هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
طردوا العرب وأغرقوا سفنهم.. قصة احتلال البرتغاليين لبحار المسلمين

طردوا العرب وأغرقوا سفنهم.. قصة احتلال البرتغاليين لبحار المسلمين

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       
كانت ولا تزال السيطرة على البحار والمحيطات والجزر الإستراتيجية ركيزة في أهداف القوى الاستعمارية، فالتمركز العسكري خارج الوطن الأم يعني مركزا متقدما على المستويين العسكري والاقتصادي، وعلو كعب على المنافسين الإقليميين والدوليين، ولعل هذه النظرة التي انتشرت مع عصر الكولونيالية أو الاستعمار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد المحتل الأوروبي في قارات العالم القديم وعلى رأسها أفريقيا كان لها تاريخها الموغل في القدم.

       

فكان طرد المسلمين من الأندلس "إسبانيا والبرتغال" في نهاية القرن التاسع الهجري/ بداية القرن السادس عشر، قد فتح أعين هاتين الدولتين على حقيقة مفادها ضرورة التقدم في العمق الجغرافي الإسلامي خشية من عودة المسلمين إلى الأندلس مرة أخرى، فضلا عن الأهداف الاقتصادية التي كان على رأسها السيطرة على طرق التجارة، والبضائع الباهظة القادمة من الشرق الآسيوي، وعلى رأسها تجارة التوابل.

       

لماذا احتل البرتغاليون بحارنا؟

يرى رولان موسينيه في موسوعته "تاريخ الحضارات العام" أن بواعث الكشوف البرتغالية والإسبانية تمثلت في (الإنجيل - المجد - الذهب)، وقد وضع موسينيه "الإنجيل" في بداية الأهداف؛ لأن الحرب الصليبية قد عوّدت النصارى الأوروبيين على تصور نشر الدين النصراني عن طريق الحرب وإفناء غير المؤمنين وإخضاعهم[1].

  

فاسكو دي جاما

مواقع التواصل
       

حينها لاح خطر البرتغاليين في البحر الأحمر والمحيط الهندي لأول مرة عقب اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح سنة 904هـ/1498م، وقد قامت سياسة البرتغاليين في حقيقة الأمر منذ تلك الفترة على أساس القضاء على كل نفوذ للسفن الإسلامية وإغراقها والعمل على طرد العرب من المراكز التجارية الهندية والأفريقية منذ وصول فاسكو دي جاما إلى هذه البحار حيث قام أثناء رحلته الثانية سنة 1502م بإرسال حملة مكونة من خمس سفن حربية للإقامة الدائمة عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما اعتُبر تهديدا مباشرا لمصالح الدولة المملوكية في مصر والشام، وقد تمادى البرتغاليون في حربهم؛ فعملوا على مهاجمة السفن العربية ومنعها من مزاولة النشاط التجاري في مياه المحيط الهندي إلا بتصريح من البرتغاليين[2].

    

وتمادى البرتغاليون، وأمسوا يهاجمون السفن العربية والهندية على السواء، يقول المؤرخ قطب الدين النهروالي المعاصر لتلك الأحداث: "كثر ضررهم على المسلمين، وعمّ أذاهم على المسافرين، فأرسل السلطان مظفر شاه بن محمود شاه بن محمد شاه سلطان كجرات بالهند يومئذ إلى السلطان الأشرف قانصوه الغوري في مصر يستعين به على الفرنج، ويطلب العدد والآلات والمدافع؛ لدفع ضرر الفرنج على المسلمين، ولم يكن أهل الهند إذ ذاك يعرفون المدافع والمكاحل والبندقيات يومئذ، وممن أرسل إلى السلطان الغوري يطلب منه النجدة على الفرنج: السلطان عامر بن عبد الوهاب (سلطان الطاهريين باليمن)؛ لكثرة ضرر الفرنج بالمسلمين في بحر اليمن وبنادرها، وتواتر أذاهم، وضعف جنود المسلمين في بحر اليمن"[3].

             

  

ولم يتوقف البرتغاليون عند هذا الحد؛ حيث تمكنوا من الوصول إلى شاطئ الهند، وأنشأوا مراكز تجارية مسلحة على سواحل البلاد الواقعة على طريق رأس الرجاء الصالح من لشبونة عاصمة البرتغال إلى أفريقيا الغربية والجنوبية والشرقية وبحر العرب وجنوب البحر الأحمر، وعملوا على بسط سيطرتهم العسكرية والتجارية على هذه المناطق ابتغاء احتكار تجارة الشرق ونقلها إلى أوروبا عبر هذا الطريق الجديد.

 

وأضحت السلع الشرقية تأخذ طريقها على السفن البرتغالية إلى لشبونة مباشرة ثم توزّع منها إلى سائر أنحاء أوروبا بإغراءات تسويقية، وأصبحت البرتغال وسيطة التجارة بين الشرق والغرب، وترتب على ذلك صدى سلبيا للغاية في كل من مصر والبندقية، حتى تحوّلت مدن التجارة المملوكية الرئيسية مع الغرب الأوروبي كالإسكندرية ودمياط وبيروت خرابا على حد توصيف ابن إياس، وانقطع وصول التجار والبضائع إلى الإسكندرية لمدة ست سنوات متوالية، الأمر الذي أدّى إلى عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة المملوكية[4].

    

الصراع المملوكي البرتغالي!

كان السلطان الغوري مقتنعا بأن ازدياد نفوذ البرتغاليين في الهند قد يقضي على مصالحه التجارية وهيبته أمام العالم، وهو الوسيط الحصري لتجارة التوابل بين آسيا والقارة الأوروبية، وقد تأكّد له هذا بصورة عملية عندما أرسل في عام 910هـ/1504م أسطولا تجاريا إلى ساحل مالابار الهندي، شحن كالمعتاد كميات كبيرة من التوابل والسلع الهندية، وأثناء عودة السفن حملت معها عددا كبيرا من أمراء الهند وعددا من مسلميها في طريقهم إلى الحج، لكن السفن لم تصل كاملة إلى ميناء جدّة؛ إذ هاجمتها سفن الأسطول البرتغالي في مياه الهند، وصادرت معظم شحناتها من التوابل والسلع الهندية[5].

    

لم يكن الغوري ليدع مصالحه تنهار بهذه السهولة، ورأى أن الأمر يحتاج إلى حملة حربية إلى مياه الهند، وقرّر إرسال بعثة إلى حلفائه التجاريين في البندقية وفلورنسا للمفاوضة في طلب المعونة العسكرية من أخشاب وسلاح وإعادة التجارة إلى ما كانت عليه لا سيما وأن إيراداته انخفضت بصورة مزعجة، وقد وعدت الجمهوريتان الإيطاليتان بالمساعدة بالفعل، لكن الغوري لم ينتظر، حيث شرع في تجهيز حملة بحرية عسكرية بقيادة أحد كبار الأمراء المقدّمين "أمير مائة مقدم ألف" وهو الأمير حسين الكردي الذي تمكن من الإشراف على بناء وتجهيز خمسين قطعة بحرية، وكانت مهمة الحملة تحصين ميناء جدة البحري أهم موانئ الدولة المملوكية على البحر الأحمر، ومصب تجارة الشرق الآسيوية والهندية، وبناء سور قوي يحمي كامل المدينة البحرية، ثم مواجهة الأسطول البرتغالي في المياه الهندية[6].

       

     

تمكن الأسطول المملوكي الذي انضمت إليه بعض القطع البحرية الهندية من إنزال هزيمة ثقيلة بالقوات البرتغالية في مياه الهند البحرية في معركة "شوال" البحرية، وفيها قُتل قائد الأسطول البرتغالي في المعركة، ووصلت أنباء هذه الهزيمة إلى البرتغال، فأثارت غضب وحنق الأمير فرنسسكو دالميديا الذي أسرع لانتهاز فرصة لجوء الأسطول المماليكي الهندي إلى ميناء ديو الهندي للتموين والإصلاح، ففاجأه وأوقع به هزيمة كبيرة في 3 فبراير/شباط 1509م /شوال 914هـ، دمّر فيها معظم السفن المملوكية والهندية، وانسحب الأمير حسين الكردي بعد ذلك إلى جدة[7].

     

تزامن ذلك مع ازدياد حدة الحصار البرتغالي حينما وصل إلى المياه الشرقية القائد البحري البرتغالي الشهير ألبوكيرك سنة 1506م؛ إذ شدد من فرض الحصار البحري المفروض على البحار العربية ومداخلها، مما أضر ضررا فادحا باقتصاد كل من مصر واليمن والبندقية[8].

       

العثمانيون يُقدمون العون!

إثر هذه الهزيمة اضطر السلطان الغوري إلى طلب الإمدادات والمساعدات المادية واللوجستية من البنادقة والعثمانيين، وكانت العلاقات لا تزال ودية آنذاك بين المماليك والعثمانيين، ولنا أن نتتبع لفظة "قاصد ابن عثمان" أي سفير الدولة العثمانية إلى مصر المملوكية في الفترة ما بين عامي 900هـ حتى عام 916هـ عند المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث ابن إياس، لنجد أنه في جمادى الأولى سنة 913هـ/ 1507م جاء سفيران من الدولة العثمانية؛ الأول زار السلطان في يوم 14 جمادى الأولى، والثاني وهو كمال ريس قد جاء في يوم 19 من الشهر نفسه[9].

         

ولم يكن مجيء هذين السفيرين بغرض الزيارات الدبلوماسية المتبادلة فقط؛ فمجيء كمال ريس وهو أحد القادة الكبار في البحرية العثمانية أمر له دلالاته في ذلك التوقيت بالذات؛ ففي ذلك العام استفحل خطر البرتغاليين حيث استطاعوا احتلال جزيرة سقطرى في مدخل البحر الأحمر، ولم تستطع القوات اليمنية أن تصدها، فكانت زيارة كمال ريس من أجل الوقوف على حالة الأسطول المملوكي، فضلا عما يمكن أن يمده -وهو أحد قادة البحرية العثمانية- بالعتاد والإمدادات المتفاوتة، وقد قابله السلطان قانصوه الغوري بنفسه، وهذه المقابلة يصفها ابن إياس بقوله: "وفي تاسع عشر حضر إلى الأبواب الشريفة شخص يُقال له: كمال. من خواص جماعة ابن عثمان، وقد ترجموا كمال هذا بتراجم عظيمة، بأنه لا يكل ولا يمل من الجهاد في الفرنج ليلا ونهارا، حتى أعيا الفرنج أمره، وأنه رأس المجاهدين المرابطين في الإسلام، فلما حضر أكرمه السلطان وخلع عليه، فأقام بمصر مدة يسيرة ورجع إلى بلاده"[10].

        

      

يمكن أن نستشفَّ من زيارة القائد البحري العثماني في ضوء تجرؤ البرتغاليين على سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ أن كمال ريس قد جاء بتقديم العون البحري للمماليك، وهذا ما تم بالفعل، وتدلل عليه عدة أخبار؛ ففي شهر رجب سنة 916هـ أرسلت الدولة العثمانية معونات حربية تمثلت في أخشاب وحديد وبارود للدولة المملوكية؛ نتيجة للهجوم الشامل الذي لاقاه المماليك من البرتغاليين في البحر المتوسط والبحر الأحمر[11].

    

وكان من سوء حظ الأشرف قانصوه الغوري أن بعض هذه الإمدادات العسكرية البحرية العثمانية قد استولى عليها أعداء آخرون، هم الفرسان الإسبتارية أصحاب جزيرة رودس، الأمر الذي أغضبه ودفعه إلى البطش بالمصالح الأوروبية والبندقية في بلاده، وفي المقابل شرع قانصوه في إعداد حملة بحرية أخرى أشد وأنكى، عَهِد قيادتها للمرة الثانية إلى الأمير حسين الكردي قائد الأسطول، وتحرك الأسطول المصري المملوكي إلى الهند في رمضان سنة 921هـ/1515م، لكن سلطان الطاهريين في اليمن عامر الثاني بن عبد الوهاب رفض تقديم الموانئ والقوى البشرية والتموين للأسطول المصري، منتهكا بذلك كل التزامات التحالف مع المماليك، وقد أدّت خيانة السلطان الطاهري إلى تأجيل الحملة على الهند، واشتعال الصراع بين المماليك والطاهريين في اليمن، أدت في نهاية الأمر إلى مصرع سلطان الطاهريين وسقوط دولتهم بالكلية في جمادى الآخرة سنة 922هـ وتبعية اليمن كله إلى مصر، وظل الأسطول المملوكي راسيا عند شواطئ جزيرة قمران بالقرب من عَدن مدة ثمانية أشهر منهمكا في بناء التحصينات الدفاعية[12].

 

لم يصطدم المماليك بالبرتغاليين في معركة بحرية أخرى تُنهي وجودهم، ففي ذلك العام 922هـ/ 1516م هُزم السلطانُ قانصوه الغوري في معركة مرج دابق ولقي مصرعه، فقبض شريف مكة بركات على الأمير حسين وقتله لتجبّره وعسفه وكان في مكة حينذاك، وكان العثمانيون هم المحفّزون له، وبهذا انتهى الدور المملوكي للأبد، ولم يتمكنوا من مواجهة البرتغاليين، وأصبح عبء ذلك على العثمانيين فيما بعد، وقد نجح العثمانيون بالفعل في سحق البرتغاليين في مواقع سيأتي ذكرها فيما بعد[13].

 

هكذا، عُرف السلطان الغوري باستهتاره ولهوه وعدم حبه للمغامرات العسكرية ومواجهة الخصوم، يميل إلى السلام أكثر مما يميل إلى الحرب، ولا يملّ من فرض الضرائب على الناس إذا أراد ذلك، بل لم يهتم بمعاناتهم في الأغلب الأعم، وحتى قُرب لحظة النهاية التي سقط فيها صريعا أمام العثمانيين في معركة مرج دابق لم يهتم بتظلم عموم الناس من ولاته وأمرائه، ولم يسع لحل هذه المظالم وهو متجه للقاء العثمانيين، يقول الغزّي: "لما دخل الغوري غزة شكا إليه أهل القدس ظلم نائبه وغيره، فأهانهم بالطرد والضرب، ثم دخل دمشق في موكب عظيم، ونائب الشام حامل القبة والطير على رأسه على عادة الملوك المتقدمين، وشكا إليه أهل حمص وغيرهم ظلم نوابهم، فلم يشكهم، وأقام سبعة أيام، ولم يحضر جمعة ولا جماعة، وتوجه إلى حلب ومعه نواب الشام، وحمص، وحماة، وطرابلس وغيرهم من الأمراء، ولم يقم بحمص ولا زار بها سيدي خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه"[14].

 

إزاء شخصية استبدادية كهذه، لم يكن همها الأول سوى جني الأرباح، والانغماس في الملذات، وعدم الاهتمام بالشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل حتى عدم الاهتمام بمعاناة الناس، كان من الطبيعي أن تفشل جهود قوات المماليك في تطهير البحار الجنوبية من التهديد البرتغالي الذي اتخذ من جزيرة سقطرى اليمنية مركزا يهاجم منه سواحل اليمن والهند والبحر الأحمر، وهي الجزيرة اليمنية الإستراتيجية حتى يومنا، مما يؤكد صحة الرأي القائل بأن الاستبداد قرين الاحتلال!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار