انضم إلينا
اغلاق
فلاحو الأندلس.. كيف عملوا وماذا أنتجوا؟!

فلاحو الأندلس.. كيف عملوا وماذا أنتجوا؟!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"خصّ الله تعالى بلاد الأندلس من الرّيع وغدق السّقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحّة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدّن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ممّا سواها".

(الوزير والأديب الغرناطي لسان الدين بن الخطيب في وصفه الأندلس)
 

سكان الريف الأندلسي

 

إن أهم العناصر التي شكلت خريطة سكان المغرب والأندلس تجلت في العنصر البربري الذي مثّل السواد الأعظم من سكان حواضر المغرب الأقصى وبواديه على الخصوص، ثم العنصر العربي الذي لم يُشكل سوى أقلية استوطنت المدن على غرار العنصر السوداني والروم واليهود والنصارى والأتراك الغزّ، في حين وُجد العرب بكثرة في الأندلس إلى جانب المولّدين وأقلية من الصقالبة والمستعربين[1].

وقد انتشرت هذه العناصر في "أرياف" الحواضر الأندلسية، كما انتشروا في مدنها، في كل من قرطبة وإشبيلية وسرقسطة وألمرية وبلنسية وجيان وغيرها، وقد اندمجت تلك العناصر منذ الفتح الإسلامي للأندلس ولو بصورة بطيئة وتدريجية؛ ذلك أن كل مجموعة أو قبيلة عربية جاءت مع الفاتحين الأولين أو الولاة الحاكمين قد نزلت في منطقة من مناطق الأندلس، فاستقلوا بها، وزادت بمرور الأيام روابطها، ولدينا إشارة من المؤرخ المقّري توضح بدايات التشتيت العربي الذي تدخلت فيه يد السلطة لأسباب سياسية في الأساس؛ فقد "كان عرب الأندلس يتميزون بالقبائل والعمائر والبطون والأفخاذ، إلى أن قطع ذلك المنصور بن أبي عامر الداهية الذي ملَك سلطنة الأندلس، وقصد بذلك تشتيتهم وقطع التحامهم وتعصّبهم في الاعتزاء"[2].
 

وقد فنّد المستشرق والمؤرخ الفرنسي ليفي بروفنسال زعم القائلين بازدراء العرب للعمل الزراعي بقوله: "لقد دأبنا على القول بأن الغُزاة (يقصد الفاتحين المسلمين) لم يكونوا راضين بالزراعة، وإنهم علاوة على ذلك كانوا يزدرون العمل الزراعي، وقد ظهر أن هذا الزعم لا أساس له؛ لأن المهاجرين العرب من إفريقيا والشام قد اهتموا بالتعاون لاستغلال الأراضي الزراعية في إقطاعياتهم"[3].
 

بل يرجع الفضل للعرب في إرساء النظم الشامية في الزراعة في الريف الأندلسي، خاصة الجماعات الشامية التي استقرت في النواحي الريفية، وكان من نتيجة اشتغال العرب بالزراعة في الريف، بروز شكل من أشكال الزراعة ارتبط بهم هو الزراعة المعتمدة على الري الصناعي، ليس هذا فحسب، بل إن الأساليب الزراعية العربية كان لها انعكاسها وتأثيرها في العناصر الريفية الأخرى، مثل البربر والنصارى الذين أصبحوا يقلّدون العرب في أساليبهم الزراعية، بل قلّدوهم في نمط حياتهم، واكتسبوا منهم العديد من الأذواق الغذائية[4].
 

وقد كان للبربر وجودهم القوي واللافت في المجتمعات الريفية الأندلسية، وخاصة في مناطق جنوب الأندلس وشمالها الغربي ووسطها، خاصة منطقة الجزيرة الخضراء، بل إن ثمة موضعًا بهذا الإقليم كان يُسمى "جزء البربر" دليلًا على استقرارهم في تلك المناطق[5].
 

لقد كان البربر ذوي خبرات زراعية لا يُستهان بها، نقلوها معهم إلى الأندلس، كما نقلوا بعض الغروسات، هذا فضلًا عما اكتسبوه في بيئاتهم الجديدة من أساليب وخبرات وأدوات زراعية جديدة، مثل الري الدائم الذي تعلموه من إخوانهم العرب، وبرعوا فيه على النحو الذي كان في بلنسية؛ فإن قناة فافارا (Favara) الشهيرة في تلك المنطقة إنما تُنسب في الأصل إلى قبيلة هوّارة البربرية[6].
 

المزروعات الأندلسية
شجر الزيتون (مواقع التواصل)

وفي كتب الجغرافيا الأندلسية ثمة قوائم من أصناف المزروعات التي اهتم بها فلاحو الأندلس من العرب والبربر على السواء، ففي الجنوب الأندلسي حيث القرب من الشمال المغربي وحيث الحرارة الجافة والقوية اشتُهرت مدينة "شلوبينية" بزراعة الموز وقصب السكر
[7]، وفي الجنوب أيضًا حيث مدينة جيّان (Jaén) اشتُهرت بعسل نحلها واهتمام فلاحيها بتربية دودة القز وإنتاج الحرير، فقد بلغت عدد قرى جيان في نهاية القرن التاسع الهجري ثلاثة آلاف قرية كلها اشتهرت بإنتاج الحرير وتربية دودة القز، فضلًا عن اشتهارها بزراعة "القمح والشعير والباقلاء وسائر الحبوب"[8]، أما مدينة إشبيلية فقد كانت محاطة بغابة من شجر الزيتون، كما أُحيطت بمدينة مالقة أشجار التين، حتى إن "التين المالقي" اشتُهر في الآفاق، فصدّرت منه المدينة الأندلسية إلى الشام ومصر والعراق وربما وصل إلى الهند كما أخبر بذلك جغرافي الأندلس الحميري[9]!

 

واشتُهرت ولاية الغرب الأندلسي بزراعة البرتقال، حتى سُمي الإقليم بإقليم برتقال، وهي دولة البرتغال الآن (Portugal)، وفيها اشتُهرت زراعة الفواكه عامة، مثل التفاح والكمثرى التي وجدت في منطقة قلمرية. وهكذا ازدهرت الزراعة في الأندلس ما بين زراعات الحبوب والفواكه والخضروات وغيرها.
 

لقد زرع في الأندلس الشّعير والذرة والأرز والعدس والفول والبصل والفوم، والعنب والحمضيات والتين، والزبيب والتُّوت، والبنجر وأنواع الخضر، والتفاح والموز والبرقوق والكمثرى والمشمش والتين الشوكيّ والخوخ والرمان وقصب السكّر. وترعى دودة القزّ أوراق شجر التوت، كما زُرع الكتان[10].
 

التأليف الزراعي في الأندلس
هذه الشهرة الزراعية التي كان باعثها خصوبة الأندلس، ووفرة المياه العذبة بها، جعلتها كذلك مركزًا ثقافيًّا وعلميًّا في مضمار التأليف الزراعي؛ إذ لم تخلُ من مؤلفين في هذا الحقل، ولقوة ورسوخ الزراعة الأندلسية فقد بدأت تظهر مؤلفات زراعية متخصصة منذ القرن الرابع الهجري تصف حال الزراعة في الأندلس، وأوقاتها، وأهم حاصلاتها، مثل "تقويم قرطبة" لعريب بن سعيد القرطبي الذي أهداه إلى الخليفة الحكَم الثاني، فيه قوائم بالمواد الزراعية المدرجة في ختام كل شهر من شهور السنة، وأنواع الأشجار والجنانة والبَستنة، وتابعه كل من ابن عبد الجواد والزهراوي الطبيب الأندلسي الشهير.


وتصف المؤرخة الإسبانية "إكسبيراثيون سانشيز" القرن الخامس الهجري في الأندلس بقرن الثورة الزراعية الأندلسية؛ لأنه عقب تفسّخ الخلافة الأموية ونشوء ممالك الطوائف لم يتأخر الحكام الجدد في تقليد عادات الخلفاء المخلوعين، فكثرت الحدائق في كل قصر من قصور الحكم الجديد، وكان لكل واحدٍ من تلك البساتين عالِم في الفلاحة يُشرف عليها، ويذكر ابن الدلائي العذري المؤرخ والجغرافي المعاصر لتلك الحقبة (ت 477هـ/1085م) أن بخارج مدينة ألمرية على سبيل المثال -والتي كان يحكمها آل صمادح التجيبيون- ازدان قصرها بحديقة "متقنة البيان، غريبة الصنعة، وجُلب إليها من جميع الثمار الغريبة وغيرها، ففيها من كل شيء غريب مثل أنواع الموز المختلفة وقصب السكر وأنواع سائر الثمرات مما لا يقدر على صفته"[11]!
 
ابن العوّام الإشبيلي. (مواقع التواصل)


في القرنين الخامس والسادس الهجريين ظهرت أكبر وأهم نواة للرسائل الزراعية مثل رسائل ابن وافد وابن بصّال وأبي الخير وابن حجّاج والطغنري وابن العوّام. كان ابن بصّال واحد من أهم علماء الزراعة في الأندلس، وكان مشرفًا على حديقة نباتات الأمير المأمون في مدينة طُليطلة، على أن سقوط المدينة في يد الإسبان سنة 477هـ/1085م اضطر ابن بصّال للهجرة جنوبًا إلى إشبيلية حيث انضم إلى خدمة أميرها المعتمد بن عبّاد الذي أعانه بكل ما أراد، وترك له حديقة قصره لاستكمال ما بدأه في طُليطلة، بل استطاع ابن بصّال أن يستقطب حوله مجموعة من الشخصيات التي لها اهتمامات علمية متقاربة دانت له بالمهارة وعدّته أستاذًا لها؛ اعترافًا منها بمعارفه الزراعية الجمّة[12].
 

إن من الحقائق التي لا شك فيها أثر المسلمين في الزراعة الأندلسية؛ فإن كثيرًا من الغُزاة تخلفوا عن إخوانهم، واستقروا في تلك الأرض وزرعوها، ومن المعروف أن العرب حولوا وديان إسبانيا المجدبة إلى حدائق ورياض زاهرة، ونقلوا إليها مختلف الغراس من المشرق، وأنشأوا بها القناطر العظيمة. وقد حمل هؤلاء الغزاة المغامرون إلى جنوب فرنسا كثيرًا من خبرتهم الزراعية، ولقنوها لسكان تلك الأنحاء. ويقال إن "القمح الأسمر" الذي هو الآن من أهم محاصيل فرنسا إنما هو من مخلفات العرب، وهم الذين حملوا بذوره، وكانوا أول من زرعه بفرنسا، والمرجح أيضًا أنهم هم الذين حملوا فسائل النخيل من إسبانيا وإفريقية إلى شواطىء الريفييرا[13].

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار