انضم إلينا
اغلاق
أبو طاقية: شاهبندر تجار القاهرة العثمانية (1)

أبو طاقية: شاهبندر تجار القاهرة العثمانية (1)

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

في العام 923هـ/1517م سقطت دولة المماليك ودخل السلطان العثماني سليم الأول إلى القاهرة، وبذلك أضحت مصر ولاية عثمانية منذ ذلك الحين، واستمرت على ذلك لأربعة قرون تالية، ومن اللافت أن القرنين السادس عشر والسابع عشر، لم يحظيا بتواريخ محلية أو حولية على نفس الدرجة التي رأيناها من قبل في العصر المملوكي؛ لذا تتعدد الاستفسارات عن الأوضاع الاجتماعية لسكان الأقطار العربية في العصر العثماني، وعن طبقات الحرفيين والصناع والتجار، كيف عملوا؟ وماذا أنتجوا؟ وكيف كانت علاقات العمل، وروابط الصداقة والزمالة في ذلك الزمن؟

 

ولاية مصر العثمانية
لقد أصبحت إدارة مصر -وفقا للتقليد العثماني- مرتكزة على ثلاث ركائز أساسية، هي الحاكم والقاضي وقوات الانكشارية، وكان الحاكم /الوالي الذي تُسند إليه شؤون مصر يشغل درجة وزير ويحمل لقب باشا، وذلك بسبب أهمية مصر لكثرة سكانها ولأهميتها الاقتصادية والمالية ولتأثيرها الثقافي[1].

 

وكان اختصاص القضاة شاملاً إلى حد بعيد وتُبين السجلات (الدفاتر) المحفوظة من ذلك العصر تفاصيل نشاط هذه المحاكم، والتي تشمل الأحوال الشخصية (الميراث والطلاق) والدين والآداب، والشؤون القضائية بحصر المعنى (القضاء المدني والجنائي)، والمسائل المتعلقة بالأنشطة المهنية والاقتصادية، والمعاملات العقارية؛ والمشاكل المرتبطة بإدارة المدينة وبالتعمير (جميع أنواع المضايقات والتكدير)؛ وإدارة الأوقاف، وكان نفوذ القضاة يمتد حتى إلى المجال السياسي؛ إذ كان من بين أعضاء الديوان العالي أربعة مفتين والقاضي الذي يشارك أيضًا في الديوان العادي، وكان القضاة يتحققون من تنفيذ أوامر إستانبول، ومن توافق نشاط السلطات مع الشريعة الإسلامية التي يحرصون عليها[2].


وقدر عدد الحرفيين والتجار بحوالي 150 ألفًا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وكانوا هم العمود الفقري للعنصر المنتج اقتصاديًا في القاهرة، ولما كانوا منتظمين في طوائف فإن المؤرخين الحوليين يُطلقون عليهم أهل الحرف أو "المتسببون"، أهل المهن وتجار القطاعي.
 

لقد كان هناك تمايز اقتصادي كبير داخل هذه الطبقة؛ إذ كان التجار أكثر يسرًا عموما من الحرفيين؛ بل إن بعض التجار كانوا يملكون قرى ريفية يؤدون عليها ضريبة للسلطات العثمانية في مصر كانت تُسمى "الالتزام"[3].

 

وقد كان للطائفة في مصر في العصر العثماني جهازها الإداري، وكان هذا التنظيم هرميًا؛ حيث يأتي على رأس الطائفة "شيخ الطائفة"، والأصل في اختياره انتخاب المعلِّمين في الطائفة، ثم الكتخدا أو الوكيل ثم النقيب ثم الكاتب ثم الجابي؛ أي الشخص الذي يقوم بجمع الضرائب المقررة على كل محل من محلات الطائفة[4].

 

أبو طاقية
ويأتي كتاب "تجار القاهرة في العصر العثماني سيرة أبو طاقية شهبندر التجار" كدراسة مهمة وطريفة للدكتورة نيللي حنا، فقد استغرقها جمع مادة الكتاب وتأليفه ما يقرب العشر سنوات قامت خلالها بتمشيط الوثائق التاريخية؛ لتعيد تكوين صورة المجتمع المصري عند أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، دحضت فيها الآراء التي ذهبت إلى أن مصر وبلاد الدولة العثمانية عانت من الركود الاقتصادي والجمود الحضاري، والاضمحلال الثقافي من خلال تقديم صورة حية للواقع الاقتصادي في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر.

 

واعتمدت الدكتورة نيللي حنا على سجلات المحاكم الشرعية في القاهرة، تلك المحاكم التي عدت مصدرًا ثمينًا بلا منازع لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي؛ لاحتوائها على مادة تتصل بالحياة اليومية في المدينة، بمختلف مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والتجارية، لقد كانت ثمة عوامل شجعت الناس على استخدام المحاكم استخدامًا كثيفًا، فقد كانت العدالة بسيطة وسريعة، وكانت متاحة لعامة الناس بصورة مباشرة، ولم يكن المدعي بحاجة إلى محام يتوسّط بينه وبين القاضي، ولم يحتج الناس أن ينتظروا شهورًا حتى يوم الفصل في دعاويهم؛ إذ كان التقاضي عمليًا جدًا.
 

فأقيمت عدة قاعات للمحاكم في مختلف أحياء المدينة، وزّعت جغرافيًا بشكل جعلها في متناول الناس من سكان المدينة، وكان بكل محكمة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكان من حق المدعي أن يختار القاضي الذي ينظر دعواه، وقد يتجه الشخص الواحد للقاضي الحنبلي عندما يشتري أو يستأجر، وللقاضي الحنفي عندما يعقد زواجًا، فلم يكن هناك إلزام على الناس بالتعامل مع مذهب معين[5].

 


 

أما إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار في القاهرة العثمانية؛ فهو رجل تعود أصوله إلى مدينة حمص في بلاد الشام، وفد إلى القاهرة مع والده أحمد أبو طاقية فى النصف الثاني من القرن السادس عشر إلى القاهرة بحثاً عن فرص أوسع للتجارة، وعن موضع قدم بين كبار رجال المال في هذه المدينة المتوهجة تحت الحكم العثماني.
 

وسرعان ما تولى إسماعيل دفة التجارة بعد وفاة والده؛ ليصبح واحداً من جيل فريد من رجال الأعمال الذين أسسوا في تلك الفترة ما يعرف بالرأسمالية الإسلامية، وليوصف بعين أعيان التجار بالديار المصرية والأقطار اليمنية والبلاد الحجازية والشامية، وليتولى موقع شاه بندر التجار حتى وفاته عام 1624 ميلادية.

 

كان أحمد أبو طاقية والد إسماعيل في بداية أمره "تاجرًا سفارًا" أي جوالا -وهي أدنى المراتب في سلك التجار- يشتري البضاعة من مكانها ليبيعها في مكان آخر، وهو ما كان يفعله في تجارته بين مصر والشام، وكان أعلى مراتب التجار من يحملون لقب "خواجكي" وهو لقب حمله أصحاب التجارة الواسعة الممتدة إلى أسواق خارجية، وشاع استخدامه في القرن الخامس عشر.
 

وكان عدد التجار الذين حملوا لقب "خواجكي" محدودًا لكن وزنهم الاقتصادي كان كبيرًا، وقد حمل إسماعيل أبو طاقية هذا اللقب في مطلع القرن السابع عشر عندما اتسعت شهرته وعظم حجم تجارته، وكان لقب "الشاهبندر" الذي حمله شيخ طائفة التجار أرفع تلك الألقاب، ويمثل ذروة المكانة التي يصل إليها التاجر، وقد استخدم هذا اللقب الفارسي الأصل بصورة شائعة في العصر العثماني[6].

 

توسع نشاط أبو طاقية إلى الاستثمار في المجال الزراعي، فاستثمر في زراعة قصب السكر في المنوفية والغربية بدلتا مصر، وتمكن من بناء معمل "مصنع" لإنتاج السكر في القاهرة.

وبعد وفاة أحمد أبو طاقية وحدوث منازعة بين أولاده إسماعيل وياسين وبدور وليلى وسيدة الكل، وهو ما يظهر من خلال وثائق المحاكم، شرع إسماعيل ينتقل من طور التجارة العائلية إلى التجارة الفردية التي دخل خلالها في شراكات تجارية مع آخرين مثل التاجر عبد القادر الدميري الذي آثر إسماعيل أن يسكن بجواره بقرب الجامع الأقمر بالقاهرة.

 

لقد توسع إسماعيل في تجارته؛ حيث ضمت شبكته مدن البحر الأحمر مثل جدة والمخا، ووصلت إلى بلاد الهند، وشرق أفريقيا، وامتدت إلى مدن البحر المتوسط، ثم إلى إستانبول وسالونيك والبندقية، وكان يصدر نسبة كبيرة من البضائع التي يجلبها من الهند إلى بعض موانئ الدولة العثمانية وأوروبا عن طريق الإسكندرية ورشيد ودمياط؛ بل وقفت نيللي حنا على وثائق تؤكد وجود وكيل تجاري لإسماعيل بن أبي طاقية في أفريقيا؛ حيث كان يستورد الذهب وريش النعام والعاج والعبيد، وبلغ نشاطه مدينة كانو (في نيجيريا الآن)[7]!

 

وفي القاهرة توسع نشاطه إلى الاستثمار في المجال الزراعي، فقد استثمر في زراعة قصب السكر في المنوفية والغربية بدلتا مصر، وتمكن من بناء معمل "مصنع" لإنتاج السكر في القاهرة، ظل هذا المعمل ينتج كميات كبيرة من السكر حتى وفاته، هذا التعدد في أطر العمل وفي إقامة شبكات النشاط التجاري كان عظيم الأثر بالنسبة له؛ إذ كان باستطاعته أن يعدل من نمط نشاطه بشكل أسرع من غيره من التجار، وأن يتوافق مع أحوال السوق المتغيرة.


لذا توجت حياة إسماعيل أبو طاقية العملية حين أصبح شاهبندر التجار سنة 1022هـ/1613م، فخلف في المنصب صديقه وزميله القديم الخواجه علي الرويعي في رئاسة طائفة التجار، وكانت تلك الطائفة تضم التجار المشتغلين بالتجارة الدولية الشرقية، وهم أوسع تجار القاهرة ثروة واحتفظ إسماعيل بالمنصب حتى وفاته سنة 1034هـ/1624م، وقد خلفه في المنصب جمال الدين الذهبي[8].

 

مارس أبو طاقية مهام الشاهبندرية باهتمام كبير فكان يتدخل في المسائل التي تهم التجار، ويتوسّط في المنازعات التي تنشب بينهم ويشهد على معاملاتهم، فكان حاضرًا دائمًا عند الحاجة إليه وكانوا يتوقعون مساعدته دائمًا وقت الأزمات، وتولى الشهادة في الدعاوى التي كان يرفعها التجار أمام المحاكم، ففي عام 1028/1618م حضر جلسة المحكمة التي نظرت في الدعوى المرفوعة ضد الخواجة كريم الدين البرديني من تجار البحر الأحمر، واتُّهم فيها بعدم سداد قرض استدانة.
 

وأحيانا كان بعض التجار يودعون لديه شيئًا ثمينًا كأمانة لسبب أو لآخر، وكان إسماعيل يحضر جلسات توزيع تركات المتوفين من التجار إذا كانت الوفاة خارج البلاد؛ لذا كان حضور الشاهبندر ذا وزن كبير في المناسبات الهامة، حتى لو كانت تلك المناسبات شخصية أو عائلية مثل الشهادة على عقود الزواج أو الطلاق[9].

 

وفي مقال قادم سنستكمل الحديث عن إسماعيل أبو طاقية، وسنقف مع شبكة علاقاته التجارية في القاهرة العثمانية، ونلقي مزيدًا من الضوء على عائلته وأسرته التي تكونت من أربع زوجات وعشرة بنات وولد واحد وعدد من الجواري؛ لنرى من خلال هذا الرجل وعائلته أوضاع التجار وعائلاتهم في ذلك الحين.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار