انضم إلينا
اغلاق
فَجرُ العثمانيين في البلقان

فَجرُ العثمانيين في البلقان

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
انتشر الإسلام في جنوب شرق أوروبا على عدة مراحل، بدأت عن طريق التجار المسلمين؛ فقد ارتادوا تلك المناطق للتجارة وجلب الفراء والجلود البلغارية، ومن ثم تمكنوا بقدر استطاعتهم من نشر الدعوة الإسلامية بين هؤلاء، ثم تطورت هذه العلاقات بإرسال السفارات بين الفريقين البلغاري والعباسي، كما تجلى ذلك في سفارة الفقيه أحمد بن فضلان الشهيرة في العام 309هـ إلى هذه البلدان، فقد وقفنا في رحلته على إسلام ملك البُلغار، وتبعيته السياسية للخلافة العباسية، فكان يُخطب للملك يلطوار البلغاري "اللهم وأصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين"[1].

 

وفي منتصف القرن ذاته يؤكد الجغرافي الإصطخري (ت 346هـ) أن البلغار "اسم المدينة وهم مسلمون وفيها مسجد جامع وبقرب مدينة أخرى تسمّى سوار فيها أيضا مسجد جامع وأخبرني من كان يخطب بها أنّ مقدار عدد الناس بهاتين المدينتين نحو عشرة آلاف رجل"[2]. على أنه بالقرب من نهاية القرن كان الروس قد استولوا على بلاد البلغار في شرق القارة الأوروبية، وأضحت ثمة أقلية من النصارى والمسلمين بها على السواء[3]، وقد ظل الحال على ذلك إلى زمن الجغرافي اللامع الشريف الإدريسي في القرن السادس الهجري[4].

 

ويبدو من نصوص الجغرافيين المسلمين عن البلغار بالتحديد أثرهم الشديد في نشر الإسلام حول حوض نهر الفولجا، وجنوب شرق أوروبا وحتى مناطق البلقان الحالية إلى قرب المجر، وإن ظلوا أقلية إلى مجموع السكان.

 

مسجد بنيا باشي في القرن التاسع عشر، في صوفيا، بلغاريا، بناه في العام 1576 المعماري العثماني "سنان" (مواقع التواصل)

 

على أن المرحلة الثانية لانتشار الإسلام في شرق أوروبا كانت منذ القرن السابع الهجري، حين استوطنت القبيلة الذهبية التي كانت فرعًا من البيت المغولي في الحوض الأدنى لنهر الفولجا، وسرعان ما اعتنقت هذه القبيلة الإسلام، واهتم بعض خاناتها بنشر الإسلام في المناطق القريبة منهم في روسيا في خلال القرن الثامن الهجري، لكن ظهور الغازي تيمورلنك في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري أضعف من شوكة مغول القبيلة الذهبية، وشرذمها سياسيًا؛ الأمر الذي استغلته الإمارة الروسية الناشئة بإضعاف هذه الخانيات المغولية حتى القرن السادس عشر الميلادي.

 

الدخول العثماني في البلقان

بدأت المرحلة الأهم والثالثة من مراحل التواجد الإسلامي في شرق القارة الأوروبية بصورة منظمة سياسيا وعسكريا على يد الدولة العثمانية منذ بواكير وجودها، فقد أقطع سلاجقة الروم هذه القبيلة العثمانية أرضًا في أقصى غربي الدولة على حدود التماس مع الإمبراطورية البيزنطية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وقد أفلح القادة العثمانيون منذ الجد المؤسس عثمان غازي في تحقيق أهداف السلاجقة بالتوسع غربًا، ومنذ عهد أورخان بن عثمان تمكن ابنه سليمان من فتح مدينة غاليبولي، وكان وجود العثمانيين في هذه المنطقة يعني التمهيد السريع للدخول في القارة الأوروبية، وقد رسّخ سليمان من هذا الوجود حين استدعى جماعة من الأناضول للاستقرار في غاليبولي، وعاملهم معاملة حسنة، وأعطاهم الأموال والهدايا والمكافآت، بل وتمكن من نقل جيشه إلى هذه المدينة التي عدّها بمثابة القاعدة العسكرية المتقدمة للدولة الناشئة الجديدة[5].

