هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كيف غير "هنري روسو" تاريخ الفن الحديث؟

كيف غير "هنري روسو" تاريخ الفن الحديث؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
   

في نوفمبر 1908 في مرسم "بابلو بيكاسو" كانت هناك مأدبة مرموقة في ضيافته، حفل لاهٍ أقامه "بيكاسو" ليستمتع ضيوفه بالغناء والموسيقى والمرح على شرف رجل في الرابعة والستين من عمره، لقد كان هذا الحفل بمثابة اعتراف برجل تعرض للنقد اللاذع والتجاهل والسخرية طوال حياته، هذا الشخص يسمى "هنري روسو".

 

كان هنري روسو (1844- 1910) واحدا من أكثر الشخصيات الممقوتة بالنسبة للنقاد، لأن شخصيته الساذجة البريئة تعكس خلفيته المتواضعة، وطبيعته الواثقة كانت تُستغل من محترفي إلقاء النكات بين أصدقائه، وهو ما لم يتقبله المهووسين بالعظمة الفنية.

وبالرغم من صعوبة العناصر التقنية في الرسم، إلا أن هذا الفنان؛ الذي لم يتعلم قواعد الرسم، نجح في إبداع رؤية جديدة شديدة الأصالة تنتمي له كليا، ممتلئة بالجدة والحيوية، لقد حقق "روسو" إنجازا عظيما، رجل عجوز مع الوقت تم تقدير قيمة أعماله من أشخاص مثل "بيكاسو"، لقد أشرقت شهرته في نهاية حياته.

 

هنري روسو، بورتريه شخصي (1890)  (مواقع التواصل الإجتماعي)

كسرت أعمال "هنري روسو" كل قواعد الرسم الأكاديمية، وألهمت الكثير من الفنانين الآخرين مثل "بيكاسو"؛ لكي يعجبوا به، لأنه استطاع أن يكسر قواعد الرسم الأكاديمية بطريقة لا واعية، لقد رسم "روسو" بالطريقة التي أرادها هو وكان يود أن يُعترف به كفنان أكاديمي؛ لكن سذاجته وأسلوبه كانا غريبين جدا عن ما هو مألوف.

 

إن لوحات "هنري روسو" كانت بمثابة تمرين على توسيع الخيال بالنسبة للفنانين المعترف بهم، ومهرب لكي يحرروا أنفسهم من العمل حسب القواعد الأكاديمية، وبالرغم من أنه  ليس من أفريقيا ولا من أمريكا، فقد كان رجلا أوربيا غربيا خالصا؛ لكنه لم يكن يرى ويرسم بالطريقة التي يجب أن يرسم بها رجل غربي ينتمي للنهضة الأوربية.

 

عاش "روسو" حياة عادية وغير ملحوظة، وكان يعمل موظفا في الجمارك، ومازالت أسباب قراره أن يخوض غمار الفن وهو في الأربعين من عمره غامضة، ربما بسبب الساعات الطويلة من الخمول والملل التي كانت تفرضها وظيفته كجمركي.!

 

الحقيقة أن المعايير الأكاديمية للوحات في القرن العشرين كانت تعني أن لوحات "روسو" خشنة وغير مهذبة والتكوين فيها محرج جدا، واستخدامه للون الأسود تحديدا مثير للاستغراب، ولم يكن لديه القدرة على رسم الأرجل كما في لوحته "لاعبو كرة القدم"؛ فالأطراف في اللوحة ملتوية بشكل غريب، كان يبدو ساذجا لأقصى الحدود.

 

لقد كان "روسو" من ذلك النوع من الفنانين الذي يؤمن به السرياليون، عبقرية بدون تعليم، تستطيع عينه أن ترى ما لا تستطيع عين الفنان المتدرب أن تراه.

 

هل كان التعليم الرسمي ليقتل عبقرية هنري روسو؟

لقد اعتبر "كاسبر كونيغ" و"فولك وولف" القائمان على متحف "فولكوانج" "روسو" ضمن الــ12 فنانا فطريا؛ ممن كان لهم تأثير على الفن الحديث. يرى "كونيج" أن "روسو" لو كان تلقى تدريبا أكاديميا أو رسميا -ربما- لم تكن لوحات الغابات التي رسمها حققت نفس الشهرة والنجاح، لأنه كان سيتعلم ما يجب عليه القيام به وما لا يجب؛ فهناك قواعد و"روسو" لم يعبأ بهذه القواعد ورسم بقواعده، فكانت النتيجة هي تأثيره الواضح على "بيكاسو" و"ماتيس".

 

يوافق "وورلف" ويقول إن الفكرة في أن يكون الشخص هو الذي علم نفسه هو عدم اضطراره أن يتبع القواعد الأكاديمية؛ وهذه ميزة من مميزات الفن العظيم. لقد صنف النقاد "روسو" من جيل ما بعد الانطباعية، ذلك الجيل الذي فرض على كل من جاؤوا بعده ضرورة وجود أسلوب فني لكل فنان مهما كان حتى يميزه هذا الأسلوب عن غيره من الفنانين.

 

كان لـ"روسو" أسلوب واضح؛ والذي يعرّفه الناقد "جون رينار" أنه الكيفية التى تُعطى للعمل الفني؛ حتى يتمكن أي إنسان من القول إن هذا العمل لهذا الإنسان وليس لغيره، و"روسو" بشخصيته الفنية التى لا تجارى جسد هذا المفهوم بوضوح.

 

يرسم "روسو" لوحاته كأنه يصنع منها فيلما أو قصة، لوحة "الأسد الجائع" مثلا. تبدأ القصة بأسد جائع ينقضّ على غزال ويمزقه، وتأتي الطيور الجارحة لتنهش أجزاء أخرى من جسده، في منظر تشهده الغابة الغامضة، وتبكيه الشمس بضوء أحمر كالدماء.

 

وفي لوحته "الغجرية النائمة" كان "روسو" يسبح ضد التيار، فالمعروف أن المرأة في تاريخ الفن لا تمثل أبدا الحرية، وخصوصا عندما تكون سوداء، في وقت كانت فيه أوربا تستعمر أفريقيا؛ صور "روسو" الغجرية تائهة في الصحراء، تحمل إبريق ماء وآلة موسيقية، عنوان اللوحة الأصلي في الفرنسية "البوهيمية النائمة"، اقترح النقاد أنها فنانة؛ لكنها لا تنتمي للأكاديمية فتم نبذها.

 

هي أيضا موسيقية، و"روسو" باستمرار يشير إلى الجانب الغامض في الموسيقيين تحديدا السود في العديد من لوحاته؛ في الصحراء اللانهائية والإحساس العميق بالصمت والعزلة والجمال المبهر في التكوين، ترقد الغجرية مطمئنة في نوم عميق، امرأة وحيدة وأسد والقمر المكتمل، أشياء تشعل الرغبة في الحياة الحرة، حرية التجوال، أن يجد المرء ذاته الداخلية (حقيقته). وضع "روسو" هذه الرغبات في امرأة سوداء وفنانة غير معترف بها، مما جعل اللوحة تحمل جمال الرغبة الغريبة في الارتحال في الآفاق؛ بعيدا عن قيود الحياة الحديثة.

هنري روسو، الأسد الجائع (1905)

مواقع التواصل الإجتماعي
الغير عادي أنه بالإضافة لكون الغجرية فنانة بوهيمية متجولة؛ فهي أيضا امرأة، وتقريبا لا يوجد أي مثال آخر في تاريخ الفن وقتها عن امرأة رُسمت في سياق غير معتاد كهذا، فهي مستقلة، تسافر وحدها بحرية؛ وبحسب قوانينها الخاصة. فدائما عندما تظهر المرأة وحدها في اللوحات تكون موضوعا للجمال الخارجي الساذج؛ لكن في هذه اللوحة لا يوجد شيء كهذا.

 

يقال إن "روسو" استوحى اللوحة من قصة "القديسة مريم المصرية" التي وُلدت في مصر وعاشت حياتها من التسول وغزل الكتان، وكانت -أيضا- منغمسة في الخطيئة والمجون، ثم ذهبت إلى القدس وتابت، وعاشت حياتها تجول صحراء الأردن وحيدة ومنعزلة؛ حتى التقت الراهب "زوسيما" الذي أعطاها ملابسه لتغطي بها جسدها العاري؛ إلا من ملابسها الممزقة، فروت له حكايتها وماتت -على ما يبدو- بعد هذا اللقاء.

 

فوجدها "زوسيما" الراهب بعد 20 يوما؛ ولكن جسدها كان محفوظا، حاول أن يدفنها ولكن التربة كانت صلبة جدا، فجأة وجد أسدا رائعا يقف بجانب جسدها يلعق قدميها، الأسد بدأ يحفر التربة الصلبة بقدميه حتى استطاع "زوسيما" أن يدفنها، ثم رحل الأسد بعد ذلك، وعاد "زوسيما" إلى ديره وهو يقول: "حقًا إن العشارين والخطاة والزناة سيسبقوننا إلى الملكوت السماوي".

 

غجرية نائمة وأسد تائه وضوء القمر، أشياء غريبة وعلاقات غير واقعية؛ لذلك تنبأت هذه اللوحة بالاتجاه السريالي، فهذا التجاوز غير المتوقع وغير المألوف يحرر عقل المشاهد من اليومي والرتيب، يخلق مساحة جديدة للخيال ليكتشف خلالها ممكنات جديدة علاقات جديدة بين الأشياء.

