انضم إلينا
اغلاق
"السريالية والتكعيبية".. وجه ما بعد الحداثة الـمشوه!

"السريالية والتكعيبية".. وجه ما بعد الحداثة الـمشوه!

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

"أين الإله؟ أنا سأقول لكم ذلك! لقد قتلناه أنتم وأنا! نحن كلنا قتلناه! لكن كيف فعلنا ذلك؟ كيف استطعنا أن نفرغ البحر؟ من أعطانا الإسفنجة لمحو كل هذا الأفق؟ ماذا فعلنا بفصلنا الأرض عن شمسها؟ إلى أين تقودها حركاتها، حركاتنا؟ أبعيدًا عن كل الشموس؟ ألم نندفع في منحدر لا قرار له؟ أما يزال هناك أعلى وأسفل؟ ألسنا نتيه صوب عدم لانهائي؟"[1]

(نيتشه)


لقد بدا جليًّا -منذ أواخر القرن التاسع عشر- أن عالم الحداثة، حتّى وإن شهد تراجع الميتافزيقيا لحساب نظريات علمية حديثة، قد انقضى ممهدًا الطريق لظهور ما بعد الحداثة.[2] العالم الذي أعلن عنه نيتشه بموت الإله. عالم بلا ثوابت أو مركزية أو حدود، لا شيء يتجاوز المادي المحسوس المباشر. 


وإذا كانت الحداثة قد اهتمت بتحليل السرديات الكبرى على أُسس التنوير والعقلانيّة، فقد شككت ما بعد الحداثة في كل السرديات الكُبرى أساسا. لقد اعتبرت ما بعد الحداثة أن كل ما وقفت عليه البشريّة مِن معارف كُليّة ليس سوى أطروحات وآراء نسبية متأثرة بالسياقات التاريخية والاجتماعية والمحلية المعاصرة لها.[3]


فالحقائق مُختلفة باختلاف العصور والمجتمعات أو بالأحرى "لا توجد حقائق توجد فقط تأويلات" كما يقول نيتشه. حتّى إن التمسك بأي نمط أخلاقي أو سردية ميتافزيقية هو محض اختيارات وتفضيلات شخصية. إن أي محاولة يبذلها المرء في البحث عن المعنى تذهب كليا أدراج الرياح؛ فكل شيء نسبي ومائع تمامًا.
 

 نيتشه (مواقع التواصل)


لقد أدى هدم السرديات الكبرى والتخلي عن الأُسس الأخلاقية إلى النسبية والتعددية والعدمية. هذا هو عالم ما بعد الحداثة المتفكك المُتشظي. عالمٌ تظهر فيه هشاشتنا أمام نسبية كل شيء في هيئة وعي ساخر بالنفس ومحاكاة ساخرة للعالم والواقع مِن حولنا. "بعيدًا عن كل الشموس، نندفع في منحدر لا قرار له."


هذا الوعي الساخر بالنفس والمحاكاة الساخرة للعالم ظهرت أكثر ما ظهرت في الفنون؛ بخاصة مدارس الفن الحديث التي ظهرت معاصرة للحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد مهدت السياقات السياسية والفلسفية والنفسية المعاصرة للحروب لظهور أكثر مدارس الفن الحديث إثارة للجدل: السريالية والتكعيبية.[4]
 

التكعيبيّة

لقد كانت التكعيبية وليدة كل صخب ما بعد الحداثة: النسبي، المكسور، اللامركزي والمتشظي. وتَقدَّمت المدرسة مُغيّرة في أساليب الفنون التشكيلية وتصاعدت بعد ذلك من الرسم لتصل إلى بقية أنواع الفنون البصرية. حتى صارت التكعيبية مُحكمة التأثير في الأوساط الثقافية. وقد اعتلت موجة الفن الحديث حتى وصلت لزخمها باندلاع الحرب العالمية الأولى.


وبالرغم من مرور أكثر من مئة عام على ابتداع التكعيبية؛ إلا أنها لا تزال حتى اليوم متصدرة كواحدة مِن أهم مدارس الفن التشكيلي في التاريخ. يُعزى ذلك إلى أن الرسام الإسباني بابلو بيكاسو (1881 - 1973) بالتعاون مع الفنان الفرنسي جورج براك (1882 - 1963) قدّما فيها أسلوبًا جديدا للرسم نسفَ كليا الأسلوب المتعارف عليه.


"إنّنا مثل مُتسلقي الجبال المربوطين؛ لكن بحبلٍ واحد"

(جورج براك عن علاقته ببيكاسو)


لقد كان الفن الأفريقي للفنانين بمثابة الفتنة. واعتبراه على درجة عالية من العبقرية بحيث تتغير مقاسات وأحجام ونسب وزوايا الأشياء حتى تكاد تتشوه ملامحها من دون فقدان قيمتها وهويتها الجمالية. وبجانب الأقنعة الأفريقية، تستوحي التكعيبية -ككل- رؤيتها من نظرية التبلور التعدينية التي تعتبر الهندسة أصولا للأجسام.[5]
 

صورة لبيكاسو مع بعض الأقنعة والتماثيل الأفريقية (مواقع التواصل)


وقد صاغ الناقد الفنيّ الفرنسي "لويس فوكسيلس" (Louis Vauxcelles) مصطلح "التكعيبية" في باريس في الفترة ما بين الحربين العالميتين (1907 - 1914)، بُعيد رؤيته للوحة بيكاسو "آنسات أفينيون" (Les Demoiselles d'Avignon) والتي رسمت بأشكال هندسيّة واضحة مثل: المربع، الأسطوانة، المخروط، الدائرة والمثلث.


بيكاسو بدوره استلهم فكرة اللوحة وطريقة رسمها مِن الفنون والأقنعة الأفريقيّة التي كان مفتونًا بها. وقد جاءت اللوحة صادمة ومختلفة عن أي أنماط بصرية ثلاثية الأبعاد مفهومة ومريحة للعين. فالرائي للوحة يرى المشهد الواحد مِن عدة زوايا مِن النظرة الواحدة. حتى إن بيكاسو علق على اللوحة -لاحقًا- قائلا: "كانت تلك هي تجربتي الأولى في تحضير الأرواح."
 


 

تعتبر لوحة "آنسات أفينيون"، 1907، إحدى أيقونات الفن الحديث وواحدة مِن أشهر لوحات القرن العشرين. ويظهر في اللوحة خمس بغايا عاريات مِن بيت دعارة في شارع أفينيون في برشلونة. في اللوحة، لا تظهر وجوه النساء بشكلها التقليدي المألوف؛ بل مُفككة ووحشيّة ومُخيفة حتى لا نكاد نشعُر بأي إيروتيكيّة قد تقترن عادة بالعُري. 


لقد أضاف الخلل الذي اعترى قوانين ومنطقية تشكيل الفضاء الفني في اللوحة تفسيرا فلسفيا ونفسيا مُلازما للتكعيبيّة. وقد تحولت المدرسة بسبب ذلك من كونها مُجرد مدرسة فنية -وإن كانت عبقرية- إلى كونها توجها فكريا. فضمت لأقطابها العديد من الأدباء والرسامين.


مثال آخر على ذكاء وعبقرية التكعيبية، لوحة "بورتريه لامرأتين،"[6] 1914، للرسّام المكسيكِيّ ديغو ريفيرا، (1886 - 1957)، رسمها بأسلوب تكعيبي خالص، مشهد مسطّح وكسور حادة حتّى إنّنا نرى المشهد مِن زوايا مختلفة من النظرة الواحدة.
 


لقد تجاوزت الحركة حدود الرسم؛ لتضم العمارة والنحت. بعد أن مجَّدت التكعيبيّة مِن فكرة الاستعارات اللونية والمجازات الإنشائية التي وقفت عليها الانطباعيّة وبنت عليها حتى صار طبيعيّا أن نرى رأس الإنسان مُربعًا على سبيل المجاز. مثلما رسم فان جوخ الغيوم حلزونية في ليلته المليئة بالنجوم (Starry Night).
 

لوحة ليلة مليئة بالنجوم لفنسنت فان جوخ 1889 (مواقع التواصل)



السرياليّة

بعد وصول التكعيبية لذروتها إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى، لاحت في الأفق حركة فنيّة أخرى في الفترة مِن 1914 وحتى 1920. وتلك الحركة هي التي مهدت لظهور السريالية في 1920. هذه الحركة هي "الدادية" (Dadaism). وإذا أردنا أن نفهم طبيعة "الدادية" علينا أن نعي بعض الحقائق عمّا وصلت له البشرية بعد الحرب العالمية الأولى.


لقد لقي أكثر من 17 مليون شخص حتفهم في هذه الحرب، وأصيب أكثر من 20 مليونا آخرين. وفي خضم بحر الدماء هذا ظهرت "الدادية" -بُعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى بشهور- مُعبّرة عن حجم القُبح والجنون الذي وصل له العالم.
 

لقد اجتمع عدد من الفنانين في زيورخ وقرروا رفض كل ما جاءت به المدارس الفنية والحضارات الإنسانية جمعاء. وأطلقوا على هذه الحركة "فن اللافن" رفضًا مِنهم لحالة الضمور الأخلاقي التي غرقت فيها أوربا والعالم بأسره في تلك الفترة. فإذا كانت فاتورة الحضارة والحداثة وما بعد الحداثة هي موت 17 مليون إنسان مِن أجل لا ندري ماذا؛[7] فمِن الطبيعي إذن أن تكون "المبولة" نافورة.[8]


مِن هنا، اتخذت مدارس الفن التشكيلي اللاحقة "للدادا" مواقف مضادة للإبادات الجماعيّة والحروب العالمية والتي صبت جميعًا في هاوية ضخمة اسمها "أزمة المعنى". لقد بهتت "الدادا" وتراجعت ممهدة الطريق لمدارس أخرى. لقد كانت "الدادا" مُحاكاة لمدى القبح والبشاعة اللذين وصل لهما العالم؛ مع رفضه -أي العالم- أن يصدق أنه على هذا القدر مِن البشاعة.
 

تُركز السريالية على حالة الضياع التي يعيشها الإنسان في عالم ما بعد الحداثة (بكساباي)

 

"إن الفن إنما يأتي في مواجهة الرعب الناشئ عن غياب أي معنى للحياة، ليبرّر الوجود نفسه"

(نيتشه، ميلاد التراجيديا)


ظهرت السريالية في باريس في أوائل القرن العشرين، تقريبًا 1920، على يد مجموعة من الكُتَّاب والفنانين الذين ركزوا على اللاوعي كمصدر لأعمالهم الفنيّة. لاحقا، امتدت السريالية لتشمل الأدب والمسرح. وقد ذكر الأب الروحي للسريالية الشاعر الفرنسي أندريه بريتون (1896- 1966) في أول مانفستو كتبه عن الحركة "أنه أراد أن يمزج بين الوعي واللاوعي ليصل بهم لعالم "الحقيقة المُطلقة."


من هذا المنطلق، تتعامل السريالية مع العقل الباطن واللاوعي على أنهما مصدر رئيس للإلهام. وقد ربطت الحركة -منذ بيانها الأول- بين علم النفس والرسم. وعلى خطوات التكعيبية، حطمت السريالية الصور البصرية التقليدية للأشياء. فاعتمدت على الرموز للوصول للحائق وإقرارها. فأتت اللوحات أشبه بالحلم أو الكابوس.


ومثلها مثل التكعيبية، تُركز السريالية على حالة الضياع التي يعيشها الإنسان في عالم ما بعد الحداثة. وإذا كانت التكعيبيّة حاولت إظهار الزوايا الهندسية التي يخضع لها الإنسان والكون بحسّ فلسفي ما بعد حداثي؛ فإن السريالية ركزت على اللاوعي الذي جعله سيغموند فرويد، عالم النفس النمساوي (1856 - 1939)، مجالا خصبا لفهم سيكولوجيّة النفس البشرية.


ويعد الرسّامان الإسباني سلفادور دالي (1904 - 1989) والبلجيكي رينيه ماغريت (1898 - 1967) -وهما مِن أبرز روّاد السرياليّة- مِن أكثر الرسّامين الذين تحدوا مفهوم الناس حول الواقع والحقيقة. لقد أجبرا الرائي والمتابع لهما على تفحص المفاهيم ومدى صحتها مِن خلال لوحاتهما اللاتي فككت الواقع بحس استفهامي ساخر.


في عام 1931، رسم سلفادور دالي أكثر لوحاته شهرة "إصرار الذاكرة"(The Persistence of Memory). واللوحة مِن النظرة الأولى تعرض فخًا مُحكمًا يستنزف الرائي في فهمه. فالزمن في اللوحة يظهر مائعا تماما في حالة سيلان وليس ذلك البناء الميتافزيقي الضخم.[9] يعبث دالي هنا بالزمن وبالذاكرة حتى يظهر الوقت في أسفل يسار اللوحة كوجبة يتهافت عليها النمل.
 


هل يسخر دالي هنا من الزمن، في أكثر أشكاله رُعبًا؟ أم يسخر مِن ذاكرتنا نحن التي تذوب وتتهاوى باستمرار؟ وإذا كانت (الذاكرة/الزمن) في اللوحة في حالة ذوبان، فلماذا وضع اسم اللوحة مُناقضًا للذوبان؟ هل يسخر دالي مِن هشاشة الوقت وهشاشة الذاكرة بوصمهم بلفظ مناقض لما وقفت عليه اللوحة؟


إن دالي في اللوحة يُزعزع النموذج نفسه، نموذج الوقت والذاكرة المفهومين بشكلهم التقليدي. يتهكم بشكل لا محدود مِن قدرة الذاكرة أو الوقت على الاحتفاظ بأي شيء. إن دالي في الحقيقة يسخر بهذا العنوان مِن ذاكرته، ذاكرتي، ذاكرتنا الجماعية، ذاكرتنا الثقافية؛ لا شيء عصي على النسيان، لا شيء يبقى للأبد.


بنفس المنهج التفكيكي، يُعري رينيه ماغريت، في إمبراطورية الضوء، الزمن مثلما عراه سلفادور دالي. هل نستطيع أن نتخيل أن نرى الليل بالنهار؟ أو نرى النهار بالليل؟ هناك مَن تخيّل الفكرة ورسمها وبمنتهى المهارة.
 


في إمبراطورية الضوء، 1954، قدم ماغريت مفهوما شديد الذكاء والتفرُّد عن الوقت والضوء والظل. فهو يجمع في اللوحة، في مشهد شديد الاستحالة، بين الليل والنهار في مشهد واحد بمنتهى الانسجام! لقد رسم السماء نهارًا؛ لكن الشوارع مُعتمدة على ضوء المصابيح في مشهد ليليّ. ماغريت ببساطة رسمَ النّهار في ضوءِ الليل، والليلَ في ضوء النّهار.


وغير الإمبراطورية، يتفرّد رينيه برؤية. شديدة البساطة وشديدة الذكاء في الآن ذاته. رسم ماغريت، بعد الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، لوحته الشهيرة "يوتوبيا" 1954. اللوحة عبارة عن زهرة تطلّ على البحر وسماء مفتوحة؛ فقط. هل هذه هي المدينة الفاضلة التي صال وجال فيها عشرات المُفكرين والفلاسفة؟ نعم، هذه هي، كما يراها ماغريت. مدينة فاضلة يوتوبيا لأنّها بسيطة.
 




"الفنّ هو الكذبة التي تساعدنا على إدراك الحقيقة"

(بيكاسو)


لقد رسم بيكاسو بغايا أفينيون مشوّهات تملأهن التعاريج والكسور. ورسم رأس الإنسان في جداريته العابرة للزمان، جيرنيكا، على شكل دموع العين. لقد رسم دالي الساعات ذائبات مائعات لا معنى لهن ولا قيمة. ورسم ماغريت الليل نهارًا والنهار ليلا. ورسم اليوتوبيا على قدر صادم من البساطة. وبالطبع لا تصوّر أي مِن تلك اللوحات الواقع، بمفهومه وأشكاله البصرية المألوفة لنا.


كان الفنّ يكذب ويُكسّر الواقع ليكشف في طياته عن الشروخ والتعاريج التي ينطوي عليها وجه ما بعد الحداثة المشوه. لقد كانت السريالية والتكعيبيّة مجازًا تُكَذّب الواقع لتكشف في زواياه الحادة وسيكولوجيته المُظلمة عن الحقيقة. "أما يزال هناك أعلى وأسفل؟" 

====================================================
 

[1]  الاقتباس من كتاب نيتشه العلم الشاذ 1882

[2]  راجع كتاب أندرسون "أصول ما بعد الحداثة"

[3]  راجع كتاب مارشال بيرمان: كل ما هو صلب يذوب في الهواء: تجربة الحداثة

[4]  راجع كتاب ديفيد هارفي حالة ما بعد الحداثة: والتحقيق في أصول التغيير الثقافي

[5]  راجع: John Golding, Cubism: A History and an Analysis, 1907-1914, New York: Wittenborn, 1959

[6] Portrait of Two Women," 1914 by the prominent Mexican painter Diego Rivera (1886- 1957)

[7]  راجع صفحة الداائية على Encyclopædia Britannica

[8]  النافورة، 1917، إحدى أشهر الأعمال الفنية في الحركة الدادية للرسام الفرنسي مارسيا دوشامب (1887 - 1968) حيث قدّم مبولة في أحد المعارض الفنيّة مُطلقًا عليها لقب النافورة (Fountain)

[9] راجع: ThePersistence Of Memory Dali

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار