انضم إلينا
اغلاق
جون ميليه.. ريشة الحب المغدور

جون ميليه.. ريشة الحب المغدور

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
للوهمِ رماحٌ مُسنّنة وقاتلة وإذا طالتك رماحه تقذف بك في أعمق هاوية، وكلما هبت عاصفة جرفت كل شيء الأشخاص والأماكن والأسئلة والأجوبة، إلا رماح الوهم أينما عصفت بك الريح يظل الرمح في قلبك، وتمضي وأنت تعلم أنك ملأت قلبك عواصفٌ ورماح.


شَرَعَ السير جون إيفرت ميليه رسام إنجليزي (1829 - 1896)، في رسم لوحة "هُبِّي هُبِّي يا رياح الشتاء" عام 1892، قُبيل وفاته بأربع سنوات في أسكتلندا، وكانت اللوحة توثيقًا لمشهد واقعي وصارت لاحقًا دافعًا لعودة ميليه لرسمِ المواضيع الاجتماعيّة.



اسم اللوحة مُستوحى مِن قصيدة للأديب الإنجليزي ويليام شكسبير تحمل نفس الاسم، "هُبِّي هُبِّي يا رياح الشتاء"، والتي ظلَّ مطلعها يتردد في رأس ميليه أمام المشهد، يفتتح شكسبير القصيدة كالآتي "هُبِّي هُبِّي يا رياح الشتاء - أنتِ لستِ بالغة القسوة - مثل جحود الإنسان - وعضتك ليست حادة - فأنتِ لستِ بادية للعيان."
[1]


في اللوحة امرأة هي الأكثر بروزا دون التدقيق قد نحسبها تضُم عليها شالها مِن البرد؛ لكنها في الحقيقة تضُم عليها رضيعها، امرأة تجلس على صخرة في العراء بجوارها سُرّة ملابسها، تضُم رضيعها إليها وتُرخي عليه شالها لتطعمه، المشهد العام للوحة يوحي بعاصفة رياح تُصرصر وسماء مُلبدة بالغيوم وثلوج تتساقط.

"الإنسان ذئب الإنسان، من يجرؤ، إزاء كل مستخلصات الحياة والتاريخ، أن يُكذّب هذا المثل"،[2] الإنسان لا يخرج في نزهة في العاصفة بسُرّة ملابسه، ولا يكون الشخص في العراء في العاصفة بسُرة ملابس إلا إذا كان بلا مأوى، والمرأة في اللوحة إذ تفترش الأرض فهي مُقتلعة كُليًّا مِن أي جذور؛ امتلأ قلبُها عواصف ورماحا؛ رماح الوهم لأنّنا نجد خلفها رجُلًا يمضي مبتعدًا.


الرجُل الذي يسير -تاركًا إياها في العراء والعاصفة مع رضيع- ليس مُجرد رجل يمشي مبتعدًا، هو يمشي على قلبها وسيظلّ وقع خطواته على قلبها يؤلمها العمر كله، هي بلا طريق بلا مأوى بثياب رثَّة، مع طفل، تدقُ على جسدها العاصفة لتطردها لأنها تشغل مساحة مِن مكان الهبوب، وكلبٌ يعوي ملأ المسافة بينهما وريحٌ تكنسُ كل شيء.


مِن شكسبير إلى ميليه
أثر أعمال شكسبير المُمّتد في أعمال ميليه لا يقتصر على "هُبِّي يا رياح"، فهناك أيضًا إحدى أشهر لوحات ميليه "أوفيليا" والتي رسمها ما بين عامي 1851 و1852، والمستوحاة مِن مسرحيّة "هاملت" التي كتبها شكسبير عام 1599، ويُصَوِّر ميليه فيها مشهد انتحار "أوفيليا" غرقًا[AS2] .

أوفيليا هي إحدى الشخصيات الرئيسة في المسرحيّة والتي تُحبّ هاملت أمير الدنمارك، والذي يكتشف أنّ أُمه تواطأت مع عمه على قتلِ أبيه، ليتزوج عمه أمه ويُصبح بذلك ملك الدنمارك عوضًا عن هاملت الوريث الشرعي للعرش، ويفقد هاملت ثقته في كل النساء بعد ما فعلته أمه ويقرر الانتقام لأبيه، وفي خضم انتقامه يقرر هاملت عدم الزواج من أوفيليا ويقتل والدها الذي كان مغرما بأم هاملت، فتنتحر أوفيليا بإغراق نفسها في جدول ماء.


تُعدّ اللوحة إحدى أشهر اللوحات اللاتي مثّلت انتحار أوفيليا بسبب دقة مُحاكاتها لتفاصيل الانتحار كما جاءت في الفصل الرابع (المشهد الخامس) مِن المسرحية، وتصور اللوحة تفاصيل الطبيعة بدقة زهور البنفسج والخشخاش والبابونج والزيزفون والأعشاب والمياه.
 
حتّى إنّ ميليه صوّر تفاصيل وجه أوفيليا مُتسقة مع السّرد مِن حيث إنها كانت تُغني أثناء إغراق نفسها في الجدول بعد مقتل أبيها على يدِ حبيبها؛ وبالتالي تظهر العينان مفتوحتان والفم أيضًا[AS3].

وفي مشهد استلقاء أوفيليا على صفحة الماء إحساس بالاستسلام لا تُخطئه العين، لا شيء منها يسير ضد التيار أو يقاوم الموت، حورية جميلة نامت باستسلام على صفحة الماء للأبد تغشاها السكينة ويُخضّبها الموت، امتلأ قلبها عواصف ورماحا، فما حدث كان وحشيًّا وجراحه لن تتلاشى فترحل ببساطة، "لم يتبق سوى الصّمت."[3] - شكسبير، هاملت

أوفيليا لم تلح على هاملت ليكونا معًا، وميليه لا يُقدّم موتها في اللوحة بتراجيديا مُفرطة، فالموت هنا قد يبدو نهاية رحيمة للمُعذبين؛ للعالقين في معارك غير عادلة، للذين لم يملكوا متسعا للسعادة والأمل؛ لكنهم ملكوا متسعا للحزن والألم.

عن المدرسة والرسّام
كان السير ميليه أصغر رسام يدخل الأكاديمية الملكية للفنون (طفل في الحادية عشرة من العمر)،[4] وذاع صيته وهو في العشرين مِن العمر بسبب لوحته الأشهر المسيح في بيت والديه[5] والتي رسمها عام 1949، يعتمد أسلوبه في الرسم على الواقعيّة وأحيانًا الواقعية الرمزية؛ بحيث تخلو اللوحات من أي مخلوقات خرافيّة أو مشاهد ملحميّة ميتافزيقيّة.


ومع ذلك مال ميليه لتصوير المواضيع الشعرية، فرسم "أوفيليا" حبيبة هاملت ورسم أيضًا شخصية "ماريانا" مِن مسرحية الصاع بالصاع لشكسبير، كما تدور لوحاته حول أحبّة رجال ونساء تُفرقهم الصراعات الدينيّة أو الفروق الطبقيّة، ففي "هُبِّي يا رياح الشتاء"، يبدو على المرأة الفقر فيما لا يبدو على الرجل ذلك[AS4] .

ظهرت ما قبل الرفائيليّة كأخويّة أسس لها ميليه مع عدد مِن الرسّامين والنُقاد والشعراء عام 1848، وقد نشأت المدرسة كنوع من الاحتجاج على المستوى المتدني الذي وصل له الفن، وتتسم لوحات المدرسة بالبساطة والعمق وعدم التكلُّف، تلك البساطة جاءت كثورة ضد التقاليد الفنية للأكاديمية الملكية.[6]

 لقد اعتبر مؤسسو الأخويّة أن الفن البريطاني يحتضر، ويجب أن يسترجعوا المكانة القوية التي كان يشغلها عبر اتباع أساليب الفن الإيطالي قبل عصر رافائيل،[7]  وتبنت الأخويّة عددًا مِن المبادئ التي مِن شأنها أن تسمو بالعمل الفني مثل أن تكون الفكرة أصيلة /حقيقية بما يكفي وليست تافهة.[8]

لذلك عبرت لوحات ما قبل الرفائيليّة مثل هُبِّي يا رياح وأوفيليا، عن الطبيعة والمشاهد الحيّة وتفاصيلها بدقة، كذلك اعتبرت الأخوية أن الهدف من العمل الفني هو الارتقاء بقيمة الأخلاق والمشاعر والقضايا الإنسانية، وأن الأعمال التي تُهمل هذا الجانب تُعتبَر دون المستوى.

---------------------------------------------------------------------------
المراجع:

Freedman, H., & Shakespeare, W. (1995).
Blow, blow, thou winter wind: For SATB choir a cappella

London, Ont: Jaymar Music.
Barlow, Paul Time Present and Time Past: The Art of John Everett Millais, Ashgate 2005.

Hilton, Timothy (1970). The Pre-Raphaelites, Oxford University Press
Landow, George P. "Pre-Raphaelites: An Introduction". The Victorian Web. Retrieved
15 June 2014.
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار