انضم إلينا
اغلاق
التصوف العاطفي.. لماذا تبحث الفتيات عن الشيخ المربي؟

التصوف العاطفي.. لماذا تبحث الفتيات عن الشيخ المربي؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

التقديم

في الفضاء العام المصري، يكادُ يُجهد الباحث أو الصحفي من فرط المظاهر التي تستحق التأمل والتتبع والاستقصاء، فلا يكاد يمر يوم في هذه البلاد التي تتناسل فيها العجائب والتغيّرات المضّطردة، إلا وتتولد لدى المتأمل أسئلة من قبيل: كيف يحتمل هذا الشعب معيشته؟ وكيف يتأقلم مع كل تلك التغيّرات التي تمس أقرب تفاصيل حياته اليومية؟ في الحقيقة، يمكن طرح هذه الأسئلة على عدد من بُقع الجغرافيا العربية على اتساعها، واتساع أزماتها. لكننا معنيون هنا بمصر، فكثير من التحولات الجذرية في السنوات العشر الأخيرة طالت أنماط العيش، والتدين، والفاعلية السياسية، والاستقرار النفسي لدى الشعب المصري الذي يحتل المرتبة الأولى في كثافة السكان من بين الدول العربية.

   

ولأننا معنيون باستقصاء ظاهرة محددة وتتبع مساراتها، فإن الحديث عن انتشار التصوف، وتصدّر رموزه للشأن الديني العام، ورعاية الدولة له في السنوات الأخيرة، وانتشار محاضنه في ربوع المحافظات المصرية المختلفة، يعني أننا أمام تغيّر بارز يستحق الوقوف عنده ورصد ملامحه. ووفق المناخ السياسي العام الداعم للتصوف بمصر، برزت على السطح ظاهرة محددّة بلجوء الفتيات اللاتي حصلن على التعليم الجامعي -على الأقل- ويتمتعن بقدر من الاستقلال المادي؛ لجوئهن للبحث عمّا يعرف في الأوساط الصوفية بالشيخ المربّي، خاصة بارتباط هذه الظاهرة بفشل مسار ثورة يناير. وقد قادتنا مساعي الإجابة عن سؤال التقرير في "ميدان" للبحث في عدد المساحات التي تتصل بموضوعنا وهي على أهميتها، نلخصها للقارئ بتبيان خريطة التقرير المطوّل حتى ينتظم المسار قبل الخوض فيه:

    

    

أولًا: رصد خريطة كيانات التعليم الشرعي في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 في مصر وأسباب ظهورها؛ فهذه الكيانات كانت بوابة تنفذ منها بعض الفتيات للتصوف، ولبدء رحلة البحث عن الشيخ المربي. ونستمر في هذه النقطة لبيان الكيفية التي امتدت بها هذه الكيانات بعد انقلاب 3 يوليو 2013 وما العوامل السياسية والاجتماعية التي ساعدت على هذا الانتشار؟

  

ثانيا: عرض قصص لفتيات قمنا بمقابلتهم في "ميدان"، وهي قصص تكشف لنا دوافع الانتماء ومظاهره، فبين البحث عن بديل لغياب الأب، وبين قصة الخيبات التي كشفت عن استغلال بعض "المُربّين" لتأثيرهم استغلالا مُشينا، فإن كشف تلك الخبايا بلسان أصحاب التجربة، يعطينا مزيةَ امتلاك نظرة واقعية، وإن لم تكن شاملة، لأسباب هذه التجربة، وطبيعتها. لماذا أسمينا هذه الظاهرة بالتصوف العاطفي؟ وذلك لفرط المبالغة في تقديس الشيخ والتعبير عن هذا التعلق العاطفي به ورؤيته كأب وسند في هذا الحياة، فنرى هنا كيف أن العلاقة مع الشيخ لا تقتصر على دوره الديني أو قيامه بتغذية الجانب الروحي لمريديه، ولكنها تعكس هشاشة اجتماعية في المجتمع المصري، وسعى الفتيات للبحث عن مأوى عاطفي وسند اجتماعي في ظل هذا التفكك والجفاء العاطفي وغياب الآباء الذين يقومون بدورهم، فضلا عن الهزيمة السياسية والخواء الروحي في المجتمع المصري الحالي مع طغيان الفردانية والمادية في المجتمع الحالي مع الرغبة في الانفلات من الروابط الاجتماعية  المرهقة للأفراد والبحث عن روابط أخرى بديلة.

 

 ثالثا: في الجزء الأخير من هذا التقرير، نركّز على بيان أسباب هذه الظاهرة وفق الاستنتاجات التي خلُصنا إليها بالمقابلات، وقد فصّلنا تلك الأسباب المتّصلة ببحث الفتيات عن الشيخ المربي في أربعة أسباب رئيسة، سيتم توضيحها خلال التقرير.

 

نص التحقيق:

في شهر أبريل/نيسان 2018 أُثيرت ضجة واسعة على "فيسبوك" بين أوساط الشباب المهتمين بدراسة العلوم الشرعية في مصر حول حادثة بعينها. قصة هذه الحادثة أن مجموعة من الفتيات تعرضن للإيذاء من أهاليهن بسبب التحاقهن بشيخ طريقة مغربي يُدعى "عبد الغني العمري"، ليترتب على تلك "المُشاجرة" هرب الفتيات من منازلهن، وهو الحدث الذي دفع الأهالي لاتهام "شيخ الطريقة" بأنه السبب وراء تركهن المنزل، وتصاعد الأمر حتى وصل إلى النيابة العامة، الأمر الذي رافقه تدفق متزايد للأنباء الدائرة حول هذا الحدث ما بين تهويل، وإثارة، وتجاهل.

       

الشيخ عبد الغني العمري (مواقع التواصل)

  

ورغم صعوبة التواصل مع تلكنّ الفتيات أو أهاليهن للوقوف على تفاصيل هذه الواقعة والتأكد من مدى صحة ما أُثير حولها، فإن ما يعنينا في هذا التقرير المطوّل المستند إلى المقابلات الحيّة الخاصة بـ "ميدان" لعدد من المنتمين لتلك التيارات بالإضافة إلى الاطلاع على المصادر ذات الصلة، فإن ما يعنينا هو رصد هذه الظاهرة "البحث عن الشيخ المربّي" التي برزت في مصر، وبصورة جليّة، عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بين أوساط الفتيات المتعلمات والمهنيات المنخرطات في سوق العمل تحديدا، واللاتي يحظى معظمهن بقدر من الاستقلال المادي، وينتمين إلى شرائح عليا ومتوسطة من الطبقة الوسطى، ويعملن في مجالات كالطب والصيدلة والهندسة والتدريس ويعمل بعضهن في عدد من الشركات الخاصة أو الشركات متعددة الجنسيات، ويتراوح متوسط أعمارهن بين 20 حتى 35 عاما. هذه الظاهرة شملت التحاق الفتيات بعدد من الطرق الصوفية وإقبالهن على تعلم العلوم الشرعية على يد مشايخ أزهريين، وترديدهم دوما أنهن يبحثن عن الشيخ المربي.

  

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تلجأ هؤلاء الفتيات للبحث عما يُعرف بـ "الشيخ المربي"؟ ولِمَ يحرصن على اتباع طريقة صوفية، ويسعين ليصبحن مريدات لبعض المشايخ المتصوفة؟ وما التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع المصري التي ساعدت على وجود هذه الظاهرة؟ ولماذا تزايدت لدى الفتيات بعد الثورة؟ وهل للثورة حقا دور في هذه الظاهرة؟ وإن كان نعم، فكيف؟

   

والحقيقة أن السعي للإجابة عن هذه الأسئلة قادنا بالضرورة للتعرف ابتداء على خريطة كيانات تعلّم العلوم الشرعية في الفترة اللاحقة لثورة يناير، ثم تتبع مسار تلك الكيانات عقب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، والوقوف على تجارب بعض الفتيات مع تلك الكيانات، ومن ثم السعي لاستنتاج تحليل متماسك لفهم هذه الظاهرة، ومن ثم السعي للإجابة عن سؤالنا المركزي: لماذا تبحث الفتيات المهنيّات عن الشيخ المربي؟

  

لا يستهدف هذا التقرير الاستقصائي المطوّل مناقشة التصوف كعلم أو كتجربة روحانية ذاتية خاصة بالأفراد، ولا يسلط الضوء على دراسة الحركات الصوفية التي لها تاريخ ممتد في مصر، بل يناقش البُعد الاجتماعي والسياسي لظاهرة محددة، وهي ظاهرة لجوء بعض الفتيات المهنيات للتصوف، وهي الظاهرة التي برزت بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 كما أشرنا سابقا، ومن الثورة ننطلق.

  

أولا: كيانات تعلم العلوم الشرعية بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 حتى 3 يوليو/تموز 2013

  

ثورة 25 يناير.. من هنا كانت البداية؛ فقد أوجدت ثورة 25 يناير حالة زخم في الحراك السياسي مع جذوة الحماسة التي أشعلتها في نفوس الشباب، وبدأت رموز التيار الإسلامي تفصح عن نفسها خلال الفترة التي أعقبت تنحي مبارك، فحضر سؤال التمييز بين التيارات الدينية والسياسية المختلفة بقوة، وأصبحت الرغبة في التمييز بين التيارات الإسلامية احتياجا مُلِحًّا في ظل حالة الاستقطاب التي أوجدها استفتاء مارس/آذار 2012 ما بين الإسلاميين وغيرهم.

   

فمن خلال المقابلات التي أجراها "ميدان" مع المنتمين إلى هذه الكيانات، استطعنا تبيُّن أن الوضع السياسي فرض نفسه أمام شرائح كثيرة -لم نستطع تحديدها كميًّا لكن يمكن تتبع وملاحظة ظهورها المتزايد عبر مواقع التواصل- غير حزبية من الشباب الذين تفاعلوا مع الحدث الثوري، لكن هذه الشرائح لم تكن تمتلك أية منهجية تستند إلى أساس معرفي تُمكّنهم من تحديد التيار الذي ينبغي دعمه، أو أي حزب أو حركة تؤيد، وعلى أي أساس.

   

ومن هنا، تولّدت الحاجة لدى هذه المجموعات من الشباب -نقصد هنا الذين يحوزون ميولا دينية ولكنهم غير مُسيَّسين أو مؤدلجين- إلى البحث عن منهج يستند إلى الأصول الإسلامية يمكن الاحتكام إليه كمعيار للمفاضلة، بدلا من الصخب المصاحب لحالة الاستقطاب والتراشق الإعلامي بين مختلف التيارات. وبدت الساحة مهيأة لظهور كيانات تعليم العلم الشرعي، فقد ظهر العلم الشرعي كطوق نجاة لهؤلاء الشباب، باعتباره يقدّم منهجا متماسكا ومُحكما لبناء موقف سياسي/ديني وفق أسس وقواعد منهجية. (1)

  

كما كان لاستشهاد الشيخ عماد عفّت دور كبير في رواج الكيانات التي بدأت تُقدِّم العلم الشرعي لهذه الفئة من الشباب غير الأزهريين والذين لم يسبق لهم دراسة العلوم الشرعية، بالإضافة إلى عوامل أخرى ساعدت على رواج هذه الكيانات -سيتم تفصيلها تباعا-، فالشيخ عماد عفت، المُلقب بشيخ الثوار، اعُتبر رمزا مكثفا للأزهر الثوري، وليس الأزهر كمؤسسة رسمية داعمة للسلطة وخاضغة للنظام القائم.

    

الشيخ "عماد عفت" (مواقع التواصل)

   

في هذا السياق، حضر الشيخ عماد عفت كـ "أيقونة ثورية نقية"؛ فهو الشيخ الأزهري المنتمي للمدرسة التراثية، والذي استُشهد أثناء مشاركته في أحداث مجلس الوزراء في وقت ظهر فيه الإسلاميون مشغولين في سباق محتدم للصعود السياسي والوصول للسلطة. لذا، وعلى الرغم من جهل الكثير من الشباب بالشيخ عماد قبل استشهاده، فإنهم قدّروه تقديرا عظيما؛ فقد مثّل نموذجا لـ "الشيخ الثوري" الذي يدعم الثورة دون سعي لشهرة أو لنيل مكسب كما وصفه عدد من الشباب، مما زاد ثقتهم في النهج الأزهري الذي يُمثّله الشيخ عماد، وأقبلوا على تعلم العلوم الشرعية.

 

تبيّن أسماء (*) في لقائها مع "ميدان" وقع استشهاد عماد عفّـت عليها بقولها: "الثورة أسقطت رموز وكيانات وخلَّت الناس متزعزعة بتدوِّر على ملجأ وحاجة تلمس روحها بعمق شديد، سمعت عن الشيخ عماد عفت، وسألت عن أصدقائه، وقررت أن أسلك الطريق الذي سلكه، فبحثت وعرفت أحد هذه الكيانات التي تدرس العلوم الشرعية وتوجهت للدراسة بها".

 

ووفق هذا السياق المُركّب، تولّدت كيانات تعلّم العلم الشرعي التي اتخذت من الشيخ عماد عفت رمزا لها، ويتضح ذلك في اسمها أو منشوراتها على فيسبوك أو مطبوعاتها التي تضع صورة الشيخ عماد عفت عليها، مثل: شيخ العمود، ودار العماد.

   

شيخ العمود (مواقع التواصل)

    

مثّلت دار العماد نمطا "فريدا" في دور التعليم الشرعي، فهي تجربة ظهرت عام 2012 وانتهت في 2015 وكان مقرها المقطم، ولطبيعة مؤسسيها المنتمين للشريحة العليا من الطبقة الوسطى، فقد جذبت فئات من خريجي الجامعة الأميركية ومن التيارات الليبرالية والاشتراكية، ولم تقتصر على أصحاب الميول الإسلامية. أما شيخ العمود فهي مدرسة لتعليم العلوم الشرعية لغير المتخصصين أعلنت إشهارها بتاريخ استشهاد الشيخ عماد، وما زالت تواصل تقديم دوراتها في العلوم الشرعية واللغة العربية والعلوم الإنسانية والطبيعية حتى اليوم.

  

كما أن الشيخ عماد عفت حضر كأيقونة في دار ميراث الحبيب، وهي دار تأسست بأيدي مجموعة من طالبات الشيخ عماد عفت قبل وفاته، اللاتي انتظمن في حضور دروسه بالجامع الأزهر، وتوسعت "ميراث الحبيب" خلال عام 2018 لتؤسس كيانا آخر تابعا لها لتعليم العلوم الشرعية باسم "مدرسة الشيخ الشهيد عماد عفت".

 

وبالعودة للعوامل الأخرى التي ساهمت في ظهور وانتشار هذه الكيانات، فقد مثّل ما يُعرف بـ "سقوط الدعاة الجدد" في هاوية العمل السياسي وتخاذل مواقفهم التي لم تَرُق لكثير من الشباب الباحث عن ما يُعرف بـ "النقاء الثوري" آنذاك، مثّل عاملا محفّزا لرواج الكيانات الشرعية، باعتبارها مُمتلكة لطرح أكثر تماسكا من ذلك الطرح الذي يروّجه الدعاة الجدد الذين "سقطوا" في أزمة "مُيوعة المنهج" التي طالما أُخذت عليهم، واعتبار خطابهم الديني تجسيدا لنموذج "إسلام السوق". تذكر "مروة"، 28 سنة، باحثة وناشطة في مجال حقوق الإنسان، في لقائها مع "ميدان" أنها رفضت الخطاب الديني السائد الذي يقوده "الدعاة الجدد"، وكانت ترى أن خطاب كيانات التعلم الشرعي كان مختلفا؛ إذ لم يكن خطابا تبريريا أو تسويقيا، فتقول:

  

"كنت في فترة متأثرة بظاهرة الدعاة الجدد، والخطاب الديني التلفزيوني الملوث التبريري، وكان لدي تساؤلات حول حرية العقيدة وحكم الردة، وأبحث عن الحكمة من وجود هذه الأحكام، وحضرت دروسا بالجامع الأزهر، وحينما كنت أتساءل عن هذه القضايا، كنت أجد خطابا تبريريا يتوافق مع ما كنت أراه أو ما كنت أريد سماعه، لكن بدأت علاقتي الشخصية بأحد المشايخ المؤسسين في أحد هذه الكيانات، وحينما طرحت عليه هذه التساؤلات، كان رده صادما لي بأن الإسلام ليس فيه حرية عقيدة، هذه هي الحقيقة (خذها كما هي أو دعها كما هي) "take it or leave it"، وصرت -في هذه المرحلة- أؤمن بالنهج الأزهري التراثي، وبات لدي إشكالية مع خطاب الدين "السوقي" غير الممنهج".

   

وهذا ما تؤكده "حنان" في حديثها عن أسباب انضمامها إلى أحد هذه الكيانات قبل انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، بقولها:

  

"كنت أمر بفترة من أصعب فترات حياتي: صعوبات في العمل، إحباطات متكررة من واقع البلد، محاولات فاشلة للتأقلم مع أوضاع البلد والإحباطات المتكررة من تغيير هذه الأوضاع، فضلا عن الشعور بالفراغ الروحي الكبير، وتزايد إلحاح الأسئلة الوجودية عن الدين في ظل سطوة الإسلاميين السياسية وفقدان الثقة في كل من يتكلم باسم الدين لأغراض أخرى، هذه الفترة كانت ظلاما دامسا، لم يكن لديّ شيء لأخسره، فلن تضرني محاولة أخرى فاشلة للبحث عن الدين. ذهبت بكثير من التشكيك والحذر والنقد، ثم ما إن حضرت الدرس حتى تأثرت بالذكر والصلاة على النبي الذي يشيع حالة من السكينة في المكان، وكان الشيخ مرتديا الزي الأزهري وعليه من الهيبة والوقار ما يحثّني على الإنصات، ووجدت أن هذا الخطاب مختلف عن الخطابات الموجودة على الساحة".

  

تقودنا هذه الأفكار المطروحة أعلاه إلى سؤال مهم لا ينبغي إغفاله، فإذا ما كان سبب توجه هؤلاء الفتيات إلى تلك الكيانات التعليمية الأزهرية يتمثّل في نفورهن من الخطاب الديني الدعوي الجديد، فهل تختلف تلك الكيانات عن ظاهرة الدعاة الجدد؟ وفيمَ تختلف تحديدا؟

    

كيانات تعليم العلوم الشرعية وظاهرة الدعاة الجدد

أنس السلطان رافعا صورة الشيخ الشهيد عماد عفت (مواقع التواصل)

  

على الرغم مما يبدو من اختلافِ هذه الكيانات عن "الدعاة الجدد" في المنهج، فإن نظرة فاحصة على طبيعة السياق الذي أنتج الظاهرتين، ومن خلال الاستنتاجات التي خلُصنا إليها عبر المقابلات والبحث الميداني، يمكننا ملاحظة التشابه والتقاطع الذي يصاحب كلا النهجين، والمُتمثّل في نقطتين أساسيتين:

  

- خريطة انتشار هذه الكيانات الجغرافي وخريطة انتشار الدعاة الجدد متشابهة؛ فقد وجدت بعض هذه الكيانات في سنواتها الأولى في مساجد كالحصري ويوسف الصحابي وغيرهما من المساجد التي كانت ملتقى لدروس الدعاة الجدد، وانتشرت محاضراتها في فروع جمعيات صُنّاع الحياة التي أسسها عمرو خالد.

 

  

- التأثير الفعال في أوساط الشباب؛ ويرجع ذلك لقدرة المشايخ على التقرب من الشباب، إما لصغر سنهم ومشاركتهم في الحراك الثوري، أو لمرونة طباعهم، أو لخلفيتهم الاجتماعية والثقافية والتعليمية، حيث نجد أن بعضهم تخرج من التعليم المدني والتحق بجامعات أجنبية ثم تحول لدراسة العلوم الشرعية على النهج الأزهري، مما جعلهم يبدون مختلفين عن التكوين الأزهري التقليدي، وأكثر تفتّحا واقترابا من الشباب الذي يأتي معظمهم من كُليّات علمية مثل الطب والهندسة، وبدا هؤلاء المشايخ نموذجا جيدا وجديدا وباهرا لهؤلاء الشباب.

  

كما أن هذه الكيانات لم تكن وليدة الزخم الثوري وحادث استشهاد الشيخ عماد فقط، بل تولّدت من رحم الحراك الاجتماعي في الجامعات المصرية فترة ما قبل الثورة، وتحديدا منذ منتصف الألفية، حيث ظهرت الأنشطة الطلابية والعمل التطوعي بكثافة في الجامعات المصرية، فهؤلاء الشباب هم النواة المتجددة والأكثر فاعلية وحضورا في هذه الكيانات، سواء كطلاب أو متطوعين أو عاملين بها.

  

جذبت هذه الكيانات تلك الشريحة "الملتزمة دينيا والمحافظة اجتماعيا" من أبناء الطبقة الوسطى المهنية التي لا تتصالح مع الفكر السلفي التقليدي وخطابه المتشدد، وتنفر من المواقف السياسية للإخوان. كما وفرت هذه الكيانات بيئة أكثر مرونة، ويغلب عليها روح "شابة"، فلم تكن مُتشكّلة من مؤسسات هيراركية (تراتبية) لها بنية تنظيمية صلبة لا تتلاءم مع حالة رفض التنظيمات التي غلبت على شباب هذا الجيل.

  

ولقد أحدثت حالة الإقبال على العلم الشرعي في هذه الكيانات تغييرا في الطريقة التقليدية للتدريس في أروقة الجامع الأزهر في شكل الإعلان ونمط الدراسة؛ فقد أخذ الجامع الأزهر يعلن عن "دورات" لموضوعات محددة في وقت محدد، غير الدروس المطولة المفتوحة سابقا من خلال الرواق الأزهري.

  

وأصبحت فئة من الشباب المهني الجامعي -غير المنتمي لأي تيار ديني- يترددون على دروس الجامع الأزهر، وكذلك مضيفة العدوي، وهي دار لإقامة دروس وقفا لطلبة العلم، والتي تُجاور الأزهر منذ فترة طويلة لمؤسسها إسماعيل صادق العدوي، ونتيجة لهذا الرواج لدراسة العلم الشرعي بعد ثورة 25 يناير فتحت هذه المضيفة الباب لحضور النساء في دروسها، الأمر الذي لم يكن متاحا من قبل، لينضم إلى مضيفة العدوي جمهور جديد عليها من الشباب والفتيات غير الأزهريين.

    

جانب من حضور الفتيات في درس في مضيفة العدوي (مواقع التواصل)

   

ورغم هذا التردد الكبير من الشباب الجامعي وغير الجامعي على تعلم العلم الشرعي وحضور الدروس في مضيفة العدوي وغيرها، فإن الشيخ، مدير المضيفة، في حديثه لـ "ميدان" يرى أن هذه الفئة الجديدة المترددة على المضيفة من طلاب الجامعات غير الأزهرية ليست بطلبة علم كما يتصورون، فيصفهم قائلا: "إنهم ليسوا بطلبة علم، وإنما محطوطين في العلم"، أي إنهم من سياقات وخلفيات مُختلفة لا تشبه طالب العلم التقليدي، ويراهم أقل جدية في الحرص على متابعة الدروس والتعلم، ويبدي مسؤول المضيفة تحفظا -يظهر من ثنايا حديثه- على الاختلاط بين الجنسين في الدروس.

  

ونجد أن ثمة عددا من المشايخ دَرّسوا في أحد هذه الكيانات التي ظهرت عام 2012 لفترة وجيزة ثم قاموا فيما بعد بتأسيس كيانات أخرى يديرونها بأنفسهم لتدريس العلوم الشرعية وعلوم اللغة مع الحرص على المواظبة على أوراد معينة للطلاب**. ومن الجدير بالنظر والدراسة أن هذا الحراك الديني والتعليمي المصاحب لانتشار هذه الكيانات ساعد على رواج التصوف بين شباب وفتيات هذا الجيل بشكل سيتم توضيحه فيما سيأتي.

  

ثانيا: كيانات العلم الشرعي بعد 2013: فقه الحب في مواجهة الإسلام السياسي

لا يمكن إغفال أن أحد أهم أسباب انتشار هذه الموجة من التصوف بعد يوليو/تموز 2013 تمثّلت في مواجهة الإسلام السياسي، وذلك بإفساح الطريق نحو بديل دينيّ آخر تدعمه السلطة ولا تتضرر من وجوده، وقد تمثّل البديل في تلك الكيانات الداعمة للتصوف، خاصة دائرة الشيخ علي جمعة وتلاميذه. ويمكن رصد ذلك من خلال متابعة وتحليل خطاب هذه الكيانات الذي يرتكز على دور الشيخ علي جمعة كمنقذ من الإرهاب الذي تنشره جماعات الإسلام السياسي.

  

كما يتجلّى ذلك في تصريحات الشيخ علي جمعة نفسها وخطابه العام عقب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، ومن هذه التصريحات وأكثرها وضوحا ما قاله بتاريخ 25 مارس/آذار 2016 إن مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف ستتم من خلال ما أسماه "فقه الحب"، وذلك في إشارة إلى التصوف.

   

  

وفي سياق مشابه، وعلى موقع الدستور، يقول أحد الطلاب عن الشيخ محمد مهنا، أحد مشايخ الصوفية، إنه "كما تمكّن من إنقاذ ‏الشباب من الفكر المتطرف، فإنه أيضا أنقذهم من الفكر الشيعي الذي حاولت بعض الجماعات والتيارات نشره في مصر، وواجه هذه التيارات بعلوم أقطاب الصوفية، القدامى والمعاصرين".

  

الملاحظة المهمة هنا إذن أن أعداد الكيانات التي تُدرّس العلوم الشرعية وتُروّج للتصوّف وتدعمه بشكل مباشر قد زادت بعد يوليو/تموز 2013 مقارنة بالكيانات الأخرى التي تأسست بعد الثورة. ومن أهم هذه الدوائر دائرة الشيخ الحبيب علي الجفري الذي أسس "روضة النعيم" بمنطقة الحسين التي يعطي فيها دروسه وحلقاته، ودائرة الشيخ علي جمعة وتلاميذه من الشيخ عمرو الورداني والشيخ محمد عوض المنقوش، خاصة بعدما أسس الشيخ علي جمعة الطريقة الصديقية الشاذلية، وهي طريقة صوفية سُنية معترف بها من المجلس الأعلى للطرق الصوفية بالقرار رقم 11/2018، ويتصل سندها العلمي والروحاني إلى "سيدي أبو الحسن الشاذلي".

     

الشيخ الحبيب علي الجفري (مواقع التواصل)

  

ويتوازى مع دائرة الشيخ علي جمعة وتلاميذه دائرة الشيخ محمد مهنا الذي يتبع الطريقة المحمدية الشاذلية، وكلٌّ من الشيخ علي جمعة والشيخ محمد مهنا من تلاميذ الإمام الرائد محمد زكي إبراهيم شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية الذي أسس "العشيرة المحمدية".

 

هذه الدائرة الخارجة من عباءة العشيرة المحمدية، وهم تلاميذ الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، مثل الشيخ علي جمعة والشيخ محمد مهنا، ليسوا على وفاق تام مع باقي الطرق الصوفية؛ فهم يختلفون عن غيرهم، فدوما ما يؤكدون أن الطرق الأخرى قد حادت عن الطريق السليم، بينما يلتزمون هم بالنهج الصحيح للتصوف ولا يفصلونه عن العلم الشرعي ونهج السلف الصالح، بينما تراهم الطرق الصوفية الأخرى متسلّفين، فيُلقّبونها بـ "سلفية الصوفية". وهذا التلاقي بين الأزهر والصوفية كما في العشيرة المحمدية والخلاف بين السلفية والصوفية ليس ظاهرة عارضة، وإنما خلاف له تاريخ قديم ممتد، يحتاج إلى مزيد من التفصيل والتتبع.

  

ولكن ما يهمنا هنا هو رصد خريطة هذه الكيانات من بعد الثورة حتى اللحظة الراهنة، ويمكن تلخيصها فيما يلي: كيانات وُجدت قبل الثورة مثل العشيرة المحمدية، وأخرى ظهرت بعد الثورة وارتبطت بالشيخ عماد عفت بعد حادث استشهاده في أحداث مجلس الوزراء كدار العماد وشيخ العمود، وكيانات تولّدت من بعض المشايخ الذين درّسوا في شيخ العمود مثل أكاديمية وحي والطبري ومنارة ابن القيم وغيرهم، وكيانات تأسست بعد 2013 وارتبطت بالشيخ علي جمعة وتلاميذه، والشيخ محمد مهنا وتلاميذه. ونلاحظ من خلال تتبّع مسيرة هذه الكيانات منذ نشأتها حتى اللحظة الراهنة أنه منذ العام 2013 تحديدا حدث اختلاف جليّ في الأزياء، وطريقة الحضور التي يحرص عليها الشيوخ الذين يُلقون الدروس داخل تلك الكيانات التعليمية، وهو ما يعطينا مؤشرا مهما وقويا في بيان علاقة هذه الكيانات بالتصوف. فما مظاهر هذا التغير؟

   

قبل عام 2013، حرص كثير من المشايخ الأزاهرة على الظهور بالزي الأزهري التقليدي (الجبة والقفطان)، وهو الزيّ الذي يؤكد وحدة المنهج الذي يتبعونه، إلا أن هذا الزي بدأ بالتغير تدريجيا منذ عام 2013، ليبدأ ظهور الجلباب المغربي والعمامة الخضراء أو الملونة. ويمكن وصف مرحلة ظهور كيانات التصوف والعلم الشرعي ما بعد 2013 باعتبارها مرحلة الجمع بين العمامة الأزهرية والجلباب المغربي، حيث استبدل كثير من المشايخ حضورهم العام وزيهم الأزهري التقليديّ المعتاد، ولبسوا الجلباب المغربي بدلا منه، ويظهر هذا التحول بوضوح بمتابعة هؤلاء المشايخ ودروسهم من 2011 حتى اللحظة الحالية في 2019. وبذلك، يعد ظهور الزي المغربي والعمامة الخضراء دلالة على تصدير الانتماء للتصوف وإعلانه كنمط التدين الرائج حاليا.

    

الشيخ علي جمعة بالعمامة الخضراء (مواقع التواصل)

    

أما على مستوى الخطاب، فإن هذه الكيانات تتّسم ببُعدها عن الممارسة السياسية المباشرة ومعارضة أي فعل ثوري، ويقتصر تركيزها على "الجوّانيات" كالحديث عن النفس وتزكيتها وإصلاحها، بالإضافة إلى تأثيرات المحبّة. وهنا لا بد من إشارة مهمة، فتأييد النظام لوجود هذه الكيانات ودعم السلطة لانتشارها يصحبه تأييد من فئة الشباب الذين شاركوا في ثورة 25 يناير وهتفوا لإسقاط النظام لهذه الكيانات، إذ لقي هذا النمط من التدين الصوفيّ رواجا وقبولا من هذه الفئة تحديدا عقب هزيمة موجات الربيع العربي. ومن المفارقات أن يتلاقى النظام والشباب المعارض له في مصر معا في قبول هذا النمط من التصوف، أو التدين.

   

إلا أن أسباب قبول الشباب لذلك النمط من التدين الصوفي تختلف عن السلطة؛ فبينما أرادت الدولة القضاء على الإسلام السياسي بالسماح لهذه الكيانات بالانتشار، فقد وجد فيها الشباب محضنا وملجأ عقب إغلاق المجال العام، رغبة في البحث عن ذواتهم التائهة في المجتمع الهش المتفكك اجتماعيا، باعتبارها مساحات آمنة تستوعب احتياجاتهم غير المُلبّاة وانهزاماتهم وإحباطاتهم. وبالتأكيد، لا يمكن اعتبار كيانات تعليم العلوم الشرعية كيانا واحدا، ورغم وجود مشتركات كثيرة بينهم، فإنهم ليسوا سواء في السمات أو الخلفية الاجتماعية والسياسية لمؤسسيها أو المترددين عليها من الطلاب والمشايخ، فما أوجه الشبه والاختلاف بينهم؟

   

أوجه الشبه والاختلاف بين هذه الكيانات:

 

تختلف هذه الكيانات عن بعضها بعضا في عدة سمات، منها: نوعية الطلاب الموجودين بها وخلفيتهم الاجتماعية والطبقية والثقافية، فقد انجذبت الشرائح العليا من الطبقة الوسطى لبعض الكيانات، بينما انجذب الطلبة المغتربون من جامعة الأزهر، وطلاب الجامعات الحكومية -الذين ينتمون للشرائح الدنيا والوسطى من الطبقة الوسطى- لكيانات أخرى، إلخ. ويتفاوتون في درجة الاهتمام بالتصوف ونمط الدراسة فيها، ونسبة التوازن بين العلوم الشرعية بها وعلوم التصوف، فجميع هذه الكيانات قد فتحت الباب أمام انتشار التصوف بين شباب الطبقة الوسطى المهنية، فبعض هذه الكيانات يُعدّ مكانا للتصوف، والبعض الآخر يكتفي بدوره التعليمي.

  

إلا أن ما يجمعهم، هو مركزية المشايخ في كل كيان منهم، واحترام العلم الشرعي، فالبعض يجعل العلم الشرعي قارب النجاة وطريق الخلاص الدنيوي والأخروي، والاستفادة من الفضاء الإلكتروني وخاصة فيسبوك كوسيلة للانتشار، وضعف السؤال السياسي، ولكن ثمة كيانات مثل الدوائر المقربة من الشيخ علي جمعة يعتمد خطابها في جزء أصيل منه على إعلان المعارضة الصريحة للإسلام السياسي والكراهية له كجزء مركزي من الخطاب المتداول على صفحاتهم. لكن المشترك الأكبر بين كل هذه الكيانات هو كثرة الفتيات المنتظمات في الحضور بها. فعلى الرغم من أن بعض هذه الكيانات ليست مكانا للتصوف ولا يوجد بها مشايخ يُقدّمون أنفسهم في صورة الشيخ المربي، فإن هذه الكيانات جميعها كانت البوابة الأولى التي تعرّف من خلالها كثير من هؤلاء الفتيات على طريق التصوف.

   

    

ثالثا: تجارب الفتيات في لقائهن مع "ميدان"

التقينا في "ميدان" مع عدد من الفتيات المنتميات إلى طرق صوفية مختلفة، ودرسن في هذه الكيانات فترة، منهن مَن استمرت حتى اللحظة الراهنة، ومنهن مَن توقفت عن الدراسة بها، سعيا منّا للتعرف على أسباب بحثهن عن الشيخ المربي، وتجاربهن في الانضمام إلى الطرق الصوفية. ونستعرض فيما يلي تجارب لبعض الفتيات، لكلٍّ منهن قصة وتجربة مختلفة مع التصوف.

   

القصة الأولى: سيدي أبو الحسن الشاذلي والبحث عن ما يملأ فراغ الروح

تشاركنا "أسماء" تجربتها مع التصوف، قائلة:

"أنا لجأت للتصوف لأني كنت تعبانة، كنت أشعر أنه لا يوجد شيء يكفيني، فثمة فراغ ممتد في عمق الروح لا يملؤه شيء، فقد درست العلاج الطبيعي وحصلت على درجة الماجستير، وكلما قرأت في العلوم المختلفة أشعر بنقص ما، هناك علوم تخاطب شيئا آخر بداخلنا ولا أعرفها، لم أكن أعرف التصوف حينذاك، وكنت معترضة عليه وأعتبره "دروشة وبطالة وكلام كله خزعبلات"، أنا من محافظة البحيرة ولسه فاكرة جدي بيزور سيدي البدوي، لكن ذلك لم يربطني بالتصوف.

  

وبعد فض رابعة زادت الأمور تعقيدا في نفسي، كشفت رابعة عن سؤال صعب: إلى أي مدى أتمسك بالثوابت؟ وكشفت عن نظرتي السطحية لربنا كإله متصرف في كل شيء، فلِمَ لم يتدخل لإنقاذ الناس وهي تموت؟ أين الله من هذه المذبحة؟ لم أكن مؤيدة لاعتصام رابعة والنهضة ولكني ضد فضهما بهذا الشكل، كان الموضوع أكبر من مجرد موقف سياسي، وكان الشعور بالعجز قاتلا، لقد تشربت منطق الحداثة وفلسفتها رغم معارضتي لها، ولكني طبعت بطبعها ورؤيتها بأن الإنسان هو المتحكم والمسيطر على كل شيء، وتأثرت بالسلفية بحدة الحكم على الآخرين، وكنت شخصا ماديا، لا يُحمّل شيئا على الغيب، فأنا أستشعر أن العالم الحديث عالم غير إيماني، يبحث عن الأسباب والمسببات، ولكن مع الله لا تسير الأمور كهذا وليس لها حسابات".

  

وتواصل "أسماء" حديثها لـ "ميدان" قائلة: "خلال هذه الفترة توفي أبي في عام 2013، فاجتمع عليّ كل أسباب الألم النفسي والغضب الشديد، وكنت مهتزة للغاية، كنت أستعجب من موقف المشايخ لِمَ يسكتون عن هذا الدم الذي أُريق على الأرض، وأصدقائي ما بين موتى ومعتقلين ومشردين، حينذاك كنت أسمع من بعض أصدقائي تعليقات مثل: لِمَ لا تكون المشكلة في "المكنة نفسها"، إشارة إلى أن الدين نفسه يحفز على إراقة الدماء وليس موقفا متخاذلا من بعض المشايخ، كنت أشعر أني واقعة على الأرض ومريضة ولا أستطيع القيام، لم أكن قادرة على أن أرفع رأسي للسماء ولا أحط قدمي على الأرض.

    

مقام سيدي أبو الحسن الشاذلي بالبحر الأحمر (مواقع التواصل)

    

خلال هذه الفترة كنت شبه مقيمة في منطقة البحر الأحمر بالقرب من مقام سيدي أبو الحسن الشاذلي لظروف عملي، اختلاطي بأهل القرى الصغيرة هناك كشف لي عن حيوات أخرى وجوانب لم أكن أبصرها على الإطلاق، فمن هذه المواقف والحوارات التي ما زالت مؤثرة فيّ حواري مع عجوز بلغت الستين من العمر وليس لها عائل، تذهب لتصطاد، وتأكل مما تصطاده وتعطي نساء أهل قريتها الفقيرات مما تصطاده، فلا ينامون جوعى، وتخبرنا بأن الناس قد تغيروا مع دخول الثلاجة، فاعتادوا أن يحتفظوا بالطعام لليوم التالي بدلا من إعطائه لمن يستحق، واعتادوا الخوف على الغد، هذه السيدة المعدمة الفقيرة لا تملك شيئا سوى قدرتها على الصيد بصعوبة، تساعد أهل قريتها المقيمين في عشش، ولا يمتلكون نقودا ويكتفون بالرزق القادم من الصيد، سألتها مرة: "يا حجة مش هتزعلي لو مش لقيتي سمك في يوم أو هتغضبي؟ قالت لي بتلقائية ويقين متعجبة من سؤالي: "أنا هغضب من ربنا!".

   

"عند أهل سيدي أبو الحسن الشاذلي المعاني غير محجوبة، أدرك أن الله هو الرزاق وأن الصيادين على باب الله، وأن الله ينزل المطر على الأرض فترتوي وينبت العشب، السكان في المنطقة الجيلية هناك يدركون أحجامهم الضئيلة مقارنة بالجبال الشاهقة، الناس هناك أثروا فيّ كثيرا، شعورهم بالعفاف الشديد والقرب ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مواظبتهم على إخراج النفحة والكرامة والصدقات رغم الفقر والعوز، أشعر هناك أن الأشياء تعود لأصلها، فإيقاع الحياة عندهم أكثر بطئا وليس به التسارع والصخب كما في القاهرة، فهم حريصون على جلسات الونسة، وهي جلسات لإعداد القهوة بكل مراحلها من أول طحن الحبوب إلى إعدادها على نار هادئة، وهم أثناء ذلك يتسامرون ويقرأون الفاتحة في كل مرة يعدون القهوة لسيدي أبو الحسن".

  

"عملي بالقرب من مقام أبي الحسن الشاذلي وقربي من أهل القرى هناك، وتعبي الشديد، وظروف البلد واهتزازي لموت أبي، مع عوامل أخرى كثيرة دفعتني للبحث عن التصوف، والتزام طريقة بعينها، جربت أن أكون مريدة لبعض المشايخ ولكن وجدت أن بعض المشايخ -رغم تقديري واحترامي لهم- قد تعجلوا في إعلان أنفسهم كشيوخ مربين، حتى وجدت شيخي وله فضل كبير علي، ففضل ربنا على أنه رزقني بشيخي، فعلاقتي به يصدق عليه قول الله تعالى: "أو من كان ميتا فأحييناه"، ده فضل ربنا وفضل أهل التصوف الحقيقيين، حينما التزمت طريق التصوف لم أعد أشعر بعمود الفراغ الذي كان يتسع بداخل روحي".

  

تشبه أسماء الكثير من الفتيات الأخريات اللائي وجدن ما يشبع فراغ الروح الممتد في اتباع طريقة صوفية ما، وملازمة شيخ مُربٍّ، والجلوس في جوار سيدي أبو الحسن وبين أهل حميثرة حيث مقام أبي الحسن الشاذلي.

    

القصة الثانية: "سماح".. التصوف في الصعيد وراثي والبحث عن الشيخ المربي اعتيادي

  

وفي مقابلة "ميدان" مع "سماح" (تخرجت في كلية التجارة عام 2010، من محافظة سوهاج، وتقيم هناك وتنتسب إلى الطريقة الخليلية) تكشف مساحة أخرى من ظاهرة الفتيات والبحث عن الشيخ المربي، وهي تأثير المكان على انتشار التصوف، ففي الصعيد ينتشر الانتساب لكثير من الطرق الصوفية بين العائلات الممتدة هناك، فيغلب عليه الطابع الوراثي.

  

فثمة عائلات كثيرة منتسبة إلى إحدى الطرق الصوفية، ولكن قليل من أفرادها ينتظم في الحضرات أو يلتزم بالأوراد، وتكثر المساهمات الخيرية للطرق الصوفية كالعيادات الخارجية والحضانات أو دور تحفيظ القرآن أو تعليم العلوم الشرعية بحسب المذاهب -خاصة المذهب المالكي الأكثر انتشارا في الصعيد- من خلال المدارس القرآنية التي تؤسسها الطرق الصوفية، فمن خلال المدرسة القرآنية في طهطا تعرفت "سماح" على عائلة الشيخ نقيب الطريقة الخليلية.

  

وفي حوارها مع "ميدان" تروي سماح تجربتها في التصوف والانتساب للطريقة الخليلية، قائلة:

"أنا أخدت الطريق تقريبا من وأنا 16 سنة، كنت بدور أمشي إزاي، وقتها كانوا الجماعة السلفية منتشرين بشدة، ففي أثناء دراستي بالمعهد الأزهري حاول أصدقائي تشجيعي على الاستماع لتسجيلات للشيخ الحويني، والشيخ محمد حسين يعقوب، إلخ، سمعت لهم، ولكن لأني لي نسب شريف، فكنت أحاول اقتفاء أثر سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكنت بدعي كثير إنه يعرفني الطريق أو يرشدني، وبعد وفاة والدي -وغالبا الابتلاءات كالوفاة بتكون فاتحة لتغيير أمور كثيرة في حياة الإنسان- ذهبت للمدرسة القرآنية، وتعرفت على عائلة د. مصطفى نقيب بلدنا، فهو زوج أخت المحفظة، وبدأت أقرأ الأوراد، وأبحث ماذا يفعلون وأقلدهم لعليّ أصل إليه، وفي يوم جمعة أرسلت لي المحفظة لتخبرني: "جالك الإذن في الأوراد"، كان يوما لن أنساه بكل تفاصيله، انتظمت في الأوراد، وفي بداية طريقي كان صاحبي هو كتاب اسمه "أصول الوصول الرشيد"، كنت أقرأ فيه كثيرا وآخذ تجربة الشيخ النقيب وأطبقها، وبدأت بتشجيع منه أختم القرآن وأسلك مسلك طلب العلم، لأنه دوما ما يشجعنا على تصحيح اعتقادنا وتصحيح عبادتنا".

  

وتتنوع أعمار المريدين وأجيالهم في حلقات الذكر التي تنتظم سماح في حضورها، فمن بينهم سيدة قد بلغت الـ60 من العمر، تخبر "سماح" قائلة: "لولا الطريق والأوراد الواحد مكنش مستحمل في الدنيا وشايل حمل قد كده، بيروح بيهون عليه الدنيا"، وهذا ما تؤكده سماح، لذا ستظل حياتها منتظمة في الانتساب للطريقة الخليلية مهما حدث. وبحسب سماح فثمة عوائق كثيرة أمام الفتيات وطريقهن للتصوف، فالأهل قد يضيقون عليها، والأصحاب إذا كانوا من السلفيين خاصة، كنت في مدينة جامعية كما في حالة "أ.ع"، فصديقاتها من السلفيات حينما عرفن أنها تتبع الطريقة الخليلية، وهذا يسهل معرفته سواء من صور المشايخ أو الشعر الصوفي، تعرضت لضغط نفسي منهن بسبب موقف السلفية الرافض للتصوف.

   

حينما لا يكون الشيخ مربيا

  

      
تثير هذه التجارب أسئلة بالإضافة إلى تجارب الفتيات اللاتي انضممن لشيخ الطريقة المغربية العمرية، (التي يرأسها شيخ مغربي يُدعى عبد الغني العمري، وهو شخص يكثر حوله اللغط بأنه مبتدع وإنسان سيئ الذكر محتال، ومع ذلك تستمر هؤلاء الفتيات في اتباع طريقته والامتثال لنهجه) يفتح الباب لأسئلة كثيرة حول ظاهرة التصوف بين الفتيات، ورغم كون تجربة التصوف تجربة شديدة الخصوصية والذاتية، لا يمكننا الحكم عليها، ولكن ثمة حالات تضررت من سلك هذا الطريق، فقد فتح هذا الطريق معه بابا للأذى المعنوي والمادي تعرضت له بعض الفتيات.

  

توجهنا في "ميدان" لسؤال الفتيات عن المخاوف المصاحبة لهذه التجربة، وكيف يُفرّقن بين الشيخ الصادق المتحقق والشيخ المُدعي، لنعرف آراءهن في هذه التجارب. تجيب "أسماء" عن هذا السؤال قائلة: "ثمة فرق كبير بين المتصوف الحقيقي ومَن يدّعي التصوف، وإن مظاهر الخلل الظاهرة من تقديس للشيخ وغياب الوعي منذر بوجود حالة من الحرمان العاطفي الشديد، تجعل الناس تتماهى مع الشيخ حتى وإن كان على خطأ في بعض المواقف، ويمتد الأمر إلى أنهم يلومون أنفسهم كيف ظنوا بالشيخ سوءا، وكيف سمحوا لأنفسهم أن ينكروا عليه شيئا!

  

فقد حضرت دروسا لمشايخ أزهريين، شاهدت بعض الشيوخ المتعجلين في إعلان أنفسهم مشايخ تربية، فالمشايخ أنواع: شيخ تعليم، وشيخ ترقية، وشيخ تربية، بعضهم يعرض نفسه كشيخ مُربٍّ، وهو شخص جدير بالاحترام والتقدير ومن أهل العلم والأخلاق ولكنه ليس شيخا مربيا. فلِمَ يتعجّل في إعلان نفسه شيخا مربيا وليس -كما هو في الواقع- شيخ تعليم؟ ولِمَ العجلة في تصدير نفسه كشيخ تربية؟ كما أنه ليس مطلوبا أن يكون كل الناس متصوفة!".

     

ثمة حالة من المبالغة في تقديس المشايخ وتنزيههم عن الخطأ والتعلق بهم، والإفراط في التعبير عن هذا التعلق، كما يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي

وكالة الأنباء الأوروبية
   

وتضيف أسماء: "أعرف أحد المشايخ الذي كان يسلك نهجا غريبا في تعامله مع المريدين سواء كانوا فتيات أو شبابا، فكان يهتم بهم ويحتويهم ويقترب منهم ليربطهم به ثم يبتعد ويختفي فجأة بلا مبرر، هذه الحالة المتقلبة من البعد والقرب تزيد حالة التعلق، وهذا التعلق القلبي بالشيخ، والقرب لحد التماهي، واستشارة الشيخ في كل أمورنا الخاصة، ليس من التصوف في شيء. التصوف يعالج الروح، فالروح تتعب كما يتعب الجسد، فإذا لم يكن الشيخ على معرفة جيدة، سيفسد علاجه، كطبيب يعطي مرضاه جرعات خطأ، فالشيخ طبيب، ولكن الشيخ الصادق المتحقق هو الطبيب للمريدين. ولكن هذه الحالة من الاستسهال في اعتبار أي شيخ شيخا مربيا، وتنزيه كل شخص يدّعي التصوف، هو الذي جعل الظاهرة تتخذ هذا المنحى العاطفي".

     

هكذا تُجمع الفتيات في لقائهن مع "ميدان" على أن ثمة حالة من المبالغة في تقديس المشايخ وتنزيههم عن الخطأ والتعلق بهم، والإفراط في التعبير عن هذا التعلق، كما يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن "سماح" ترى أن هذه الحالة مبررة، فليس على المحب لوم بحسب تعبيرها، فقد كانت هي نفسها مثل هؤلاء الفتيات في أول طريقها في التصوف، ولكن مع الوقت نضجت وعرفت أن التصوف ليس تعبيرا عن العاطفة بهذا الشكل، وأن هؤلاء الفتيات سيكبرن يوما ما.

  

أما أسماء فتقول: "التصوف ليس له علاقة بالعواطف، التصوف رياضة نفس ومجاهدة وطريق شاق. الناس مفتقدة المحبة، فتبحث عنها في أي شيء، ولكن المحبة أعلى مقامات المعرفة، والأمر لا يقتصر على الإعجاب بشيء يمس عاطفتي، الموضوع أصبح فيه رعونة عند بعض الشيوخ وبعض المريدين على السواء، وصار يحق لأي شخص الحديث عن التصوف، الناس موجوعة وتعبانة وعايزة ترتاح فتذهب لمساحات الراحة، فتنتقل من شيخ لآخر بتخبط وبلا هدف، فالوضع العام فيه رعونة، وأبرز مظاهر هذه الرعونة هو فصل بعض المريدين ومشايخهم بين الشرع والتصوف، رغم أن التصوف والشرع علاقتهما وثيقة ببعضهما بعضا، فالإمام مالك يقول: "من تصوف ولم يتفقّه فقد تفسق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تزندق"".

  

وتُواصل أسماء حديثها لــ "ميدان" قائلة: "لذا أنا أتفهّم موقف البعض السلبي من التصوف، فمن كفر بالتصوف له عذره، فكيف يأخذ شخص كل هذا التقديس ويمتلك سلطة كبيرة على الآخرين، لا أحب الحديث عن شيخي مباشرة، ولكني أذكر أنه في أول مرة أخبرنا: "إني بشر والبشر يخطئون، ولو رأيتم مني منكرا فراجعوني فيه"، وهو لا ينسب الفضل لنفسه في شيء، بل ينسبه لشيخه محمد زكي الدين إبراهيم. وأحسب أني قد تدرجت مع مسيرة التصوف بحيث إنني لو وجدت خطأ من الشيخ فلن يمنعني هذا من إكمال طريق التصوف. فالأمر وسط؛ لا محاربة ومعارضة تامة للشيخ، ولا التماهي التام وتسليم أمر نفسي له كليا.

   

العلوم الروحية علوم حقيقية، فهي معرفة تربط بين الغيب والشهادة. وفي هذا الزمن نحتاج إلى مَن يعالجنا على المستوى النفسي والروحي، رغم كل الفتن في هذا الطريق

رويترز
  

مثلا مقام سيدي أبو الحسن يمر عليه الخير والشر، فتجد واحدا مخبولا لا يأكل ولا يصلي، ويعتقد أنه رُفع عنه التكليف، فكيف أعتبر هذا النموذج وأراه شيخا؟ فالمريد لا يسلم نفسه للشيخ، ولكن عليه أن يكون يقظا، ولا تتعارض اليقظة مع التصديق والثقة في الشيخ، والشيخ ليس مطالبا أن يتدخل في كل تفاصيل حياتي الشخصية، فلا يوجد أحد يمتلك أغلى من روحه، فلا ينبغي أن يسلمها لأي أحد. وفي الآخر التصوف هو فكرة الاستقامة، والاستقامة على أمر الله أعظم كرامة، مهما حصل مستقيم وعنده صدق توجه لله سبحانه وتعالى، وليس فرضا إلزاميا على كل أحد أن يكون متصوفا، ويمكن لمن يمتلك إرادة قوية أن يستعين على الاستقامة بالصحبة الصالحة".

  

تُجمع الفتيات في لقائهن مع "ميدان" على أن وجود الشيخ المربي المتحقق، مهم، "لأن ثمة فارقا بين المعلومات وبين المعرفة، فقد نسمع الكثير عن المحبة والرضا والكرم، ولكننا نريد نماذج متحققة، وبهذه المعاني نكتسب المعرفة، لتصبح جزءا من تكويننا. فالعلوم الروحية علوم حقيقية، فهي معرفة تربط بين الغيب والشهادة. وفي هذا الزمن نحتاج إلى مَن يعالجنا على المستوى النفسي والروحي، رغم كل الفتن في هذا الطريق". "فالمريد كالمريض، والروح كمن أقام في ظلام فترة طويلة، ولن يساعدها على الخروج للنور إلا من يمكث في النور، لذا فالمعرفة المنقوصة من المشايخ وعدم التحقق خلل وليس مساعدة"، أو بحد تعبير إحداهن بالدارجة المصرية: "نص المعرفة دي هزار".

  

أما عن صفات هذا "الشيخ المتحقق" فقد وضعت الفتيات في حديثهن بعض المؤشرات التي يرونها دالة على أن هذا الشيخ مُربٍّ وليس شيخا مُدّعيا للتصوف، ومن هذه الصفات أنه يفعل أكثر مما يقول، فكثيرون يتحدثون عن الرضا والمحبة ولكن قليل من يتحقق بالمحبة، يغضب لله وليس للنفس، وثمة جوانب ظاهرية يمكن الحكم على الشيخ المربي فيها، مثل: صلاح البيت، وحسن معاملته لأهل بيته، زوجته وأبنائه، أن يكون فقيها في الدين، كريما، يُراعي الشرع ولا يتجاوزه. وتؤكد الفتيات أن التفاصيل الصغيرة كاشفة عن الادعاء والتحقق، فلا يمكن لأحد أن يخدع الآخرين لفترة طويلة، كما أن الشرع حاكم في العلاقة بين الشيخ والمريدين، فلا ينبغي تجاوزها، فالشيخ "أغيار" وهو دال على الطريق ولكنه ليس وسيطا بينه وبين الله.

  

رابعا: التحليل الاجتماعي للظاهرة: لماذا تبحث الفتيات عن الشيخ المربي؟

  

رغم حديث الفتيات عن تجاربهن مع التصوف، يظل سؤال "لماذا تبحث الفتيات عن الشيخ المربي؟" محتاجا إلى مزيد من الإيضاح والتفسير لبيان أسباب هذه الظاهرة والتحولات الاجتماعية والسياسية التي أدّت إلى انتشارها. ويمكن تلخيص هذه الأسباب في 4 عوامل لوجود هذه الظاهرة، وهي:

1- استعادة الدور الأبوي المفتقد في علاقة الشيخ بالمريد.

2- تيه الفتيات في ظل تفكك المجتمع.

3- الفراغ الروحي والحاجة إلى الدين.

4- خلق دوائر اجتماعية جديدة تُمثّل محاضن اجتماعية آمنة، وخلق قوقعة متشابهة ومحاولة لاستعادة السند الاجتماعي.

  

 

أولا: استعادة الدور الأبوي المفتقد في علاقة الشيخ بالمريد.

تعتبر الفتيات أن الشيخ هو الطبيب المداوي والأب المفتقد، فمن التعبيرات المتداولة لوصف المشايخ: "سيدي طبيب الروح"، "الحمد لله على نعمة بابا سيدي..."، "حبيبي يا مولانا الإمام رزقي من الودود"، و"هكذا وجدنا فضيلته بفضل ما آتاه الله من حكمة قد أقنع العقول، وهامت به القلوب فسلّمناه أمرنا ورضينا به إماما ومولى".

  

وتتحدث فتاة تنتمي للطريقة الصديقية الشاذلية عن شيخ الطريقة وتصفه  بأنه أب، قائلة:

"في ٢٠١٥ كان بقالي سنتين سامعة عن التصوف وحاباه بس مش لاقية شيخ آخد منه الأوراد لحد ما وصلت لمولانا، وساعتها بس حسيت قد إيه إن صبري كان نهايته خير، حسيت إن ليا أب وسند بعد والدي الله يرحمه، وحسيت إن ربنا بعت لي أب حنين يساعدني ويأخد بإيدي. قبل ما أعرف مولانا وأدخل الطريق كنت ماليش هدف وعايشة كده وخلاص، وكنت غرقانة في مشاكلي الشخصية، إنما بعدها مهما زعلت أو كان عندي مشكلة بطمن إن ليا خط أمان أقدر أمسك فيه يشدني للبر".

   

وتقول فتاة أخرى تنتمي للطريقة نفسها على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك":

"سيدي بالنسبة لي وبالنسبة لأولاده ومريديه أب مش شيخ بس، سيدي يعني الرحمة والطيبة والحنان، مقصدتش حضرته في شيء شخصي بجانب العلم أو الدين إلا ولقيت حضرته سند، ومرة من المرات كان عندي مشكلة لقيت حضرته بيتصل يطمن علي ومش مرة لا مرتين، سيدي ساعات بستغرب إزاي بمشغولياته دي كلها وتعبه ومسؤولياته بيفضي وقت ووقت كبير كمان لينا إحنا ولاده وبناته، وأما كمان بنغلط مش بيعاتبنا بيرشدنا بكل عفو وحنو أب لغلطنا، يمكن غيري بيهتموا بعلم حضرته واتكلموا عليه، لكن حضرتك كالنور والشمس يعني مش علم وفتوى وفقه لا، ده كمان سيدي بيعلمنا وبيربينا بإنسانيته وحنيته كأب".

    

  

ولفهم هذه الحالة من السعي لتحويل علاقة الطالب بالشيخ إلى علاقة أبوية يمكن الاستعانة بطرح هشام شرابي عن بنية الاستبداد والسلطوية في العالم العربي؛ فوفقا لشرابي فإن عالمنا العربي، يحوي بنية خفية لا شعورية للتبعية، والسلطوية هي التي تُعين على فهم مفتاح الشخصية العربية المزدوجة الغريبة عن نفسها لأنها متقلبة بين شيئين، إلا أنها تتكيف مع ذلك وترضى عن نفسها بفضل الوساطات، مثل الأم التي تتوسط بين الأبناء والأب، أو الواسطة بين الحاكمين والمحكومين. (2)

  

وتحتل صورة رب الأسرة عند شرابي مركز العلاقات الإنسانية، حيث يتأصل نفوذ الأب والأخ وزعيم القبيلة والزعيم الوطني داخل الأنا الاجتماعي العربي فينشأ في الأسرة وعبرها. ويؤكد علي زيعور كذلك العلاقة الجوهرية بين الابن والأب، فيما يتعلق بإسهام العادات والتقاليد الأسرية في تشكيل المشترك الجمعي وفي ديناميته، فيتولد نمط من الاستبداد ليس فقط على مستوى السياسة، بل في فلك اللغة والتواصل، وينشأ أسلوب تمرير الاستبداد والقهر، فيقوم الرجال بتمرير القهر الذي يتلقونه إلى النساء والأطفال والفقراء، وهكذا، فإن كل مَن لديه سلطة، يستخدمها في قهر غيره. (3)

  

ويكتمل الأمر باهتزاز صورة الآباء في الطبقات المتوسطة والفقيرة، حيث أهانتهم الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية مع استمرار الرغبة في الحفاظ على السيادة، فلم يعد الحديث عن أبوية تبدو متجاوزة للنموذج الأبوي التقليدي. فيذهب شرابي إلى أن الأبوية الجديدة مرحلة انتقالية وغير قادرة. هذه الأبوية المستحدثة التي تجمع بين الطاعة وتزرع في الأفراد التحدي في الوقت ذاته، فتفتح بنفسها سبل الانعتاق لأبنائها.

  

وفي ظل حالة انفكاك الأفراد عن كل ما هو جمعي، حتى على مستوى الأسرة النووية التي بدأت تتفكك، فقد بدأ أفراد الأسر المصرية في كثير من الحالات، خاصة في الآونة الأخيرة، يشقون طريقهم الخاص دون الاعتماد على أسرهم أو انتظار مساندتهم، وبالتالي ظهر استقلال كثير من الفتيات عن أهلهن تماما، الأمر الذي لم يكن مألوفا من قبل، خاصة في أوساط العائلات الملتزمة دينيا والمحافظة اجتماعيا.

  

فصورة الأب المستبد لم تعد مُهيمنة على الفرد بالخوف أو التهديد، ولكن من الملاحظ كذلك أن غياب هذه العلاقة لم تُنتج حالة من التعايش والتكيف في أوساط الشباب خاصة، بل ولّدت حالة من الفراغ والرغبة في البحث عن نمط جديد من العلاقة، يكون فيها الفرد تابعا. مما يُظهر احتياجا عند هؤلاء الشباب إلى أن يكونوا تابعين، لا مستقلين، فنجد توليدا جديدا لعلاقة الشيخ بالمريد داخل هذه الكيانات لدى البعض الذين تحرروا من علاقة تسلطية، ويريدون استبدالها بعلاقة تستند إلى أساس الدين، حتى وإن حملت جانبا تسلّطيا، باعتباره نمطا تطهريّ ومناطا بالقداسة وسبيلا للصلاح.

   

فمن الملاحظ تجمّع كل مجموعة من الطلاب حول شيخ بعينه، ينتظمون في حلقاته الدراسية ويَلْزَمونه، فهذه الرغبة في الانقياد الذي يحمل أبعادا عاطفية -وليس مجرد القابلية للانقياد- تزداد في الطلاب حتى وإن رفض الشيخ نفسه أن يكون "المخلص" أو "القائد المطاع". وتظهر هذه الرغبة في الانقياد لسلطة الشيخ، وتسليم النفس لمن يتولى مسارها في اللغة المتداولة في هذه الكيانات، فمن أكثر المفردات المتداولة بين المريدين والطلاب هي "مولانا، سيدنا، شيخنا، ..."، هذه اللغة هي إعادة خلق وتكريس علاقة تستحضر سلطة الشيخ والمعلم، ورغم أن أفرادا كثيرين قد تمردوا على كل العلاقات والمؤسسات فإنه يتم استحضار هذه السلطة الغائبة، في محاولة لاستعادة السلطة الأبوية المفتقدة بين أبناء هذا الجيل.

    

  

فنجد أن علاقة الشيخ بالمريد هذه يُعاد تمثّلها في المجال الديني لأبناء الطبقة الوسطى تحديدا، وهي تختلف جذريا عن نمطها في الطرق الصوفية التقليدية من زيارة الأضرحة والطقوس المتعارفة في الزاوية، لتأخذ أشكال المتابعة والاستشارة في الحياة اليومية والمهنية وخيارات التعليم والزواج وأمورهم الخاصة.

  

ولا يتماثل الأمر مع تفسير الأنثروبولوجي عبد الله حمودي في كتابه "الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة" لعلاقة الشيخ بالمريد في الزاوية في المغرب العربي بأنها علاقة خضوع مؤقتة للحصول على السلطة، حيث يشبه حمودي طاعة المريد للشيخ بالطاعة الأنثوية، أي إن المريد يصبح في طاعته للشيخ كطاعة الأنثى للرجل، ولكن هذه الحالة من الخضوع تتحول إلى سلطة ذكورية حينما يصبح المريد نفسه شيخا. إلا أن ظاهرة التصوف للفتيات وبحثهن عن الشيخ المربي ليست علاقة خضوع مؤقت من أجل نيل السلطة، وإنما تُمثّل بحثا متواصلا عن علاقة تملأ فراغ تفتت السلطة الأبوية والرغبة في استمرار إزاحتها في الآن ذاته.

  

هذا التناقض هو ما يسيطر على كثير من فتيات/شباب هذا الجيل، فهم يطمحون إلى الاستقلال في ذات الوقت الذي يتوقون فيه إلى التبعية، ويظهر ذلك جليا في تصريح الفتيات أنفسهن، فهن اعتدن الاستقلالية المادية التي تساعد فيما بعد على الاستقلال المعنوي عن البيت في حالة شعورها بالانسحاق فيه. وهي كذلك لا تشبه سير المتصوفات الزاهدات اللاتي لا يرين في الحياة إلا سبيلا للخلاص الأخروي والتعبد والعشق الإلهي، إنما تُعبِّر عن رغبة في الحياة لكنها رغبة متعثرة، وشعور بالاستحقاق لكنه لم يجد منفذا لتحقيقه كاملا.

  

ولا يغيب مشهد سوق العمل والتعليم عن أن يكون مفسرا أيضا في تلك الحالة من الدعاوى للبحث عن الشيخ المربي، ورغبة بعض الفتيات والشباب في الانقياد إلى الشيخ بعبارات "شيخي ومولانا" والحرص على التقرب، خاصة في حالة امتلاك الشخص لشخصية كاريزمية مؤثرة أو مشاهدات ظاهرية من طريقة الزي (الأزهري أو الخطاب الأبوي)، هو اعتياد على الواسطة التي تفشّت في سوق العمل والتعليم في مصر فصارت جزءا من الذهنية الملاصقة لدى البعض أنك لن تحصل على تعليم جيد ولا فرصة عمل جيدة ولا علاج ولا إنهاء أوراق من الأجهزة البيروقراطية إلا من خلال الواسطة، فصار الطريق الموصل إلى الله يرتبط بواسطة، لا بد أن يتكبّد الفرد مشقة البحث عنها.

  

ثانيا: الفتيات التائهات في مجتمع مفكك:

  

حينما فسّر آصف بيات هذا الحضور الطاغي للنساء، وخاصة من الطبقات البرجوازية، في العمل الخيري ودروس الدعاة الجدد مقارنة بالنساء بفترات الثمانينيات والتسعينيات، قال إن النساء قد وجدن في هذه المساحة من العمل الخيري ودروس الدعاة الجدد الرأسمال الرمزي مقارنة بالرجل الذي يجد رأسماله الرمزي في عمله البيروقراطي أو المهني، فضلا عن الوازع الديني والرغبة في التطهر الذاتي، ولكن هذه الأسباب ليست مفسرة لإقدام الفتيات المهنيات لتعلم العلوم الشرعية وسعيهن للتصوف. (4)

  

ولتفسير هذه الظاهرة من الإقبال على كيانات العلم الشرعي فإن ذلك يستلزم فهم التحولات الاجتماعية التي مرت بها المرأة في المجتمع المصري منذ العهد الناصري حتى اللحظة الراهنة من خلال المقارنة بين الأجيال المختلفة، وإدراك تأثير الجيل الأكبر من الأمهات على بناتهن، وتتبع مسار عمل المرأة وانخراطها في سوق العمل ومسار التعليم.

   

وقد رصد صنع الله إبراهيم في رواية "ذات" التحولات التي مرت بها المرأة في المجتمع المصري خلال الستين عاما السابقة، وذلك من خلال تتبع تفاصيل حياة الفتاة "ذات" ومقارنتها بالأجيال الثلاثة: والدة "ذات" خلال فترة الستينيات، ومرحلة "ذات" نفسها خلال الانفتاح في السبعينيات والثمانينيات مع السادات، وابنتها خلال فترة التسعينيات، في علاقتها كامرأة بسوق العمل وما ترتب عليها من أعباء ومن تغير تصوراتها عن نفسها وعن دورها في الحياة.

  

فبينما كانت والدة "ذات" تعيب فكرة خروج المرأة للعمل، وترى أن النفقة عليها كاملة واجبة من قِبل زوجها، كانت "ذات" نفسها تعمل موظفة بجانب واجباتها المنزلية لزيادة الدخل، وتنجب "ذات" بنتين، إحداهما ترفض العمل المهني، أما الأخرى فتعيد تعريف "كينونتها" من خلال سوق العمل. وكلتا البنتين رد فعل لصورة الأم "ذات"، فمن رأتها مقهورة في العمل رفضت منظومة العمل وفضّلت الاستقرار في البيت، والأخرى التي تشبعت بمقولات أمها حول المستقبل والصعود الطبقي المعتمد على الوظيفة والتعليم تمسكت بعملها ومشوارها المهني. وتُعبِّر "آلاء" (25 سنة) عن تلك الفكرة أيضا قائلة: "تربينا أننا نكون رقم 1 في كل حاجة"، وهي هنا تشير إلى التفوق الدراسي بالأساس.

    

رواية "ذات" لـ "صنع الله إبراهيم" (مواقع التواصل)

   

وتُعبِّر فتاة أخرى عن هذه التيه قائلة:

"إحنا مش مركزين إحنا مشتتين بين الطرق، ومفيش طريق بنكمله لآخره، وشاغلين نفسنا بقضايا فكرية كبرى وإحنا أصلا مش عارفين على وجه التحديد عايزين إيه ولا القضايا اللي مفروض تشغلنا.. احنا للاسف عايشين بنفسية الرجال وفكرهم!".

  

هذا التشتت الذي تعاني منه هؤلاء الفتيات نتاج للتناقض الذي أفرزته تربية جيل السبعينيات الذي عاش في ظل منظومة متناقضة بين القيم التقليدية التي ترسّخت في ذاكرته من الحقبة الناصرية، وما أفرزه الانفتاح والهجرة لدول الخليج من أنماط معيشية متفاوتة وقيم استهلاكية طاغية.

   

والنظرة إلى الوراء لفهم التكوين الاجتماعي والنفسي لهذه الفئة مهم في تفسير المآلات، فقد نشأت هؤلاء الفتيات في بيئة طبقة وسطى، حيث يُمثّل التعليم السبيل الوحيد للصعود الاجتماعي، وكان الاهتمام بالتعليم على حساب أشياء أخرى، فتعلّمن تحمل المسؤولية ولكن لم يلتفت أحد إلى احتياجاتهن الأنثوية، أو مساعدتهن في مواجهة شعورهن بالخجل منها، أو الحديث معهن عن سن المراهقة والتغيّرات التي تحدث فيها، فتشعر كثير من الفتيات بالخجل من كونها أنثى في مجتمع خانق، بعدما تصل إلى تحقيق المرتبات الأولى سواء في التعليم والعمل، والعمل الخيري والتنموي إلخ، ولكنهن لم يجدنه كما تصوّرنه كسبيل للتحقق الذاتي الكامل، وزاد الأمر تعقيدا بعد انسداد المجال العام، فتنتبه الفتيات في وقت متأخر إلى تعريفها كأنثى واحتياجاتها غير المُلبّاة في مجتمع يتراجع فيه نموذج الرجل الذي يتحمل المسؤولية، فتفتقر شعور كونها ابنة مقربة أو زوجة مُقدرة، لذا فحينما تجد الاهتمام بها والإنصات إليها من شيخ تجده في صورة الأب، أو في صورة الرجل الذي تفتقد دوره في حياتها، ترسخ أقدامها في هذه المساحة.

  

فقد كان واضحا -وفق تجارب كثير من الفتيات- أن ثمة شيئا ناقصا، وأن الأخذ بالأسباب والوصول لغاية لا يشبع النفس، بل يزداد شعورها بالاغتراب، فقد بدأوا مسار الدراسة وأثبتن فيها تفوقا ثم لم يجنين شيئا يعود على أنفسهن بالاكتمال، وكذلك مسار العمل المهني، ثم لم يجدن شيئا، وساعدت الثورة على مساءلة كل البديهيات، ماذا بعد العمل والأسرة والدراسة؟ يضاعف من ذلك الشعور بالاغتراب شعورهن بالفراغ العاطفي، وسعيهن الحثيث نحو براءة كاملة في هذا العالم يصنعنها بأنفسهن، ولكن لا براءة كاملة في العالم، فيصبح توهم البراءة في عالم غير مادي منفذا للروح المجهدة والعقل المضطرب والعلاقات الهشة التي لا تحمل صاحبها على الوقوف على الأرض.

   

  

فالأكثر ملاحظة في هذه الظاهرة هو اعتبار الشيخ هو الأب المفتقد، فالتصوف يُمثّل للفتيات استعادة لدور الأب والرجل، ويساعد على اختراع سند للاعتماد عليه في ظل علاقات هشة أو مأزومة أو احتياجات غير مشبعة من العاطفة في مجتمع مفرط في الجفاء. لذلك ترحب بعض الفتيات بهذه العلاقة مع الشيخ باستعادة دور الرجل في حياتها، وخاصة كأب في شيوع حالة من الارتباك، وخاصة لدى الفتيات الأكثر تدينا ومحافظة، فتُعبِّر عن عدم القدرة على فهم الاختلاط بالمشايخ، فنجد البعض يعبرن عن ذلك على صفحات الفيسبوك مثل قول إحداهن: "إحنا محتاجين تذكير لينا كبنات بتجديد النية قبل كل درس عشان بلاحظ حاجات لا تليق بطلبة العلم"، إشارة منها إلى الاختلاط على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الدروس، وتُعبِّر أخرى عن هذا الهاجس المتناقض بداخلها بين حضورها في مجتمع مختلط: "تروح بركة الدرس بأعمالنا وربنا يحرمنا منها بس كل شخص رقيب على نفسه"، لتأكيد حالة الارتباك لعدم الاعتياد بشكل منفتح ومكثف على الاختلاط بين الجنسين مقارنة بالسنوات الماضية.

   

ثالثا: الفراغ الروحي والحاجة إلى الدين

يُعبِّر التصوف عن الحاجة إلى سد فراغ روحي في عصر حداثي تتزايد فيه قيم الفردانية والنزعة المادية، وتتزايد فيه الأعباء على الفرد، فضلا عن شعوره بالسيطرة على أقداره، وتزايد هشاشته وانهزامه، فيأتي التصوف ليعيد موضعة الغيب/اللا مادي في هذا العالم والتصديق فيهما، ويعلن عن عدم القدرة على التعايش مع هذا العالم المادي وقيمه الاستهلاكية والتصارع على فتاته، فالتصوف يبدو كإعلان عن الحاجة إلى الدين وليس انفلاتا منه.

  

فيعتمد التصوف على اللا مرئي ويُعيد الاعتبار إلى الجانب الغيبي، فيكثر الحديث عن "الكشف والمدد"، والارتباط بمشايخ قد رحلوا منذ عقود أو قرون. ويهتم التصوف بالروح والإيمان بالرؤى والأحلام والبركة. كما أن العلاقة بالشيخ علاقة روحية وليست مادية، لن يستوعبها أحد لم يسلك طريق التصوف، حيث تؤكد الفتيات في حديثهن مع "ميدان" أن التصوف علاقة فريدة وتجربة ذاتية خاصة، يصعب نقلها أو وصفها والتعبير عنها.

  

رابعا: خلق دوائر اجتماعية جديدة تُمثّل محاضن اجتماعية آمنة، خلق قوقعة متشابهة ومحاولة لاستعادة السند الاجتماعي.

عملت هذه الكيانات على توفير بيئة مشابهة تُمثّل قوقعة للعيش مع مجموعة تبدو متجانسة تدعم هذا الشتات الروحي والضغوط المتلاحقة في العمل وعدم الاستقرار في العلاقات خارجها، فبدت للكثير من الرواد لها محاضن اجتماعية آمنة أكثر من مجرد دروس لتلقي علم أو دراسة متون أزهرية. فيمنح التصوف حالة من الانتساب للمجموع في مجتمع تتفكك فيه كل الروابط، حتى إذا كانت روابط متخيلة أو غير حقيقية، ولكن درجة التصديق بها تُعين الفرد على مواصلة الحياة، كروابط نسب روحية من سلسلة ممتدة حتى النبي -صلى الله عليه وسلم-. ويساعد الوجود في بيئة هذه الكيانات الشرعية والانتساب إلى طريقة صوفية على بناء دائرة علاقات اجتماعية تُمثّل سندا، فالشيخ وأسرته عائلة جديدة ودائرة اجتماعية يجدون فيها بعض الاهتمام، والإحساس بالبنوّة، لتُعبِّر إحداهن عن شعورها بأن الشيخ وأسرته هم "أماننا وسر سعادتنا".

    

وجود ظاهرة التصوف العاطفي مؤشر قوي على وجود جفاء في العلاقات الإنسانية داخل المجتمع مع التعطش الشديد والاحتياج إلى هذه العواطف التي لا تُصب في موضعها

مواقع التواصل
  

وترى سارة -طالبة بأحد هذه الكيانات- أن مجتمع هذا الكيان مثّل لها المجتمع الشبيه بالسمت الذي تُفضّله، فلا تشعر بالغربة بداخله مقارنة بمجتمعات أخرى: "مبسوطة باللي شبهي، كنت بلاقي نفسي هنا ومش قادرة نفسيا أختلط بالناس بره". ويعيش بعض الأفراد في هذه الكيانات بين عالمين متوازيين، عالم هذه الكيانات ودوائر التصوف والمشايخ، والعالم الخارجي سواء في دوائر أقاربه أو عمله أو ما دون هذه الدوائر.

  

ويعتقد بعض المنتمين إلى هذه الكيانات أنهم قد وصلوا إلى جزيرة الخلاص، وأنهم انتقلوا من الخارج المدنس إلى الداخل المقدس، ولكنهم يكتشفون -بعد نضوب العاطفة والحماس- مظاهر أخرى ويحتكّون بشخوص ويمرون بتجارب تُجبرهم على إعادة النظر في مجمل وضعهم وشكل انتمائهم الجديد. وهنا تبرز الفروق الفردية، فإن كان الفرد قليل الحساسية، وبطيء الاستجابة للمُثيرات الفكرية والثقافية والمنهجية، وقليل التساؤل والكلام، منخرطا في ظروف خاصة تستفرغ لديه كل طاقات التساؤل والقلق، ويجد في الجماعة إشباعا عاطفيا أو أمنا اجتماعيا أو ظهيرا معيشيا أو غير ذلك، فسيجد أكثر من مبرر للمكوث والاستمرار. (5)

  

ملاحظات ختامية:

ختاما، يمكن تسمية هذه الظاهرة بالتصوف العاطفي، ونقصد بالتصوف العاطفي الحالة التي يُكثر فيها الإفراط في التعبير عن التعلق بالشيخ والتعبير عن العاطفة التي يحملونها له، سواء كانت تقديرا أبويا أو منحه تقديرا يتسم بالمبالغة.

  

فوجود ظاهرة التصوف العاطفي مؤشر قوي على وجود جفاء في العلاقات الإنسانية داخل المجتمع مع التعطش الشديد والاحتياج إلى هذه العواطف التي لا تُصب في موضعها، سواء بين الأب وأبنائه وبناته، أو بين الزوج وزوجته، أو خلال علاقات التنافس والصراع في العمل، والشعور الشديد بالاغتراب، مع تغاضي المجتمع في التعبير عن عواطفه تصبح مساحة التصوف هي المساحة التي يمكن التعبير بها عن هذا الاحتياج، وتكتسب تلك المشاعر مصداقية وثقة لارتباطها بالدين، وانتشار تصور أن المشايخ ليسوا كبقية البشر، فيجعل هؤلاء الشباب والفتيات الشيخ في منزلة عليا، فمثلا في المعتاد قد تخجل الفتاة من إطلاق ألفاظ مثل سيدي/حبيبي على أي رجل، ولكن مع الشيخ لا تكون هناك أي غضاضة في ذلك. ويصاحب هذا استخدام مقولات وعبارات الحب من أئمة التصوف وتداول عباراتهم بصورة مستهلكة، مثل "أدين بدين الحب" وغيرها من عبارات ابن عربي وجلال الدين الرومي، تلك العبارات التي يتم استهلاكها حد الابتذال.

   

  

كما أنه لا ينبغي أن نتجاهل أن فئة غير قليلة من الفتيات اللاتي تأخر سن زواجهن يلجأن إلى هذه المساحة، فالبيوت غير مؤهلة لعيش فتيات فوق الثلاثين فيها، أو تعرضن لتجارب عاطفية سيئة، مع الاحتياج إلى مشاعر الأمومة ووجود عاطفة غير مُشبَعة، خاصة مع فقدان الأب المحتوي الذي بإمكانه منح الأمان وتلبية تلك المشاعر عند الفتاة، فتلجأ تلك الفتيات لمساحات التصوف لتلبي ذلك الاحتياج إلى الاحتواء والاهتمام والسكينة.

  

فما يُقدِّمه التصوف العاطفي هو الحديث المفرط عن المحبة والاهتمام بالأفراد، وبيئة اجتماعية تُشكّل محضنا له صبغة دينية في ظل خلل العلاقات وهشاشة المجتمع الحالي، يكون الشيخ هو المركز للعلاقات فيها، ويدور من خلالها استعادة للروحانيات التي لا يُلقي لها العالم المغرق في ماديته بالا. 

  

أخيرا، ليس كل الفتيات المنتميات للطرق والكيانات الصوفية ممن يتعرضن لمخاطر مادية ومعنوية، فقد وجدت فيه الكثير من الفتيات طريقا آمنا للعيش وعلاجا لخواء الروح، لكن نقاش هذه الظاهرة يخبرنا أن هناك مشكلات حقيقية داخل المجتمع المصري تتمثّل في غياب العلاقات الآمنة في البيوت، العاجزة عن احتواء أفرادها. 

-----------------------------------------------------------

هوامش:

* الأسماء الواردة في التقرير غير حقيقية حفاظا على خصوصية أصحابها.

** خرجت هذه الكيانات من مشايخ درسوا في مدرسة شيخ العمود فترة ثم أسسوا كيانات خاصة بهم مسؤولون عن إدراتها بأنفسهم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار