين إلى باريس حيث تدرب على يد المصور الفرنسي جيل تابي، الذي ساعده في اتخاذ أولى الخطوات في مشواره المهني كمصور صحفي. وفي ١٩٩٥، بعد عقد من الزمان، انتقل ليوتويلر إلى نيويورك، وهناك بدأت لقطاته في الظهور في فوج، وفانيتي فير، ونيويورك تايمز، وذا نيويوركر، وإسكير، وتايم، وغيرها. من ساعتها وليوتويلر يلتقط صورا لأكثر الشخصيات موهبة في العالم، مثل مارتن سكورسيزي، وميشيل أوباما، وجوليا روبرتس، وميستي كوبلاند، وتوم وولف، وريانا.

 

نشر هنري ليوتويلر كتابه الفني الأول عام ٢٠١٠، مع دار النشر الألمانية ستيدل، بعنوان "ضياع نيفرلاند: بورتريه لمايكل جاكسون"، أتبعه بإصدارين من "باليه: صور لباليه مدينة نيويورك". وفي العالم الماضي، أكمل ليوتويلر أكثر أعماله تنوعا حتى الآن. فبعد ١٢ سنة من العمل، نشر مع ستيدل كتابه الفني "وثيقة" في ٢٥ أكتوبر، ٢٠١٦، الذي أرفق به "عرض في صالة فولي بمدينة نيويورك" في الفترة ما بين الثالث من نوفمبر ٢٠١٦، والثامن من يناير ٢٠١٧.


يتألف هذا العمل الفريد من ١٢٤ صورة لأشياء تبدو "عادية" في الوهلة الأولى، إلا أن تاريخها يكسبها قيمة استثنائية: المسدس الذي قتل جون لينون، وهارمونيكا بوب ديلان، وفرشاة رسم آندي وارهول، وصينية كعك جوليا تشايلد، وعصا شارلي شابلن، وحذاء رقص فريد أستير، وجيتار جانيس جوبلين، وقفاز مايكل جاكسون المطرز، وعلم يدوي الصنع من فترة الحرب الأهلية، وصندل غاندي الجلدي، وغيرها من الأشياء. استطاع ليوتويلر جمعها كلها وتصويرها على الخلفية البيضاء التي صارت بمثابة علامة تجارية له.

 

خلال زيارة هنري ليوتويلر الأخيرة إلى مدينة باليرمو الإيطالية، تحدثت معه عن سر لقطة البورتريه، وسحر الجمادات الساكنة، وضحكاته مع جوليا روبرتس، وغرابة أطواره مع هيلموت نيوتن، وكيفية حفاظه على الملكة الإبداعية بعد عقود من الشهرة العالمية.

 

حدثنا عن تجربتك الأولى مع التصوير
(henryleutwyler.com)


في هذا الوقت كانت الموسيقى هي حبي الأول. كانت أغلفة الأسطوانات مثالية: مربعة، ٣٣ سنتيميتر في ٣٣ سنتيميتر، النسبة المثالية للتصوير. لذلك أصبحت مصورا. أردت تصوير أغلفة الأسطوانات، وهو ما فعلته، كذلك أردت العمل مع المجلات. كانت أغلفة المجلات تغطي جدران حجرتي حينما كنت في عمر الرابعة عشر، والخامسة عشر، والسادسة عشر. كنت أعمل بالفعل على إثراء ثقافتي التصويرية والبصرية منذ مرحلة الطفولة، بدون أي نية مبيتة أو إدراك مسبق لأي شيء بعد.

 

بدأت رحلتك المهنية بسلسلة من الإخفاقات، رفضتك مدرسة تصوير سويسرية كبرى، وافتتحت شركتك الخاصة التي أفلست بعد عام ونصف. كيف انتقلت من تلك النقطة إلى نجاحك الحالي؟
حسنا، تعلمت أن الفشل ليس سيئا بالضرورة، ولو أنك تتمتع بشيء من المرونة ستنجح في البقاء، مثل صبارة مع قليل من الماء. الأمر أكثر تعلقا بالشغف. في المرحلة المبكرة، تكون معرفتك محدودة. كثير من الشباب الصغار - وكنت واحدا منهم - يفكرون هكذا: لقد فشلت في الالتحاق بمدرسة التصوير، يا ربي، حسنا، ماذا سأفعل الآن. هل تفهمني؟ لكني أدركت فيما بعد أنك لو حاولت - دون خبرة مسبقة - فتح ستوديو تصوير صغير مع أحد الأصدقاء، ستكتشف أنك لا تعرف شيئا عن الفواتير، والأرباح، والتوصيل في الموعد، وقبل كل شيء: كيف تلتقط صورة جيدة. أنت لا تعرف شيئا. لذلك علمني الفشل أن أبذل جهدا كبيرا في المذاكرة، وأن أعتاد البوح ومشاركة الآخرين أفكاري ومخاوفي، وأن أطلب المشورة من زملائي، وهو ما فعلته. وها أنا أقول لك بعد عقود، أن ذلك يؤتي ثماره.

 

قال هنري كارتييه بريسون أن العشرة ألاف صورة الأولى للمصور هي أسوأ أعماله. هل تغيرت لقطاتك بشكل جوهري على مر السنين، أم أن هناك شيء مشترك يربط بين جميعها؟
 (henryleutwyler.com)

آمل أن يكون هناك تحسن. هناك نوع من الطيش في البداية. وأظنه محقا: هناك ضغط تجاري أقل، وحرية أكبر. أعتقد أن سر البقاء في مجال التصوير الاحترافي هو أن تبقى منفتح الذهن، وطازج الأنفاس، وحر الروح، ومستعد - بين وقت وآخر - لكسب الأعداء وقول: "لا، لن يتم الأمر بطريقتك؛ سيتم بطريقتي أنا."

 

نحن نعاني من ضغوط كثيرة مؤخرا، وكلما كبرت زادت الضغوط. حينما تكون مصورا شابا، تملك آلة تصوير واحدة، وغرفة نوم أو شقة صغيرة واحدة، وثلاجة واحدة، وليس لديك أطفال، ولا زوجة، ولا عملاء، ولا شيء. لذا أعتقد أن خطورة الصورة رقم عشرة ألاف وواحد تكمن في تقديم التنازلات، وهذه أمور خطرة. لقد حرصت على عدم تقديم التنازلات إلا في أضيق الحدود، مما أكسبني مع الوقت - للأسف - عددا من الأعداء.

 

كيف يحافظ الفنان على حريته الإبداعية مع تقدمه في السن؟
غلاف مجلة ناشيونال جيوجرافيك  (henryleutwyler.com)

دعنا نفكر هكذا. مبدئيا، أنا مصور مجلات. لم أكن رجل دعاية ضخمة في أي يوم. ظننت دوما أن السبيل إلى الحفاظ على أكبر قدر من الحرية هو كسب مال أقل والعمل مع المجلات. في الدقيقة التي تبدأ فيها الإكثار من العمل، والإكثار من الدعاية، وكسب مزيد من المال، سيتوجب عليك اتباع الإرشادات. أنا لا أتبع الإرشادات. لم أكن كذلك قط؛ لن أكون كذلك أبدا. لا علاقة بين التصوير واتباع الإرشادات. إن التصوير فن الروح الحرة في رأيي.

 

إذا، كيف أحافظ على حريتي؟ أقول لا لكثير من العروض. يحرمني ذلك من الثراء الفاحش. فلو أنني قلت نعم في الخامسة والعشرين من عمري لأطنان من العمل الدعائي سنويا، لكان لدي اليوم حساب بنكي متخم. لكن ذلك كان ليستنزفني، وأنا لا أود أن أصير هكذا أبدا. أعتقد أن الحرية الإبداعية تتكلف ثمنا باهظا، ماديا ومهنيا. الناس يغضبون عندما ترفض عروضهم، لكنك - لسوء الحظ - مضطر إلى ذلك.

 

لقد حققت بورتريهاتك شهرة عالمية. ما سر الحصول على اللقطة المثالية؟
أحرص على تشرب هذه الفكرة قبل الشروع في العمل: إنها ليست صورتي مطلقا، بل هي صورة الشخص المواجه للكاميرا. إنها صورة هذا الجالس. أحاول إضحاكهم. أتقبل أرائهم. وإن كان الأمر صعبا جدا جدا جدا جدا - وهو ما يحدث بين الحين والآخر - أحاصرهم عند أحد الأركان وأحرص على تقييد حركتهم تماما. ربما يشعرون في هذه اللحظة بالتهديد، فيضطرون إلى التعاون أو الانصياع أو.. لا أعرف، ربما الصراخ أو الضحك؛ هذا هو السر.

 

إلا أن الأمر يتعلق - أولا وقبل أي شيء آخر - بالاحترام، واللطف. هناك عبارة أكررها دائما، أعتقد أن نجاحك في إثارة ضحك العميل خلال أول خمس دقائق من الجلسة، يعني اجتيازك نصف الطريق. وعلى كل حال، ليس التصوير والبورتريه بعملية قلب مفتوح. علينا ألا نتعامل مع الأمر برهبة أكثر من اللازم.

 

لكن لا شك أن هناك صعوبة خاصة في تصوير أشخاص من عيار جوليا روبرتس وميشيل أوباما وريانا. هل هناك صعوبة خاصة في دفع الشخصيات ذات الشهرة العالمية إلى التصرف على سجيتها؟
جوليا روبرتس (henryleutwyler.com)


أنا أسخر من نفسي معظم الأوقات؛ أتصرف كالمهرج؛ أضحك معهم؛ ألقي نكات سخيفة. أنا لا أرغب في مواجهة الكاميرا. لذا عليك أن تكون لطيفا مع الناس، حتى المحترفين، حتى عارضي الأزياء، حتى نجوم السينما. عليك أن تعي هذه الحقيقة: إن تجربة الوقوف أو الجلوس أمام الكاميرا صعبة على الجميع، حتى الممثلين.

 

كانت جوليا روبرتس واحدة من كبار النجوم في تاريخ السينما الأمريكية حينما قمت بتصويرها. كان لدي خمسة عشر دقيقة لالتقاط صورة دعائية، وقت قدومها إلى برودواي للمرة الأولى. خمسة عشر دقيقة. لم تكن خمسة عشر دقيقة من الجلوس أمام الكاميرا؛ لا، ستدخل الموقع، وترتدي ملابسها، وتتجمل، ثم ألتقط لها الصورة، وتغادر. إذا، وصلت جوليا عند باب الستوديو، فذهبت إليها، ورحبت بها، وصافحتها قائلا، "أهلا يا جوليا، أنا سعيد حقا لمقابلتك بعد كل هذه السنوات. لكن الأهم هو سعادتي بأني لم أعد في الخامسة والثلاثين." كنت حينها - على الأغلب - في السادسة أو السابعة والأربعين. سألتني، "لماذا هذه السعادة؟" فأجبتها، "لأنني كنت سأبلل بنطالي حينئذ. جوليا روبرتس في خمسة عشر دقيقة!" وهكذا صارت صديقتي للأربعة عشر دقيقة الباقية. كانت هي النجمة، ولقد أدركت أني أعي ذلك.

 

أتعرف، علينا نسيان وصول واحد في المئة فقط من مصوري العالم - بعضهم توفي للأسف، لكني سأضم إلى القائمة إيرفينج بين، وريتشارد أفيدون، وآخرين - إلى شهرة جوليا روبرتس أو ربيرتو بينيني أو فيم فيندرز أو سبيلبرج، الذين هم نجوم حقيقية. أما البقية - الذين أنتمي إليهم، التسعة والتسعين بالمئة، لا الواحد - فلسنا بنجوم؛ نحن لسنا الأشخاص المشهورين. لكن المشكلة هي أن المصورين الشباب، وربما قليل من المحترفين الأكبر سنا، يظنون أنهم الزعماء، أنهم أصحاب الشهرة، أنه يتوجب احترامهم. لكنهم سيفشلون، فهذه العقلية لا تناسب موقع التصوير.

 

هل خضت تجربة كان فيها التقاط البورتريه الجيد أمرا مستحيلا؟
هيلموت نيوتن (henryleutwyler.com)

 لم يكن مستحيلا، لكني كنت في مهمة في جنوب فرنسا، وكنت ألتقط صورا لأشخاص مشهورين في مونت كارلو لصالح إحدى المجلات. وللأمانة، لم تكن القائمة تضم أكثر الناس شهرة، والذي كنت أتمنى تصويره، وأعني بذلك هيلموت نيوتن. لذا استجمعت شجاعتي، وبحثت عن رقم هاتفه، ثم اتصلت به قائلا، "كيف حالك يا سيد نيوتن؟ أنا هنري ليوتويلر. أنا مصور سويسري شاب. أشعر بخيبة أمل لأني هنا في مهمة، لكن القائمة لا تضم اسمك مع سائر مشاهير مونت كارلو." فسألني، "أنا لست في القائمة؟" وأجبته، "لا، لست فيها." فقال، "لكني أريد إضافة اسمي إليها." فقلت، "موافق!" واتفقنا علي ضرورة قيامي بتصويره.

لكن هيلموت نيوتن قال أيضا، "فلنلتقط الصورة في الملهى الليلي، مع امرأتين عاريتين إلى جانبي؛ سأرتدي بدلة؛ سأكون متأنقا، قابلني عند طاولة الروليت." فقلت، "لا، يجب أن تكون الخلفية بيضاء." فقال، "لم أتحدث من قبل إلى مصور شاب تخلو جعبته من الأفكار." فقلت، "لا، الأمر لا علاقة له بالأفكار؛ لكن جميع الصور الأخرى التقطت مع خلفية بيضاء، لذا أحتاج إلى فعل الشيء نفسه مع صورتك."

 

كان ذلك على الأغلب في شهر يوليو، بمدينة مونت كارلو. وقد جاء رده، "حسنا، لا بأس. سآتي عند منتصف النهار، لكن فلنلتقط الصورة في الظل، فدرجة الحرارة مرتفعة، وأنا عجوز جدا." يمكنك تفهم ذلك الوضع، محاولة التصوير بميزانية محدودة، في منتصف النهار، مع صعوبة العثور على بقعة مظللة، لأن الشمس معلقة فوق رأسك تماما، والظل أسفل حذائك. لذا كنت أفكر في كيفية التقاط الصورة، وطلبت منه إحضار آلة التصوير الخاصة به معه، فسيكون إمساكه بواحدة أمرا ظريفا.

 

على كل حال، وصل السيد نيوتن في سيارة رباعية الدفع من طراز هوندا، أو شيء كذلك. كانت عربة مضحكة. وكان يرتدي ملابسا خضراء، وحذاء رياضي أبيض؛ كان يبدو كسائح ألماني منحرف جنسيا، مع حافظة جلدية تتدلى من رقبته. رحب كل منا بالآخر: إنه هيلموت نيوتن العجوز الأسطوري يلتقي بهنري ليوتويلر الشاب العادي، كان صدام بين جيلين.

 

بدأت التصوير. كان ذلك في عصر الأفلام الفوتوجرافية، فاستخدمت فيلما ملونا، ثم آخر أبيض وأسود. وحينما أمسكت بالثالث، كنت قد التقط ٢٤ إطارا فقط. قال نيوتن، "ألم تنته بعد؟" أجبته، "لا، ليس بعد. أحتاج إلى لفافة أخرى." فقال لي، "أنت قريب جدا. عليك أن تبتعد. أنت قريب جدا." وأجبته، "لا، لا تقلق، أنا في أحسن حال." ثم عاد ليقول "أنت تستخدم عدسات غير مناسبة." فأجبته، "لا، لا، إنها مناسبة". ثم سألته، "أود رؤية الكاميرا الخاصة بك يا سيد نيوتن، هل تمانع؟" وذلك لكسب بعض الوقت. وواصلت التقاط الصور. لكنه قال، "ماذا بك يا هنري؟ التصوير يعتمد على الإيهام. هل تصدق حقا وجود كاميرا داخل الحافظة الجلدية في منتصف النهار بمونت كارلو صيفا؟" هكذا فشلت محاولتي. وفي النهاية قال، "على كل حال، إن لم تلتقط الصورة في أول سبع دقائق فلن تفعلها أبدا." وتصافحنا قبل أن يذهب كل منا في طريقه.

 

كان محقا: إن لم تلتقط الصورة في أول سبع دقائق فلن تفعلها أبدا. وغالبا ما تكون الصورة الجيدة هي الأولى، تبدأ بعدها في محاولة الحصول على صورتين أخرتين أخيرتين، وستكون صورا جيدة إن حالفك الحظ. هاك السر: لا تترك الناس أمام الكاميرا لفترة طويلة. عليك إنهاء الأمر سريعا.

 

فلنتحدث عن مشروعك الجديد: وثيقة. من أين جاءتك الفكرة؟
أجبرت أمي أبي على الانتظار عشر سنوات قبل عقد القران، لذا سأكمل عامي الخامس والخمسين مع نهاية العام الحالي، وليس الخامس والستين. الفكرة هي أن الأشياء إذا تمت كما كان يمكن أن تتم، لتمكنت من مقابلة أبطال طفولتي والتقاط الصور لهم. لم أتمكن من مقابلة جيمي هيندركس، وجون لينون، وجيمس دين، ولوريل وهاردي. وفكرت في أحد الأيام أن هذا هو المشروع الذي أود القيام به. أريد تصوير أبطال طفولتي وبعض الأشرار، فمن الواضح أن الكتاب يضم عدد من الأشرار أيضا.

 

كيف استطعت الحصول على هذه الأشياء الثمينة والنادرة؟ فالمسدس الذي قتل جون لينون يعتبر من أكثر لقطاتك شهرة.
 (henryleutwyler.com)


بخصوص هذه الصورة، تلقيت مكالمة من مجلة أحبها كثيرا تدعى "مازر جونز"، وهي مجلة تطلب صورا للجمادات الساكنة. كان موضوعا صحفيا يتعلق بالمسدسات غير القانونية التي هربت إلى المنطقة الممتدة من ميامي وحتى مدينة نيويورك، وكانت الصورة التي التقطها له تضم خمسة وعشرين مسدسا.
 

احتجت إلى زيارة إحدى الإدارات الشرطية من أجل هذا الموضوع، حيث أمسك بالمسدسات التي أريد تصويرها، ووضعتها وفق ترتيب معين، ثم التقط الصورة، وأغلقت صندوق الأدوات. لكني لمحت في طريقي إلى الخارج ورقة صغيرة مثبتة إلى كرسي، موضوع عليه أحد المسدسات. كانت الورقة تقول إن هذا هو المسدس الذي قتل جون لينون. فسألت الشرطي، "سيدي، هل هذا هو المسدس الذي قتل جون لينون حقا؟" فقال، "أجل، إنه المسدس الذي قتل جون لينون." بهذه البساطة؟ في أحد الأركان مع قصاصة ورق؟ إنه المسدس الذي قتل شخصا ما. سألته إن كان يمانع في التقاطي صورة للمسدس، فأجاب بالنفي لكنه طلب مني الإسراع في ذلك. فأخرجت الأدوات ثانية، وجهزت كل شيء، والتقط صورة المسدس، من الجانبين، وغادرت. وعندما وصلت إلى المنزل، أدركت - ثانية - أن هذا هو المشروع الصحيح.

 

كتبت سوزان سونتاج مرة أن جميع الصور تحمل نوعا من التذكرة بالموت. هل تقدم صورك طرحا مختلفا؟ مثل زعم بأن أجزاء منا قد تعيش إلى الأبد عبر إحدى ممتلكاتنا؟
لكل شيء تاريخه. كل شيء متخم بالذكريات. كل الأشياء تتحدث. إن حياة مالكها، أو قل بصمة حياة مالكها تعيش داخلها. كان مايكل جاكسون موضوع لأحد كتبي المبكرة، وكان عنوانه "ضياع نيفرلاند"، ورغم أن تصوير الأشياء على خلفية بيضاء عادة عندي، فقد استخدمت خلفية سوداء في مشروع مايكل جاكسون.
 

كان أحد أسباب هذا الاختيار هو كتاب يدعى "في مديح الظلال"، يمكنك الانتهاء منه في يوم واحد، كتبه فيلسوف ياباني يدعى جونيتشيرو تانازاكي. ولو أنك انتبهت إلى الروح التي تسكن الكتاب لعلمت الفروق بين الشرق والغرب. فالغرب يضع أشياء براقة في الشمس؛ وفي رأيي أنها لا تلمع. بينما الشرق يضعها في الظلام. إذا ذهبت إلى اليابان، وسرت حول معابد الشنتو، فستلاحظ أن هذه التماثيل تقف في بقاع مظلمة، وأنها لهذا السبب تلمع.

 

أما السبب الثاني فهو قيامي بتصوير مئات من الأشياء التي تخص مايكل جاكسون، وهو شخص - في رأيي - لم يعش فترة طفولته كاملة لأسباب نعلمها جميعا. التقت صورة للطبعة الأولى من كتاب بيتر بان التي كان يملكها، لكن الحزن الذي أحسست به عند رؤية الكتاب دفعني إلى استخدام الخلفية السوداء. فكرت كيف أن العبقرية الموسيقية لهذا الطفل الذي لم يتمتع بطفولة لائقة قد أعادت خلق طفولة في نيفرلاند. كنت أستخدم ممتلكات مايكل جاكسون لأوثق الفترة التي كان حيا فيها، بينما كانوا يخلون المنزل استعدادا لعرضه في المزاد. كانت فاجعة. قدر هائل من التاريخ، يثقل كل شيء.

 

هل ترى أن الصور التي تلتقطها لهذه الممتلكات تحتفظ بشيء من روح المالك؟
قفاز مايكل جاكسون (henryleutwyler.com)

الأمر يشبه ذهابك إلى طبيب نفسي. تستلقي على الأريكة وتتحدث. والأشياء تتحدث. أجل، إنها جمادات بالنسبة لي أيضا، لكنها حية حقا. إنها لا تكذب. فلنفترض أنك تلتقط صورة لعارضة أزياء فاتنة. عندما تصل الصورة إلى المجلة، تكون أجمل عشر مرات من هذه العارضة التي كانت تواجه الكاميرا. الشعر، والمكياج، والفوتوشوب، وأشياء أخرى لا يعلمها إلا الله. أما الأشياء، فهي كما هي، وهو ما أحبه فيها حقا.

 

كيف حافظت على مخزونك من الطاقة التي يحتاج إليها المصور، وأنت تقترب من سن يتقاعد فيها الناس عادة؟
تأتي بين الحين والحين أوقات صعبة، وأحاول سبر أغوار نفسي، لأعيد اكتشاف ومعايشة الشعور الذي غمرني يوم حصلت على أول تكليف بالتصوير. كيف شعرت عندما رأيت صورتي الأولى مطبوعة؟ ماذا فعلت؟ وحينما تأتي هذه الأوقات المظلمة - وهي تأتي، فالزمن تغير، لم نعد في الثمانينيات الآن - أستطيع بطريقة التفكير هذه استرجاع روح الشباب، والمرح، والقوة اللازمة للمواصلة، وآمل أن يحالفني الحظ، مثل ريتشارد أفيدون الذي توفي في أثناء مهمة تصوير، وهيلموت نيوتن الذي توفي في طريقه إلى واحدة أيضا. لا أريد الموت في مشفى؛ أريد الموت ممسكا بالكاميرا. إن التصوير حجة جيدة لتتشارك مع الآخرين شغفك. أي شيء أعظم من هذا؟ ثق بي، ما كنت لأتمنى أن أكون جراح قلب. لا أريد المخاطرة بحياة الآخرين. بل أود منحهم المتعة، أو المعلومات. وأؤمن بأن التصوير إن وظف بشكل صحيح - وجميعنا نعرف أن هذا يحدث - لصار قادرا على تغيير العالم.


المقال مترجم عن
https://goo.gl/OVSF9l

آخر الأخبار