 

لذلك يعتبر "روسو" ملهم السريالية التي تهتم بالأشياء الغريبة والجميلة، ويعد هذا النوع من الروعة (المدهشة) مربكا، إنه يصدم الرائي؛ لأنه يفتح أبوابا جديدة تماما؛ بعيدا عن الصور المعتادة والواقعية، ويصف "أندريه بريتون" (مؤسس الحركة السريالية) لوحات "روسو" بأنها قبل بداية الزمان، وأنها سريالية بالكامل.

 

بماذا يدين "بيكاسو" لـ"هنري روسو"؟
بيكاسو يحمل بورتيريه رسمه هنري روسو بيده اليمنى  (مواقع التواصل الإجتماعي)
أثناء مرور "بيكاسو" على متجر من الدرجة الثانية لفت انتباهه لوحة لا يعرف من رسمها، أخذ يبحث عن الرسام الذي رسمها، إلى أن عرف أنه يسمى "هنرى روسو"، كانت اللوحة هي  بورتريه لامرأة  قال عنها "بيكاسو" إنها من أكثر الصور الفرنسية صدقا، من هنا بدأت حكاية "بيكاسو" مع "روسو".

 

الآن، إذا قمت بزيارة لمتحف "بيكاسو" ستجد لوحات "روسو" تقف جنبا إلى جنب مع الروائع التي اقتناها "بيكاسو" من "سيزان" و"ماتيس" و"ديجا".. وبجانب القناع الأفريقي الشهير، فبماذا يدين "بيكاسو" لهذا الفنان صاحب الغابات المطيرة الغامضة؟ لماذا أقام "بيكاسو" مأدبة على شرف "روسو"؟


عندما قامت ألمانيا تحت حكم هتلر سنة 1937 بقذف قرية "الجرنيكا" لمساندة القوى الفاشية، قُتل سكان جرنيكا بدم بارد وببطء شديد، رسم "بيكاسو" لوحته الشهيرة الجرنيكا،  يوجد في لوحة الجرنيكا شيئ ودود وبسيط وساذج أو يمكننا أن نقول شيء بريء، ولم يكن لـ"بيكاسو" أن يرسم الجرنيكا بدون هذا الطيف من البراءة، وهذا تحديدا هو ما يدين به لـ"روسو".

 

لا يعرف "روسو" قواعد الرسم التي تلقاها "بيكاسو"؛ من خلال دراسته في الأكاديمية، كان جهله بهذه القواعد يضحك النقاد كثيرا؛ ولكنه -أيضا- هو ما يجعل رسمه محببا، لقد جعلهم مشدوهين بعفويته.

 

اليوم أصبح فنانو باريس يتعبدون في محراب الفن الفطري، بفضل غابات "روسو" وخياله الطفولي، لقد جعلت العفوية والبراءة في فنه المعجبين به يشعرون أن هذا أقرب إلى أصلهم، أقرب للثقافة الشعبية الفرنسية. 

هنري روسو، الغجرية النائمة (1897)

مواقع التواصل الإجتماعي
 كان "بيكاسو" يتمنى لو أنه يستطيع الرسم كطفل، وكان يعتقد أن تعليمه في الأكاديمية في أسبانيا جعله غير قادر على هذا أبدا، لذا كان يحب رسم "روسو" كثيرا؛ لأنه نقي، فـ"روسو" لم يرسم أبدا ما أراد له الناس أن يرسمه، ربما كان "روسو" ذكيا جدا وعلى وعي بأنه اخترع طريقة جديدة في الرسم.!

 

إن ما علمه "روسو" لـ"بيكاسو" هو الطريقة التى يمكن أن يكون عليها الفنان، أن يكون عنيدا ومحيرا، ولا يبالي بموقف الناس وسخريتهم، ولديه إيمان لا يتزعزع بموهبته وفنه.

 

لقد رسم "بيكاسو" أهم الأعمال الفنية في القرن العشرين؛ ولكن تحت تأثير "روسو"، لقد علمه "روسو" أن الفنان يمكن أن يعرض روحه للخطر حتى لو كان يعلم أن الجميع سيسخرون منه أو يلقبونه بالساذج، ويمكننا -بسهولة- أن نرى الآن تأثير "روسو" على فن القرن العشرين بالكامل؛ وليس "بيكاسو" وحده.!

 

"ثمة سرور عميق يغمرنا حين ندرك أننا نساعد في تشكيل عالم جديد، هذه هي الشجاعة المبدعة مهما كانت إبداعاتنا ضئيلة أو جزافية". 

- "رولو ماي"، شجاعة الإبداع

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار