انضم إلينا
اغلاق
السلطان جَقْمَق.. حِنكة خبير

السلطان جَقْمَق.. حِنكة خبير

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"إن هذا قد خالف الوصيَّة المُسندة إليه، وقبض على ابن استاذنا الذي هو السلطان، وهو الملك العزيز، مع أنه رجلٌ فقيه صوفي لا يصلح للسلطنة ولا لإقامة شعائر الرئاسة".

- المماليك الأشرفية في خطابهم لأمراء الشام في محاولة الانقلاب على السلطان جقمق.

يُعرف المماليك في التاريخ والحضارة بأنهم فرسان لم يشق لهم غبار؛ فهم الذين وقفوا أمام الغارة المغولية على العالم الإسلامي وتمكنوا من صدها، وهم الذين أعادوا إحياء منصب الخلافة العباسية ولو كان بصورة شرفية، ذاك المنصب الذي لطالما تجمّع الناس حوله في العالم الإسلامي، وهم الذين قضوا على آخر المعاقل الصليبية في المشرق من الساحل الشامي، وهم الذين حولوا منطقة مصر والشام إلى قلب العالم الإسلامي سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، لذا لم يكن من المستغرب أن يصفهم جيمس واترسون بأنهم "فرسان الإسلام"، بل إن عنوان كتابه عنهم كان بهذا الوصف أيضًا.

على أن هؤلاء المماليك أصابهم الوهن والضعف في العصر المملوكي الثاني الذي يبدأ مع صعود الظاهر برقوق سدة الحكم سنة 784هـ وينتهي بدخول العثمانيين الشام ثم مصر في عام 923هـ، لكن تجلى منهم تسعة من عظام السلاطين كان منهم السلطان الظاهر جقمق (842-857هـ/1438-1454م)، ذلك السلطان الذي بدأ عصره بعدة أخطار كادت تهوي به من رأس السلطة لولا خبرته العسكرية والسياسية الطويلة التي تعد بمنزلة الدليل لكل سياسي حاذق!

من هو الظاهر جقمق؟



جقمق
([أ]) مملوك من أصل جركسي جيء به من بلاد القوقاز، اشتراه أحد الأمراء في دولة السلطان الظاهر برقوق الثانية (792-801هـ)، وكان لجقمق شقيق أكبر منه هو الأمير جاركس المصارع أحد الأمراء الخاصكية المقربين من الظاهر برقوق، لقد توسّط جاركس لدى السلطان لشراء أخيه جقمق، والحق أن الجراكسة كان يتمنون في ذلك الوقت أن لو باعوا أولادهم للمماليك في مصر، نظرًا للمكانة الاجتماعية والعسكرية التي كان يصل إليها هؤلاء؛ لذا اشتراه برقوق ثم جعله جنديًّا في الثكنات العسكرية بقلعة الجبل بالقاهرة التي كانت تسمى "الطباق" حتى تخرّج منها منتظمًا في سلك الجندية المملوكية، ثم سرعان ما ألحقه بالمماليك الخاصكية (وهم الحرس السلطاني الخاص) واستمر في تلك الوظيفة حتى توفي الظاهر برقوق سنة 801هـ([1]).

كان جقمق محل ثقة السلطان برسباي الذي قرر تعيينه أخيرًا قائدًا على الحملة العسكرية التي خرجت سنة 839هـ لتأديب إمارة دُلغادر في الأناضول، وتمكنت هذه الحملة من تنفيذ المهام الموكلة لها


في سلطنة ولده الناصر فرج بن برقوق (801-815هـ) ترقى جقمق من الخاصكية إلى أن أصبح "ساقي" السلطان فرج الخاص، ثم رقّاه من الجندية وجعله أميرًا على عشرة أجناد، ثم نقم الناصر فرج عليه فسجنه مع أخيه جاركس المصارع بسبب التمردات والقلاقل التي اتسمت بها فترة سلطنته، لكن سرعان ما أُفرج عنه بواسطة الأمير تغري بردي والد المؤرخ الشهير جمال الدين بن تغري بردي.

في سلطنة المؤيد شيخ (815-824هـ) استمر جقمق في الترقي في الوظائف العسكرية في ذلك العصر، فأصبح أمير طبلخاناة (أمير 40 جندي)، ثم في سلطنة الملك المظفر أحمد بن شيخ (824هـ) أصبح أحد رؤوس الألوية العسكرية المملوكية "أمير مئة ومقدم ألف"، ولما ارتقى ططر (824 - 825هـ) سلطانًا ولاه نيابةَ قلعة الجبل، وكانت وظيفة مهمة مسؤوليتها حماية القلعة وتأمينها والإشراف على أبوابها([2]).

كما قرّبه بعد ذلك السلطان الأشرف برسباي (825-841هـ) وولاّه عدة وظائف مهمة في سلطنته، منها أمير آخور كبير "قائد الإسطبلات السلطانية" سنة 826هـ وظل مستقرًّا في هذه الوظيفة لمدة 11 سنة حتى سنة 837هـ، فعينه إذ ذاك أمير سلاح "رئيس مخازن الأسلحة"، وظل في هذه الوظيفة حتى عيّنه السلطان برسباي قيادة الجهاز العسكري المملوكي "أتابك العساكر" سنة 839هـ، واستمر على ذلك حتى وفاة السلطان برسباي سنة 841هـ([3]).

كان جقمق محل ثقة برسباي الذي قرر تعيينه أخيرًا قائدًا على الحملة العسكرية التي خرجت سنة 839هـ لتأديب إمارة دُلغادر في الأناضول، وتمكنت هذه الحملة من تنفيذ المهام الموكلة لها، كما أثبت جقمق أنه جدير بهذه الثقة، لذا جعله السلطان برسباي وصيًّا على ولده يوسف في سلطنته من بعده، فأصبح جقمق "نظام الملك" أي الرجل الأول في الدولة منذئذ حتى تمكن من خلع العزيز يوسف في ربيع الآخر سنة 842هـ([4]).

القضاء على المؤامرات



ارتقى جقمق سدة السلطنة وقد لُقّب بالملك الظاهر، وهو لقب أستاذه ومعتقه السلطان الظاهر برقوق، والحق أن عصر السلطان جقمق تميز بالهدوء والسكون بالرغم من بعض المحاولات الانقلابية التي جرت في بداية سلطنته والتي استطاع أن يقضي عليها.

كانت أولى هذه المحاولات من قائد الجيش، لقد كان الأمير قرقماس الشعباني([ب]) أمير سلاح (قائد الأسلحة والذخيرة) قد عاد من الحملة العسكرية التي أُرسلت لتأمين الأوضاع على الجبهة الشامية قبيل وفاة الأشرف برسباي سنة 841هـ، وعاد قرقماس وشاهد القلاقل التي كان يقوم بها المماليك الأشرفية ضد جقمق، وما أحدثته من تمزيق للدولة أو كادت، فنصحه مرارًا بخلع العزيز يوسف لصغر سنّه وسلطنة نفسه، وكان قرقماس سيء النية من وراء ذلك؛ إذ أراد أن يقضـي الأشرفية على جقمق بالكلية فيتمكن إذ ذاك من تنفيذ مآربه وعلى رأسها الوثوب إلى عرش السلطنة.

لذا حينما وافق جقمق على خلع العزيز يوسف سنة 842هـ، ومكّن لنفسه بالقبض على بعض كبار الأمراء الأشرفية الموالين للعزيز ممن تمردوا عليه آنفًا، أعلن قرقماس خروجه عن الطاعة بعدما لجأ إليه أغلب هؤلاء المماليك الأشرفية!

لقد خرج قرقماس الشعباني على جقمق الذي منحه أكبر وظيفة في العسكرية المملوكية وهي قيادة الجيش مع زيادة إقطاعه العسكري، لكنه لم يرض بذلك حيث كانت نفسه تطمح إلى السلطنة من قبل أن يُخلع العزيز يوسف بن برسباي([5]).

واجه الظاهر جقمق تمردين آخرين في الشام من أكبر نوابها، وهما الأمير إينال الجكمي نائب (حاكم) دمشق، والأمير تغري برمَش نائب (حاكم) حلب

مواقع التواصل الإجتماعي
 

وقد استغلّ قرقماس غضب المماليك الأشرفية فسارع بالخروج على السلطان جقمق في يوم السبت 29 ربيع الآخر بعد عشرة أيام فقط من سلطنة الظاهر، فأمر جقمق بخروج مماليكه والموالين له من كبار الأمراء الجراكسة من الظاهرية([ج])والمؤيدية([د])والناصرية([ه])لقتالهم، واستمر القتال طيلة ذلك اليوم حتى قُبض على قرقماس وعدد كبير من الأشرفية([6])، "ولم يكن له مجال للاعتذار، ولا له متشبث ولا متعلق فيما ارتكبه، فأُرسل إلى الإسكندرية وادُّعي عليه بأشياء مُخالفة للشرع الشريف... وطُلب القصاص منه، فحُكم بإراقة دمه، فأُجري عليه حكم الله تعالى في إسكندرية"([7]).

واجه الظاهر جقمق تمردين آخرين في الشام من أكبر نوابها، وهما الأمير إينال الجكمي نائب (حاكم) دمشق، والأمير تغري برمَش نائب (حاكم) حلب، ذلك أن الأمراء الأشرفية الناقمين من الظاهر في القاهرة أرسلوا إلى نائبي حلب ودمشق قائلين: "إن هذا -يعنون مولانا السلطان- قد خالف الوصيَّة المُسندة إليه، وقبض على ابن استاذنا الذي هو السلطان، وهو الملك العزيز، مع أنه رجلٌ فقيه صوفي لا يصلح للسلطنة ولا لإقامة شعائر الرئاسة... وقد رأيتم كيف فتك بإخوتنا من الأشرفية وبرؤوس الأمراء، فإن صبرتم على هذا فقد أهنتم أنفسكم وأهنتمونا، وربَّما يتعدَّى إليكم منه ما تكرهون، وإن وافقتمونا على شيء فنحن مُنتظرون لما تبرُز به مراسيمكم، ومُتكفِّلون بجميع ما تُشيرون به؛ فإنا نقدر أن نوقع به فعلًا كيفما أردنا؛ لأنه يمكن الوصول إليه في كل وقت، وإيقاع الفعل به من غير مشقة"([8]).

أرسل الظاهر جقمق الجيش المصري وعلى رأسه الأمير أقبغا التمرازي([و]) الذي عيّنه نائبًا على الشام، فتمكنت القوات المملوكية المصرية بإنزال الهزيمة بإينال الجكمي في ذي القعدة سنة 842هـ، فقبضت عليه ثم تمكن أمراء حلب من القبض على تغري برمش، وتم القضاء على الخصمين اللدودين في ذي الحجة من نفس العام، وبذلك تخلص الظاهر جقمق من أعدائه الثلاثة الكبار قرقماس وإينال وتغري برمش، فضلًا عن تشتيته للمماليك الأشرفية، كل ذلك في العام الأول من سلطنته، الأمر الذي منح مدة سلطنته الهدوء والسكون، وفي هذه الأحداث الماضية نرى حنكة خبير في إدارة شؤون البلاد في أشد أوضاعها صعوبة واضطرابًا.

----------------------------------------------------------------------------------------------

المراجع

(أ) جقمق كلمة تركية تعني الزند أو القداحة وكانت بمثابة السلاح آنذاك. عبد الله عبد الحافظ: معجم أسماء سلاطين وأمراء المماليك في مصر ص87.

(ب) من مماليك الظاهر برقوق، أعتقه ولده الناصر فرج بن برقوق، ترقى في الوظائف العسكرية من الدوادارية الصغرى إلى أمير عشرة، إلى أمير مئة مقدم ألف، إلى قائد الحملة العسكرية المملوكية في مكة في أواخر سلطنة المؤيد شيخ، ثم في سلطنة برسباي أصبح نائب حلب ثم أمير سلاح "قائد الأسلحة والذخيرة"، وفي سلطنة الظاهر جقمق أصبح قائد الجيش المملوكي "أتابك العساكر"، وظل في منصبه هذا لأيام، حتى أعلن انقلابه على الظاهر، لكن الأخير تمكن منه، وقبض عليه وقتله في سجن الإسكندرية في 12 ربيع الآخر سنة 842هـ، اشتهر بالكبر والتضخم، حتى اشتهر بـ "أهرام ضاغ" أي جبل الأهرام لتكبره. السخاوي: الضوء اللامع 6/219، 220.

(ج) نسبة إلى أستاذهم الظاهر برقوق.

(د) نسبة إلى أستاذهم المؤيد شيخ.

(ه) نسبة إلى أستاذهم الناصر فرج.

(و) آقبغا العلاء التمرازي، مولاه العلاء التمرازي من مماليك وعتقاء الظاهر برقوق، ترقى في الوظائف العسكرية والسياسية إلى أن أصبح أمير مجلس ثم نائب الإسكندرية في سلطنة الأشرف برسباي، وفي سلطنة الظاهر جقمق أعاده إلى وظيفته "أمير مجلس" أي رئيس المجلس السلطاني، ثم أقرّه نائب السلطنة على الشام "دمشق"، وظل في تلك الوظيفة حتى توفي أثناء لعب الكرة والرمح مع مماليكه في 6 ربيع الآخر سنة 843هـ. السخاوي: الضوء اللامع 2/316، 317.

مئوية سايكس بيكو

آخر الأخبار