انضم إلينا
اغلاق
"رب الكون ميزنا بميزة".. لماذا يسمع المصريون "حمو بيكا"؟

"رب الكون ميزنا بميزة".. لماذا يسمع المصريون "حمو بيكا"؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
"رب الكون ميزنا بميزة .. الرجولة والنفس عزيزة، عشان مشرف أرض الجيزة .. علم الطوابق إسلام سنّوفة"

(المطرب الشعبي: حمو بيكا)

  

حسنا، الأمر غريب حقا، فعلى الرغم من كل تلك الفوضى التي يمكن أن تستمع إليها في مهرجان شعبي، كل ذلك القفز والضرب بالمطواة والبهرجة في الألوان لمستوى غير طبيعي، كل تلك الرقصات المتشنجة وكأن أحدهم، لا نراه، يقوم على فترات متسارعة بتحريك أطراف مريض كتاتونيا، فإننا أمام نمط ما.

 

يشبه ذلك، من حيث وجود نمط محدد له معالمه الخاصة، يشبه الشعر العربي القديم(1). حيث كان على الشاعر أن يبدأ بوصف جمال المحبوبة، عفيفا أو صريحا، أو وصف الصحون والقصور، أو وصف الخمر، أو يبدأ بذكر الأطلال، وما بين "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" وصولا إلى "ودّع هريرة إن الركب مرتحلُ .. وهل تطيق وداعا أيها الرجُلُ؟"، تستمر الحياة، رغم أن لا أحد يطيق الفراق.

   

فتّش على روحك

للأغنية الشعبية أو المهرجان قواعد مشابهة، هذا أمر يمكن أن تتبعه في خط السير الذي تطورت فيه الأغاني الشعبية على مدى قصير، قُل مثلا من عشرة إلى ثلاثين سنة. بداية من تلك الفترة التي ذاع فيها صيت شادية إبراهيم في أفراح شمال الدلتا، وشفيقة، الملكة التي قالت ذات مرة إن "الحب عذاب وحيرة، سهر طول الليالي، أنا عشت سنين طويلة، وكان القلب خالي"، فهامت الأرواح بينما تكرر كلمة "خالي" أكثر من مرة، يمتد ذلك وصولا إلى السيد هشام بلح والذي أقدم على ثورة جديدة في عالم التوزيع.

  

  

قبل هشام بلح، كانت "المولد" بالأساس هي أغنية واسعة الشهرة للعربي فرحان البلبيسي(2) بعنوان "أول ما كتب القلم"، أو كما أحب أن أسميها بـ "قطعة من الحلوى الطحينية السماوية"، حتّى إني ظللت لفترة طويلة أتخذ من "فتّش على روحك، يا حبيبي، قبل ما تفتّش يا واد عالناس" شعارا في الحياة، أكتبها على جوانب ورق استذكار الدروس من حين لآخر.

  

  

لكن شهرة هذه الأغنية كانت فقط واقعة في نطاق الذكر والمدح، وهو توجّه كان له جمهور يتناقص مع الزمن، حتّى إني لم أسمع عنه إلا من جدّي الذي كان في شبابه يجوب البلاد حينما يسمع أن أحدهم يقيم حفلة مدح وذكر مشابهة في قرية ما. أفواج من البشر كانت تطارد هذه الحفلات على الأقدام والعربات الكارو والميكروباصات القديمة الضخمة البطيئة المطرّزة وقتها بأي شيء يمنع الحسد.

  

في مرحلة ما، أخذ هشام بلح "رتم" هذه الأغنية وأعاد، مع رفاقه، توزيعه على الأورج لتصبح "المولد"، التي كانت فيما بعد سر شهرة محمود الليثي، إنها تلك الثورة الهائجة التي رفعت من شأن ملوك التوزيع ولاعبي الأورج في الأغنية الشعبي حتّى أصبحوا بأهمية المغني نفسه، كانت تلك هي المقدمة التي أسست فيما بعد لظهور الملك "عبسلام" صاحب أشهر مزمار في الشرق الأوسط والعالم كله، والذي لم يكن مزمارا.

   

غدر الصحاب

في تلك الفترة كان "محمد السويسي" يجوب أنحاء مصر، لكنه لم يكن يعرف أن النهاية قد حانت، وأن "رضا البحراوي"، وكان وقتها مراهقا يغني لأبيه في واحدة من أوسع الأغنيات شهرة، يشهد فترة صعوده. كانت الأمور تتغير في كل شيء يتعلق بنمط الأغنية، الذي أصبح صارخا وصادما وراقصا أكثر مع الزمن لكنه احتفظ بالمزاج الحزين. لكن على الرغم من ذلك، فإن بعض الأباطرة قاوموا التغيير وتكيفوا مع الوضع، نتحدث هنا عن "عبد الباسط" و"أحمد شيبة" مثلا، وتبعهم طارق الشيخ، واندمج ثلاثتهم مؤخرا في نمط شعبي يخدم طبقات غير شعبية.

    

  

لكنّ شيئا واحدا لم يتغير في أثناء ذلك كله، وهو قواعد الأغنية، حتّى مع ظهور الليثي ومن قبله وبعده بعض العلامات الرئيسية على الطريق كـ "العبد والشيطان"، تلك التي ظلت إلى الآن تطرح السؤال نفسه: كم عدد المرات التي كرر فيها محمود الحسيني لفظة "جو" في كل طَلعة؟

  

تضمنت تلك القواعد عدة ثوابت. على سبيل المثال، كان "غدر الزمن" شيئا غاية في الأهمية ضمن كلمات الأغنية، كذلك "غدر الصحاب"، وهو شيء ثابت مثل عدد أفوجادرو، فكما أن مولا واحدا من غاز النيتروجين الذي كتلته تساوي 28 جراما يحتوي على عدد أفوجادرو من جزيئات النيتروجين، يجب أن تحوي الأغنية الشعبية على أي شيء واضح وثقيل ومستمر له علاقة بغدر الصحاب.

  

فراق الأحباب كذلك كان إحدى العلامات، تقدير دور الأب والأم، نكران الجميل من قِبل الناس في العموم والأقربين بالخصوص، الحسد والحاسدين، أما الإشارة إلى الرضا بالنصيب ودور الشيطان، هذا الكائن الذي يمثل، وحده، السبب في كل شيء سيئ تفعله، فكانت دائما شيئا لا غنى عنه. في أغنية كتلك، النصيب هو أقوى الثوابت في الكون، وكأنه السبب في كل شيء خاطئ في الحياة. آه من هذا النصيب الذكي المُتلاعب الذي يقدر دائما على مباغتتنا في أكثر اللحظات حميمية!

  

"ملعون أبوك يا فقر حاوجني للأندال"، هكذا قال أحمد شيبة في واحدة من الروائع، بينما أضاف في رائعته الأخرى: "الدنيا ماشية بضهرها وحطت عليا، وقالتلي لما سألتها: إنتا الضحية". "أنا مش هفية" كانت واحدة من العلامات لأنها، في الحقيقة، وكما نقول في مصر، حطّت على الجرح. هذا النمط الراقص الحزين هو بالأساس إحدى أكثر الضربات لفتا لانتباه المستمع، وهنا نتحدث عن كل الطبقات، فبينما كانت الأحوال تسوء في مصر، كانت قاعدة جمهور شيبة تتسع.

    

  

ولاد سليم اللبانين

حسنا، إلى هنا فإن كل شيء "تمام". فقط حتّى تلك اللحظة التي ظهر فيها ولاد سليم اللبانين، إنه المهرجان واسع الشهرة "مفيش صاحب بيتصاحب"، 130 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط، والذي مثل نقلة نوعية جديدة في خط سير طويل يبدو للوهلة الأولى فوضويا، كان التغيير الجديد الذي أضيف إلى مكوّن الأغنية هو شيء واحد فقط: "أنا قوي يا روح %$#@".

  

فبينما استمرت الثوابت الأخرى داخل الأغنية قائمة بدرجات متناقصة شيئا فشيئا، ظهر ثابت جديد مثّل روح الأغنية، إنه إعلان القوة، "هنتعامل ويتعامل، طلّع سلاحك متكامل، هتعورني أعورك، هنبوظلك منظرك، بقيت ورا تصبح مرة، ملكش قيمة وسط البشرية"، وأخيرا يقول: "أولاد سليم اللبانين في أي حتة مسمعين"، "احنا رجالة منهيبوش، مكنشوش، وقت الجد إحنا نصد أي حد ماسك خرطوش"، مع علامة مميزة إضافية وهي إخراج اللسان الدائم لأي شيء مرتبط بالصوابية السياسية.

    

  

هنا تغير كل شيء، أصبحت الأغنية بالكامل مظاهرة مشتعلة تعلن: "أنا قوي، أنا قادر على أن أؤذيك، قادر على تعليمك مقامك"، استعراض القوة والكيفية التي يمكن بها لشخص ما أن "يعلّم عليك" هو فقط الهدف النهائي، في تلك اللحظات الحاسمة يظهر "حمّو بيكا"، في "بيع شيطانك" (19 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط) ليقول: "هات بازوكة اضرب كام تورتة، كل اللي عدّى بيدفع كارتة، ولّعها متخافش من الشرطة"، أنت تعرف ما أقصد إن كنت قد استمعت لهذا المهرجان من قبل.

  

في كل مكان بالمهرجانات المعاصرة، أيًّا كانت، ستجد هذا النوع من استعراض القوة. على قمة هذا الجبل الكبير يقف حمو بيكا ورفاقه، حاليا، ليشعلوا الأفراح الشعبية وقنوات الفيديو كليب وحفلات الأثرياء وأبناء الطبقات المتوسطة الذين يستدعونهم كنوع من "السقوط للأسفل"، الارتماء في أحضان هذه الشهوة الدفينة في أعماق ذواتنا لأن نصبح مثل أتباع ديونيسوس(3)، الفتيات اللائي هجرن المدينة و"قرفها" كي يرقصن عرايا على الجبال المحيطة بها، والشباب الذين فعلوا ذلك أيضا. ربما هو ذلك الشعور المريح بأنك تهوي إلى القاع بلا هدف، بلا أدنى حاجة إلى بذل الجهد في التسلّق ناحية قمّة هذا العالم!

    

في تلك النقطة يدخل محمد رمضان، إنه لا شك ملك استعراض القُوى، السيد "مافيا"، عضو نادي الملوك، لكن رمضان لا يغني مهرجانات شعبية حقيقية، بل هو فقط يقلد نمطا عالميا شهيرا يبالغ في تعظيم الذات وإذلال المنافسين، مع استعراض للممتلكات بجانب القوة، كالسيارات اللامبورجيني و"الحريم"، وهو أمر لا نجده في المهرجانات الشعبية، التي ما زالت تحوي درجة من الخوف من غدر الزمن تدفعك لبعض التواضع أمام سطوة النصيب.

  

في الإرشاد واحدة بكيفها

لكن لفهم ما أقصد هنا بوضوح يمكن أن نتأمل معا حمو بيكا في مهرجان "عالم فاسد" (31 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط)، والذي يعد أيضا نموذجا واضحا لنمط استعراض القوة، حينما يقول بعد نحو دقيقة وعشر ثوانٍ: "في الإرشاد واحدة بكيفها، الشارع كان كله عارفها، معذورة بتجيب مصاريفها"، من هي تلك الفتاة؟

    

  

لا أعرف في الحقيقة، لا أحد يعرف، لكن محمد رمضان لم يعرف من الأساس، ولا أنا أو أنت، أن إحداهن، في منطقة ما، قررت أن تعمل في الإرشاد، أي أن تُخبر أمين شرطة ما بما تعرفه عن المكان الذي تسكن فيه، وذلك لأنها فقيرة لا يساعدها إلا تلك النقود التي تتحصل عليها من مهامها الاستخباراتية، ورغم أنه فعل مشين أن يشي أحدهم بنا في "المنطقة"، فإنها "معذورة بتجيب مصاريفها".

  

حقيقي! من كان ليأتي بهذا المشهد في أغنية؟ من كان ليعرف بطبيعة "المنطقة"؟ تلك التي تعتبر -بشكل أو بآخر- جزءا كبيرا من المجتمع المصري، من كان ليبلغ من العمق بهذا المكان سوى من جاء من هناك فألف وجود فتاة الإرشاد؟ لا أحد غيرهم. لذلك فرمضان، رغم شهرة أغانيه الواسعة، فإنها -ربما- تُمثّل نمطا موازيا، يلفت انتباه أبناء الطبقة الوسطى الذين "يَقرفون" من أن "تلُطّهم" سُمعة الانتماء لطبقات شعبية، ويتمنون في الوقت نفسه أن تتراقص أرواحهم على النغمات نفسها لسبب له علاقة بالفراغ الوجودي الذي يحف العالم المعاصر أو فقط لأنها طبيعة الأشياء.

  

يذكرني ما سبق بـ "خناقة" قامت منذ عدة سنوات حينما قرر أحدهم التهكم على صوت أمير عيد من فريق "كايروكي"(4)، ثم حدث أن جاء ذكر "عمرو دياب" في "يدالمعمعة"، لكن السؤال الجانبي الذي طرأ واستمر منذ تلك اللحظة إلى الآن هو: مَن هو عمرو دياب؟

  

من هو الديناصور الحقيقي؟

هل تقصد المغني واسع الشهرة، السوبر ستار، الميجا ستار، ذلك الذي ظل طوال 20 سنة يغني بالنمط نفسه حتّى إنك لو استمعت لإحدى أغنيات 2019 مقارنة بأخرى منذ خمس سنوات سابقة، لن تعرف أيها تقع في أي عام؟ عمرو دياب الذي مرت عليه الثورات والتغيرات السياسية والاجتماعية المتنوعة فظل كما هو، هضبة؟

    

  

كايروكي، في الجانب الآخر، يشتبك مباشرة مع الثورة المصرية ونتائجها. في ألبوم أخير ميزته أغنية "الديناصور" و"السكة شمال في شمال"، مثّل هذا الفريق -بشكل أو بآخر- انعكاسا لمجموعة ضخمة من الناس في الفئة العمرية 17-24، انعكاسا حقيقيا لرغباتهم ومخاوفهم وآمالهم وعدميتهم الواسعة التي غطت على السحابة السوداء الساكنة فوق القاهرة، وكل مصر، فأصبحت سحابة من الأسى.

  

حينما نسأل: "من هو الصوت الأفضل؟" هل يتوقف الأمر على الصوت فقط؟ أم أن هناك أشياء أخرى مهمة للغاية؟ لا أعرف في الحقيقة، لكن الأمر معقد، ويدعو للتأمل، ويبقيك على حالة من التراقص على السلّم، حيث لا أنت بالأعلى ولا بالأسفل، لا تود أن تقع في جحيم فوضى "كلّه ماشي" ولا فوضى وملل "نحن فقط أصحاب السلطة نحدد ما هو الصواب دون غيرنا"، السيد "حلمي بكر" نموذجا.

  

ما يقدمه حمّو بيكا هو صورة رديئة من الغناء، أفضل أغانيه بالأساس هي إعادة توزيع لـ "يا غايب ليه ما تسأل" أحد روائع فضل شاكر، لكن "فيجو الدخلاوي" -كرفيقيه بلح وعبسلام- أعاد إنتاجها. رغم ذلك، فإن ما يقوله بيكا مهم، يعبر عن شيء ما، يتحدث -بطريقة أو بأخرى- عن مجموعة من الناس لا نعرف الكثير عنهم، ويدفعنا كذلك للعديد من الأسئلة:

  

لماذا أحب الناس هذا النمط الجديد من المهرجانات؟ لماذا اتسعت رقعتها بعد ظهور تلك الحالة من استعراض القوة؟ أو دعنا نسأل: إلى أي درجة أصبح العالم حولنا فوضويا فرجعنا إلى عصور كان استعراض القوة فيها ضروريا للبقاء؟ هل انقسم عالم شباب ما بعد الثورة المصرية إلى قسمين، فأصبح أحدهما عدميا يرتع على منصات التواصل الاجتماعي ليوزع بؤسه قائلا إن "لا شيء يهم"، بينما غرق الآخر في حالة استعراض القوة، لأنه "إذا لم يكن هناك شيء مهم"، فلنكن أقوياء ونعطي كل ذي "جزمة" جزمته في "وشّه"؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار