انضم إلينا
اغلاق
دانية الأندلسية.. مدينة التّين الضائعة!

دانية الأندلسية.. مدينة التّين الضائعة!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"مدينة بشرقي الأندلس. على البحر عامرة حسنة، لها ربض عامر، وعليها سور حصين، وسورها من ناحية المشرق في داخل البحر قد بنى بهندسة وحكمة؛ ولها قصبة منيعة جداً، وهي على عمارةٍ متصلة، وشجر تينٍ كثيرة، وكُروم؛ والسفن واردة عليها، صادرة عنها، ومنها كان يخرج الأسطول إلى الغزو، وبها ينشأ أكثره لأنها دار إنشاءٍ؛ وفي الجنوب منها جبل عظيم مستدير، وتظهر من أعلاه جبال يابسة في البحر".

(الحميري في "صفة جزيرة الأندلس")

 

دانية: تاريخ من التعاقب السياسي

خضعت مدينة دانية شأن معظم بلاد الأندلس إلى الحكم الإسلامي قبيل انقضاء القرن الأول الهجري، ثم ما لبثت أن خضعت لحكم الأمويين، وحين انقضت الدولة العامرية، وبدأت الفتنة الكبرى بين البربر ومؤيدي الحكم الأموي من العرب وغيرهم منذ سنة 399هـ في العاصمة قرطبة، والتي على إثرها انفلتت عرى المدن الأندلسية، ونشأ حكم الطوائف، كان الفتيان العامريون، منذ اضطرام تلك الفتنة، قد استقروا بشرقي الأندلس، واستولى كثير منهم على الثغور الشرقية، وفي مقدمتهم مجاهد العامري الذي استولى على دانية والجزائر الشرقية[1]. وتتكون الجزائر الشرقية -سميت بجزائر البليار- من أربع جزائر هي مِنُورقة، وميورقة وهي أكبرها، وبها مدينة ميورقة وهي عاصمة الجزائر كلها، ويابسة، وفرمنتيرا، وهي أصغرها.

سار مجاهد العامري في أسطوله إلى مياه قورسقة وسردانية، وغزا سردانية الإيطالية واحتل بعض أنحائها (سنة406ه/1015م)، ولكن النصارى استردوها بعد قليل

غيتي

لقد ظهر منذ ذلك الحين زعيم أندلسي جريء هو مجاهد العامري كأحد أمراء الطوائف، وصب جل اهتمامه بادئ الأمر بالغزوات البحرية على خلاف أمراء الطوائف الآخرين الذين اهتموا بأمورهم الداخلية، وحروبهم الأهلية، بل وتوسيع الشقة والخلاف بينهم بعد سقوط الأمويين. لقد سار مجاهد في أسطوله إلى مياه قورسقة وسردانية، وغزا سردانية الإيطالية واحتل بعض أنحائها (سنة 406ه/ 1015م)، ولكن النصارى استردوها بعد قليل.

 

ولبث مجاهد العامري الذي تسميه الرواية النصرانية "موسيتو" أو "موجيتوس" مدى حين سيد هذه المياه، يبث فيها بحملاته الرعب والروع قرب إيطاليا وسواحل فرنسا، حتى اضطر إثر تقهقره في سردانية وأسر أولاده وزوجته وأمه الإسبانية إلى الانكفاء على وضعه في الداخل الأندلسي[2].

 

وقد توفي مجاهد العامري سنة 436هـ بعد حكم دام ثلاثين سنة، تاركًا خلفه ولدين متصارعين على الحكم هما علي الأكبر والحسن، فقد كان مجاهد حين غزا جزئرة سردانية قرب السواحل الإيطالية قد أخذ معه زوجه وبناته وولده علي وأمه، فلما استرد الإيطاليون الجزيرة قبضوا على أسرته كلها، وظل ابنه علي في الأسر مدة 10 سنوات كاملة، كان خلالها مجاهد قد ولد له ابنه الثاني الحسن الذي ولاه العهد، لكن رجوع علي جعل مجاهدًا يعدل عن هذه الرغبة ويرفع من شأن علي، وهو ما تم حين توفي سنة 436هــ، فاصبح علي الملقب "إقبال الدولة" صاحب دانية والجزائر الشرقية "البليار" الجديد، الأمر الذي جر عليه نقمة أخيه الحسن الذي حاول اغتياله لكنه فشل في ذلك.

 

وفي عصر علي بن مجاهد العامري شاعت الحرية الدينية والفكرية في دانية، ولعل ذلك كان عائدًا إلى نشأته الأولى في جزيرة سردانية التي اعتنق فيها النصرانية في بداية الأمر قبل أن يفتكّ من الأسر ويعود إلى الإسلام وإلى حكم دانية، بل إنه سمح بذكر أسقف برشلونة في كنائس المدينة ونواحيها، وفي ظل هذه الحربة انطلقت الأقلام بما شاءت؛ فقد كتب أبو عامر أحمد بن غرسية، وهو مولّد من كتاب شرقي الأندلس، يرجع إلى أصل نصراني بشكنسي، سبي من ماردة صغيراً، ونشأ في بلاط دانية، في كنف مجاهد العامري صاحب مملكة دانية والجزائر (400-436هـ)، وولده على اقبال الدولة (436-468هـ)، كتب رسالته الشهيرة في تفضيل العجم على العرب، وهي رسالة قوية عجيبة، تفيض تحاملا ضد الجنس العربي، وترفع من شأن العجم وهم سائر الإفرنج من الإسبان والأوروبيين، وسمح بها "إقبال الدولة" دون تدخل أو تعليق[3]!

ثار المسلمون سنة 1254م على حكم الأرغوني الاستبدادي تحت زعامة رجل اسمه الأزرق، واستولوا على عدد من الحصون بين شاطبة ودانية ولقنت

بيكساباي 

سقطت دانية في يد بني هود حكام سرقسطة إثر هزيمة علي بن مجاهد سنة 468هـ، ثم حكمها المرابطون ثم الموحدون، وظلت على ذلك حتى عادت بعض الوقت إلى حكم بعض الولاة المحليين من بني هود قُبيل سقوطها النهائي، والذي تم سنة (641هـ/1244م) على يد "خايمي الأول" ملك أراغون؛ فقد عزم آنذاك على الاستيلاء على مدن شرق الأندلس بالكلية، وهو ما تم له بنسبة كبيرة[4].

 

على أن المسلمين لم يرضوا بهذا الحكم الاستبدادي الأرغوني الذي عانوا مرارة الاضطهاد فيه، وأمام هذه المعاملة السيئة والغدر الصريح للمعاهدات ثار المسلمون سنة 1254م تحت زعامة رجل اسمه الأزرق، واستولوا على عدد من الحصون بين شاطبة ودانية ولقنت، وسيطروا على الجبال الواقعة جنوب نهر شقر فتوجه خايمي الأول على رأس جيش إلى بلنسية، وعقد فيها مجلس النواب "الكورتس" الذين قرروا طرد المسلمين من مملكة أراغون، وسمحوا لهم أن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم وأمتعتهم. فشجع ذلك المترددين من المسلمين على الانضمام إلى الثورة. فاندلعت الثورة شمال نهر شقر، وانضم المطرودون إلى الثوار واستولوا على 12 حصنًا، لكن مسلمي مدينة بلنسية وضواحيها ودانية فضلوا النزوح إلى مُرسية على الثورة. ودامت الثورة بمساعدة مملكة غرناطة بين مد وجزر إلى سنة 1257م حيث اضطر الأزرق وباقي المسلمين إلى الاستسلام على أن ينزح من أراد من قواد الثورة إلى غرناطة ويبقى من يريد البقاء في أرضه دون أن يشمله الطرد[5].

 

أعلام دانية
من داخل قصر الحمرا (غيتي)


سكن دانية عدد من كبار علماء الأندلس في العلوم الشرعية واللغوية، منهم أبو غالب اللغوي الذي انتشر صيته، وذاعت شهرته في المشرق والمغرب؛ فقد ألّف كتابا، فبذل له مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار ومركوبا وكسا على أن يجعل الكتاب باسمه، فلم يقبل ذلك أبو غالب وقال: كتاب ألّفته لينتفع به الناس، وأخلّد فيه همتي أجعلُ في صدره اسم غيرى، وأصرف الفخر له؟! لا افعل ذلك. فلما بلغ هذا مجاهدًا استحسن أنَفته وهمّته وأضعفَ له العطاء وقال: هو في حِل من أن يذكرني فيه لا نصدّه"[6].

 

ومن أعلام دانية "أحمد بن طاهر بن علي بن عيسى الأنصاري، كانت له عناية بالحديث ولقاء الرجال والجمع. وحدَّث. وتوفي في نحو العشرين وخمس مائة[7]، ومن سكان دانية المشتهرين أيضًا سليمان بن أبي القاسم نجاح: مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله (ت496هـ) "وكان من جلة المقرئين وعلمائهم وفضلائهم وخيارهم. عالماً بالقراءات ورواياتها وطرقها حسن الضبط لها"[8]، أما أشهر أعلام دانية بالمطلق فهو الإمام أبو عمرو الداني، إمام القراءات الأشهر، ذلك الرجل الذي لا تزال مؤلفاته في علم القراءات تتعاقب على تعليمها وتدريسها الأجيال منذ ألف سنة حتى يومنا هذا، وأبو عمرو الداني اسمه عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي، أخذ من شيوخ سرقسطة وقرطبة وبجانة واستجة وغيرها، ورحل إلى المشرق حاجًا سنة 397هــ، وعاد فاستقر بمدينة دانية شيخًا معلمًا له قيمته وشأنه ومكانته العظمى حتى وفاه الأجل بها سنة 444هـ، وخرج في جنازته ملك دانية والجزائر علي بن مجاهد[9].

 

سُكان دانية
قصر الملوك المسيحيين، والذي لايزال على الطراز الإسلامي (غيتي)


سكن العرب مدينة دانية بأعداد كبيرة، كما سكن البربر القرى المحيطة بها، ومعهم سكن الموالي وهم العناصر الداخلة إلى الأندلس مع بني أمية، وكانوا في الغالب من الشوام وغيرهم، ومن المرجح أن نسبة تواجدهم في دانية كانت ضئيلة، وقد وصل بعض هؤلاء الموالي بعض المناصب المهمة في المدينة مثل أحمد بن رشيق الكاتب وزير الأمير مجاهد العامري الذي كان من موالي بني شهيد، فقد نشأ في مُرسيّة ثم انتقل إلى قرطبة وغادرها وقت الفتنة في مستهل القرن الخامس الهجري إلى دانية حيث عيّنه مجاهد وزيرًا له، وكان من المأثورين لديه، الحائزين على ثقته[10].

 

احتوت المدينة كذلك على المستعربين من النصارى الإسبان الذين انصهروا مع ثقافة الفاتحين فصاروا يتكلمون باللسان العربي، ومن المرجح أن أعدادهم كانت كبيرة نوعًا ما؛ فقد احتوت المدينة على أسقفية كبيرة في عهد الرومان، وقد تمتع هؤلاء بحرية كبيرة في عصر بني مجاهد، خاصة علي بن مجاهد كما مرّ بنا.

 

أما اليهود فقد كانوا قلّة قليلة في المدينة، وبرز منهم الطبيب إسحاق بن قسطار الذي عمل في بلاد مجاهد العامري، وقد لاقوا في عصر المرابطين تسامحًا من الحكام، بل عملوا في جباية الضرائب، وإن لاقوا شدّة وعنتًا في عصر الموحّدين[11].

 

لقد كانت دانية إحدى قواعد الإسلام في شرق الأندلس، تعاقب على حكمها الفاتحون المسلمون والأمويون ثم ملوك الطوائف من بني مجاهد وبني هود والمرابطون والموحدون ثم ما لبثت -نتيجة الضعف والشقاق- أن سقطت في يد مملكة أراغون في منتصف القرن السابع الهجري بالتقريب، لقد كانت المدينة جنة من جنان الأندلس العامرة، حيث اشتهرت بكثرة زراعات التين واللوز والعنب، ويصدق عليها أن تُسمى مدينة التين الأندلسية الضائعة!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار