انضم إلينا
اغلاق
فيلم "غود ويل هانتينغ".. هوامش آمنة للمستقبل الباهر

فيلم "غود ويل هانتينغ".. هوامش آمنة للمستقبل الباهر

رفيدة طه

محررة سينما
  • ض
  • ض


بملامح منهزمة وعينين تغالبان الدموع، يحاول "جيري ليمبو" (حامل نوبل في الرياضيات) أن يبتلع الإهانة التي تلقيها الحياة فوقه (الإهانة التي لا يعرف -حتى- أيجب أن يعتبرها إهانة أم هبة!) باستهانة وتهكم. يُشعل "ويل" -الفتى المتعجرف في مقتبل عمره- النار في ورقة دوّن عليها إثباتًا رياضيًّا غاية في التعقيد؛ بينما يحاول "ليمبو" جاهدًا أن يطفئ النار؛ معترفًا أنه لا يستطيع أن يثبت المسألة التي يسخر "ويل" متمللًا من تفاهتها.

(صورة من الفيلم)


الفتى لم يُفنِ حياته في الدراسة والتدريب والإخلاص للرياضيات، ولا يحظى باحتفاء أكاديمي، ولم يحصل على جائزة نوبل؛ لكن الحياة -بصدفة تافهة- توجِد من هم مثل "ويل" عباقرة دون جهد منهم، وبصدفة تافهة تضع "ويل" العبقري أمام "جيري" المجتهد؛ ليقضي "جيري" لياليه مستيقظًا يتساءل؛ أكان من الأفضل ألّا أقابله أبدًا؟

منذ مقابلة "ويل" يحاول "جيري" ابتلاع المرارة، والتحلي بالمسؤولية المباشرة التي يشعر بها تجاه العالم. على العبقريّ أن يساهم في خدمة العلم، ورفعة البشريّة، وجعل العالم مكانًا أفضل، الأمر واضح جدًا، كم عبقريًا يجود به الزمان على علم بعينه؟ لكنّ العبقريّ لا يريد ذلك، إنه ليس مهتمًا بخدمة العلم ولا البشرية ولا شؤون العالم، لم يكن العالم إلا قاسيًا عليه، أما البشر فكانوا وحوشًا يطفئون السجائر في جسده الصغير، حين فتح عينيه، كان أول ما حدث له أن تخلى عنه من كانا أجدر الناس بمحبته (والداه). 

يبدأ الفيلم بمشهد لـ"ويل" يتصفح الكتب في غرفته التي تعجّ بالفوضى، إنه يحب الكتب؛ لكنّ الكتب لا تنتمي لعالمه الآمن مع أصدقائه؛ إذن ككل الأشياء التي يحبها من خارج عالمه، لا تملك الكتب إلا أن تنسجم مع فوضى حياته، لن ينظمها في مكتبة، ولن يستخدم أدوات مكتبية، ولن يقرأ على مكتب، إنها ستكون ملقاة هنا وهناك فحسب؛ سيمضي أوقاتًا طويلة يتصفح الكتب بذاكرته الفوتوغرافية؛ لكن في اللحظة التي يمر عليه صديقه، ستنتهي تلك الفقرة من يومه، حينها لا وقت سوى للأصدقاء.

يهرب "ويل" من الحياة التي يعتقد الجميع أنها يجب أن تكون حياته، إنه لم يعرف إلا حياة واحدة تشبه الحياة، ولا يبدو مستعدًا لخسارتها، حياة هادئة على أطراف مدينة "بوسطن" وأصدقاء ثلاثة، وتسكع يومي، ووظائف بسيطة؛ تدر عليهم دخلًا متواضعًا؛ كما لا يبدو أنه شجاع بما يكفي ليعطي للحياة فرصة؛ بمنحه أشكالًا أخرى منها.  


الفتى عنيد صعب المراس، يقنع نفسه ألا غضاضة في أن يُمضي حياته متسكعًا مع أصدقائه، أن يعمل في البناء نهارًا، وأن يسكر ويلهو ليلًا، إنها حياة جميلة وواقعية.. أليس كذلك؟ الرياضيات ليست عملًا؛ إنها أسهل مما ينبغي، هل ستجعله أستاذًا جامعيًا؟ هل يريد أن يقضي حياته في شرح الترهات للطلبة؛ بدلًا من أن يحيا حياته حقًا؟
 

سلوك الفتى يبقى شكاكًا ودفاعيًا تجاه كل محاولات إخراجه من دائرة الأمان الخاصة به، لا يهم إذا كان الأمر وظيفة، أو امرأة، أو معالجًا نفسيًا، عليهم جميعًا ألا يخترقوا مساحاته الشخصية بأكثر مما يسمح هو، إنه لن يندمج مع أي شخص أو شيء آخر، خشية أن يتطلب هذا تخليه عن أصدقائه المقربين، والحركة نحو مساحات مختلفة لا يشعر بأمان تجاهها.
 

أخيرًا يجد "جيري" معالجًا نفسيًا قد يتمكن من مساعدة الفتى. المعالج "شون ماجواير" رجل عبث بحياته وعبثت به، لا يحمل جائزة نوبل، ولم يتبع نهج الحياة الأكاديمية بدقة؛ لكنّه أراد البحث عن الحياة، صفعته الحياة بعدما أعطته نصيبًا منها، هذا ما تفعله الحياة في الحقيقة، جعلته يقابل زوجته التي ترك من أجلها تذكرة إحدى أهم المباريات الرياضية؛ مبررًا لأصدقائه: "عليّ أن أقابل امرأة". وقع في حبها بشدة، ثم أخذتها منه (الحياة) بالسرطان. فعلت الحياة هذا حتى مع "جيري ليمبو" الذي بحث عنها بأشكال أخرى، إننا لا نعرف شيئًا عن زوجته، ولا عن حياته الشخصية؛ لكننا نعرف أن الرياضيات التي أفنى عمره في خدمتها، منحته جائزة نوبل، ثم صفعته بقوة؛ عندما وضعت أمامه فتىً أخرق، يحل في دقائق ما يعجز عنه هو في سنوات.!  


"ويل" العبقري ذو الذاكرة الفوتوغرافية، يستوعب في لحظات ثقل الصفحات تلو الصفحات من الكتب، إذن سيستطيع -بالتأكيد- أن يطلق الأحكام على حياة كاملة لإنسان من خلال لوحة معلقة على الحائط؛ حتى لو كان  هذا الإنسان هو "شون" أستاذ علم النفس؛ عبقريّ مثله يستطيع أن يصنع من إطار اللوحة المحدود إطارًا لحياة إنسان قابله منذ دقائق؛ لكنّه يغفل أن إطاراته المتوهمة ليست إلا قناعًا يخفي به خوفه وهشاشته وهربه الدائم من حياة لا يستطيع أن يخرجها من إطارها الآمن الوحيد (أصدقاؤه).  كيف يمكن لرجل عبقري مثله، تنهال عليه عروض العمل من أكثر الأماكن اعتبارًا في العالم، ألا يكون أبعد الناس عن الاختباء والخوف؟ لا يسمح "شون" لنفسه بالتشخيص السريع، إنه يحاول أن يكسب ثقة "ويل" ليتحدث عن نفسه، يلقي الكرة في ملعبه، ويخبره أنه لو لم ينطق؛ فإن كتبه وخبرته كمعالج لا فائدة منها، على المرء أن يكشف نفسه، وعليه أن يعترف لنفسه باحتياجه لذلك.
 

يريد "ويل" أن يبدو راضيًا بحياته مقتنعًا بها؛ لكن حين كان بإمكانه أن يصبح عاملًا في أي مكان في العالم، اختار تحديدًا معهد ماساشوستس، المكان المرموق ذا الاعتبار العلمي الأعلى في العالم، هكذا "ويل" إذن، يقترب من شغفه، يسعى خلفه؛ لكنّه يخاف منه، وعندما يشعر أن الأمر أصبح جادًا أكثر من اللازم، يهرب، حتى حبيبته، يقترب منها، فقط لكي يهجرها.


تحرك لها قلبه منذ اللقاء الأول، "سكايلر" فتاة ذكية بجامعة "هارفارد" يكلف تعليمها أموالًا طائلة، بالتأكيد يستطيع "ويل" بعبقريته أن يطلق أحكامه على حياتها وشخصيتها أيضًا، إنها تتلقى تعليمًا جيدًا، وستكون لها مهنة مرموقة، ستتزوج شابًا ثريًا ذا شهادات معتبرة مثلها، إنها لن تحبه أبدًا، يكذب عليها بشأن عائلته، لطالما تمنّى أن تكون له عائلة وإخوة كثر، إنه لن يستمر طويلًا في علاقته مع "سكايلر" يعرف هذا، لا مانع إذن في أن يخبرها بثقة عن كل إخوته الذين حلم بهم، 12 أخًا، يحفظ أسماءهم وترتيبهم، ولا مانع أن يعدها أنه سيقدمها لهم قريبًا.
 

حين تخبره أنها تريده أن يبقى معها، يسألها مستغربًا كيف تعرفين؟ يخبرها أن الأمر ليس بهذه البساطة؛ لأنها ربما تعرف عنه حقيقته التي لن تعجبها، ثم تكتشف أنها لا تريد البقاء معه، فيجد نفسه عالقًا مع فتاة لا تريده؛ حين تؤكد له أنها تحبه، يهرب مرة أخرى. كعادته يخشى "ويل" أن يَلحق بأحلامه، اعتاد أن يتعرض لما يحب بحذر، وعن بعد، وبخوف، يرفع صوته وهو يتركها، علّه لا يبدو مجرد خائف في لحظاتهما الأخيرة.  

لا يبدو "شون ماجواير" معنيًا بقلق "جيري" ومسؤوليته تجاه عبقرية "ويل" والعالم، إنه يترك المجال لمريضه ليستكشف ما يريد أن يفعله بحياته بنفسه؛ لأن "في الحياة ما هو أكثر بكثير من جائزة نوبل" كما لا يبدو مهتمًا بكيف يكون التصرف الصحيح والمثالي كاستشاري نفسيّ؛ كما يرى "تاماس زابادوس" في مراجعته للفيلم، إنه يتهجم على مريضه، يترك جلسة علاجية، يقيم جلسة في حديقة، يغضب على الفتى ويعنفه، وينهي جلسات قبل ميعادها.

"شون" الرجل الذي بلغ أعلى درجات الاحتراف في فن العلاج النفسي، يلعب هذه المرة لعبة حرة جريئة، حدسه يخبره بتغيير قادم، وأن هذه الجلسات علاج لنفسه المنهكة، وقلبه المنكسر أيضًا. هنا يقرر "شون" أن يضع القواعد جانبًا، يناور بتهور، وأن يسمح لخلاصة سنوات خبرته أن تأخذ فنه لمستوى آخر.


يكشف "شون" نفسه أمام "ويل"؛ ربما بهذا يتوغل في طبقات الدفاع النفسي عند الفتى، والتي تريد أن تتجنب التعري أمام أحد، يخبره عن أسرار حياته، وعن صفعته الكبيرة التي تعرض لها، يخبره أن الحياة تجد دائمًا طريقها لإنزال الصفعات، هذا ما يحدث باستمرار؛ وهو "ليس خطأك"؛ يبكي "ويل" و"شون". جلسات العلاج النفسي لا تحرر "ويل" فقط؛ لكن "شون" أيضًا -والذي يُفترض أنه الطرف المعالج والأكثر سلامة- يجد بعد انتهائها أملًا في تغيير ما، فيترك "بوسطن" ويسافر. 

استطاع "شون" أن ينظر إلى عينيْ مريضه ويرى أبعد من العبقري الواثق، الفتى الخائف الذي يريد أن يبدو واثقًا، الفتي الذي لم يَخبر الحب؛ لكنه قرأ شكسبير، ولم يخبر الحرب؛ لكنه سمع أخبارها. الفتي الذي ربما قرأ عن "مايكل أنجلو" وأعماله؛ لكنّه لم ينظر أبدًا إلى سقف كنيسة "سيكستين" منبهرًا بما أبدعه، والذي يعرف الكثير عن مدن العالم؛ لكنه لم يخرج يومًا من مدينته "بوسطن".! 

لدينا بطلان إذن يختبر كل منهما محورين من محاور الوجودية الأربعة الكبرى بتعبير "تاماس زابادوس" في مراجعته: حتمية الموت، والحاجة إلى معنى، والخوف من العزلة، والحاجة إلى الحرية. "ويل" خائف من أن يصبح وحيدًا، إن صراعه في الحياة أساسه خوفه من العزلة، خوفه من أن يتم هجره مجددًا. تحت وطأة هذا الخوف، يرى نفسه أسيرًا، يحتاج أن يتحرر من مخاوفه، أن يتطلع إلى أحلامه، أن ينظر إليها بثقة أكبر، وقوة أكبر، وأن يصبح مسؤولًا عن حياته؛ لا مختبئا في ظلها، أن يصبح في حياته فاعلًا لا ردة فعل لصدمة قديمة، هنا يساعد "شون" الفتى في التعرف على نفسه، ويفتح عينيه على الحواجز التي بناها بينه وبين ذاته بمراوغته، وإنكاره وتشتيته لها عمّا يريده حقًا.
 

"شون" تسيطر عليه محاور وجودية أخرى (1)، وقفت حتمية الموت بينه وبين الحب الذي منح حياته المعنى الذي ربما لا يوجد في الكتب، ولا يُختبر إلا "بأن تستيقظ صباحًا بجانب امرأة تحبها، وتشعر أنك سعيد حقًا". رحلت زوجته وتركته وحيدًا يعاني ألمه الكبير، تحت وطأة الفقد يحتاج الإنسان إلى معنى آخر، لا يمكن أن يكون الألم بلا هدف أو نتيجة، أليس كذلك؟ ثمة معنى يجب أن يُخلق ليلهي المرء عن معاناته، الهند مكان جيد للاسترخاء، وبدء البحث بالنسبة لـ "شون" بعد أن فقد أحضان الحبيبة.
 

"تشوكي" صديق الطفولة المخلص الذي يحاول دفع "ويل" نحو تحقيق حلمه، يخبره كم أنها ستصبح إهانة له ولهم جميعًا لو أن عبقريًا مثله ظل في مكانه كعامل بناء؛ لكنه يعرف، صديقه راحل يومًا ما لا محالة، وحين يفعل، لن يخبر أحدًا، تتحقق النبوءة؛ يرحل "ويل" ولا يظل في مكانه؛ لكن ليس نحو وظيفة المستقبل. وبعيدًا عن أصدقاء الطفولة يُخبر مُعالجه وصديقه الجديد: "عليّ أن أقابل امرأة". 
 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار