انضم إلينا
اغلاق
حفلات الهولوغرام.. نقلة في عالم الموسيقى أم استغلال تجاري للموتى؟

حفلات الهولوغرام.. نقلة في عالم الموسيقى أم استغلال تجاري للموتى؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

عندما تظهر "الست" على خشبة المسرح، يسود المكانَ صمتٌ مَهيب، يتحوّل هذا الصمت سريعا إلى صيحات يمتزج فيها الابتهاج بالدهشة، والسعادة بعدم التصديق. رؤية أم كلثوم بنفسها تؤدي على المسرح كفيل أن يخلق مِزاجا غريبا من المشاعر، لكن ظهورها هذه المرة كان مختلفا، وجمهورها هذه الحفلة يختلف تماما عن كل الحفلات. نعم، طال بأم كلثوم الغياب، 49 عاما تحديدا مرّت على آخر مرة أطلّت فيها علينا، ولهذا، تعتري الدهشة جمهورها عندما يصدح صوتها مجددا بـ "يا حبيبي" في مطلع "ألف ليلة وليلة"، فلا أحد يتوقع أن يرى أو يسمع الموتى.

 

لم تأتِ أم كلثوم بالطبع في زيارة من العالم الآخر مطلع هذا العام إلى السعودية حيث أُقيمت آخر حفلاتها، ما ظهر أمام الجمهور في هذا الحفل كان هولوغراما يُحاكيها.

  

  

من أشباح بيبر إلى تقنيات هوليوود

على ما به من إبهار بصري، فالتجسيم ثلاثي الأبعاد واستخداماته الفنية والمسرحية ليست بالشيء الحديث، حيث يعود تاريخ ظهوره الأول تحديدا إلى عام 1862، حين ابتكر العالم الإنجليزي جون هينري بيبر تقنية خداع بصري تُظهر أمام المشاهد أجساما طيفية كالأشباح واستخدمها في عرض مسرحي مقتبس عن إحدى روايات تشارلز ديكنز. ومنذ ذلك اليوم، سُمّيت التقنية على اسمه: "شبح بيبر"(1) (Pepper's Ghost).

     

"شبح بيبر" (pepper's ghost) (مواقع التواصل)

    

وقفت تلك التقنية البدائية كنواة وراء واحد من أول وأنجح عروض الموسيقى الحيّة التي استدعت مطربا ميتا ليغني مرة أخرى. ففي عام 2012، وقف مغني الهيب هوب توباك شاكور (Tupac Shakur)، الذي لقيَ مصرعه منذ ستة عشر عاما، على خشبة مسرح مهرجان كوتشلا الموسيقي يغني مع صديقه الحميم سنوب دوغ أشهر أغنياته. وبعدها بعامين، ظهر مايكل جاكسون يغني في حفل جوائز بيلبورد بالطريقة نفسها.

   

   

لكن وراء موجة ظهور أشباح فنانين راحلين على خشبة المسرح في العامين الأخيرين تقف تقنيات مبتكرة كثيرا عن "شبح بيبر". تعتمد المجسمات هنا على مزيج من تقنيات التقاط الحركة (Motion Capture) والصور المنشأة بالحاسوب المستخدمة منذ عقود في هوليوود، وتأتي النتيجة دقيقة بشكل باهر، ومرعب في الآن ذاته. (2)

    

لن تستطيع -بالطبع- الحكم على التقنية اعتمادا على عرض أم كلثوم في السعودية، ولا على الحفل الذي شارك فيه عبد الحليم حافظ المطربة كارول سماحة الغناء في مصر مطلع هذا العام، فقد أتى التنفيذ فيهما متواضع الجودة، والشبه بين الهولوغرام والفنانَيْن الراحلَيْن لم يكن مُحكَما، حتى إن ابن شقيق العندليب وصف ما ظهر حينها في تلك الحفلة بـ "المسخ" الذي لا يمت لعمّه بصلة، ولديه بالطبع كل الحق في ذلك. (3) كما تبدّت مشكلات تقنية واضحة في العرضَيْن، حيث ظهرت الهولوغرامات شفافة وليست مُصمَتة، ما أدى إلى كسر الإيهام. كل تلك المشكلات غير موجودة في العروض الأجنبية، ففي عرض مغنية الأوبرا ماريا كالاس الذي نُفِّذ هذا العام، ستشعر كما لو أن السوبرانو الراحلة بُعثت إلى الحياة مرة أخرى.

      

   

يجعل هذا القدر من الواقعية لمثل تلك العروض جاذبيتها الخاصة التي يصعب مقاومتها، فحتى سنوات قليلة مضت، لم يكن جلوسك لأكثر من ساعة في حضرة مطربك المفضل -في حالة الهولوغرام؛ ما يشبه مطربك المفضل- الذي مات قبل أن تُولد سوى خيال حالم لا مجال لتطبيقه على أرض الواقع. أما اليوم، فبفضل تقنية الهولوغرام، سينبعث المطربون الذين طواهم الموت مرة أخرى -ليست أخيرة أغلب الظن- من رقادهم، ويحيون حفلات من جديد.

  

وفي صفوف الحضور، سيتشارك المقاعد جيل قديم كان محظوظا بما فيه الكفاية ليرى أولئك العظماء يوم كانوا أحياء، ويحضر مرة أخرى لاسترجاع التجربة، وجيل آخر أحدث سِنًّا يودّ أن يختبر شيئا جديدا عليه كليّة. وتلك الجاذبية الكبيرة التي ستجمع أجيالا مختلفة وتُترجَم إلى أرباح طائلة بالطبع لا تخفى على مُنتجي تلك العروض.

     

     

"عبودية الأشباح"

أمام المتحمسين لفكرة عروض الهولوغرام الذين يرون فيها فرصة نادرة لـ "بث الحياة في رموز قديمة" و"الطريقة المثلى للحفاظ على اهتمام الناس بموسيقى مَن رحلوا"، يقف فريق آخر من المتشككين الذين ينظرون للتجربة بحذر وريبة. بالنسبة للفريق الأخير، ليست عروض الهولوغرام أكثر من طريقة جديدة للإبقاء على عجلة الأرباح التي أطلقها فنان أو مطرب ما تدور إلى ما لا نهاية، حتى بعد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. ومن ثم، يرى ذلك الفريق في تلك العروض شيئا غير إنساني يحوّل الفنان إلى سلعة وينتهك أبسط حقوقه في التحكّم في صورته وصوته وضمان عدم استغلالهما في سياقات ربما لم يكن ليوافق عليها لو كان على قيد الحياة. (4)

   

ربما لا يوجد مثال أوضح على هذا من جولة الهولوغرام التي أعلنت عنها شركة "BASE" -الشركة المسؤولة عن أشهر وأنجح عروض الهولوغرام في الآونة الأخيرة من حفل أيقونة الأوبرا ماريا كالاس إلى جولة بادي هولي أحد مؤسسي موسيقى الروك آند رول- العام الماضي التي سـتحييها، إن جاز التعبير، النجمة الراحلة آيمي واينهاوس. (5)

     

آيمي واينهاوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

لم يخلُ الخبر من سخرية مُرّة استشعرها محبو الفنانة التي رحلت وهي بعد في الـ27 من عمرها إثر جرعة زائدة من الكحول. فقد عاشت آيمي حياتها القصيرة تحت الأضواء في معاناة واكتئاب صبتها عليها حياة الشهرة التي لم تردها لنفسها يوما، ودفعها إليها دفعا مديرو أعمالها وأبوها كما صرّحت أكثر من مرة. ومن اللافت أن وفاتها قد أتت بعد شهر واحد من جولة موسيقية أجبرها عليها والدها في بلغراد، ظهرت فيها على المسرح مخمورة أحيانا، ومعظم الوقت على وشك البكاء. (6) ومن هنا، فقد بدت تلك الجولة للجميع "شيئا لم تكن آيمي لتوافق عليه حية أو ميتة"، محض محاولة أخرى من أبيها لاستغلالها حتى بعد أن ذهبت وراء القبر. (7)

    

اضطرت شركة "بايز" أن تعلن إلغاءها للجولة بعد الهجوم الشديد الذي تعرضت له من محبي آيمي. لكن من المقرر أن تجري جولات أخرى كثيرة العام القادم لفنانين عانوا من حياة الشهرة والأضواء، ومن المشكوك فيه أنهم كانوا ليوافقوا على استغلال صوتهم وصورتهم بتلك الطريقة، ما يجعلنا نطرح أسئلة حقيقية حول مدى أخلاقية تلك التقنية.

   

يقول روبرت جايمس، أستاذ الفلسفة والموسيقى في جامعة نورث كارولينا: "يقف فارق مهم بين القانون والأخلاق في تلك القضية. حيث يوقّع الفنان على عقود في حياته تعطي مالكها الحق في استخدام صورته وصوته مدى الحياة لأي غرض كان. لكن الخضوع لهذا القانون لا يُشكِّل سوى جزء صغير من الأسئلة الأخلاقية حول الموقف. فلم يكن في إمكان فنانين ماتوا منذ زمن طويل أن يتخيلوا وجود مثل تلك التقنية في المستقبل على الإطلاق، وإن كانوا على دراية بها، لمَا وافقوا أغلب الظن على استخدام صوتهم وصورتهم في مثل هذا النوع من الحفلات". (8)

   

هولوغرام ويتني هيوستن (مواقع التواصل)

   

كل هذا دفع الناقد الموسيقي سايمون رينولدز أن يُسمّي حفلات الهولوغرام بـ "عبودية الأشباح". ينتقد رينولدز تلك الصناعة لأسباب كثيرة، ليس أقلها استغلالها لصوت وصورة أشخاص رحلوا دون موافقتهم، فكما صرح رينولدز في حواره مع الغارديان: "حتى لو أعطى الفنان الموافقة على استغلال صوته وصورته بتلك الطريقة، يبقى هنالك شيء غير سليم حيال الأمر برمّته". (9)

     

الهولوغرام والغرق في المساحات الآمنة

ينتقد رينولدز فكرة حفلات الهولوغرام من منظور مختلف بعض الشيء، ففوق ما فيها من استغلال غير أخلاقي ربما لفنانين راحلين، فإنها تحمل في رأيه تهديدا وتضييقا للخناق على الفنانين الصاعدين، يقول رينولدز: "يؤسس هذا النوع من الحفلات لمنافسة غير عادلة: فنانون ناجحون يسيطرون على السوق حتى بعد موتهم ويقتلون الفرص أمام الفنانين الجدد". (10) (11)

  

لا يختلف الأمر كثيرا من ثم عن صناعة السينما الآن في هوليوود. ففي السنوات الماضية، باتت الصناعة تعتمد بشكل متزايد على سلاسل الأفلام مستغلة الشهرة السابقة لأبطال الكوميكس الخارقين، وعلى إعادة إحياء أفلام قديمة بتقنيات أحدث، الظاهرة التي أطلق عليها المختصون "تجارة النوستالجيا". فليس هنالك فرصة لجني ربح مضمون أفضل من إعادة استثمار نجاح سابق، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى غلق الباب أمام أي محاولات التجربة والتجديد. ومن المتوقع إذن أن تضع جولات الهولوغرام صناعة الموسيقى في المأزق الإبداعي نفسه الذي تقف فيه هوليوود الآن. (12)

    

سيكون لتقنية الهولوجرام جمهور كبير يتكوّن أغلبه من الفئة العمرية التي تجاوزت الشباب، لأن هذا النوع من الحفلات سيقدم لهم ما ظلّوا يحلمون به طوال حياتهم

مواقع التواصل
  

في حواره مع "ميدان"، يرى المؤلف والموزع الموسيقيّ أحمد يونس أن السيناريو نفسه سيقع في الوطن العربي في حالة نجاح هذا النوع من الحفلات به، وهو ما يتوقع حدوثه أيضا، يقول يونس: "يميل الإنسان دائما لإعادة إنتاج الماضي أكثر بكثير من ميله لصناعة الجديد، فالشعوب العربية بشكل خاص تشعر بالراحة مع ما تألفه. دائما عندما نستمع لصوت جميل يحاول أن يغني شيئا جديدا وأصيلا، فإن أول شيء يخطر على بالنا ونقوله لصاحبه: "سمعنا أغنية لأم كلثوم"، وأنا أرى أن مثل تلك الجملة كانت السبب في القضاء على مواهب كثيرة وإبقائنا محتجزين في قالب الماضي".

 

يستطرد يونس: "بناء عليه، أرى أن حفلات الهولوغرام ستلقى انتشارا واسعا في الوطن العربي، وسيكون لها جمهور كبير يتكوّن أغلبه من الفئة العمرية التي تجاوزت الشباب، من الأربعين فيما فوق، لأن هذا النوع من الحفلات سيقدم لهم ما ظلّوا يحلمون به طوال حياتهم. كما ستجذب تلك الحفلات الكثير من المنتجين للاستثمار بها باعتبارها مضمونة المكسب، بالإضافة إلى خلوّها من المخاطر مقارنة بالمجازفة التي ينطوي عليها دعم مواهب جديدة".

 

كحال كل تطور تقني جديد، تنقسم الآراء حول حفلات الهولوغرام ما بين متحمّس لها ولكل ما تحمله من إمكانات ستُعيد تشكيل مفهومنا عن العروض الحية، وبين متخوّف منها كونها تلعب في مساحة رمادية من الناحية الأخلاقية ستسدّ الطريق، حال نجاحها، على الكثير من الفنانين الصاعدين. وكحال كل تطور تقني جديد، تبقى الكلمة الأخيرة فيما ستؤول إليه كل تلك التقنية للمستقبل. فهل سيُثبت الغد أن كل تلك المخاوف حيال الهولوغرام كان مبالغا فيها؟ أم أننا سنجد أنفسنا نعيش نسخة حية من حلقة "راتشيل، جاك، وآشلي تو" في الموسم الأخير من "بلاك ميرور" حيث يُحكَم على الفنانين الناجحين بالموت حال رغبتهم في التجديد ويستبدلون أطياف هولوغرام بهم تُعيد للأبد تدوير صورة مزيفة عنهم؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار