انضم إلينا
اغلاق
حين صنع المثقفون ثورة.. قصة منظمة "الشباب المسلم" في البوسنة

حين صنع المثقفون ثورة.. قصة منظمة "الشباب المسلم" في البوسنة

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

لا شك أن العام 1990 سيُشكّل علامة فارقة في التاريخ الاجتماعي والسياسي في البوسنة، فهو التاريخ الذي أعلن صعود حزب العمل الديمقراطي لسدّة الحكم بعد حصوله على أغلبية أصوات مسلمي البوسنة والهرسك، ليترتب على تلك النتيجة إعلان المفكر البوسني المعروف علي عزت بيغوفتش رئيسا للجمهوريّة، وهو الذي كان زعيم الحزب وقتها. إلا أنه قبل نصف قرن فقط، كان حدوث مثل هذا الحال ضربا من الخيال، فلا أحد كان ليتصور في ظل ما قاساه المسلمون من تهميش واضطهاد أن يتولّى مسلمو البوسنة قيادة الدفة السياسية للبلاد، وأن يشاركوا في إنشاء دولة تُعبّر عن تطلعاتهم. إلا أن هذا "الخيال" تحوّل إلى واقع مُعاش في ظل تنظيم نشأ في تلك الحقبة وحمل اسم "Mladi Muslimani"، أي "الشّباب المسلم".

 

تحدّي الهوية

"أمّا نحن فلا ننتمي لأي أحد، دائما ما كنا نلحق بجهة ما، دائما نُمثّل ميراثا لجهة ما، فهل من الغرابة أننا فقراء؟ قرون مضت ونحن نبحث عن ذواتنا لنتعرف عليها، الآخرون يمنحوننا شرف الاحتماء براياتهم لأننا لا نملك رايتنا الخاصة، يتوددون لنا إذا ما احتاجوا إلينا ثم يرموننا. نعيش في منطقة تتقاطع فيها العوالم، على الحدود بين الشعوب، معرّضين للهجوم من قِبل الجميع، ونحن دائما مذنبون في حق أحدٍ ما. علينا تتكسر أمواج التاريخ العاتية، كما تتكسر على الآكام…"(١)

   

إذا لم نبالغ، يمكن القول إن هذه المقولة المقتبسة كانت مُعبّرة عن الشّعور العام السّائد لدى مسلمي البوسنة في تلك الفترة المضطربة التي عاشوها عقب انسحاب الدّولة العثمانيّة وبدء الاحتلال النّمساويّ عام ١٨٧٨ للأراضي البوسنية، إذ ترتب على هذا التغير الجذريّ فقدان امتيازاتهم الاقتصادية والسياسية، والهوياتية في المقام الأول، لتطغى غمامة من الهزيمة على الفضاء العام. إلا أن ما زاد وطأة تلك التحولات تمثّل في تعامل النخبة المسلمة على الصعيدين الفكري والاجتماعي، إذ انغلقوا على ذواتهم ورفضوا التعامل مع متطلبات الوضع الجديد مما يقتضيه من تجديد فكري.

       

   

وعلى هذا الوضع، بدأ حال مسلمي البوسنة يزداد تأزّما، وصولا لنهاية الإمبراطوريّة النّمساويّة بعد هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى في ١٩١٨، ولتبدأ بذلك حقبة جديدة كانت أشد أثرا على حال مسلمي البوسنة، إذ حكمت المملكة اليوغسلافيّة (مملكة صربيّة) كلّ الأراضي التي تشمل الآن دول (صربيا، وكرواتيا، والبوسنة، وسلوفينيا، ومكدونيا، والجبل الأسود، وكوسوفو)، وهي المملكة التي أمعنت في تهميش كل ما هو غير صربي، وعملت وبصورة جذرية على أن تكون مناحي الحياة كافة متفقة مع الرؤية الصربية، لتمنح الصّرب -وفق تلك السياسة- أولوية مطلقة في الوظائف العامة، وغيرها من أنشطة الحياة.

  

وكردّ فعل على هذا الواقع، تصاعدت دعوات الشّوفينيّة في كرواتيا مطالبة بأحقّيّتها بالحكم والانفصال عن الحكم الصربي، ولتبدأ معها دعوات الشّيوعيّة بجذب أتباعٍ متحمّسين وجدوا في واقع مملكة يوغسلافيا المضطرب أرضيّة خصبة لإنشاء كيان يتلاءم مع توجّهاتهم. وعلى مشارف الحرب العالميّة الثّانية بدأت القوى الكبرى تحشد الولاء في منطقة البلقان الغربي، فانحاز الصّرب لمعسكر الحلفاء، والكروات لدول المحور، وكلا الفريقين كان له مليشياته الخاصّة، وعلى هامش صراع النفوذ الدائر بينهما، ذُبح المسلمون ونُكّل بهم على أيدي ميليشيات الفريقين بذريعة أنّهم يدعمون الطّرف الآخر.

   

ظهور "الشباب المسلم" 

  

وفي ظلال الحرب العالمية الثانية، في العام ١٩٣٩ تحديدا، وُقّعت اتفاقية "سفتكوفيتش- ماتشيك" بين رئيس وزراء مملكة يوغسلافيا ورئيس حزب الفلّاحين الكروات، وهي الاتفاقية التي قضت بإنشاء ما يُعرف بـ "بانوفينا كرواتيا" كإقليم متمتّع بالحكم الذّاتي، وهو الإقليم الذي تقع أجزاء كبيرة منه في أراضي البوسنة والهرسك، مما عَنى، بحكم الواقع، تقسيم أرض البوسنة بين الصّرب والكروات.

   

حوّلت بذلك هذه الاتفاقية أراضي البوسنة إلى ملعب نفوذ تتقاسمه الأطراف المتحاربة، وهو الحال الذي دفع مجموعة من طلبة المدارس الثانوية المسلمين وآخرين جامعيّين يدرس معظمهم بجامعتي زغرب وبلغراد لإنشاء حراك يستنهض البشناق (كما يُطلق على مسلمي البوسنة) ليدافعوا عن بقائهم المهدّد، ويطوّروا هدفا وطنيّا إستراتيجيّا واضحا. وكانت البداية عبر إنشاء جلسات مناقشات فكريّة ومدارسة كتب تهتمّ بواقع المسلمين في البوسنة والهرسك وتبحث عن مخرج لوضعهم القاتم. هذا على صعيد الآليات، أما المُدن التي انطلقت منها، فقد بدأت من سراييفو، وموستار، وزاغرب، ثمّ سرعان ما انتشرت في معظم مدن البوسنة والهرسك وقُراها، وتحوّل هذا الحراك إلى منظّمة، تضمّ في أروقتها أيضا الفتيات اللّواتي شاركن بفاعليّة وتعرّضن للملاحقة والاعتقال فيما بعد.(٢)

   

   

ومع تشكّل منظمة "الشباب المسلم"، بدأت رقعة المنضمّين لها بالاتساع، وهو ما يرويه الرّئيس الرّاحل علي عزت بيغوفتش في كتابه "سيرة ذاتيّة وأسئلة لا مفرّ منها"، إذ يتحدّث عن انضمامه للشّباب المسلم فيقول: "لقد قدّموا أفكارا توافقت مع ما كنت أريد سماعه دوما عن ديني الإسلام، لقد كان طرحا مختلفا عمّا تعلّمناه في الكتاتيب، التّعليم الدّينيّ الذي تلقّيناه في المدرسة، والمحاضرات التي حضرناها، والمقالات التي كنّا نقرؤها في مجلّات تلك الأيّام. إنّني أنظر إلى ذلك الطّرح على أنّه يقدّم فهما للدّين يوضّح العلاقة ما بين الشّكل والمضمون أو الجوهر، بينما كنّا نرى رجال الدّين يعنون فقط بالطّقوس أو أشكال العبادة ويهملون مضمون الإسلام وجوهره".(٣)

   

وقد أفرز الواقع المعقّد حينها عددا من العوامل التي حفّزت شباب البوسنة المسلم لينهض ويباشر العمل الفاعل، على رأس تلك العوامل تقف "أزمة الهوية الوطنية" في ظل تصاعد المدّ القوميّ، حيث كان الصّرب والكروات القوميّتين الوحيدتين المعترف بهما، أمّا مسلمو البوسنة فكان يُنظر لهم باعتبارهم أفرادا من أصول صربيّة أو كرواتيّة، والذين يجب عليهم تحديد قوميتهم الفعلية، إذ لم يكن هناك اعتراف رسميّ بهم كقوميّة مستقلّة لها كيانها، بل باعتبارهم هويّة "غير محدّدة" كما كُتب عنهم في التّعداد السّكّاني لمملكة يوغسلافيا بعد الحرب العالمية الأولى، ترافق هذا مع انخفاض أهمية المسلمين وفاعليتهم داخل المشهد السياسي اليوغوسلافي، وظهور نخبة من المثقفين البوسنيين العلمانيين بالتوازي مع تراجع للنخب الدينية الإسلامية التقليدية، الحال الذي سبّب انقساما داخل المجتمع، وقد أدّى هذا التشتت إلى تأثير تيار التّغريب على أفكار مجتمع المسلمين وسلوكيّاتهم، وأخيرا تحدي الأيديولوجيات الشيوعية والفاشية التي تمسّ عمق العقائد الإسلاميّة.(٤) 

  

أما على مستوى القاعدة الشعبية المُشكّلة للمنظمة فقد استندت في غالبيتها إلى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ١٦ و٢٦ عاما، ولو تمعّنّا في خلفيّات مؤسّسيها لربّما وجدنا عددا من القواسم المشتركة، منها: انتماؤهم لأسر معروفة ذات شأن، والتّمسّك بتعاليم الإسلام على الصّعيد الشّخصيّ، وتلقّيهم تعليما غربيّا وليس دينيّا ضمن تخصّصات متنوّعة، فأسعد كاراجوزوفتش مثلا يُعدّ طالبا بكليّة الطّب، وطارق مفتيتش درس تخصّص الغابات، أما أمين غرانوف فكان طالبا في الهندسة، وخسروف باساجيتش درس الهندسة أيضا، وإساف سردارفيتش طالب في الاقتصاد الزّراعيّ، ولربّما كان هذا أحد أسباب تمرّدهم على النّمط الشّائع آنذاك والذي روّج له علماء الدّين الرّسميّون بضرورة التّأقلم مع واقع الحال والتزام الحذر وعدم المبادرة.

    

هل كان لـ "الشباب المسلم" ارتباط بـ "الإخوان المسلمين"؟

ربّما يكون الرّابط الوحيد بين "الشّباب المسلم" وأفكار "الإخوان المسلمين" مُتمثّلا في رئيس منظّمة العلماء "الهداية" محمد هانجيتش

مواقع التواصل
      

كثيرة هي التحليلات التي تربط الشباب المسلم بالإخوان المسلمين، إذ يشير وقت التأسيس، والاسم، وحتى بعض الافتراضات الأيديولوجية، إلى أن أساس المنظمة كان متزامنا مع ظهور الحركات الإسلامية المماثلة في العالم الإسلامي، وخاصة في مصر وإندونيسيا. ومع ذلك، فإن المؤشرات والدلائل ليست قوية وذات قيمة على وجود تأثير مباشر لمثل تلك التحركات على الشباب المسلم، خاصة مع الأخذ في الاعتبار خلفيتهم التعليمية وأعمارهم الصغيرة نسبيا، وعدم وجود روابط السفر أو التجارب الطويلة التي خاضها قادة حراك الشباب المسلم في مصر أو العالم العربي، بالإضافة إلى عدم معرفة الكثير منهم باللغات الشرقية، باستثناء قلّة قليلة.

   
ربّما يكون الرّابط الوحيد بين "الشّباب المسلم" وأفكار "الإخوان المسلمين" مُتمثّلا في رئيس منظّمة العلماء "الهداية" محمد هانجيتش، الذي حصل على العالميّة من الأزهر عام ١٩٣٥ في الفترة التي انتشرت فيها أفكار الجماعة التي تأسّست عام ١٩٢٨، ونشط هانجيتش بعد عودته لسراييفو في نشر الوعي الدّيني والثّقافي بين المسلمين، ودعم "الشّباب المسلم" بشكل قويّ، إلا أن أدبيّات ومؤلفات أعضاء "الشّباب المسلم" لا نكاد نجد فيها أيّ ذكر لحسن البنا أو الإخوان المسلمين، بالرّغم من أنّ التّوجّه العام في الأعمال الفكريّة والسّلوك يحمل تقاربا مع "الإخوان المسلمين" في جوانب عدّة، كمكافحة التّغريب، والتّركيز على الإصلاح الفرديّ كبوّابة للنّهوض بالمجتمع.

    

يقول طارق مفتيتش، أحد مؤسّسي "الشّباب المسلم": "في أثناء التّحقيقات معنا، كان المحقّقون عبثا يحاولون انتزاع اعتراف منّي بصلاتنا مع مصر، ولكن فعلا لم نكن نعرف عن "الشّبّان المسلمين" أو "الإخوان المسلمين"، كلّ ما كنّا نعرفه من العالم العربي هو ما قرأناه من كتب مترجمة لجمال الدّين الأفغاني ومحمّد رشيد رضا، وكذلك شكيب أرسلان".(٥)

  

كما يمكن ملاحظة تأثر "الشباب المسلم" بالمدرسة السّلفيّة التي ظهرت في مصر والشّام في بدايات القرن العشرين، وذلك من خلال كتابات العالم محمّد هانجيتش، الذي اهتمّ بالتّأصيل العلميّ، وفهم الدّين من مصادره الأصليّة القرآن والسّنّة، ولذا فقد ألّف كتبا ما زالت مرجعا لطلّاب العلوم الإسلاميّة في البوسنة حتّى الآن مثل "مقدّمة في علوم التّفسير والحديث"، و"علم الكلام"، و"الجوهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء البوسنة".

     

مصطفى بوسولاغيتش (مواقع التواصل)

    

وعلى صعيد مفكري المنظمّة، يُعدّ مصطفى بوسولاغيتش، الذي أنهى دراسته العليا في الاستشراق من روما، أحد أشهر مفكّري وكُتّاب "الشّباب المسلم"، وهو الذي تحدث كثيرا عن نموذج دولة باكستان التي تشكّلت حديثا آنذاك، كدولة جمعت المسلمين من القارّة الهنديّة في كيان مستقلّ، وإمكانيّة قيام مسلمي البوسنة والدّول المجاورة بعمل مشابه، كون المعطيات تتشابه من حيث وجود مسلمين في مناطق متفرّقة ضمن فضاء واسع غير مسلم. كانت كتابات بوسولاغيتش جريئة في مطالبتها مسلمي البوسنة بأن يبحثوا عن طريقهم دون الاعتماد على أحد، وإصراره على تكوين فكر خاص بالمسلمين، لا يتبع الفاشية أو الاشتراكية أو غيرها، إذ ألّف كتبا ناقشت واقع المسلمين في العالم مثل "المسلمون في روسيا" و"المسلمون في أوروبا"، كما أنه صكّ عددا من المصطلحات التي أصبحت فيما بعد متداولة بين المثقفين على مستوى واسع مثل "الإسلام البوسني" و"الإسلاموفوبيا".

   

ولفهم أكثر لطبيعة التّوجّهات الفكريّة والدّينيّة لـ "الشّباب المسلم" عبر تتبّع مقالات بوسولاغيتش، يمكننا أن نجد هذه العناوين: "أبو النصر الفارابي"، "أولى ترجمات القرآن في العالم"، "صفحة مضيئة في التّاريخ الإسلامي"، "لماذا حُرّم الخمر؟"، "لماذا حُرّم لحم الخنزير؟".

  

وكذلك مثل هذه العبارات:

"نحن مجتمع صغير، نعيش على شفا التناقضات التاريخية. حاضرنا الخطير، ومستقبلنا الأخطر، يحتّم علينا أن نسعى بلا هوادة، لوضع كل الأشياء في مكانها وعدم السّماح بتضليلنا".

"الحرية الكاملة في لبس المرأة، والرقصات الحديثة التي تفتقر إلى الجدية، والشواطئ المختلطة، وحتى العراة، ومستحضرات التجميل الرائعة (...) كلها تأتي بالأوهام الجنسية والوحشية الأخلاقية في أوقاتنا غير الطبيعية".

"في قضية الديمقراطية، يتعارض الإسلام مع الماركسية. بينما تسعى الشيوعية جاهدة من أجل دكتاتورية البروليتاريا، الإسلام ديمقراطي وينظر إلى جميع الناس على قدم المساواة ويستبعد أي اختلاف طبقي وعرقي والشوفينية الوطنية".(٦)

    

"الشّباب المسلم" والحرب العالميّة الثّانية
صورة خاصة لميدان "هذا الجدار بالقرب من مكان اجتماع الشباب المسلم قديما في البوسنة" (مواقع التواصل)

   

على الرغم من أنّ البوسنة كانت من ميادين الحرب العالميّة الثّانية آنذاك، فإنّ حراك الشّباب المسلمين لم يتّخذ موقفا مع أو ضدّ أحد الطّرفين، وكان حريصا على تحذير السّكّان المسلمين من الانضمام لصفوف ميليشيا أي طرف، باعتبارها حربا لا تعني المسلمين وأنهم لن يخرجوا بنتيجة منها، ولكن الحراك عُني بمحاربة أفكار "الشّيوعيّة" و"الفاشيّة" عبر المحاضرات والمنشورات. وكان للحراك نشاطه الفاعل في تقديم المساعدات الخيريّة للاجئين القادمين من شرق البوسنة فرارا من مذابح عصابات الصّرب "التشتنيك" ضمن المنظّمة الخيريّة "مرحمت"، وحينها، قدّم الحراك أول شهدائه، وهم خمسة، قُتلوا برصاص العصابات الصّربية حينما كانوا ينقلون المساعدات.(٤)

    

وبعد استيلاء النّازيّين على المنطقة وتأسيس دولة كرواتيا المستقلّة التّابعة لهم، أرادت الدّولة أن يصبح الشّباب المسلم جزءا من التّنظيم الشّبابي لميليشياتها "اوستاشا"، وهي الميليشيات التي كانت تنفّذ المجازر بحقّ الصّرب واليهود والغجر الذين اعتُبروا أعداء للنّازيّة، ولكن "الشّباب المسلم" رفض الانضواء تحت الاوستاشا، بل وطالب الحراكُ المجتمعَ البوسني المسلم بعدم قبول الانتساب لهم. وردّا على هذا الموقف أصدرت دولة كرواتيا قانونا يمنع المنظّمات الشّبابيّة، عدا الاوستاشا، ومنعا لحلّ منظّمة الشّباب المسلم، فقد لجأوا لمظلّة منظّمة العلماء المسلمين "الهداية" كفرع شبابيّ لها، وذلك رغم اعتراض بعض الأعضاء ومنهم علي عزت بيغوفتش على هذا القرار استنكارا منهم لدور العلماء التّقليديّين المتخاذل في الدّفاع عن مصالح المسلمين البشناق، إذ كان جهدهم منصبّا على التعايش قدر الإمكان مع الحكام الجدد، بدلا من الكفاح من أجل مشروع وطني. وقد ساعد تعاون الشّباب المسلم مع منظّمة العلماء في صياغة مطالب سياسيّة محدّدة عوضا عن الشّعارات والنّقاش الفضفاض حول "إصلاح الوضع".

   

كما شارك أفراد من "الشّباب المسلم" في الدّعوة لتوقيع "قرار المسلمين"، وهي عريضة أصدرتها جمعية العلماء "الهداية" في سراييفو في أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٤١ ونُشرت في الصّحف الرّسميّة، ثمّ سُلّمت للوزير المفوّض في سراييفو، ووقّع عليها ١٠٨ من وجهاء المدينة ومثقّفيها وتجّارها، على رأسهم العالم محمد هانجيتش. حيث طالبت تلك العريضة السّلطات التّابعة للنّازيّة بوقف الأعمال العدائيّة ضدّ جميع المدنيّين (والمقصود منها وقف اضطهاد اليهود والغجر والصّرب الذي دأبت عليه السّلطة وقتها)، وتأمين الحماية لحياتهم ولشرفهم ولممتلكاتهم ولأديانهم، ومحاكمة المسؤولين عن تلك الجرائم، وتعويض ضحايا تلك الأعمال العدائية. كذلك أعلنت العريضة براءة مسلمي البوسنة من كلّ عمل فرديّ ينتهك حقوق الإنسان منسوب للمسلمين. وقد اعتُبرت هذه الوثيقة حينها تصرّفا شجاعا ضد النزعة الفاشية التي سادت حينها، فقد اعتبرت السّلطات القرار طعنة في الظهر، وخيانة للوطنية، ووجّهت تهديدا للموقّعين على الوثيقة في سراييفو بأخذهم لمراكز الاعتقال.(٧)

     

العلاقة مع المفتي أمين الحسيني
المفتي أمين الحسيني (مواقع التواصل)

  

حاولت الدّعاية الشّيوعيّة ربط "الشّباب المسلم" بالتّعاون مع النّازي، واستمرّ بعض القوميّين الصّرب في ترديد هذا الزّعم حتى يومنا هذا. ويعد المتّهم الأبرز في هذا السّياق هو مصطفى بوسولاغيتش، في وثائق تحقيق السّلطات الشّيوعيّة معه، حينما أقرّ بلقائه مع مفتي القدس أمين الحسيني الذي قام بجولة في البوسنة والهرسك لأجل تأسيس فرقة متطوّعين تابعة للنّظام النّازي، وكانت الدّعاية النّازية أيّامه تروّج لألمانيا كنصير للمسلمين ضدّ أطماع بريطانيا وروسيا اللّتان تحتلّان أراض واسعة من العالم الإسلامي، وقد عُدَّ هذا اللقاء مناصرةً من أعضاء الشّباب المسلم للنّازيّة، وحكم بموجبها على بوسولاغيتش بالإعدام رميا بالرّصاص، رغم أنّ بوسولاغيتش نفى أن يكون اللّقاء قد شمل أيّ نوع من التّأييد لألمانيا النّازيّة بل كان في سياق التّعرّف الى عالم جليل من القدس، والحديث عن ضرورة دفاع المسلمين عن أنفسهم ضدّ المذابح. وفيما بعد أكّدت مصادر مختلفة يوغسلافيّة وغربيّة أن لا دليل على مشاركة الشّباب المسلم بأيّ أنشطة مؤيّدة أو داعية للنّازيّة، بالعكس كان خطابهم رافضا بوضوح للفاشيّة، واعتبروا من المعارضة طوال حكم الدّولة الكرواتيّة الخاضعة للنّازيّة لأراضي يوغسلافيا السّابقة . (٨)

    

وفي إبريل ١٩٤٥ دخل الشّيوعييّون سراييفو بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالميّة الثّانية، واكتملت لهم السّيطرة على معظم أجزاء البوسنة، وبدؤوا في تطبيق قوانين واجراءات بدت انتهاكا لمساحة مسلمي يوغسلافيّة الدّينيّة، مثل تأميم الأوقاف، وإلغاء المحاكم الدّينيّة، وإغلاق المدارس الدّينيّة، ومنع لبس النّقاب للمسلمات، وكانت هذه توطئة لقمع كبير سيطال "الشّباب المسلم".

    

المحاكمات والإعدام

بعدها، بدأ الاحتكاك بين "الشّباب المسلم" والسّلطات الشّيوعيّة، فكما يذكر علي عزت بيغوفتش: "لقد نظّمنا نحن الشّباب المسلم ذلك العام تظاهرة بمناسبة تنظيم الجمعيّة المسلمة "بريبورود" التي أراد الشّيوعيّون السّيطرة عليها. وألقينا خطابات ناريّة معادية للشّيوعيّة، وصفق لنا العديد من الحضور بحرارة وهتفوا لنا، ممّا أدّى إلى اعتقالي مع آخرين مباشرة. لقد كان واضحا بعد "ثورتنا" هذه أنّ من الأفضل أن تُبقينا السلطات تحت المراقبة حيث قاموا بإطلاق سراحنا في اليوم التّالي".(٩)

   

خالد كايتاز أحد المحكومين عليهم بالإعدام (مواقع التواصل)

     

هذا الإفراج الذي تحدّث عنه بيغوفتش لم يدم طويلا، حيث اعتُقل مرة أخرى، وقُدِّم بيغوفتش وبعض رفاقه للمحكمة، وحُكم عليهم بثلاث سنوات، ورغم تحوّل المنظّمة للعمل السرّيّ بعد حلّ جمعيّة العلماء فإنّها بقيت مستمرّة في التّوسّع، وبلغ عدد أعضائها عدّة آلاف. ولقلّة خبرة الشّباب في العمل السّرّيّ فقد لفتوا أنظار السّلطات، لتُعتقل مجموعة أخرى عام ١٩٤٧، ثمّ في ١٩٤٨، حتّى جاء عام ١٩٤٩ الذي شهد تطوّرات خارجيّة بالنّسبة ليوغسلافيا، إذ تدهورت علاقة رئيسها جوزف تيتو بستالين زعيم الاتّحاد السّوفييتي، وأرادت يوغسلافيا تأكيد أنّ سياستها الدّاخليّة لم تتأثّر بقطع الصّلات مع ستالين من حيث إحكام القبضة الشّيوعيّة ومحاربة كلّ مَن يُناهض مبادئها، فكان قرار السّلطات متمثلا في استئصال حراك الشّباب المسلم من جذوره عبر عمليّة قمع شديدة، فاعتُقل نحو ألف شخص، وأُعدم البعض ميدانيًّا في الشّوارع دون محاكمة، ولُوحقت عائلات وأصدقاء كل من كانت له صلة بالمنظّمة، وتعرّض المعتقلون لتعذيب شديد، ففقد بعضهم القدرة على الإنجاب، والبعض فقد عقله، وكثير منهم توفّي في سنّ مبكّرة فيما بعد بسبب تدهور حالتهم الصحية أثناء فترة الاعتقال.

  

وعلى إثر هذا الحال، ساد الذّعر أوساط المجتمع الحاضن للحراك بسبب شدّة البطش، وأصدرت المحكمة قرارا بإعدام أربعة من وجوه الحراك وقادته، هم عمر ستوباتس، وخالد كايتاز، ونصرت فزليبيغوفيتش، وحسن بيبر، واغتيل رئيس جمعيّة العلماء محمد هانجيتش خلال خضوعه لعمليّة في المستشفى، وهو الذي وقف مع الشّباب المسلم منذ انطلاقتها.

   

حسن بيبر (مواقع التواصل)

   

وكعادتها، ندّدت المنظّمات الدّينيّة الرّسميّة بنشاط "الشّباب المسلم"، فأصدر مجلس الأوقاف في جمهورية البوسنة والهرسك في جلسته المنعقدة في ١٤ أغسطس/آب ١٩٤٩ في سراييفو تحت عنوان "تقييم أنشطة المنظمة الإرهابية" بيانا مفاده: "في الآونة الأخيرة، تحت ستار الافتتان الديني المزعوم، حاولت مرة أخرى منظمة معادية تسمى "الشباب المسلم" إعادة نشاطها، فنظّمت مجموعاتها غير القانونية، وعملت على الإطاحة بالسلطات الوطنية وإعداد الهجمات الإرهابية لتحقيق أهدافها المثيرة للاشمئزاز والغادرة"، كما أعلنت المشيخة الإسلامية موقفها بقولها: "الإسلاموية، الشعار الذي استخدمه "الشباب المسلم" خلال الاحتلال واليوم، هو الشعار الإمبريالي الذي يظهر به الإمبرياليون أينما يريدون كسر حركات تحرير الدول في الدول الإسلامية، وكسر وحدة المسلمين الذين يعيشون في مجتمع سعيد مع إخوة الأديان الأخرى".(١٠)

    

 ووفق سياسات الاقتلاع تلك، بدا أن "الشباب المسلم" اختفت، وإلى الأبد.

   

"الشّباب المسلم" والحراك السّياسيّ للبشناق

"وُلدت في ١٩٥٥، وعشت طفولتي في سراييفو حيث لم نكن نسمع شيئا عن الإسلام ولا نعرف تعاليمه إلا بعض العادات التي بقيت في أسرتنا مثل الاحتفال برمضان، وعندما كنت في سنواتي الجامعية التقيت بأشخاص متقدّمين في العمر كانوا يتحدّثون عن ديننا الإسلامي بإعجاب ويدعون للتّمسّك بفرائضه وتأثّرت بهم، فداومت على حضور ندواتهم ودروسهم التي سُمح بعقدها في بداية الثّمانينيات، علمت فيما بعد أنّهم كانوا أعضاء في "الشّباب المسلم""

   

هكذا تروي مرساداباسفانجيتش في حديثها لـ "ميدان" أثر أعضاء "الشّباب المسلم" في المجتمع رغم مرور عدة سنوات عقب القضاء على المنظّمة، وتكمل مرساداباسفانجيتش حديثها بقولها "تعرّفت إلى فيكرتة التي كانت زوجة لأحد أعضاء الشّبّاب المسلم، وفي دردشة سألتها عن قصّة زواجها منه فأجابتني بالحرف الواحد: هم كانوا أبطالا في نظرنا (تقصد أعضاء الشّباب المسلم)، ولذا وافقت فورا على الزّواج منه".

   

وفي سياق آخر قالت أزرا المولودة عام ١٩٥٨ لموقع ميدان، والتي قضت طفولتها في أحد شوارع الجزء القديم من سراييفو: "كنت أسأل أمّي عن بعض الأحداث التي جرت في شارعنا والأحياء المحيطة والتي سمعت الكبار عرضا يتحدّثون عنها بتكتّم، ولكنّها كانت تنهرني وتطلب منّي التّوقّف عن السّؤال، حين كبرت وعرفت مدى القمع الذي جرى وكمّ الذين لُوحقوا وقُتلوا بسبب انتمائهم للشباب المسلم، وكثير منهم كان من سكّان محلّتنا (كما يطلق على الحارة القديمة)، فهمت الرّعب الذي عاشته وجعلها تخشى عليّ من إثارة هكذا أسئلة".

  

"عمر بهمن" رفيق بيغوفيتش في منظمة الشباب المسلم (مواقع التواصل)

   

هذه عيّنة من شهادات الجيل الذي وُلد بعد نهاية مرحلة "الشّباب المسلم" وتربّى في حقبة الشّيوعيّة، وهي مؤشّر على حالة القمع والتّعتيم الكامل من جهة، وعلى الأثر الذي بقي للمجموعة بعد سنوات طويلة.

  

ورغم تلك الأجواء القاتمة إن صح الوصف، فقد عملت جمعية الشباب المسلم عبر تأثيرها الاجتماعي غير المعلن،  بتثبيت هويّة مستقلّة لمسلمي البوسنة، كمجموعة لها وحدتها وخطابها الثّقافي والاجتماعي والسّياسي، والحيلولة دون ذوبانها في مرحلة حالكة امتدت لأكثر من قرن، منذ الاحتلال النّمساوي في ١٨٧٨ وحتى الاستقلال في ١٩٩٢. فالنَّفَس القويّ الذي بعثته في صفوف مسلمي البوسنة من خلال نشاط أفرادها وأدبيّاتهم، والقمع الشّديد الذي تعرّضوا له، أحدث صدى واسعا، وزاد من إصرار أفرادها، الذين نجوا من الإعدام وخرجوا من سنوات السّجن الطّويلة مثل علي عزت بيغوفتش والأخوين عمر وصالح بهمن وقاسماغيتش، على حمل الفكرة وبثّ الرّوح فيها عندما تهيَّأت لها الظروف، وهو الذي أدّى في نهاية المطاف إلى إنشاء حزب العمل الدّيمقراطي كممثّل سياسي لمسلمي البوسنة، وهو الحزب الذي وصل لرئاسة البلاد عام 1995 وقاد حرب الدّفاع عن استقلال دولة البوسنة والهرسك.(١١)

       

وحتّى الآن لا تخلو مناسبة دينيّة أو احتفاليّة من غناء قصيدة "يا مصطفى" التي أُلِّفت في رثاء مصطفى بوسولاغيتش ويغنّيها المنشدون في مختلف المناسبات أيّامنا هذه، يقول مطلعها:

"حتّى لو استطاعوا قتلك

كتبك لن يستطيعوا قتلها

يا مصطفانا

يا نجمة لامعة في ليلنا الطّويل

للمرّة الأخيرة، ينظر للمدينة

احتضنت عيناه المآذن

أطلق النّار على صدره

الكافرون"

تقارير متصدرة


آخر الأخبار