انضم إلينا
اغلاق
قصة المدارس الإسلامية.. التعليم في العصر المملوكي

قصة المدارس الإسلامية.. التعليم في العصر المملوكي

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

جعل الأمير صَرْغَتمُش هذه المدرسة وقفًا على الفقهاء الحنفية الآفاقية، ورتّب بها درسًا للحديث النبويّ، وأجرى لهم جميعا المعاليم من وقفٍ رتّبه لهم، وقال أدباء العصر فيها شعرا كثيرا. فقال العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ:

 

"ليهنك يا صرغتمش ما بنيته ... لأخراك في دنياك من حسن بنيان

به يزدهي الترخيم كالزهر بهجة ... فلله من زهر ولله من باني"

(المقريزي في وصفه للمدرسة الصرغتمشية التي بناها الأمير صرغتمش بالقاهرة سنة 757هـ.)

  

ورث سلاطين المماليك -فيما ورثوه عن الأيوبيين- نظامهم التعليمي، فخطت المدارس في عهدهم خطوات واسعة نحو التقدم، وتعددت اهتماماتها وتنوعت، وساعد على ذلك عدة عوامل، منها رعاية هؤلاء السلاطين لتلك المدارس /الكليات بالإضافة إلى مساهمتهم وكبار الشخصيات في مجتمعهم في إنشاء وتمويل هذه المشاريع التعليمية العملاقة.

 

تنافس في بناء المدارس

لقد تسابق الناس في العصر المملوكي في بناء المدارس لطلبة العلم والاستكثار منها، فضلاً عن بناء الخوانق، وهي أماكن عبادة الفقراء من الصوفية، وقد لاحظ العلامة ابن خلدون هذا المظهر، ونقله إلينا في تاريخه قائلاً: "أهل هذه الدّولة التركية (المملوكية) بمصر والشام معنيّون -على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب- بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصّلوات. أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافية، فيختطّون مبانيها، ويوقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدرّبي الفقراء... واقتدى بسنّهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّئاسة والثّروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق"
[1].

 

ولعل هذا ما يُفسّر قول الرحالة الشهير ابن بطوطة حين نزل مصر سنة 726هـ/1326م: "وأما المدارس بمصر فلا يُحيط أحد بحصرها لكثرتها"[2]، وهو ما ذهب إليه القلقشندي حين قال: "من المدارس ما ملأ الأخطاط (الحواري) وشحنها"[3].

 

كان التخطيط العمراني للمدارس -آنذاك- على ثلاثة أنواع أساسية؛ أولها التخطيط ذو النظام الإيواني، وهو عبارة عن صحن مكشوف أو مغطى ويُسمى (دور قاعة) تُحيط به أربعة إيوانات أكبرها وأعمقها إيوان القبلة، والتخطيط الثاني فهو (الأروقة) حول صحن أو دور قاعة، وهو عبارة عن صحن أو قاعة يُحيط بها أربعة أروقة وربما توسّط سقف الرواق منها قبة ترتفع عن بقية السقف وقد فتحت بأضلاعها عدة نوافذ للتهوية والإضاءة كما زوّد بعضها بمئذنة ومنبر ودكة المبلِّغ أو المؤذّن وخلوة الخطيب وكرسي المصحف، كما زود بعضها بصومعات كالمدرسة النابلسية بالإسكندرية؛ فقد ذكر النويري أن لهذه المدرسة صومعة اختبأ بأعلاها أحد العلماء حين هجوم القبارصة على المدينة. أما النوع الثالث من أنواع تخطيط المدارس فهو ذو الحجرة الواحدة أو عدد من الحجرات، وهو من أبسط وأقدم الأساليب المعمارية التي استعملها الإنسان في بناء منشآته، بالإضافة إلى استمراريتها وشيوعها[4].

 

وعادة ما كان يحرص مؤسِّسو هذه المدارس على الصرف في عمارتها من خالص أموالهم، مع التورع عن غبن القائمين على عمارتها أجورهم، ولدينا -حتى اليوم- بعض وثائق الوقفيات من ذلك العصر، مثل وقفية السلطان الظاهر بيبرس لمدرسته التي املتك موضعها بالشراء من حر ماله، وكتب إلى المشرف على البناء بأن "لا يُستعمل فيها أحد بغير أجرة، ولا يُنقص من أجرته شيء"[5].

 

كيف موّلت المدراس؟

مولت المدارس في كافة العصور الإسلامية من المجتمع المدني الإسلامي فضلا عن أموال السلاطين والأمراء وكبار التجار (رجال الأعمال)، لكن هذا الإنفاق كان مقننا من خلال نظام الوقف، وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ بمعنى أن الواقفين كانوا يوقفون أراضي أو عقارات كانت تُخصص أرباحها وريعها للإنفاق على هذه المؤسسات التعليمية، وفي أبواب الفقه الإسلامي ثمة أبواب مخصصة للوقف، فيه مسائل لا تحصى عن قواعد ونوازل هذه الباب الأهم الذي موّل العملية التعليمية في حضارتنا لأكثر من ألف ومئتي عام!