 

ومنذ ذلك الحين ظهر تشكيل الإنكشارية "الينكجارية"، ووضع قانون خاص أهمه الطاعة المطلقة للسلطان، وكان لهذا الجيش الإنكشاري أثره الكبير في الفتوحات العثمانية التي خاضت غمارها الدولة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، ففي عصر مراد الأول (726- 791هـ) الذي تولى الحكم سنة 1360م تمكن من فتح مدينة أدرنة في سنة (763هـ/1361م)، واتخذها عاصمة له بعد أن كانت في بورصة، وكانت الطريق المؤدية للقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وأصبحت أدرنة مركز القيادة العامة لمراد في أوروبا، وسار منها نحو البلقان وفتح حصونها، وعقد صلحًا وبينه وبين ملك اليونان، وتمكن مراد الأول من التصدي للبيزنطيين وأجبرهم على دفع الجزية واحتل نيس التابعة للصرب، ثم أجرى صلحًا مع ملك الصرب مقابل جزية سنوية يدفعها للعثمانيين، كل ذلك أجبر ملك البلغار على طلب الصلح من مراد[6].

 

رسمٌ لِأدرنة في العصر العُثماني بعد أن انطبعت بِالطابع الإسلامي (مواقع التواصل)

 

لقد تمكن مراد من جعل الأراضي البيزنطية في الروملي "البلقان" التي خضعت له بمثابة الحصار الخانق على العاصمة البيزنطية القسطنطيمية، وبهذه الفتوحات أصبحت إمارة آل عثمان متاخمة لكل من الصرب والبلغار وألبانيا[7].

 

أراد مراد أن تنظيم الحكم العثماني وتقسيمه، فعاد إلى أدرنه، وعمل على تقوية حكم العثمانيين في الأماكن الجديدة التي فتحتها الدولة العثمانية في شرق أوروبا، ومنذ ذلك الحين وضع تقسيمات للجيش العثماني إلى أمير الأمراء الأناضولي في آسيا الصغرى، وأمير الأمراء الروم إيلي في شرق أوروبا، وجعل قاعدتها أنقرة.

 

 

معركة قوصوه "كوسوفو" وفتح البلقان

بسبب الانتصارات العثمانية في ("الروملي"/البلقان)، وتماس هذه الإمارة الإسلامية الناشئة على الحدود مع البلغار والصرب، قام تحالف صليبي ضد العثمانيين تكون من ملك الصرب مع أمراء ألبانيا على مواجهة العثمانيين، وقد حاول ملك البلغار شيشمان الانضمام إلى ملك الصرب لازار إلا أن القوات العثمانية باغتته بهزيمة قاسية احتلت على إثرها نصف بلاده.

 

واقعة قوصوه، بريشة آدم أسطفانوڤيچ (مواقع التواصل)

 

أما ملك الصرب لازار فقد أسرع صوب الألبان الأرنؤوط للاستنجاد بهم في تحالف ضد السلطان مراد، إلا مراد أسرع في طلبهم، وتقابل الفريقان في منطقة قُوصووه "كوسوفو" سنة 1389م، يقول محمد فريد بك "وانتشب الْقِتَال بَين الجيشين بِحَالَة يشيب من هولها الْولدَان، دَافع فِي خلاله الصربيون دفاع الأبطال، وَبقيت الْحَرْب بَينهمَا سجالا مُدَّة من الزَّمن تناثرت فِيهَا الرؤوس، وزهقت النُّفُوس، وأخيرا فرّ صهر الْملك لازار الْمَدْعُو فوك برانكوفتش وَمَعَهُ عشرَة آلَاف فَارس والتحق بِجَيْش الْمُسلمين، فدارت الدائرة على الصربيين، وجُرح لازار، وَوَقع أسيرًا فِي أيدي العثمانيين فَقَتَلُوهُ، وبهذه الْوَاقِعَة المهمة الَّتِي بَقِي ذكرها شهيرا فِي أوروبا بأسرها زَالَ اسْتِقْلَال الصرب، كما فقدت البلغار والروملي والأناضول استقلالها من قبلُ، وكما ستفقد اليونان وَغَيرهَا الِاسْتِقْلَال فِيمَا بعد"[8].

 

وأثناء تفقد الأمير المنتصر مراد ساحة القتال، إذا بجندي صربي جريح من بين القتلى يقوم فيطعن مرادًا بخنجر فيقتله، يستشهد الأمير في ساحة المعركة عن عمر بلغ الخامسة والستين، يقول المؤرخ البيزنطي هالكو نديلاس عن مراد الأول "قام مراد بأعمال هامة كثيرة، دخل 37 معركة سواء في الأناضول أو في البلقان، وخرج منها جميعًا ظافرًا"[9]

 

بعد النصر في معركة كوسوفو استغل العثمانيون ترنح ملوك البلقان وعملوا على توسع وجودهم في هذه المناطق، فقد قام يبيت باشا بإخضاع الصربي فوك وأقام في سكوبيا سنة 1391م، وشن فيروز بك ولا لا شاهين غارات في ألبانيا، وما بين عامي (1393-1395)م نجح العثمانيون في إخضاع مناطق كبيرة من بلغاريا، وتمكن بعد انتصارات متلاحقة وخاصة بعد معركة روفين في مايو 1395م تمكن السلطان بايزيد الأول بن مراد السيطرة على كامل بلغاريا حتى أنه أعدم القيصر شيشمان، "ومنذ ذلك الحين فصاعدًا لا توجد دولة عازلة بين الدولة الكاثوليكية الأولى وأراضي بايزيد"[10].

 

حرب صليبية على العثمانيين
معركة نيكوبوليس (مواقع التواصل)


رأى ملك المجر سيجيسموند أن الخطر العثماني سيتعدى البلقان إلى منطقة وسط أوروبا بداية من مملكة المجر فتحرك مسرعًا باتجاه الغرب الصليبي طالبًا منه المساعدة والتحالف في مواجهة هذا الغزو العثماني للأقطار الأوروبية، وقد نجح بالفعل في تأليب عداوة الغرب كله وعلى رأسه البابا فحملت الحملة شعار "سحق الأتراك واحتلال القدس"، وتكونت من جيوش مجرية وفرنسية وألمانية وبولندية وانجليزية وإيطالية إسبانية وبندقية والنرويح وإسكتلندا وجنوة ودول أوروبية صغيرة أخرى، واجتازت هذه القوات المشتركة البالغة 130 ألف مقاتل نهر الدانوب، وبلغت مدينة نيكوبوليس، كل ذلك كان يشير إلى أن أوروبا قررت بصورة نهائية إخراج الأتراك من البلقان وسوقهم إلى الأناضول، ثم من بعد ذلك يتحرك هذا الجيش الصليبي إلى القدس لاستخلاصها من حكم المماليك[11].

 

وعندها دارت رحى معركة نيكبوليس سميت باسمها سنة (798هـ/1396م)، وانتهت المعركة بانتصار العثمانيين، الذين أسروا جل أمراء وأشراف أوروبا، وقتل ما يقارب 100 ألف من الجيوش الصليبية، ولولا ظهور تيمورلنك القادم من وسط آسيا لغزو العراق والأناضول والشام، وانشغال السلطان بايزيد الأول الصاعقة بهذا الغزو المغولي لاستغلّ هذه الهزيمة الكبيرة التي أوقعها بالجيوش الأوروبية للتوغل في عمق القارة الأوروبية، لكن هزيمة بايزيد في معركة أنقرة وأسره ثم قتله على يد تيمورلنك ودخول الدولة العثمانية مرحلة من الضعف والتناحر بين أولاده حتى تمكن ابنه محمد جلبي بن بايزيد (ت 824هـ/1421م) من توحيد الدولة العثمانية من جديد، الأمر الذي جعل الفتوحات العثمانية تتوقف إلى حين في البلقان، وهكذا رأينا فجر العثمانيين في "الروملي/البلقان" قد بزغ مع بزوغ هذه الإمارة التي كانت تتطلع دومًا ناحية الغرب الأوروبي!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار