انضم إلينا
اغلاق
المقريزي والتاريخ قصةُ عشق فريدة

المقريزي والتاريخ قصةُ عشق فريدة

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

"له النظم الفائق والنثر الرائق والتصانيف الباهرة وخصوصاً في تاريخ القاهرة، فإنه أحيا معالمها وأوضح مجاهلها وجدّد مآثرها وترجم أعيانها".

(العلامة ابن حجر العسقلاني في وصفه للمؤرخ العلامة المقريزي)

 

في العام 766هـ/1365م ولد أحمد بن علي المقريزي بحارة برجوان في حي الجمالية بالقاهرة، وهي ناحية من أعظم نواحي القاهرة امتلاءً بالعمران والصخب وضوضاء الحياة[1]، وكان والده وجده من أصول بعلبكية، فقد جاء والده من بعلبك لتولي وظيفة في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وهي بمثابة وزارة الخارجية اليوم وظل في هذه الوظيفة حتى وفاته سنة 786هـ/1384م، ونسبة المقريزي تعود إلى حارة المقارزة في مدينة بعلبك آنذاك، وكان جده لأمه شمس الدين بن الصايغ فقيهًا حنفيًا على قدر من العلم والخلق والتواضع، فنشأ الفتى المقريزي حافظًا لكتاب الله ودارسًا للحديث النبوي، لكن استهواه التاريخ فملك لبّه وفؤاده.
 

كانت مصر المملوكية حين ولد المقريزي وحين شبّ تمر بمرحلة انتقالية من حكم الأسرة القلاوونية التي كان قد استولى على شؤونها كبار أمراء الجيش من المماليك، وقد اتسمت الفترة التي ما بين وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة 741هـ/1341م، واعتلاء الظاهر برقوق سنة 784هـ/ 1382م، اتسمت بالتعاقب السريع لأولاده وأحفاده على الحكم، فضلاً عن ابتلاء البلاد بفتنة الطاعون الكبير، وهو طاعون القرون الوسطى الذي ضرب الشرق الأوسط وأوروبا سنة 748، 749هـ/1349م، وقد أفنى الملايين من البشر؛ لذا صارت مصر في تلك الأثناء مبتلاة بمصيبتين، مصيبة الاضطراب السياسي ووباء الطاعون الذي أهلك العباد وجعل البلاد خرابًا سنين عددًا.
 

لقد كان المذهب الشافعي هو المذهب السائد في الأوساط الشعبية في مصر والشام، وعلى الرغم من اعتراف السلطات بالمذاهب السنية الأخرى الحنفية والمالكية والحنبلية، إلا أن الشافعية تميزوا بعض الشيء عن أقرانهم من فقهاء وقضاة المذاهب الأخرى، فقد كانوا متغلغلين في مفاصل الجهاز الإداري للدولة، وكان لعلمائهم صيت ذائع وشهرة بالغة في الآفاق؛ لذا وعلى الرغم من أن والده وجده كانا حنبليين وجده لأمه كان حنفيًا، أصبح المقريزي وهو في العشرين من عُمره شافعيًا.
 


لقد نشأ المقريزي محبًا للعلم والمعرفة والاجتهاد وحضور مجالس الأشياخ، وكانت القاهرة آنذاك مركز العالم القديم سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، يقول الرحالة ايمانويل بيلوتى عن ذلك "إن من له السيادة في القاهرة يمكنه أن يُسمي نفسه أيضًا رب العالم المسيحي وسيده، ورب جميع الجزر والبلاد التي تنتج التوابل"[2]!
 

بل تصف الباحثة في العصر المملوكي دوريس أبو سيف في إحدى مقابلاتها أن التعليم والبحث العلمي في مصر المملوكية بلغ حدًا من التقدم وصلت فيه نسبة الباحثين مقارنة بعامة الناس إلى فرد من كل ثلاثة أشخاص، ممّن كان منخرطًا في المجال العلمي[3]!
 

في سنة 1430م رحل المقريزي وعائلته حاجًا إلى مكة المكرمة ومجاورًا بها، واستمرت مجاورته لهذه المدينة المقدسة لمدة خمس سنوات كاملة، اشتغل بها في تلك الأثناء بتدريس الحديث وبالتأليف في التاريخ

في ظل تلك الأجواء تعلم المقريزي الفقه والحديث والأدب والبلاغة وغير ذلك من علوم عصره، فبلغ عدد شيوخه كما يحصيهم السخاوي ستمئة شيخ/أستاذ[4]، وهو رقم يُدلل على المكانة التي بلغها المقريزي في فضاء العلوم التاريخية لم تكن من فراغ، وإنما في بيئة ساعدت على نمو العلوم والفنون وعلى رعاية الموهوبين وتنميتهم.
 

وكان ممن التقاهم المقريزي وأخذ عنهم العلامة ابن خلدون الذي قدم من بلاد المغرب مستقرًا في مصر في أخريات عُمره، وقد أُعجب المقريزي بابن خلدون إعجابًا لافتًا، وكثيرًا ما نراه في كتابه "السلوك" واصفًا إياه بـ"شيخنا"[5]، وفي "الخطط" يُسميه "شيخنا العالم العلامة الأستاذ قاضي القضاة وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ الإشبيلي"[6].
 

صار المقريزي بمرور الوقت مرموق الجانب معروفًا في الأوساط السياسية والعلمية، فتولى وظيفة حسبة القاهرة ومهمتها التفتيش على الأسواق ومراقبة الأخلاق العامة، ثم تولى نظر الجامع الحاكمي في شمال القاهرة، ثم الخطابة في جامع عمرو بن العاص، وعرض عليه تولي القضاء إلا أنه رفض هذه الوظيفة بصورة قاطعة، وولي التدريس في عدة مدارس بمدينة دمشق، كما تولى نظارة الأوقاف على البيمارستان النوري "مستشفى نور الدين محمود بدمشق" لبعض الوقت.
 

وفي سنة 1430م رحل المقريزي وعائلته حاجًا إلى مكة المكرمة ومجاورًا بها، واستمرت مجاورته لهذه المدينة المقدسة لمدة خمس سنوات كاملة، اشتغل بها في تلك الأثناء بتدريس الحديث وبالتأليف في التاريخ[7]، لكنه بعد فترة من الانشغال بالوظائف الديوانية والقضائية أعرض عن الأمر بالكلية، وقرر الاعتكاف لإخراج مشاريعه التي طالما حفّز نفسه على الانشغال بها، وقد كان هذا الاعتكاف من حُسن صنيعه وحظّنا.

 

أعمال المقريزي



بلغت مؤلفات تقي الدين المقريزي مئتي عمل أغلبها في التاريخ، فمن أهم أعماله "عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط" في تاريخ مصر من الفتح العربي الإسلامي إلى قُبيل تأسيس الدولة الفاطمية، وكتاب "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا" في تاريخ مصر زمن الفاطميين.
 

ثم رأى أن يصل تاريخ مصر حتى عصره فكتب "السلوك لمعرفة دول الملوك" وجعله في "ذكر من ملك مصر من الملوك الأكراد الأيوبية والسلاطين المماليك التركية والجركسية"، وله أيضا "البيان والإعراب عما في أرض مصر من الأعراب"، و"الإلمام فيمن تأخّر بأرض الحبشة من ملوك الإسلام"، و"الطُّرفة الغريبة في أخبار حضرموت العجيبة"، و"معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم"، وغير ذلك من الكتب التي بزغ فيها نجم المقريزي عالمًا محققا متفننا[8].
 

اهتم المقريزي في هذه الأعمال بتأريخ الحوادث السابقة عليه وحتى عصره، ويلاحظ أن الكثير من المصادر التاريخية التي اعتمد عليها المقريزي في عداد المفقود اليوم؛ لذا فإن أعماله تتسم بالأهمية الشديدة، خاصة في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" وهو أعظم عمل طبوغرافي للقاهرة في عصرها الوسيط.
 

اهتم المقريزي كذلك بالنشاطات الاقتصادية وتجلى ذلك في مؤلفات أو رسائل متخصصة تعالج موضوعات اقتصادية أهمها كتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة"، وكتاب "الأوزان والأكيال الشرعية"، وكتاب "شذور العقود في ذكر النقود"، هذا فضلاً عن تتبعه للِشأن الاقتصادي في مؤلفاته الأخرى مثل "السلوك"، فقد حرص على تدوين حركة أسعار السلع التجارية وأسعار صرف العملات، ووقف على أسباب الأزمات الاقتصادية في عصره، وظاهرة التضخم التي عدّها وبالاً على المجتمع في العصر المملوكي، وقد ترجم للصناع والتجار بجوار تراجمه لعلماء وفقهاء عصره في كتابيه المشهورين "المقفّى الكبير"، و"درر العقود الفريدة"[9].

 


إن مما يُمتع القارئ أيضًا في أعمال المقريزي وقوفه على الأوضاع الاجتماعية لأحوال المصريين في القرنين الثامن والتاسع الهجريين (الخامس عشر الميلادي)، تلك العادات التي لا تزال متأصلة فيهم إلى اليوم، ففي عيد الفطر يحرص المصريون -ولا يزالون- على صناعة الكحك /الكعك والخشكنانج (نوع من الخبز يُعمل بالزبد والسكر واللوز والفستق وهو على شكل الهلال).
 

ويخبره خادمه محمد بن السعودي -وكان خياطًا يعمل في درب الأتراك قرب الجامع الأزهر بوسط القاهرة- أنه "في أعوام بضع وستين وسبعمئة للهجرة بدرب الأتراك، كنت أعاني صناعة الخياطة، فجاءني في موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخَشْكَنانج على عادة أهل مصر في ذلك، فملأتُ زيرا كبيرا كان عندي مما جاءني من الخشكنانج خاصة لكثرة ما جاءني من ذلك، إذ كان هذا الخُط (الحارة) خاصّا بكثرة الأكابر والأعيان"[10].
 

لقد كان المقريزي عاشقًا للتاريخ أفنى عمره في دراسته وجمع تفاصيله ومظانه ومعلوماته من مصادرها، يقول العلامة ابن حجر فيه "وكان لكثرة ولعه بالتاريخ يحفظ كثيرا منه، وكان إماما بارعا مفننا متقنا ضابطا دينا خيرا"[11].
 

أما تلميذه الأشهر المؤرخ جمال الدين ابن تغري بردي فيقول عن شيخه المقريزي "كان إماماً مفنناً كتب الكثير بخطّه وانتقى أشياء وحصّل الفوائد، واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره، حتى صار به يُضرب المثل، وكان له محاسن شتى ومحاضرة جيدة إلى الغاية لا سيّما في ذكر السلف من العلماء والملوك وغير ذلك، وكان منقطعاً في داره ملازماً للعبادة والخلوة، قلَّ أن يترددَ إلى أحد إلا لضرورة"[12].
 

وبقي العلامة المقريزي على هذه الحالة من الخلوة والانقطاع في التأليف في موضوعات التاريخ والسيرة النبوية حتى وافاه الأجل في السادس والعشرين من رمضان سنة 845هـ/1441م عن عُمر ناهز الثمانين، تاركًا خلفه إرثًا قلّما جاء به مؤرخ آخر.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار