انضم إلينا
اغلاق
شارل مارتيل.. لماذا وضع "إرهابي نيوزيلندا" هذا الاسم على رأس بندقيته؟!

شارل مارتيل.. لماذا وضع "إرهابي نيوزيلندا" هذا الاسم على رأس بندقيته؟!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في صبيحة يوم الجمعة، استيقظ الجميع على وقع صدمة مفجعة، حيث قام رجل أبيض، يحمل عدة بنادق وخزنات من الرصاص، مترجلا من سيارته في بث مباشر وحي على مواقع التواصل الاجتماعي، ومتجها نحو مسجد صغير للمسلمين، ومُشهرا أسلحته وكأنه في باحة مخصصة للعب، ليطلق وابلا من الرصاص تجاه أجساد المصلين. قبل ذلك، وأثناء تواجده في سيارته، ظهرت أغنية إبادة الإنسان "تخلص من الكباب"، وهي أغنيةٌ كما تبدو من إيقاعاتها، ذات وقع ثابت، ترسم حالة من الهدوء والاستمتاع والتلذذ في خلفية المشهد أمام آثار القتل والقنص بدم بارد.

خمسون مسلمًا حتى اللحظة راحوا ضحية الإجرام الذي لم يترك صاحبه فرصةً لحكومته أو جمعيات المدافعين عن البيض من خلفه، ليخرجوا مبررين له أو مدافعين عنه، فلربما كان "مختلا عقليًا" كتبرير لمأزق "الإرهاب" الذي وُصم به، إلا أن القاتل لم يترك من خلفه فرصة حين كتب على بندقيته تواريخ وشخصيات لا تبدو اعتباطية في فحواها وتاريخها ومقصدها، وحين ترك من خلفه سبعين صفحة كتبها مفصّلا لما هو مُقدم عليه، وأسبابه التاريخية والسياسية والواقعية.

وقد كان اسم "شارل مارتيل" أحد الأسماء التي برزت على بندقية القاتل، في رسالة موجّهة للمقتولين ومن خلفهم من بني جلدتهم، فمن هو شارل مارتل؟ وما هي شهرته في أوروبا والتراث الغربي كله؟ وعليه فإننا بحاجة للرجوع للقصة التاريخية التي صدّرت هذه الشخصية.

عبد الرحمن الغافقي يلي إمارة الأندلس!

في عام 112هـ قرر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان أن يُرسل للأندلس واليا جديدًا، ليصلح أحوالها، يعيد ضبط الأمور بها، ويوحد المسلمين قيسية ويمانية، عربا وبربرا تحت راية الاتحاد من جديد بعدما أصابتها نار العصبية، وثورة الفتنة، وحمية الغضب، ولم يجد لهذه المهمة سوى رجلا صالحا، تابعيا من أبناء اليمن الذين تربوا على يد الصحابة الكرام، وشارك بنفسه في معارك الأمويين شرقا وغربا، وعُرف عنه ورعه وإيمانه وكراهيته للعصبية، ذاك هو عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وبالفعل وصل الغافقي إلى الأندلس وبدأ سياسة جديدة فيها بإخماد كل الفتن والخلافات الداخلية.

كما حرص على تنظيم شؤون الأندلس وذلك بزيارة الأقاليم المختلفة فنظّم شؤونها، ووزّع إدارتها، وقام بإخماد الفتن ورد المظالم، وأعاد النصارى كنائسهم وأملاكهم، وعدل نظم الضرائب وفرضها على الجميع بالتساوي، وقام بإصلاح الجيش وتنظيمه، فضلاً عن تحصينه القواعد والثغور الإسلامية في شمال الأندلس[1].



لكن الغافقي في أثناء ترتيب الأندلس اصطدم بأحد الثوار الخارجين على طاعته، وبحسب الروايات المسيحية أن هذا الثائر كان واليا على شمال الأندلس، ولتعزيز موقفه، واستقلاله دخل في تحالف مع دوق أكونتين أو مملكة أودو، هذه المملكة التي كانت تقع في جنوب فرنسا وفي أقصى شمال الأندلس، وكانت على الدوام بين نارين مستعرتين، في الشمال حيث الفرنجة وزعيمهم الصاعد شارل مارتل، وفي الجنوب المسلمين، وكانت على هذا الحال من الضغط المتواصل.

أما هذا الثائر فتشير الروايات اللاتينية إلى أن اسمه "منوسة"، وقد رجّح عدد من المؤرخين إلى أنه ربما يكون عثمان بن نسعة الخثعمي الذي ولي الأندلس لمدة ستة أشهر قبل اعتلاء عبد الرحمن الغافقي للولاية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الولايات الشمالية الأندلسية كوالٍ محلي وُلّي عليها من قبل العاصمة قُرطبة.

وتشير الروايات النصرانية إلى أن منوسة أُغرم بابنة ملك أودو، وتزوجها، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حيث عقد معه حلفا كان باطنه الخروج على حكومة الأندلس بالكلية، وكان عبد الرحمن الغافقي يتابع أمر هذا الوالي كما يتابع غيره، وقد شك في ولائه بالفعل، وطلب منه الهجوم على مملكة أودو فأرسل ابن أبي نسعة إليه مخبرا أن ثمة "هدنة" موقعة بين الطرفين، وحين جاءت الرسالة إلى قرطبة استشاط عبد الرحمن غضبا من هذا الوالي الذي يعصي أمره[2].

 وأرسل على الفور حملة عسكرية إلى الشمال بقيادة رجل يُسمى ابن زيان لتأديب "منوسة" الزعيم الثائر، والتحوط لسلامة الولايات الشمالية، فاستعصم منوسة بمواقعه الجبلية، وتحصن في عاصمة إقليمه " مدينة الباب "، الواقعة على منحدر جبال البرنيه/ البرانس، وكان يظن أنه يستطيع أن يتحدى الجيش الإسلامي، وأن يعتصم في تلك المواقع المنيعة، كما اعتصم به الزعيم القوطي "بلاجيوس" (بلايو) ولكنه كان مخطئاً في تقديره، فقد نفذ ابن زيان بجيشه إلى مدينة الباب، وحاصر الثائر في عاصمته، ففر منها إلى شعب الجبال الداخلية، فطارده ابن زيان من صخرة إلى صخرة، حتى أخذ وقتل مدافعاً عن نفسه، وتحطمت أطماعه ومشاريعه (113هـ/ 731 م)[3].

جهاد عبد الرحمن الغافقي في الشمال

بعد القضاء على الثائر الخارجي منوسة، وبعد تأمين الجبهة الشمالية وإعلان جهوزيتها، كان الغافقي يتشوق إلى إعادة الجهاد في فرنسا، وهو الذي لم ينس مأساة موقعة طولوشة (تولوز) تلك الموقعة التي استُشهد فيها أمير الأندلس الأسبق وصديقه الأثير السمح بن مالك الخولاني؛ لذا استعد الغافقي جيدا لهذه الغزوة، وأعلن الدعوة للجهاد لا في الأندلس فقط، وإنما في أفريقية أيضا (تونس)، فتدفّق عليه المتطوعون من كل ناحية، وتجمع لديه عدد ضخم من الفرسان والمجاهدين، بلغ ما بين سبعين إلى مائة ألف مقاتل بحسب بعض الروايات، وبدأ الغافقي تحركاته العسكرية منطلقا من قرطبة صوب جبال البرانس الفاصلة بين الأندلس وفرنسا في أوائل سنة 114هـ/732م[4].

وصل الغافقي بجيشه إلى ولاية أراغون (الثغر الأعلى الأندلسي) جاعلا من مدينة بنبلونة في غرب الأندلس في الحد الفاصل ما بين فرنسا والأندلس عند جبال البرانس قاعدة لتجمع جنده، ومن هناك انطلق مخترقا جبال البرانس زاحافا نحو الجنوب الفرنسي فبدأ بمنطقة آرل في أقصى الجنوب الفرنسي، وكانت هذه المنطقة تدفع الجزية للمسلمين ولكنها بعد مقتل السمح بن مالك الخولاني، والحروب الأهلية قبل مجيء عبد الرحمن الغافقي في الأندلس، قد استغلت الفرصة وتخلفت عن دفع الجزية، فاستطاع الغافقي وجنده أن يستولوا عليها بعد معركة شرسعة مع زعيم المنطقة دُوق أودو، وعلى إثر هذه المعركة  ونجاحه فيها انفتح أمامه الطريق في الجنوب الفرنسي كله، فاتجه غربا إلى دوقية "أكتانيا" فالتقى بملكها في معركة فاصلة سريعة، استطاع عبد الرحمن فيها هزيمته هزيمة ساحقة، فاضطر الدوق إلى الهرب والانسحاب نحو الشمال الفرنسي ناجيا بنفسه[5].

الاستيلاء على جنوب فرنسا

شارل مارتيل 

غيتي
 

استطاع الغافقي وجيشه الأندلسي بعد هذه الهزائم الساحقة التي أنزلها لكل من دوق أكيتون/ أكيتونيا، ملك أودو أن يستولي على غنائم هائلة، وقام الغافقي بتقسيم هذه الغنائم بين الجنود المسلمين الذين كانوا معه، ووفق الرؤية الإسلامية قام بإخراج الخُمس من هذه الغنائم التي فُتحت عنوة، ويصف ابن عبد الحكم واحدة من تلك الغنائم بقوله: "وكان فيما أصاب رِجل من ذهب مفصّصة بالدُّر والياقوت والزبرجد، فأمر بها فكُسرت"[6] ثم وزعها على جنده!

عاد القائد الغافقي من الغرب إلى وسط الجنوب الفرنسي في الرون، واخترق الجيش الإسلامي صوب الشمال الفرنسي فاستولى على برجونية ثم مدينة ليون وبيزانسون، بل ووصلت السرايا العسكرية الإسلامية حتى مدينة صَانص، التي تبعد عن جنوب باريس نحو مائة ميل فقط. وارتد عبد الرحمن بعد ذلك غربا إلي ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد إلى عاصمة الفرنج "باريس".

أتم عبد الرحمن سيره، وجدّ فيه، وافتتح الغافقي نصف فرنسا الجنوبي كله من الشرق إلى الغرب، في بضعة أشهر فقط، وفي ذلك يقول المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون: "وامتد خط الظفر (للغافقي) مدى ألف ميل من صخرة طارق إلى ضفاف اللوار. وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب إلى حدود بولونيا ورُبى اسكتلندا. فليس الرَّين بأمنع من النيل أو الفرات، ولعل أسطولا عربيا كان يصل إلى مصب التيمز دون معركة بحرية، بل ربما كانت أحكام القرآن تُدرس الآن في معاهد أكسفورد وربما كانت منابرها تؤيّد لمحمدٍ صدق الوحي والرسالة"[7].

هرع دوق أكيتاني إلى عدوه السابق، والحاجب القوي الذي يسيطر على بلاد الفرنجة، القائد الذكي شارل مارتل، ولم يُرد شارل أو "قارلة" كما تصفه الرواية الإسلامية أن يتدخل في هذا الصراع في بادئ الأمر بين عبد الرحمن الغافقي والجيش الإسلامي وبين ملك أودو عن قصد وعمد، وحين لجأ إليه هذا الأخير الذي كان قد فقد مُلكه، استغل شارل الفرصة، وأرسل إلى كافة جموع الصليبيين في أوروبا صيحة عالية لوقف هذا الزحف الإسلامي الذي لم يكن يهدد فرنسا فقط وإنما أوروبا كلها، وبالفعل جاءته الأمداد العسكرية بالرجال والعتاد من ألمانيا وبريطانيا وبولونيا وبلجيكا وغيرها.

استعد شارل مارتيل جيدا لهذه المعركة، كما استغل الكثرة العددية التي بلغت نحو أربعمائة ألف مقاتل أوروبي مقابل خمسين ألف مقاتل للمسلمين، وبقي المسلمون يتقدمون إلى أن وصلوا إلى قريب من مدينة "تور" وهناك علم الغافقي أن جيشًا عظيما قدر المسلمين سبعة أو ثمانية أضعاف زاحف لمصادمته، وكان عبد الرحمن مع شدة بأسه وغرامه بالحرب عاقلاً حازمًا بصيرًا بالعواقب، ففكر ساعة فيما يدي رجاله من الغنائم الثقيلة، وعلم ما يعوقهم عن القتال من اهتمامهم بحفظها، فهمَّ بإعطاء الأمر الجيش بترك جميع ما في أيديهم من الغنائم والأسلاب، ولكنه عاد عن ذلك، ثم تقدم بقواته واستطاع الاستيلاء على مدينة تور الفرنسية[8].

كانت هزيمة دوق "أكيتاني" ملك أود/ أودو  مفجعة  على الصعيد الأوروبي، فقد أصبح الطريق إلى باريس مفتوحا أمام عبد الرحمن الغافقي وجيش المسلمين، لذلك كانت الصرخة التي أرسلها الدوق إلى عدوه الأكبر "شارل مارتيل" أو كما تسميه الروايات العربية "قارلة" أو المطرقة  لاقت عند الأخير إجابة هذه المرة.


الاستعداد للمعركة


يقول شكيب أرسلان: "لم يكن شارل مارتيل أو قارلة إلا إجابة أودُو لا لأجل الإنسانية فقط، بل لأجل الساسة، إذ كان جميع مصير فرنسا والممالك المجاورة لها متوقفًا على نتيجة هذه الحرب، فلو كان العرب تغلّبوا ذلك اليوم على الإفرنج لما كانوا وقفوا إلا على ساحل البلطيق"[9] في أقصى شمال أوروبا عند القطب الشمالي!

أما عن شارل مارتيل، فكان سياسيا وقائدا عسكريا فذا، ومحافظ القصر والعرش الفرنسي، ذلك الرجل استطاع إخضاع معظم الدوقات والمقاطعات الفرنسية بل ومناطق ألمانيا الغربية المحاذية لفرنسا إلى سلطة دولة الفرنج "الميروفنجية" التي كان مارتيل يخدم فيها كمسئول كبير في قصر الملك، لكن حين ضعفت سلطة الدولة المركزية وقوي نفوذ أمراء ودوقات المقاطعات واستطاع بعضهم الاستقلال بعيدا مثل دوق أكيتاني في جنوب فرنسا وبعض من الدوقات الآخرين في ألمانيا الغربية وشمال إيطاليا؛ فإن نفوذ شارل مارتيل من خلاله وظيفته يتسع هو الآخر.

كانت تلك الوظيفة متجسدة في "محافظ القصر" الذي كانت مهمته في بادئ الأمر الاهتمام بشؤون القصر الفرنجي المنزلية، لكن مع الوقت أخذت تتوسع حتى أصبحت عماد السياسة الفرنجية كلها، وكانت الأسرة الكارلية القوية قد اختصّت بهذا المنصب الخطير، منذ عهد الملك داجوبيرت في القرن السابع الميلادي، وأخذت تهدد بنفوذها وقوتها مصير الأسرة الميروفنجية الملكية. وكانت أقوى بطون الفرنج في أوستراسيا (مملكة الفرنج الغربية)، تملك ضياعاً شاسعة ما بين نهري الرَّين والموز وتتزعم جماعة النبلاء، وترعاها الكنيسة لنفوذها وسلطانها، ويمنح زعيمها محافظ القصر لقب "دوق الفرنج" تنويها برياسته وسلطانه، الذي أصبح فوق سلطان العرش[10]، ومن هؤلاء آل الأمر إلى شارل مارتيل "قارلة" أو "كارل" في النصف الأول من القرن الثامن الميلادي.

ما قبل المعركة



تمكن شارل مارتيل من تجميع جيش جرار من كامل المملكة الفرنجية في ألمانيا الغربية وفرنسا وشمال إيطاليا فضلا عن الفايكنج الأقوياء ثم مباركة البابوية، وكان عبد الرحمن قد استولى على تواتييه ثم تور الواقعة على نهر اللوار، وبهذا يكون الجيش الإسلامي قد ابتعد عن عاصمة الأندلس قرطبة قرابة 1300 كم وهي مسافة بعيدة للغاية تجعل من إمداد الجيش بالمؤن والرجال والأسلحة والزاد عند الطوارئ أمرًا عسيرًا لا سيما أن معابر جبال البرانس كانت صعبة قاسية للغاية.

حين علم عبد الرحمن بقوة الحشود القادمة إليه، تراجع إلى سهول بُواتييه لاتخاذ مواقعا محصّنا فيها بعد أن وصلته معلومات عن كثافة الجيش الفرنجي إلا أن تحركات شارل كانت سريعة رغم ضخامة قواته وما لبث شارل أن دفع عبد الرحمن وجيشه جنوبا ليدرك مقدمة الجيش الإسلامي الزاحف في طريق روماني  قديم كان يؤدي إلى بلدة "شاتلروا" الواقعة على نحو عشرين كيلو متر إلى الشمال الشرقي من مدينة بواتيه[11].

كان جيش شارل قد انتهي إلى نهر اللوار، دون أن يشعر المسلمون بمقدمه في أول الأمر، وأخطأت الطلائع الإسلامية ومخابرات الجيش من تقدير عدده العدو وعُدته. فلما أراد عبد الرحمن أن يقتحم نهر اللوار، لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجأه شارل مارتل بجموعه الجرارة حينها أُجبر الغافقي على الرجوع من ضفاف النهر إلى السهل الواقع بين مدينتي تُور وبواتييه. وعبر شارل مارتيل نهر اللوار غربي تور، وعسكر بجيشه إلى يسار الجيش الإسلامي بأميال قليلة، يين نهري كلين وفيين فرعي اللوار.

إذا ما عُدنا إلى جيش الغافقي فقد كان في حال تدعو إلى القلق، فإن الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التي يتألف منها معظم الجيش، التي كانت تتوق إلى الانسحاب نحو الأندلس مكتفية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون في الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا ْالجنوبية أثناء سيرهم المظفر، وأخذوا جميع كنوزها، وأُثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى، من الذخائر والغنائم والسبي، فكانت هذه الأثقال النفيسة السبب الأبرز في إحداث الخلل والاختلاف والنزاع.

أدرك الغافقي خطر هذه الغنائم على نظام الجيش وأهبته واستعداده، وخشي مما تثيره في نفوس الجند من الحرص والانشغال، وحاول عبثا أن يحملهم على ترك شيء منها. ولكنه لم يشدد في ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة أخرى، قد أنهكتهم غزوات أشهر متواصلة، مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب تخلف حاميات عديدة منهم، في كثير من القواعد والمدن المفتوحة لحمايتها وإبقائها ضمن التبعية الجديدة للمسلمين. ولكن عبد الرحمن تأهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة رغم كل هذه التحديات[12].

"بواتييه" استشهاد الغافقي في بلاط الشهداء!


كانت أحداث المعركة قد بدأت في أواخر شهر شعبان سنة 114هـ/ 22 أكتوبر 732م، وقد استمرت المعركة كما تشير المصادر التاريخية ثمانية أيام، كان المسلمون قد أخذوا زمام المبادرة بقيادة الأمير الصالح عبد الرحمن الغافقي، وبرغم الفارق العددي والعُددي الهائل بين الجانبين، فإن جيش الأندلس ظل يقاوم العدو بشراسة وبسالة منقطعة النظير لمدة ثمانية أيام متوالية، حتى إن النصر كان قد اقترب للغاية في ذلك اليوم الأخير.

بيد أن شارل مارتيل "المطرقة" بعد هذه الأيام المتوالية، وبعد دراسة ميدانية واستطلاعية لخبايا ومراكز ضعف الجيش الإسلامي الذي كان يتخذ إستراتيجية المقدمة والقلب والساقة والجانبين الأيمن والأيسر، وهي الاستراتيجية التي اتخذتها جيوش المسلمين على الدوام في تلك العصور، رأى أن القسم الأضعف يكمن في ساقة الجيش أي خلفه؛ ففيه توجد الغنائم الكثيرة، بل إنه لاحظ أن فيه توجد النساء والأطفال الذين أُحضروا مع الجيش لا سيما البربر، وكان الغافقي قد أحضرهم بهدف توطينهم في هذه المدن الجديدة المفتوحة في فرنسا بعد حسم المعارك كليا؛ لذا هجمت سرية فرنجية على هذه الساقة، وحين انتبه المسلمون لذلك رجعت طائفة من الفرسان من المقدمة والقلب إلى الساقة فاختل نظام الجيش الأندلسي.

عبثا حاول الغافقي إعادة توحيد الصفوف بين جنبات جيشه المقدر بخمسين وقيل سبعين ألف مقاتل، وبينما هو ينتقل من جانب إلى آخر لإعادة توحيد الصفوف جاءه سهم أعجله فسقط على إثره شهيدًا من فوره، فازداد الاختلال، ولم يُنقذ المسلمين من سحق محققٍ بعد استشهاد قائدهم عبد الرحمن الغافقي سوى دخول الليل، وفي الليل قرر كبار القادة المتبقين الانسحاب مع الإبقاء على أنوار المعسكر وغنائمه تمويها وخداعا لشارل مارتيل، والعودة إلى الجنوب الفرنسي ومنها إلى الأندلس.

وفي الصباح اتجهت قوات شارل مارتيل إلى معسكر المسلمين فلم يجدوا فيه أحدًا، غير أنهم تركوا معظم الغنائم التي استولى عليها شارل وجنده، وخشي الفرنج من تتبع الجيش الإسلامي المنسحب خشية أن يكون هناك كمين مُعد لذلك، لذا انتهت المعركة بانتصار الفرنسيين وحلفائهم، وهزيمة المسلمين باستشهاد قائدهم الفذ عبد الرحمن الغافقي الذي القائد الأول في تاريخ المسلمين الذي يسيطر على أكثر من نصف فرنسا لمدة شهور متواصلة، لكن شارل مارتل كان قائدا ذكيا، واستراتيجيا بارعا، وكان لهذه المعركة الكبرى صدى في التاريخ والأدب الأوروبي على مرّ العصور، فقد علم الغربيون أن المسلمين قادرين على الوصول إلى عمق بلادهم دون كلل أو فتور.

ولذلك تعد موقعة بلاط الشهداء من المواقع الحاسمة في التاريخ الغربي والإسلامي على السواء؛ لأنها وضعت حداً للفتوح الإسلامية خلف جبال البرانس في فرنسا. ويعلق المؤرخون الأوروبيون أهمية كبيرة عليها، فيقولون: لو أن العرب انتصروا في هذه المعركة لأصاب أوروبا مثلما أصاب إسبانيا، ولكان القرآنُ يُدرس في جامعات باريس وكمبردج وأوكسفورد[13].

ولم يكن من المستغرب بعد سرد هذه القصة أن يضع اليميني المتطرف اسم القائد الفرنسي "شارل مارتل" على ماسورة بندقيته، فذلك القائد هو الذي هزم جموع المسلمين، وأوقف زحفهم في أوروبا، وقتل قائدهم الغافقي، الذي كان أول وآخر رجل يقترب من العاصمة الأوروبية الأكبر باريس!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار