انضم إلينا
اغلاق
لا تكن شخصا عاديا.. كيف تربى جيل التسعينيات من أبناء الإخوان المسلمين؟

لا تكن شخصا عاديا.. كيف تربى جيل التسعينيات من أبناء الإخوان المسلمين؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

"والدتي ووالدي أبناء التنظيم، كنت متمردا على الجماعة منذ الصغر، ولكني تربيت تربية الإخوان، حيث نتربى على استهلاك أفلام معينة ومسلسلات معينة، ولم أشاهد أفلاما أو مسلسلات في التلفزيون المصري. والدتي من إخوان سوريا فكانت متأثرة بالفكر الجهادي وأكثر تشددا من أبي، كانت تقوم بقص صور النساء من المجلات، وكنا نشاركها في تمزيقها عشان حرام، مما كان يثير شعوري بالاختلاف عن أصحابي، فكنا لا نتشارك في الهوايات ولا نفس "إفيهات" الأفلام، ولا ثمة لغة مشتركة لفهم ما يشيرون إليه، وهذا عينه ما كان يشعرني بالتميز عنهم، ولما خرجت من دائرة الإخوان في سن المراهقة خلال فترة الثانوية العامة مع الدروس الخصوصية، كنت أختار أصدقائي بدقة، بحيث يكونون شبهي، التربية نفسها، وليس مصاحبة أي "ولد تافه كل خناقته في الحياة تامر حسني".

 

ما سبق، كان جزءا من حوار لشاب فضّل عدم ذكر اسمه لنختصره هنا بـ (س.ع)، والذي يبلغ من العمر 27 سنة، وينتمي إلى أسرة إخوانية، ويضيف: "كنت لما بسمع أغاني معينة بتكسف جدا، كان والدي أول من أدخل الإنترنت في البيت، ودخلت عالم الإنترنت وانشغلت به، فكنت أشاهد أفلام كارتون ياباني، واتفرج على أفلام غربية وأغاني أجنبية، ولأن الأغاني حرام، فكنت أبعد عن اللغة بتاعتي التي تخدش حيائي".

 

لم يكن (س.ع) استثناء، فثمة تشابه عام في نمط التربية الذي تلقّاه الكثير من أبناء الإخوان المسلمين والمتأثرين بهم، ففي كتاب "يوما ما كنت إسلاميا" لأحمد أبو خليل، سرد لحياة شاب تربى وسط البيئة التربوية الإخوانية، ليتشرّبها في طفولته ومراهقته، ويؤكد فيها شعوره بالتمايز عن أقرانه، فيقول: "لم تكن الأناشيد ولا برامج الكمبيوتر وحدها هي مصدر شعوري حين كنت طفلا بتمايزي عن غيري، ولكن أفعالي مختلفة، أتمتم قبل الطعام، ويذكرني أبي إذا نسيت بسم الله أوله وآخره، وأذكار الصباح والمساء والركوب والنوم والطعام، أقول سلام عليكم وليس آلو، وجزاكم الله خيرا".

كتاب "يوما ما كنت إسلاميا" لأحمد أبو خليل (مواقع التواصل)


هذه الأفعال تُضفي على صاحبها شعورا بالتشابه مع مجموع محدد له سمات متشابهة، والتميز عن مجموع آخر، وينال الفرد من خلال تكرار هذه الأفعال احترام وتقدير المجموع الآخر، فيصفه بعضهم بـــــ "دول بتوع ربنا"، مما يعكس قدرا من الاحتفاء بالصورة المنطبعة عنه بلغته المتمايزة والمختلفة عن أقرانه.

جيل التسعينات.. جيل الأحلام الكبيرة

ما سبق عرض لبعض ملامح تنشئة أبناء الإخوان المسلمين من جيل التسعينيات. هذا الجيل الذي ولد في تسعينيات القرن الماضي أو قبل ذلك بقليل، والذي يعدُّ نتاجا لتربية جيل الآباء المتأثرين بالصحوة الإسلامية وامتدادها في مصر فترة السبعينيات. حيث تربى أبناء هذا الجيل تربية محافظة، تقترب من نمط التدين السلفي، فورث القضايا الخلافية التي خاضها جيل السبعينيات بحذافيرها: سماع الموسيقى، الزي والحجاب، منع الاختلاط، الارتباط بقضية فلسطين واختزال الأمة الإسلامية كافة فيها. فقد كانت هذه القضايا مُشكِّلةً لجزء كبير من تكوين واهتمام أبناء هذا الجيل.

 

ويتشابه نمط التربية في الإخوان المسلمين مع نمط التربية التي ينشأ عليها الأفراد في الطبقة الوسطى عامة؛ فلا بد أن تصبح مميزا في دراستك لترقى اجتماعيا، وتصبح "حاجة كبيرة" كما أشارت (م.ن) إلى والدها الذي يمكن وصفه بـ "المُحافظ" اجتماعيا، إلا أنه شجعها على مغادرة الإسكندرية لتقيم في القاهرة بمفردها لتدرس الإعلام، سعيا لتصبح ذات شأن كبير.

 

ويضيف الوجود في الوسط التربوي الإخواني بالإضافة إلى ثقافة الطبقة الوسطى وتطلعها نحو التميز والصعود الاجتماعي، ثلاثية تكاد تكون ثابتة، حيث ينبغي أن تصبح مهنيا متفوقا سواء كطبيب/مهندس/مدرس، وأن تكون مسلما فاعلا، أي أن تكون متفوقا في دراستك وتأتي في ترتيب الأوائل، ومنتظما في عباداتك، ومؤثرا في غيرك في المجتمع بحراكك وفعاليتك في المجال العام، فلا بد أن تكون مثاليا، "فأنت قدوة" كما تخبر (س.ع)، ومنذ هذه الكلمة التي تتردد على مسامعك في الصغر، تبدأ في محاسبة نفسك. (1)

 

في التسعينيات من القرن الماضي كان كل مولود هو صلاح الدين القادم/ة، الذي سيحرر القدس، ويجمع المسلمين، وينصر الأمة، ويرفع السّوقة، ويعلم الجهلة

رويترز
 

فكلمة قدوة تحيل الفرد إلى شعور دائم أنه متميز وملاحق ومراقب، أي تحت المجهر دوما، فلا يتصالح مع الخطأ الذي يعتبره تعرّيا أخلاقيا أو اجتماعيا يُشعره بالذنب، كما يتم تصوير الحراك المجتمعي باعتباره ساحة النضال الكبرى، يتكرس فيها ثنائية "النضالي/العادي"، "الأبيض/الأسود". في هذا السياق تشير المدونة المصرية أروى الطويل في تدوينتها المعنونة "جيل الأشياء الكبيرة والأعمال الصغيرة" إلى تكريس هذا الشعور بالتعاظم وتضخيم الذات وسط أبناء جيل التسعينيات، وشعورهم بالترفع عن كل فعل يبدو عاديا لأجل تحقيق نضال متوهم في حلم يتوارث عبر الأجيال، فتقول:

 

"في التسعينيات من القرن الماضي كان كل مولود هو صلاح الدين القادم/ة، الذي سيحرر القدس، ويجمع المسلمين، وينصر الأمة، ويرفع السّوقة، ويعلم الجهلة، كل مولود سيرث حلم أبيه الذي لم يحققه، يولد الطفل فيُلقى في حجره الحلم الموءود، لم يكن بين المواليد مثلا من سيكون طباخا في جيش صلاح الدين، أو كنّاسا في جيش صلاح الدين، أو جنديا عاديا جدا في جيش صلاح الدين".

 

وتضيف (س.ع) إننا نتربى تربية كارتونية بين عالم التدين المثالي الذي يختزل الخير كله وعالم آخر غير ملتزم به أنواع الشرور كلها، لم تعتد أن تخترق نفسك أو تعبر عنها بشكل حقيقي أو ترى الأمور بصورة أكثر نضجا. يبدأ الفرد باكتشاف هذه الحقيقة في مراحل مختلفة وفق تجربة كل شخص، ولكن الأمر الذي أجمع عليه الكثيرون خلال هذه المقابلات أن المدرسة الحكومية هي أولى مراحل الشعور بالتأزّم الناتج عن الشعور بالتميز والاختلاف عن الآخرين الذين لم يتلقّوا التنشئة الاجتماعية نفسها.

 

المدرسة الحكومية.. أولى مراحل التأزم مع الشعور بالتميز!


فيظل الطفل معتقدا في هذه الأوساط أن العالم من حوله يشبه البيت، وصحبة المسجد ولقاءات الأسرة، حتى يدخل المدرسة، وخاصة المدارس الحكومية. فقد أصبح الدخول للمدارس الحكومية مع تدهور التعليم وتكدس الفصول بمنزلة الانتزاع من الحيز الآمن الذي يوفره البيت والمدرسة الخاصة الحاضنة للأطفال بخلاف بيئة المدرسة الحكومية، الأمر الذي عبّرت عنه "فتاة تبلغ 30 عاما من الإسكندرية" تنتمي لأسرة إخوانية بقولها:

"كنت في مدرسة خاصة وبيت منظم والحياة مستقرة، ولكن خرجت إلى مدرسة عامة عادية في الثانوي وليست مدرسة المتفوقين، تجربة صادمة جدا، حينها كان لا بد أن أدافع عن نفسي حتى لا أُضرب، تعرفت على ثقافات مختلفة في المجتمع، مجتمع الإخوان منعزل، وحامٍ للفرد من الخدش، قعر المجتمع منعزل عنه، وجدت فتيات مراهقات يشربن سجائر، فكان لا بد أن ألجأ لميكانيزم دفاعي ضد هذه البيئة، ووصلت للتمرد داخل البيت أيضا خلال مرحلة المراهقة، كنت عايشة جوه نافوخي، كوّنت قاموسا كميكانيزم دفاع في مدرسة الثانوي".
   

ولكن من الملاحظ أن استجابة الأفراد تختلف مع تغير المدرسة بحسب الطباع الشخصية والقدرة على التكيف وموقع المدرسة الجغرافي بطبيعة الحال، فتذكر (م.ن) أنها تأقلمت على البيئة المختلفة في المدرسة الحكومية وصادقت الكثيرات، وعرفت كيف تدافع عن نفسها، بينما أختها الأكبر لم تعرف كيف تتأقلم وتتعامل مع الوسط المختلف في المدارس الحكومية واستمرت في مسار التعليم الخاص.

 

المدارس الإسلامية كانت إحدى أدوات انتشار النمط التربوي الإخواني بين شرائح مختلفة من أبناء الطبقة الوسطى

رويترز
 

وفي بعض الحالات يختار الأفراد بأنفسهم ترك المدرسة الخاصة والالتحاق بمدرسة حكومية كما في حالة "ن.ر" (32 عاما، من سوهاج، تنتمي لأسرة متدينة تدينا محافظا، لم تنتم للإخوان ولكنها من المتأثرين بهم) في مقابلة لها مع "ميدان"، حيث كانت بمدرسة خاصة إسلامية ذات إدارة إخوانية، ولكنها لم تزد عن كونها بضعة مظاهر شكلية، فتمنع الاختلاط وتلزم الفتاة بارتداء الحجاب في المرحلة الإعدادية، ثم الخمار في المرحلة الثانوية، فلم تشعر بأن الإخوان يربطونها بالله عز وجل، وتحكي أنها قد خاضت معركة مع أحد المدرسين الرجال الذين ضربوا إحدى زميلاتها، وتعجبت من هذا التصرف، إذ كيف "يمد يده على فتاة ونحن في مدرسة إسلامية". وتضيف (ن.ر): "صممت أروح مدرسة حكومية عامة وحرام الفلوس اللي بتدفعوها، عرفت البلطجة من تضربني أضربها، شفت مسيحيين لأول مرة رغم إني في الصعيد، وناس فقراء، وناس مش بيعلموا البنات وجايين كده".

 

ورغم أن (ن.ر) لم تلمس من خلال تجربتها ثمة فرق بين المدارس الخاصة والمدارس الإسلامية، فإن تدوينة محمد عبد القهار "صحابة في خزانة ثيابي" تشير إلى أمر آخر، وهو أن المدارس الإسلامية كانت إحدى أدوات انتشار النمط التربوي الإخواني بين شرائح مختلفة من أبناء الطبقة الوسطى، فوسّعت من خلالها دائرة المتأثرين بالإخوان فكريا وتربويا، من خلال دور المعلم المؤثر في التلاميذ.

 

فيذكر عبد القهار في تدوينته قائلا: "وقف الطالب في فصله في المدرسة الإسلامية، سأله معلمه عما يود أن يكون في المستقبل. عادة ما يجيب الصبيان عن تلك الأسئلة بأنه يريد أن يصبح مهندسا أو طبيبا، تلك الإجابات التي لقنها أهلهم إياها. فكّر الطالب مليا ثم لمعت عيناه وقال: "أريد أن أصبح قائد الجيش الذي يحرر الأقصى". تهلل وجه المدرس وأثنى على إجابة طالبه. عدها الإجابة الأصوب والتي تدل على تجرد صاحبها وحسن تربية أبويه له وغرس الاهتمام بالأمة في قلبه، ثم حكى المدرس لطلابه قصة محمد الفاتح ومعلمه الذي كان يصحبه إلى البحر ويريه القسطنطينية ويمنيه بفتحها. استمع الطلاب مبهورين لتلك القصة وعادوا يخوضون معاركهم في أحلام اليقظة كأطفال فاتحين، ما زال الحلم يتوهج مع الطالب منذ طفولته حتى مراهقته، حلم قائد الجيش غائم لم يسلك منذ قرون، بل ربما مضحك كقبعة كبيرة على رأس ذلك الصبي الصغير، لكن الأحلام البراقة وحدها من تحشد التصفيق. عرف طالبنا ذلك مبكرا".

يُسلب الطالب قدرته على تكوين فهم ومعنى، وبالتالي يصدِّق ما لا يُصدَّق، ويقبل أمورا لا مبرر لقبولها إلا لأنها صادرة عن سلطة

رويترز
 

يؤكد نموذج هذا الطالب الذي اعتاد ارتداء الحلم المتسع على حجمه أن للتعليم ونمطه تأثيرا كبيرا على بناء شخصية أفراد هذا الجيل، بالرغم من تنوع التجارب التي عايشها سواء الذي تربى في إحدى دول الخليج أو بداخل مصر. فيمكن ملاحظة تشابه بين العقلية التي تنتج عبر التنشئة الاجتماعية في أوساط الإخوان المسلمين مع العقلية المدرسية التي تُربى على التصنيف.

 

فكما يؤكد التربوي الفلسطيني منير فاشه أن المدرسة تصبح حالة تحجب قدرة الطفل على التعريف بنفسه بصدق، حيث يتعلم الطالب في سن مبكرة أن يقول ما لا يعنيه وأن يفقد بالتدريج قدرته على أن يعني ما يقوله؛ يتعلم أن يقول ما لا يؤمن به ولا يشعر به ولا هو مقتنع به. يتعلم أنه إذا عطّل فكره وعطّل حواسه فإن ذلك سيدرّ عليه نعمة المؤسسات ورضا السلطات من كل الأنواع. ليتعلم الطفل بذلك في سن مبكرة أن المعرفة تبدأ بكلمات وتجريدات لا معنى لها في حياته بل يحكم معناها مؤسسات وخبراء، وبذلك يُسلب الطالب قدرته على تكوين فهم ومعنى، وبالتالي يصدِّق ما لا يُصدَّق، ويقبل أمورا لا مبرر لقبولها إلا لأنها صادرة عن سلطة، بل ويفقد بعد فترة القدرة على ملاحظتها.(3)

 

فما ترسخه المدرسة في الأطفال من عدم القدرة على التعرف على أنفسهم بصدق -بحسب منير فاشه- يتلاقى مع ما يترسخ من أحلام التميز التي تغرس في نفوس الأطفال في الوسط التربوي الإخواني، وهذا ما يشير إليه عبد القهار في تدوينته، فهذا الطالب سيستمر في البحث عن أعلامٍ ونجومٍ جددٍ لامعةٍ من خزانته سواء صحابة وتابعين فاتحين للأقصى، أو مديري شركات ناجحين ورواد أعمال مبهرين، محاربا خوفه من عدم التميز، وقلقه من الانضواء بعيدا خلف الأضواء، خشية أن يكون عاديا لا يستحق ما يستدعي التصفيق له من الآخرين، دون أن يُسائل نفسه للحظة ما إمكانياته وقدراته الفعلية، وما الذي يصلح شؤونه ويحقق رغباته الحقيقية لا تلك التي زُرعت فيه عمدا منذ طفولته.

  

ورغم ما سبق، فإن القيمة الرمزية للانتماء والتمسك بمظاهر التنشئة الاجتماعية لم تدم طويلا، فقد بدأ رأسماله الرمزي ينحسر، ولم يعد مدعاةً للتصفيق، ولا مجالا لتمايز أصحابه مع تقلبات الوضع السياسي، ليتحول إلى مصدر للتهديد وخطر يهدد الفرد، وخصوصا بعد انقلاب يوليو/تموز 2013، فكيف حدث هذا التحول؟

      

ما بعد انقلاب 2 يوليو 2013.. تحول العادي إلى رأسمال رمزي

"أحتاج إلى أن أكون فردا عاديا، أعيش وسط الناس، حياتي عادية، لأني مكروهة طول الوقت لأني إخوان"

   

تذكر (ه.م) أنها خلعت الخمار فى آخر سنواتها الجامعية، وفضّلت ارتداء "طرحة لف" لتكون أقرب لشكل زميلاتها العاديات، فلم تعد مميزة بكونها إخوانية

مواقع التواصل 
 

ثمة تكرار للفظة "عادي" ملحوظ بين عدد كبير من الأشخاص الذين قابلناهم في "ميدان"، خاصة لهؤلاء الذين كان لهم حراك مجتمعي في الأنشطة التطوعية والثقافية والعمل الطلابي والحراك الثوري، فتخبر (س.ع) أنه مع أحداث الانقلاب وتزايد حالة الاستقطاب والعداء القاسي الذي تعرض له الإخوان من الدولة والمجتمع على السواء، شعرت بأنها مكروهة لكونها تنتمي لأسرة إخوانية، فكان عليها للتعايش مع الواقع في مصر أن تصبح عادية، "أن تصبح نفسك وفقط" بحسب قولها، وليس الفرد الأمة أو الفرد الفاعل ولا إسلاميا، أو ابن الأخ الدكتور فلان، وإلخ.

 

وتذكر (ه.م) أنها خلعت الخمار فى آخر سنواتها الجامعية، وفضّلت ارتداء "طرحة لف" لتكون أقرب لشكل زميلاتها العاديات، فلم تعد مميزة بكونها إخوانية. وتقول (ن. أ.) خريجة كلية التجارة، والعضوة الحالية بالجماعة، مشيرة إلى ضيقها من تصنيف زميلاتها لها فورا بانتمائها الإخواني من مجرد مظهر الخمار، واتخاذ بعضهم مواقف منها بناء على هذا الانتماء، سواء خوفا من الملاحقة الأمنية أو من تشدد محتمل لآرائها. فبالرغم من أن الخمار التقليدي القديم ما زال منتشرا وسط بنات الإخوان في الأقاليم والأرياف خارج القاهرة، وكذلك موجود بنسبة كبيرة في فئة الأمهات من الجيل الأقدم، فإنه يقل بين فتيات جيل التسعينيات. (4)

   

ولكن في الوقت نفسه، تُمثّل هذه التربية لدى بعض الأفراد الشعور بالأمان المفتقد، فتتملّكهم الرغبة في استعادة عالمهم القديم: صحبة بحجاب طويل، وإعانة على العبادات، وعدم الإكثار من سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام. فنجد (م.ع) تنتمي لأسرة ملتزمة ولكن ليست منتمية لأي تيار إسلامي، تقيم مع زوجها المنتمي للجماعة في إسطنبول، تعقب على الحالة الشائعة من موجة خلع الحجاب لفتيات كثيرات تعرفهن في تركيا، والشك والإلحاد، فتقول: "إنني خائفة، أشتاق أحيانا إلى أن أرى فتاة تحرص على "تطويل الطرحة""، أي أن يكون الحجاب أكثر حشمة. وهنا يخرج شكل الحجاب من كونه فرضا أو واجبا دينيا إلى كونه رمزا لعالم متماسك يتوق إليه الأفراد في ظل حالة من السيولة وعدم الاستقرار سواء في الوضع المادي والمعيشي والوظيفي في الغربة أو التهديد الأمني في الوطن.

 

ففي خضم هذه التغييرات يقاوم بعض أبناء هذا الجيل شعورهم بتهاوي عالمهم القديم إما باقتفاء أثره والبحث عنه، أو بإعادة اكتشاف ذواتهم بعيدا عن القضايا التي تشرّبوها منذ نعومة أظافرهم، والأحلام الواسعة التي توارثوها، فلم تعد تشغلهم الأسئلةُ الخلافيةُ حول الموسيقى والغناء والاختلاط، ويزيح البعض عن أنفسهم غبار المثاليةِ ليستعيدوا إيمانهم بأنهم مجرد أشخاص عاديين، ويصر البعض الآخر على البحث عن التفرد والحلم الأوسع ولكن في صور أخرى.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار