انضم إلينا
اغلاق
المركزيّة الأوروبيّة للتاريخ.. مراجعة لكتاب ترييف أوروبّا لدبييش شاكرابرتي

المركزيّة الأوروبيّة للتاريخ.. مراجعة لكتاب ترييف أوروبّا لدبييش شاكرابرتي

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض

لقد تطابقَ تاريخ أوروبّا وتاريخ الرأسمال في سيرٍ منسّق عبر العالم على مدار الحقبة الحديثة. وبالطبع، كان التطابقُ جزئيًّا فحسب، غير أنّ الدعمَ المتبادل الذي شكّله هذا التطابق كان جوهريًّا: فالتاريخ الحديث لأوروبّا (ولا سيّما الاحتلال العالميّ لأوروبّا) لم يكن ليحدثَ دون تعضيدٍ من تاريخ رأس المال، والعكس صحيح؛ فقد بزغَ تاريخ رأس المال في مَهمّته العالميّة على القِوام الثريّ لتاريخ أوروبّا[1]. والحال أنّ قرون الهيمنة الاقتصاديّة والسياسيّة وقبل ذلك الفكريّة التي حُدِّدَت بهذا المشروع المشترك إنّما جعلت كلًّا من تاريخ الرأسمال وتاريخ أوروبّا شرطيْن لا مفرّ منهما للفكر المعاصر.

 

يأخذ كتاب ترييف أوروبّا (Provincializing Europe) لديبيش شاكرابرتي مقدّمته التأسيسيّة ونقطة انطلاقه من هذا التاريخ المشترك: ففي بداية ألفيّتنا الجديدة، لم يعد هناك مخرج عن تاريخ أوروبّا ولا عن تاريخ الرأسمال. إذ تنزع تواريخ كافّة أقطار العالم إلى أن يتمّ تصورها كلحظاتٍ وتكراراتٍ وتباديلَ لتاريخ أوروبّا. وما نسمّيه نحن التاريخ الصّينيّ، التاريخ الهنديّ، التاريخ البرازيليّ وهلمّ جرًّا يمكن تصوّرها فقط بقدر ما تتمّ موقعتها في صلب تاريخ أوروبّا أو ما يتعلّق به. بمعنى آخر، تنزع كافّة التواريخ إلى أن يتوسّطها تاريخ أوروبّا. وبالتالي، أصبح الفكر التاريخيّ نفسه، أو نسقه الأكاديميّ المهمين على الأقلّ، وكيلًا للمركزيّة الأوروبيّة. ويمكن أن يُقال الشيء نفسه على تاريخ الرأسمال، وذلك على الرغم من أنّ شاكرابرتي يدبّر هذه الحجّة بصراحةٍ أقلّ بكثير. فلا مهرب من حكم الرأسمال اليوم. ولا يعني هذا أنّ كلّ إنتاج في العالم رأسماليّ كما ينبغي، لكن بالأحرى يميل الرأسمال إلى أن يتوسّط كافّة أشكال الإنتاج الاجتماعيّ. ونُجابَه في كلتا الحالتين بظرفٍ لم يعد فيه من مخرج.

 

بيد أنّ كتاب شاكرابرتي يثبت بروعةٍ أنّ حقيقة كون أنّه لا مخرج عن المركزيّة الأوروبيّة أو عن رأس المال لا تعني أننا مُتركَون في الداخل مع وحدةٍ متجانسة، كما لو أنّ على الجميع أن يقبلوا بهيمنتهم لا محالة. لا ريب في أنّ تاريخ أوروبّا وتاريخ الرأسمال يقدّمان أنفسهما كمشاريع شاملة وكونيّة، إلّا أنّ تحقيق اتّساعهما العالميّ لم يجلب معه تدميرًا للاختلاف داخليًّا. فدائمًا ما يؤدّي رأس المال عمله، من جانبه، من خلال الاختلافات في مستويات الثروة والفقر، وفي القوى الثقافيّة المتناقضة، وفي التشكّلات الاجتماعيّة، وفي أنماط الحياة. وبالمثل، يجب تصوّر تاريخ أوروبّا باعتباره متمايزًا ومفاضِلًا داخليًّا. حيث إنّ الاختلافاتِ التاريخيّة والتعدُّديّات الاجتماعيّة غير القابلة للاختزال تبقى دائمًا وتبزغ باستمرار؛ ومن واجب المؤرّخ، كما يشير شاكرابرتي، أن يبرزها ضدّ القوى الفكريّة للهيمنة التاريخيّة والتجنيس (homogenization). ويعدّ ترييف أوروبّا، من هذا المنظور، إثباتًا هامًّا للاختلاف التاريخيّ ضمن رأس المال والمركزيّة الأوروبيّة وضّدهما.

 

التاريخ الأوروبيّ كواسطة كونيّة


أرى أنّ كتاب شاكرابرتي يتألّف من حجّتين بالأساس، حجّة تدور حول هيمنة أوروبّا، وأخرى حول هيمنة الرأسمال، وقد نُسجا معًا لتشكيل بنية واحدة. ومع ذلك، عليّ أن أشير إلى أنّ الحجّة الدائرة حول أوروبّا هي محطّ التركيز الرئيس للكتاب إلى حدّ بعيد، حيث إنّ التعاطي مع الرأسمال ثانويّ نسبيًّا. وبرغم ذلك، أعتقد أنّه من المهم عند قراءة الكتاب أن نجعل كلتا الحجّتين نُصب أعيننا باستمرار ونمنحهما مكانة متساوية؛ لأنّ هذه هي الطريقة التي يكتسب كتاب شاكرابرتي أهميّته وتأثيره الأعظم بها. 

 

يَسبك شاكرابرتي جداله ضدّ الانضباط الأكاديميّ للتاريخ ولا سيّما ضدّ التاريخانيّة، التي يعرّفها باعتبارها الصيغة الأولى للانضباط. وأظنّ أن البعض سيسائل استعمال شاكرابرتي لمصطلح التاريخانيّة، بيد أنّني عليّ أن أدع ذلك للمؤرّخين المُحترفين الذين لستُ واحدًا منهم، وذلك لتقييم هذا الاستعمال للترمنولوجيا وللجدال المؤسّسيّ الذي ينطوي عليه. إذ أجدُ أنّ الأنجع هو ترك هذه الإشكالات جانبًا والتركيز بدلًا من ذلك على خصم شاكرابرتي المحدّد: أي النظريّة المرحليّة للتطوّر التاريخيّ التي تخطّط وقائع تاريخيّة مختلفة كلحظات زمنيّة جدًّا لتقدُّمٍ موحَّد. وفي سياق نظريّة كهذه، يعدّ الإطار المفاهيميّ للمراحل الكرونولوجيّة قويًّا لدرجة أنّ بعض الوقائع والسياقات الاجتماعيّة تبدو بالضرورة وكأنّ الزمن عفى عليها. والحال أنّ هذه العناصر والتشكّلات التي عفا عليها الزمن، ولأنّها بحكم التعريف تكرارات لزمنٍ سابق، إنّما تخضع لا محالة للعناصر أو التشكّلات الحيّة والمعاصرة. وبالتالي، دائمًا ما تحملُ هذه الرؤية المرحليّة قوّة الإخضاع السياسيّ. أو، إذا طرحنا الادّعاء نفسه من المنظور الآخر، فإنّ المُخضَعين يُحكم عليهم بالمفارقة التاريخيّة أو التكرار؛ إذ لدى المهيمِن وحده امتياز الإقامة في الجديد والآنيّ.

 

إنّ التصورّات المرحليّة البراديغميّة للتطوّر التاريخيّ جدّ اعتياديّة: مثلًا، يمكن أن تكون رؤية هيغل للتاريخ بمثابة الوتد الفلسفيّ وأن تكون نظريّات التحديث في مختلف القرن العشرين بمثابة الوتد الاقتصاديّ. ومع ذلك، يحاجج شاكرابرتي بأنّ هذه الرؤية تمتدّ لما وراء هذه النماذج القصوى. وتكتسب حجّته، في الواقع، قوّتها وانطباقها العامّ بإظهار الغلبة المتواصلة للنّسق المرحليّ للتقدّم التاريخيّ على مدار الفكر الحديث. إذ الأمر يرجع، كما يدّعي، إلى التصوّر للحديث للزمن نفسه.

 

والحال أنّ هذا الجدال ضدّ النظريّة المرحليّة له إرث طويل ومتميّز في الحداثة. فالحكمُ الكولونياليّ، والتأريخ الكولونياليّ الذي دعَّمَه، أدّى دوره دائمًا من خلال فكرة بيّنة عن الاختلاف الزمنيّ بين أوروبّا وأقاليمها. حيث بَدت الأقاليم الكولونياليّة ما قبل حديثة أو بدائيّة فيما يتعلّق بالحداثة الأوروبيّة؛ فقد كانت هذه الأقاليم منطوية على مفارقة تاريخيّة على الدّوام، ولم تصل إلى المرحلة التاريخيّة لأوروبّا بعدُ. إنّ الرّغبة في أن تكون حديثًا قد تكون لا شيء سوى الرّغبة في أن تكون أوروبيًّا وبالتالي يمكن تكرارها في أحسن الأحوال على يد اللاأوروبيين. ولا يزال من الشّائع اليوم في حقبتنا ما بعد الكولونياليّة، كما يصرّ شاكرابرتي، تصوّر المناطق المُخضَعة من العالم كمناطق تنطوي على مفارقات تاريخيّة بداخلها -أو نتصوّر بالأحرى وسط أفريقيا أو جنوب آسيا كمناطق تتأقلم فيها أزمنة كثيرة. ويتضّح لي انتشار هذا التصوّرر أشدّ الاتضاح في الفكر الاقتصاديّ -حينما نتصوّر دولةً كالبرازيل، مثلًا، بأنّها تتميّز باقتصادٍ هجين لديه بعض العناصر الإقطاعيّة ما قبل الحديثة، وبعض الجوانب الصّناعيّة الحديثة، ومشاريع إعلاميّة أخرى ما بعد حديثة. إذ يُعدّ التطوّر الزمنيّ جزءًا لا ينفصل عن هذه المفاهيم نفسها. بيد أنّ حجّة شاكرابرتي يتمّ استثمارها بصورة أكبر من ذلك في التاريخ الاجتماعيّ، حيث يجدُ شاكرابرتي نزعةً موازيةً هنالك. فالمجتمعات اللاأوروبيّة تبدو مختلطة زمانيًّا، وبها ممارسات حديثة وأخرى ما قبل حديثة، وذلك لأنّ كافّة الاختلافات التاريخيّة تُختزَل إلى السرديّة الشائعة للتاريخ الأوروبيّ -أو تتوسّطها هذه السرديّة، في أحسن الأحوال-، وبالتالي يتمّ تصوّرها في سياق المراحل المحدّدة زمانيًّا للتطوّر والنموّ. وتتمثّل إحدى كوارث هذه النّزعة التي تَهمّ شاكرابرتي بشكلٍ خاصّ في الطريقة التي تُستعمَل بها مقولات الخرافة والدّين لتوصيف تشكيلةٍ من الممارسات باعتبارها ممارساتٍ منطوية على مفارقة تاريخيّة. وبشكلٍ محدّد، لا يزال الإيمان بالآرواح والآلهة (المنتشر في أوساط الفلّاحين الهنود) يُقصَى عن الحداثة ويُنظَر إليه، بدلًا من ذلك، كمجرّد رواسب من العالَم ما قبل الحديث. إنّنا بحاجةٍ، يحاجج شاكرابرتي، إلى رؤية مثل هذه المعتقدات والممارسات التي تنطوي عليها باعتبارها معتقداتٍ حديثة تمامًا حذو النّعل بالنّعل مع المعتقدات العلمانيّة (الأوروبيّة) المعاصرة لها ومن ثمّ الكَفّ عن قراءتها عبر وساطة التاريخ الأوروبيّ.

 

تعدّ الترجمة إحدى تلك الاستعارات أو الصّيغ التي يفكّر شاكرابرتي عن طريقها في هذا الرّفص للوساطة. حيث يقترح أن ننبذ النّموذج الشائع للترجمة الذي يطرح التكافؤ (equivalence) عبر واسطة مصطلحٍ كونيّ ومُجانِس، وهي الطريقة، مثلًا، التي شُكّلت بها الكلمة الهنديّة"pani" لتضاهي الكلمة الإنجليزيّة "ماء" (water) عبر توسّطهما من قبل صيغة علميّة كونيّة هي الـ(H2O). وما يفضّله شاكرابرتي على النّقيض من ذلك هو نموذج أحاديّ وشبه مقايض (barter-like) للترجمة؛ لأنّ برفض التضمّن في ظلّ أيّ توسّط كونيّ، يمكن للمصطلحين أو للعنصرين أن يؤسّسا علاقة دون فقدان اختلافهما. مرّة ثانية، يتمثّل ما هو على المحكّ ههنا في نوع الترجمة الاجتماعيّة والثقافيّة التي تستعمل التاريخ الأوروبيّ بوصفه المصطلح الكونيّ الوسيط والمعيار الذي تُفهَم من خلاله كافّة التواريخ الأخرى.

 

إذن، إنّ إحدى الطرق في طرح تحدٍّ على هذه الحجّة، كما أتصوّرها، هي أن نفكّر في لحظة التاريخ في جميع أنحاء العالم وعبر المجتمعات في اختلافها وتعدّدها من غير اللجوء إلى مفهوم المفارقة التاريخيّة (anachronism)، وذلك لأنّ العناصر المتنوعة، رغم اختلافها، هي حديثة بالتساوي. وأودّ أن أسمّي ذلك مفهومًا قويًّا للمعاصرة (contemporaneity) ضدّ المفارقة التاريخيّة والتبعيّة التي ينطوي عليها. والحال أن شاكرابرتي ليطرح ذلك بطريقةٍ مختلفة نوعًا ما. إذ التحدّي، بالنسبة إليه، هو أن نفكّر في تاريخٍ محدّد للحقيقة التاريخيّة (مثل تاريخ كلكتا أو البنغال) دون وساطة تصوّرنا له من خلال تاريخ أوروبّا. وهذا هو ما يعنيه شاكرابرتي بترييف أوروبّا -أي إزاحتها من مركز تصوّرنا للزّمن التاريخيّ، ورفض وساطتها الكونيّة.

 

يتوجّب عليّ أن أقف للحظةٍ لتمييز الاختلاف بين صيغتيْ التحدّي هاتين. فقد تؤدي صياغتي إلى هذا التصوّر للزّمن الأول (أي المعاصرة القويّة) الذي ينطوي في داخله على اختلافاته وتعدّدياته. أمّا صياغة شاكرابرتي، بدلًا من ذلك، فمن شأنها أن تؤدّي إلى تصوّر للأزمنة المتعدّدة وغير القابلة للقياس التي تجعل في آن واحد مثل تلك الاختلافات الجغرافيّة تنزع إلى التوافق مع الاختلافات الزمنيّة. قد لا تكون هاتان الصياغتان مختلفتين كما يبدوان للوهلة الأولى. فهما مُشكَّلان ضدّ الفكرة المرحليّة للتقدّم التاريخيّ كما ضدّ فكرة الزّمن الخالية والمتجانسة. بمعنى آخر، تحاول كلا الصياغتين أن تفهم الزمانيّة من حيث الاختلاف والتعدّديّة. وهذا ما يبدو لي هامًّا بصورة مركزيّة.

تتشابه تصوفيّة رؤية العالم لدى الفلاح الهندي في القرن التاسع عشر مع تصوفيّة رؤية الفلّاح البوليفيّ، واللتان تتشابهان بالأساس مع تصوفيّة الفلاح الأوروبيّ القروسطيّ. حيث تبدو الاختلافات فيما بين تلك الرؤى المتابينة للعالم فقط في الانحراف عن الشَبهِ العامّ.

pixabay.com
 

إنّ تاريخًا يرفض وساطة التاريخ الأوروبيّ (أو يرفض أيّ سرديّة أخرى سائدة) سيكون تاريخًا للاختلاف، وتاريخًا للفرادة، وتاريخًا للحدث. إذ إنّ قولبة كلّ الوقائع التاريخيّة فيما يتعلّق بالتاريخ الأوروبيّ  إنّما يجعلنا ندرك هذه الوقائع فقط عبر سلسلةٍ من التشابهات، كما باعتبارها تكراراتٍ للنّماذج الأوروبيّة الأصليّة. فعلى سبيل المثال، تتشابه تصوفيّة رؤية العالم لدى الفلاح الهندي في القرن التاسع عشر مع تصوفيّة رؤية الفلّاح البوليفيّ، واللتان تتشابهان بالأساس مع تصوفيّة الفلاح الأوروبيّ القروسطيّ. حيث تبدو الاختلافات فيما بين تلك الرؤى المتابينة للعالم فقط في الانحراف عن الشَبهِ العامّ. وبالتالي، لا يمكن تصوّر الاختلاف التاريخيّ، من هذا المنظور، إلّا كـ‘اختلاف عن...‘ -وبالتحديد كـ‘اختلاف عن التاريخ الأوروبيّ‘ بطبيعة الحال. إنّ مفهوم الفرادة (singularity)، الذي له تقليدٌ طويلٌ في الفلسفة الأوروبيّة وتمّ إحياؤه في السنوات الأخيرة، إنّما يقدّم فكرةً أخرى للاختلاف[2]. إذ لا تُؤسَّس الفرادة في اختلافها عن أيّ شيءٍ آخر؛ فالفرادة مختلفةٌ في حدّ ذاتها. ومن منظور التاريخ، يتحالف هذا المفهوم الفلسفيّ للفرادة عن قُربٍ مع فكرة قويّة للحدث، حيث نفهم بواسطة الحدث حادثةً تاريخيّة أو واقعةً مختلفة بحدّ ذاتها وبالتالي لا يمكن اختزالها إلى تكرار الشَّبَه، ولا يمكن أن تُقولَب كمجرّد لحظةٍ في تيّار مشترك للتاريخ الكونيّ. من ناحيةٍ فلسفيّة، هذا هو التحدّي الأقصى لكتاب شاكرابرتي المطروح في شكله النهائيّ كالتالي: إذا لم نريّف أوروبّا فحسب، وبالتالي رفضنا توسّط كلّ التاريخ من خلال التاريخ الأوروبيّ، بل ونبذنا حتى نموذج الفهم التاريخيّ بأكمله  عبر التوسّط المفاهيميّ؛ فإنّ ما يبقى لنا إذن هو تاريخ للاختلاف المحض يجب أن يُدرَك فيه كلّ حدثٍ في فرادته. وهذه مهمّة رائعة، وبالطبع يصعب إنجازها للغاية. ويكمن الخطر في أنّ المرء يخلص إلى تاريخٍ ليس سوى سلسلة من الخصوصيّات غير المتفمصلة (unarticulated)، وغير القادرة على إدراك القرابة والقواسم المشتركة التي تتيح لنا أن نبني الأفكار المشتركة. 

 

ومع ذلك، لا تحفر حجّة شاكرابرتي عميقًا في مثل هذه الأسئلة الفلسفيّة التي تجذبني كثيرًا على العكس. إنّ شاكرابرتي مؤرّخ وبالتالي يمنحنا في الجزء الثاني من كتابه، بعد الجزء الأوّل من الكتاب الذي ينخرط بالأساس في تلك الأسئلة النّظريّة، سلسلةً رائعة من تواريخ الحداثة في البنغال. وفصول هذا الجزء من الكتاب هي محاولة من شاكرابرتي لممارسة ما كان قد اقترحه، أي تاريخ الفرادة. حيث يشتبك فصلان بصورة موسّعة مع النّصوص الأدبيّة، لا سيّما نصوص روبندرونات طاغور، وذلك فيما يتعلّق بمحورين أساسيين للحداثة: الذّات والأمّة. وبمقدورنا في كلّ حالةٍ أن نرى بوضوح كيف أنّ التطورات في تاريخ البنغال يمكن قراءتها فيما يتعلّق بالتاريخ الأوروبيّ. وبالطبع، لقد طوّرت الثفافة الأوروبيّة في حقبةٍ سابقة فكرة حول الذّات/المواطن المستقلّ والمتملّك وأخرى حول الوعي الأمّتيّ-الشعبيّ واللتان كانتا أساسيتيْن في بنائهما للمجتمع الحديث. بيد أنّ التركيز على هذه التشابهات يحجب فقط خصوصيّات الحالات البنغاليّة. وعليه، يهبط شاكرابرتي إلى مستوى أعمق للمفاهيم لإلقاء الضوء على الاختلافات، محاججًا مثلًا بأنّ المفهوم الأوروبيّ للتعاطف (sympathy)، والذي هو مفهوم مركزيّ لتشكّل الذات الحديثة، يختلف عن المفهوم البنغاليّ "hriday"، وبأنّ، إذا أخذنا مثالًا آخر، الفكرة الأوروبيّة للمخيال، والذي يلعب دورًا أساسيًّا في تشكّل الأمّة، تختلف بصورة مهمّة عن الارتباط البنغاليّ. بنهاية المطاف، وعلى المستوى الأكثر عموميّةً، فما نحن بصدد مساءلته هو ما إذا كانت الحداثة في الواقع فكرةً مشتركةً يمكن تطبيقها بالتساوي على هذه الحالات المتنوّعة. بمعنى آخر، هل بمقدورنا أن نتصوّر الحداثةَ كمفهوم أحاديّ يمكن تمثُّله (بالتساوي وإنْ على نحو مختلف) في سيافات تاريخيّة مختلفة، أم أنّه يتوجّب علينا أن نقوم بطرح حداثات بديلة لا تتشارك في الأساس المفاهيميّ الجوهريّ؟

 

من وجهة نظري، فإنّ السؤال حول الحداثة (أو الحداثات) ليتمّ استقصاؤه وفحصه بصورة أكثر نجاحًا بكلّ تعقيداته في فصلٍ يدور حول الـ"adda"، وهي ممارسة للاحتشاد الاجتماعيّ المنتظم لغرض المحادثة العَرضيّة التي كانت سائدة في مدينة كلكتا في منتصف القرن العشرين. تتألّف هذه الممارسة من مجموعة من الرّجال (عادةً) في مقهى أو مطعم لمناقشة أحداث راهنة وثقافة أدبيّة أو مسائل أخرى لم يكن لها نطاق سياسيّ مباشر أو منفعيّ. كانت النّقطة بالتحديد في أنّ هذه الممارسة (adda) لم يكن لها مثل هذا النّطاق وبالتالي قدّمت صيغةً للاجتماعيّة (sociality) كانت مأوى من محاكمات الحياة الحَضريّة الحديثة. إنّ هذه الممارسة، من منظور شاكرابرتي، هي على وجه الخصوص حلّ بنغاليّ للمشكلة العامّة للتجمّع في المجتمع الرأسماليّ الحديث. تلقي مناقشة شاكرابرتي بهذه الطريقة الضوءَ على العلاقة بين العامّ والخاصّ. فليست ممارسة الـ"adda" إعادة بناءٍ لتقليد الصالون البرجوازيّ الباريسيّ في القرن التاسع عشر ولا لثقافة المقهى الأوروبيّة. إنّها ممارسة فريدة. وهكذا، فإنّ الـ"adda" وفقًا لشاكرابرتي، شأنها شأن تشكيلة من الظواهر الأخرى في جميع أرجاء العالَم، هي ردٌّ على ضغوط ومشاقّ المجتمع الرأسماليّ.  تعالجُ مناقشة شاكرابرتي لهذه الممارسة، عبر هذه الصّلة بالرأسمال، مسألة المفهوم المشترك للحداثة. إذ بقدر ما نرى ظواهر ثقافيّة حديثة متنوّعة كاستجاباتٍ للمجتمع الرأسماليّ، فيتّضح إذن، في سياق حجّته، أنّه رغم كون الأوضاع المتنوعة للاستجابة مختلفة وغير قابلة للقياس حتى، فإنّها تتقاسمُ صلة مشتركة برأس المال. على سبيل المثال، إنّ نادي البولينج في الولايات المتحدة الأمريكيّة والـ"adda" في الهند هما ظاهرتان اجتماعيّتان متفرّدتان مختلفتان جذريًّا، إلّا أنّ كلًّا منهما قد شغلَ الدّور في سياقها المناسب كمأوى للعمّال ولعناصر من البرجوازيّة من المطالب الأداتيّة لحياة رأس المال. بعبارةٍ أخرى، إنّ رأس المال هو الأساس المشترك في حجّة شاكرابرتي الذي يجعل مفهوم الحداثة متماسكًا على الرّغم من الاختلافات التي لا يمكن اختزالها للسياقات التاريخيّة والاجتماعيّة المختلفة.

 

يتحتّم عليّ عند هذه النقطة أن أخطو خطوة إلى الوراء وألتقط الطرف الآخر من الحِجاج الذي أراه مركزيًّا لكتاب شاكرابرتي، ألا وهو جداله ضدّ زمانيّة الرأسمال واشتباكه مع فكر ماركس، والذي يُمفصَل بالأساس في فصلٍ واحد يحمل عنوان "تاريخان لرأس المال". يقتبس شاكرابرتي من ماركس تبصّرًا أساسيًّا، وهو أنّ الزمانيّة (temporality) مركزيّة للحكم الرأسماليّ. إذ يحكمُ رأس المال عبر فرضه على المجتمع زمانيّة متطّردة ومتجانسة. ويطلق شاكرابرتي ‘التاريخ ١‘ على فكرة التاريخ الذي تشكّله زمانيّة رأس المال هذه، وهو تاريخٌ يُطرَح فيه الماضي بجملته بصورة موحّدة باعتباره شرطًا قبليًّا لرأس المال نفسه. بيد أنّ ماركس يعترف أنّ هناك فكرة أخرى للتاريخ توجد ضمن المجتمع الرأسماليّ، وهو تاريخ الماضي غير المتجانس (heterogeneous) الذي لا يؤدّي بالضرورة إلى خلق الرأسمال أو إعادة إنتاجه. ولا بدّ أن يكبح ‘التاريخ ١‘ باستمرار أو يُخضِع اختلافات وتعدّديّات ‘التاريخ ٢‘. ويهدف الانضباطُ الرأسماليّ، من أرض المصنع إلى الحقل الاجتماعيّ الأوسع، إلى إخضاع ‘التاريخ ٢‘، وهو مشروع لم ينجح بالتمام مع ذلك. بمعنى آخر، يثور ‘التاريخ ٢‘ باستمرارٍ داخل التاريخ الرأسماليّ، معيقًا المشروع الإجماليّ لـ‘التاريخ ١‘. والحال أنّ شاكرابرتي يدركُ نفع تبصّرات ماركس وأيضًا حدود اشتغاله. فكثيرًا ما يخفق ماركس في تطوير التعدّديات الراديكاليّة كليًّا لـ‘التاريخ ٢‘ بسبب تركيزه الشديد أحيانًا على منطق الرأسمال، وأيضًا بالطبع لأنّه غير قادرٍ على الإفلات من المركزيّة الأوروبيّة لسياقه الفكريّ. بعبارةٍ أخرى، ستصبح راديكاليّة ‘التاريخ ٢‘ أكثر وضوحًا عندما يمكننا بالأخير أن نفكّر في التاريخ دون وساطة تاريخ أوروبا. من هذا المنظور، فإنّ تحليل شاكرابرتي هو أفضل ضرب من ضروب التحليل الماركسيّ، وهو التحليل الذي يأخذ ماركس فيما أبعد من ماركس، فيما وراء حدود تفكير ماركس وزمنه.

 

تاريخ رأس المال خارج أوروبّا
 (pixabay.com)

لقد طوّر شاكرابرتي هذه الحجّة المهمّة، كما ادّعيتُ سابقًا، على أساس تطابق تاريخ أوروبّا وتاريخ الرأسمال وعلى أساس الدّعم المتبادل بينهما. وكان هذا التطابق فعّالًا بالفعل وتأسيسيًّا على مدار الحقبة الحديثة، لكنّ هذا التطابق، من وجهة نظري، انتهى في النّصف الأخير من القرن العشرين. فلم يعد تاريخ أوروبّا متطابقًا مع تاريخ رأس المال. ولا يعني الاعتراف بهذا الانفصال أنّ المركزيّة الأوروبيّة لم تعد قويّة، لا سيّما في براديغماتنا أو في عادات تفكيرنا. غير أنّ ذلك يعني أنّ حياة الرأسمال اتخذت مساقًا جديدًا علينا فهمه ومجابهته. ومن الشائع أن نرى هذا التحوّل باعتبارها مرورًا من الإمبرياليّات الأوروبيّة إلى حقبة الإمبرياليّة الأمريكيّة. إلّا أن وجهة نظري على العكس من ذلك تقول إنّ الهيمنة العالمية لم تعد تأخذ شكل الإمبرياليّة إطلاقًا؛ فالحكم العالميّ المعاصر لا يُؤسَّس على سيادة الدّولة-الأمّة [الدّولة القوميّة -م] كما كان الحال مع الإمبرياليّات الأوروبيّة، وبالتالي لا يمكن مركزته بالطريقة نفسها على الولايات المتحدة، أو على أيّ دولة-أمّة أخرى لهذا السبب. لقد انبثق شكلٌ جديد من السيادة وعليه انبثق شكلٌ جديد من الحكم الرأسماليّ منسجمًا معها، وهو ما سمّيته أنا وأنطونيو نيجري بالإمبراطوريّة
[3]. على أيّة حال، لأنّ أوروبا لم تعد مركزَ الهيمنة العالميّة ولأنّ تاريخ الرأسمال لم يعد معتمدًا على تاريخ أوروبّا، فإنّ طاقاتنا النّقديّة يجب أن تتحوّل طبقًا لذلك.

 

للمرء أن يحتجّ بأنّ شاكرابرتي مؤرّخ، وبالتالي فهو معنيّ أوّلًا بالماضي. أجل، إنّ شاكرابرتي، مثل الغالبيّة العظمى من الاشتغال الذي يُفهَم على أنّه دراسات ما بعد كولونياليّة، معنيّ في المقام الأوّل بقراءة التواريخ الكولونياليّة تحت ضوء جديد، مستقلًّا عن هيمنة السرديّات الكولونياليّة ومضادًّا لها. بيد أنّ كلّ المشاريع التأريخيّة، رغم تركيزها على الماضي، يتمّ استثمارها في مشروع سياسيّ في الوقت الراهن. إذ تُموقَع الدراسات ما بعد الكولونياليّة لإظهار ومنازعة إرث التفكير والممارسات الكولونياليّة التي تستمرّ في الوقت الحالي. ومع ذلك، هذا هو السبب في أنّها مهمّة جدًّا في إدراك التحوّل بوضوح في السّلطة العالميّة الذي أعتقدُ أنّه حصلَ في العقود الأخيرة. وليست مخلّفات التفكير الكولونياليّ العِماد المركزيّ لأشكال الهيمنة المعاصرة. وبالتالي، نحن بحاجةٍ إلى أن نضيف لنقد المركزيّة الأوروبيّة ونقد مخلّفات الفكر والممارسة الكولونياليّة في العالم الرّاهن نقدًا لأشكال السلطة الجديدة.   

 

ثانيًا، أودّ الإشارة إلى أنّنا بحاجةٍ إلى تجاوز نقد (المركزيّة الأوروبيّة أو نقد هيمنة الإمبراطوريّة)، وذلك في اتّجاه مشاريع قواميّة وتأسيسيّة. والحال أنّ أحد المفاهيم التي تبرز في هذا الاتّجاه، إن لم يكن الأوحد على مستوى تجريديّ، إنّما هو مفهوم الجمهور (multitude) باعتباره مفهومًا للذاتيّة الاجتماعيّة. فعلى النّقيض من الشّعب، والذي يُتخيَّل كذاتٍ أحاديّة مُوحَّدة، يكون الجمهور هو تعدّديّة القوى الاجتماعيّة التي تتشابك معًا في فعلٍ مشترك. ويبدو لي أنّ الجمهورَ [فكرة] مضمرة على مدار عمل شاكرابرتي إلى حدّ أنّه يلحّ باستمرارٍ على الاختلافات والتعدّديّات التاريخيّة والاجتماعيّة. يُشير مفهوم الجمهور إلى المثابرة الحتميّة للتعدُّد داخل الحقل الاجتماعيّ، لكنّه لا يدعنا مع سلسلةٍ من العناصر المتشظيّة والعَرضيّة وغير المُمفْصَلَة. وفي حين أنّ التعدّديّة هي الشرط الاجتماعيّ للجمهور، فإنّ الفعلَ المشتركَ هو مشروعه، وبالتالي يُشير الجمهور إلى اسمٍ لشكلٍ من التنظيم الذي لا يقبل بالعمل إلّا عبر الاختلاف. بعبارةٍ أخرى، يوحِّد مفهوم الجمهور التعدّديّة والجماعيّة على نحو متناقض. وبهذا المعنى، يمكن تصوّر الجمهور باعتباره ذاتًا لتاريخ الفرادة والحدث الذي يتخيّله شاكرابرتي. وأظنّ أنّ شاكرابرتي قد لا يحسّ بالحاجة لطرح تصوّرٍ كهذا للذات أو لمشروع تنظيم مشترك، لكن قد تكون هذه النقطة بالتأكيد مثيرة وناجعة للمناقشة والسَّبْر مزيدًا. وعلى أيّة حال، فإنّني أقدّم هذا التصوّر الموجز جدًّا لمفهوم الجمهور ببساطةٍ كإشارةٍ على كيف أنّ مشروعًا نقديًّا مثل مشروع شاكرابرتي قد يطوّر أيضًا، على أساس شروطه الخاصّة، مشاريع تأسيسيّة لمجابهة موقفنا المعاصر.

 

إنّني لا أشيرُ بذلك إلى أنّ شاكرابرتي ليسَ على وعيٍ بموقفنا العالميّ الجديد وأهميّته. فسرعان ما يعترفُ شاكرابرتي بأنّ أوروبّا التي يَسعى كتابُه إلى ترييفها هي أوروبّا متخيّلة ومُموضَعة في تصوّرات مختزَلة وكلاشيهيّة، وهي أوروبّا التي لا تزال قائمة في عادات تفكيرنا. ومع ذلك، يبدو لي أنّ عمل شاكرابرتي، بل وأفضل التيارات في الدراسات ما بعد الكولونياليّة، قد هيّأ الأرضيّة لمشروعٍ سياسيّ وفكريّ جديد هادفٍ إلى نقد الأشكال المعاصرة من الهيمنة العالميّة ومُكرَّس لتأسيس أشكال مغايرة من المجتمع. أجل، قد يكون تقليد الدراسات ما بعد الكولونياليّة هو الأساس الأفضل الذي نشرع منه لإعادة توجيه طاقاتنا السياسيّة والنقديّة. 


المقال مترجم عن: tandfonline

تقارير متصدرة


آخر الأخبار