 

وإذا كان الأيوبيون قد عملوا على استغلال نظام الوقف ومتحصّلاته لتدعيم حكمهم السياسي من ناحية، ومن أجل الجهاد ضد الصليبيين من ناحية أخرى، فقد استغلوه منذ عصر السلطان المؤسس صلاح الدين الأيوبي في الإنفاق على المدارس التي هدفت إلى نشر الإسلام السني ومحو كل آثار المذهب الشيعي من مصر، وتدل الأوقاف التي أوقفها السلطان صلاح الدين وبقية أفراد الأسرة الأيوبية على كثرتها الكاثرة[6].

 

وسارت دولة المماليك على المنهج نفسه، وعرف في ذلك العصر ثلاثة أنواع من الأوقاف، الأول يُعرف بالأحباس وكان يرأسها دوادار (سكرتير) السلطان، وتتألف من ديوان فيه عدة كتّاب ومدبر، ويشتمل هذا النوع على أراض من أعمال مصر خصصت للقيام بمصالح المساجد والزوايا ونحوها من جهات البر. ويعرف النوع الثاني بالأوقاف الحكمية بمصر والقاهرة، ويترأسها قاضي القضاة الشافعي، ويُقال لمن يلي هذا النوع ناظر الأوقاف، ويشتمل على الأوقاف المحبوسة على الحرمين وعلى الصدقات والأسرى وأنواع القرب.

 

ويعرف النوع الثالث بالأوقاف الأهلية، ولها ناظر خاص، وعادة ما يكون من أولاد الواقف أو من ولاة السلطان أو القاضي، ويشتمل هذا النوع على أراض مصرية وشامية وبلاد أخرى مقررة، كانت موقوفة لصالح الإنفاق على الخوانق والمدارس والجوامع والترب. وقد خُصص النوعان الأول والثالث من الأوقاف لبناء المؤسسات العلمية والدينية، ولذلك نالت هذه الأماكن حصة الأسد من الأوقاف، ومن عائد هذه الأوقاف أنفق على المؤسسات التعليمية ودور الثقافة والمشافي والمصحات[7]؛ الأمر الذي كان له الأثر المباشر على نهضة العلوم والمعارف في ذلك العصر.

 

والحق أن أثر الأوقاف على التعليم لم يقتصر على كونها المورد المالي الأهم للمؤسسة التعليمية؛ بل تعدى الأمر ذلك إلى كافة جوانب العملية التعليمية؛ حتى إنه يمكننا القول إن وثيقة الوقف، أو كتاب الوقف "الوقفية" كان بمثابة اللائحة الأساسية للمؤسسة التعليمية والتي تضم الأسس التربوية للتعليم، والشروط التي يجب أن تتوافر في القائمين بالتدريس ومواعيد الدراسة، وما إلى ذلك من التنظيمات الإدارية والمالية[8].

 

المناهج والتخصصات العلمية

ومع افتتاح هذه المدارس كانت تُقام الاحتفالات التي عجّت بذكرها مصادر تلك الفترة، ففي افتتاح "المدرسة المؤيدية" التي أنشأها السلطان المملوكي المؤيّد شيخ (815- 824هـ) والتي افتتحت في العام 822هـ/1419م قال المقريزي حين نزول السلطان لافتتاح هذه المدرسة: "هُيئت المطاعم والمشارب، فمُد سماط عظيم (مائدة كبيرة)، ومُلئت البركة التي بصحنه سُكراً قد أذيب بالماء، وأحضرت الحلاوات، لإجلاس قاضي القضاة شمس الدين محمد الديري الحنفي على سجادة مشيخة الصوفية، وتدريس الحنفية، ومخاطبة القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي كاتب السرّ. فعرض السلطان الفقهاء، وقرّر منهم عدد المدرسين السبعة الذين اختار"
[9].

 

وقد اعتمدت مناهج هذه المؤسسات على علوم الشريعة، وما يتأتى من علوم نقلية أخرى كالنحو واللغة وغيرها، كانت بمثابة العلوم المساعدة لفهم الشريعة، فمدرس التفسير يجب أن "يكون عالمًا بالعربية ولغة العرب وتفسير القرآن الكريم، ويكون فصيحًا له معرفة بالإعراب يكون متصدرًا في تفسير القرآن الكريم وإعرابه"[10].
 

لقد أنشأ السلطان الظاهر برقوق (784- 801هـ) مدرسته التي "لم يُعمّر مثلها بالقاهرة، ورتّب بها صوفية بعد العصر كل يوم، وجعل بها سبعة دروس لأهل العلم، أربعة يلقى بها الفقه على المذاهب الأربعة، ودرس تفسير القرآن، ودرس للحديث النبوي، ودرس للقراءات"[11].

 

ونجد مثالاً آخر للمنهج الذي كان سائدًا في مسجد المؤيد شيخ عند باب زويلة بالقاهرة، والذي كان يؤدي وظيفة المدرسة والخانقاه والمسجد في آن واحد، فقد دُرست فيه المذاهب الأربعة، ودرس فيه التفسير، وعلم القراءات، كما درس الحديث النبوي على مستويين: مستوى الدراية ويتولاه مدرس معين تتوفّر فيه شروط سائر مدرسي المواد الأخرى، وطلابه المنتظمون معه وبلغ عددهم عشرين، بينما عُين شخص آخر عالم برواة الأحاديث النبوية ومعه عشرة أنفس يعلمهم رواية الأحاديث ويهتم بحفظ السند، ولا شك أن هذه دقة في التمييز في إطار علوم مصطلح الحديث[12].

 

وكانت بعض المدارس التي أُنشئت في عصر سلاطين المماليك البحرية في مصر والشام (648- 784هـ) كان يُلحق بها قسم لدراسة العلوم الطبية وعلوم الميقات، وبعض المدارس كانت النفقة الشهرية عليها تبلغ حدًا كبيرًا، فقد بلغ الإنفاق على المدرسة الناصرية التي أتمها السلطان الناصر محمد بن قلاوون بوسط القاهرة سنة 703هـ "كانت أجرتها في كل شهر بالقاهرة وظواهرها خاصة تزيد على ثمانية عشر ألف درهم."[13]

  

مسجد الناصر محمد بن قلاوون (مواقع التواصل)


مع بداية القرن العاشر الهجري أمدّنا عبد القادر النُّعيمي (ت927هـ/1521م) في كتابه المهم "الدارس في تاريخ المدارس" بمادة مهمة وثرية للغاية عن عدد المدارس /الكليات في مدينة دمشق حتى عصره، وأنواع هذه المدارس، وآليات العملية العلمية والتربوية فيها، وتخصصاتها من العلوم الشرعية واللغوية والطبية وغيرها. لقد ذكر أن عدد الدور المخصّصة للقرآن الكريم سبعة دور، أشهرها دار القرآن الجزرية التي أسسها وأوقفها شيخ قراء عصره شمس الدين بن الجزري (ت833هـ)، ومنها دار القرآن الخيضرية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

 

كما قُدّر عدد دور الحديث النبوي الشريف بستة عشرة دارًا، أهمها دار الحديث النورية التي أنشأها السلطان العادل نور الدين محمود والتي درّس فيها العلامة الحافظ بن عساكر، ودار الحديث الأشرفية التي درّس فيها العلامة محيي الدين النووي وتاج الدين السبكي.

 

أما المدارس /الكليات التي خُصصت لدراسة الفقه الشافعي فقد بلغت في الربع الأول من القرن العاشر الهجري /السادس عشر الميلادي 63 مدرسة أشهرها العادلية الكبرى والبادرائية والشامية البرانية والشامية الجوّانية. ومدارس الحنفية جاءت في المرتبة الثانية بـ52 مدرسة، منها المدرسة النورية والجوهرية والخاتونية. ومدارس الحنابلة بلغت 11 مدرسة، منها الجوزية والصدرية والعمرية. ومدارس المالكية بلغت 4 مدارس. هذه المدارس /الكليات كانت الموكلة بتخريج طبقة العلماء والإدارة على السواء من القضاة والفقهاء والأئمة والوعّاظ والقراء والمدرّسين وموظفي الإدارة (الكُتّاب). 
 

لقد كانت المدرسة تملك نظاما إداريا كاملا، ومنهجا للمدرسين، ومصادر للمعارف التي تُقرأ وتُقرر على الطلاب، وكان يتعيّن على المدرس الحضور في أوقات مخصوصة، وكذلك الطلاب، فكان يقوم بمراقبة الحضور كاتب يُسمى كاتب الغيبة، وكان في المدرسة عدّة أقسام للكبار والصغار والأيتام؛ بحيث يتعلم الصبي أولاً القرآن الكريم ويحفظه، ثم يتعلم الخط ومن بعد ذلك يتعلم الحديث الشريف، ثم تأتي مرحلة تدريس الكتب الكبار لمرحلة الشباب، وغالبًا ما احتوت هذه المدارس على قسم للسكن الطلابي ولمبيت الأيتام والطلبة المتفرغين لطلب العلم[14].

 

وبالرجوع إلى موسوعة "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" للقلقشندي (ت821هـ)، نرى -من منظار تلك الموسوعة- أن العلوم التي كانت تُدرّس في القرون السابع والثامن والتاسع الهجريِّين بلغت أربعة وخمسين علمًا؛ إذ كان الطلاب يتعلمون أساسيات العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، ومنهم من كان يتخصص بعد ذلك في بعض العلوم العلمية كالطب أو الهندسة أو الكيمياء وغيرها. وهكذا شهد العصر المملوكي طفرة هائلة في بناء المدارس، ويكفينا أن نرجع إلى موسوعة من موسوعات تراجم العلماء في ذلك العصر مثل "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" للسخاوي لنرى أثر النهضة العلمية والتعليمية على مستويات العلماء وتخصصاتهم في ذلك العصر.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار