انضم إلينا
اغلاق
انتفاضة الزنج.. أول ثورة عمالية مسلحة في التاريخ الإسلامي!

انتفاضة الزنج.. أول ثورة عمالية مسلحة في التاريخ الإسلامي!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

أينما وُجد الظلم الاجتماعي أو السياسي؛ فإن الانتفاضات واقعة لا محالة. هذه قاعدة قديمة، قِدم الإنسان على الأرض، فالانتفاضات والثورات ليست وليدة اليوم. وفي التاريخ الإسلامي نجد هذه الظاهرة واضحة بصورة لافتة في عدد من الانتفاضات التي أخذ أغلبها طابع العنف المسلح.

  

من أشهر هذه الحركات الثورية وأولها تأتي "ثورة الزنج" في جنوب وشرق العراق في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي زمن الخلافة العباسية، فمن هم الزنج؟ ولماذا قاموا بأول ثورة مسلحة ضد ساداتهم ثم ضد السلطة الحاكمة؟ ولماذا استمرت ثورتهم لأربعة عشر عاما متصلة؟ وكيف انتهى بهم الأمر في نهاية المطاف؟!

   

التوسع وطلب الأيدي العاملة

أسس العرب المسلمون منذ سنة 720م مستعمرات إسلامية على ساحل أفريقيا الشرقية، فلما أهلّ العصر العباسي ونشطت الحركة التجارية على طول السواحل العربية للخليج العربي، قامت علاقات تجارية مع مدغشقر وأفريقيا الشرقية بصورة عامة، وتأسست نتيجة لهذه العلاقات مستوطنات عربية إسلامية جديدة على طول ساحل الصومال وكينيا وموزمبيق، ومن هنا قامت تجارة الرقيق التي هدفت إلى الحصول على أكبر عدد من زنوج البانتو، وتوفير الأيدي العاملة في الإقطاعيات الزراعية[1].

    

  

جُلب الزنج إلى العراق منذ القرن الأول من الهجري، وظهرت أولى مقاوماتهم وثوراتهم على أوضاعهم البائسة في نواحي البصرة في ولاية مصعب بن الزبير، واستطاعوا احتلال المزارع والاستيلاء على أثمارها عنوة، وفي عام 75هـ/694م قام الزنج بحركة مُنظّمة ونصَّبوا لهم زعيما يُدعى رباح ولقبوه "شير زنجي" أي أسد الزنج، ونظرا لهذا الإحساس والوعي المتزايد بالذات، فقد لفتت قوتهم بعض ولاة العباسيين، وتسرب الزنج في كامل الأراضي العراقية من البصرة جنوبا وحتى الموصل شمالا[2].

  

كان عمل الزنج الرئيسي في الأراضي الزراعية التي كانت منتشرة بالقرب من دجلة والفرات وتفرعاتها، وعرف جزء كبير منها بسواد العراق، كانت هذه الأراضي في غالبها أراضي إقطاعية، وقد عرف المسلمون معنى الإقطاع بتصوره الإسلامي منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ونجد منذ عصر صدر الإسلام فريقا من الصحابة يستغلون بعض الأراضي ويدفعون عنها الخراج أمثال عبد الله بن مسعود والحسين بن علي. والإقطاع في التصور الإسلامي هو أن يجعل الخليفة الأرض لشخص من الأشخاص فيصبح مالكا ومستغلا لها، وقد تعددت أنواع الإقطاعات، فهناك إقطاع التمليك أو إحياء الأرض الموات الذي لا يورّث، حيث يعود للدولة بمجرد وفاة صاحبه، وإقطاع الاستغلال الذي يُمنح لرجال الجيش وهو أيضا لا يورّث، وظهرت هناك إقطاعات مدنية مُنحت لكبار الموظفين بدلا من الرواتب[3]، وظهر منذ القرن الرابع الهجري الإقطاع العسكري الذي تطور مع الوقت في الدول العسكرية مثل السلاجقة والأيوبيين والمماليك.

  

إن حديث النبي القائل: "من أحيا أرضًا مَواتًا فهي له" جعل كثيرا من ذوي الأموال والأغنياء يتجهون لزراعة مساحات شاسعة من الأراضي غير المستغلة وغير المملّكة والصالحة للزراعة، ولا يترتب عليهم من الالتزامات سوى دفع العُشر من قيمة الحصاد إلى الدولة، وهذا النوع من الأراضي "الموات" هي التي تصبح ملكا مطلقا لصاحبها وورثته، ومن هذا المبدأ تشجع الأغنياء من المسلمين منذ دخولهم إلى الأقطار المفتوحة لا سيما الزراعية منها، والتي تتوفر فيها المياه مثل العراق خاصة، إلى انتهاج هذه السياسة التوسعية من إحياء الأرض الموات.

  

        

  

ومن هنا، كان لازما عليهم لديمومة هذا الاستثمار الزراعي جلب الآلاف من الأيدي العاملة الرخيصة، فلم يجدوا سوى الرقيق خصوصا من الزنج المستجلبين من شرق أفريقيا، وقد عُرفوا بالصبر والقوة في العمل والتحمل الشديد، ومع الوقت توسّعت الهوّة بين الجانبين، أصحاب الأراضي من الملاك صاروا من الأغنياء الفرهين والمنعّمين بازدياد أرباحهم السنوية، بينما كان عُمّال هذه الأراضي يعيشون حياة بائسة قاسية تعيسة مليئة بالكد والعرق دون مقابل تقريبا، خصوصا وأن كثيرا من أصحاب الأراضي لم يتعاملوا وفق ضوابط الشرع الإسلامي الذي بيّن حقوق الرقيق في الإسلام من حسن المعاملة وعدم الضرب وحتى العتق، وعلى رأسها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"[4].

   

حياة البؤس والتعاسة

كان العمل الذي سُخّر فيه الزنج في المناطق الواقعة في القسم الأدنى من دجلة والفرات، وهي منطقة من المستنقعات التي تُسمى البطيحة، عملا شاقًّا، وبؤرة للأوبئة والأمراض المستعصية، ومن ثم تعرض سكانها وعمّالها لأسوأ الأوبئة والأمراض، يقول المؤرخ والجغرافي عن هذه المنطقة: "والبطائح نعوذ بالله منها ومن شاهدها في الصيف رأى العجب... وثمَّ بقٌّ له حُمّة كالإبرة"، ولا شك أن هذا البق كان عاملا في نشر الملاريا، وقد رأينا عددا من كبار قادة الزنج يُصاب بالملاريا مثل علي بن أبان، وإذا علمنا أن العبيد لم تكن لهم بيوت تقيهم البرد والحر، وأنهم كانوا ينامون في العراء أو في أكواخ من النباتات والطين، أدركنا في أي ظروف سيئة كانوا يعيشون فيها.

  

كانت النظرة السائدة للزنج آنذاك نظرة ازدراء واحتقار، وقد عبّر الجاحظ عن نظرة مُعاصريه في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي للزنج قائلا: "وقد علمنا أن الزنجَ أقصر الناس مدّة وروّية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة، فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم، ونقص عقولهم، وقلة معرفتهم"[5].

    

  

كان العمل الرئيسي الذي استُخدم فيه الزنج هو إزالة الطبقة الملحية من السباخ، التي تغطي الأراضي بُغية إظهار التربة الخصبة الصالحة للزراعة، ونقل السباخ وجعله في أكوام أو تلال للإفادة منه في الوقت نفسه كسماد للأرض، وكانت "كسوح الزنوج معروفة بالبصرة كالجبال، وكان في أنهار البصرة منهم عشرات ألوف يُعذّبون بهذه الخدمة"[6]، وكان الزنج في عملهم هذا معرّضين لرقابة صارمة وإهانات مستمرة، وكانوا يعملون في مجموعات بشرية ضخمة للغاية يتراوح عدد الواحد منها ما بين 500 إلى 5000 عامل، بل قد يزيد عدد الكتلة الواحدة على هذا الحد، فقد بلغ عدد إحدى الجماعات التي كانت تشتغل على نهر دجيل الأهواز خمسة عشر ألف غلام.

  

كانت كل مجموعة من الكتل الزنجية تعمل على منطقة معينة من الأرض كانت إقطاعا لشخصية بارزة أو لمالك من كبار الملاك الزراعيين، وبالنظر إلى الطبيعة السيئة والمهينة، والأجواء القذرة التي كان يعمل فيها هؤلاء، وموت العشرات منهم بسبب سوء الأوضاع، فإنهم كانوا أقرب إلى نظام عبيد الأرض "الأقنان" الذين عرفهم النظام الإقطاعي في أوروبا في العصور الوسطى، ولم يُعاملوا طبقا لحقوق الرقيق في الإسلام، ومن هنا جُرد العبيد الزنج من كل مزية وحق، فضلا عن أن نظام "إحياء الموات" يحتم على صاحبه أن يحييها بالعدل والمؤاجرة وليس من خلال العبيد أو السخرة.

  

ولكي يضمن كبار الملاك سير العمل في إقطاعياتهم الواسعة بصورة سلسلة، ورغبة في تحقيق أكبر قدر ممكن من الثروة، أوكلوا الإشراف على زراعتها ومراقبة العبيد العاملين فيها إلى وكلاء كانوا يمثّلونهم وينوبون عنهم، وهكذا نجد أن الاتصال لم يكن مباشرا بين العبيد وساداتهم، بل كان يتم عن طريق هؤلاء الوكلاء، وذكرت مصادر التاريخ الإسلامي أسماءهم، ونجد أن كثيرا من الهاشميين كانوا من كبار الملاك آنذاك فضلا عن غيرهم من كبار رجالات القبائل العربية في العراق.

    

أُبعد الزنج قسريا عن أسرهم في أوطانهم، وحُرموا نعمة الاستقرار العائلي، وجيء بهم في بيئة غريبة قاسية عنهم

مواقع التواصل
   

على أن اللافت أن العلاقة بين الوكيل وبين العبيد كانت الأسوأ على الإطلاق، ويبدو أن هؤلاء الوكلاء كانوا يسومون الزنج سوء العذاب، وكان مما زاد في سوء حالتهم الاجتماعية والنفسية أنهم لم يكونوا على هيئة أسر مكوّنة من آباء وأمهات وأبناء، بل كانوا "على هيئة الشُطّار عزابا"، أي إنهم أُبعدوا قسريا عن أسرهم في أوطانهم، وحُرموا نعمة الاستقرار العائلي، وجيء بهم في بيئة غريبة قاسية عنهم، دون أن تكون بينهم وبين وكلائهم أو ساداتهم أي رابطة من التعاطف والتآلف والانسجام، وربما كان هذا الكبت الجنسي وحرمانهم من نعمة الزواج السبب الأبرز الذي جعلهم يتعرضون للنساء[7] أكثر من أي شيء آخر حين انطلقت ثورتهم المسلحة فيما بعد!

  

كان الحرمان من أبسط الاحتياجات عند عبيد الأرض من الزنوج أكثر ما يؤلم نفوسهم، ويوقد الغيظ والحقد في صدورهم، وإذا علمنا أن أردأ وأرخص أنواع الأطعمة كان يتناولها هؤلاء، وأنهم لم يعرفوا معنى للشبع والراحة، فضلا عن حرمانهم من حقوقهم الجنسية في الزواج وتكوين أسرة؛ عرفنا لماذا استمرت ثورتهم المسلحة لأربعة عشر عاما متصلة، تهزم أعتى الجيوش المحلية والعباسية، ولا تأبه لحُرمة مكان أو شخص كبيرا كان أم صغيرا، رجلا كان أم امرأة.

  

كان الزنج إذن وقود ثورة لا تريد فقط إلا أول عود من الكبريت لإشعالها، لا تريد إلا قائدا يُوجّه هذه الجموع، ويلعب على وتر حاجاتهم وحرمانهم، يعدهم بالخير الوفير، والمال والنساء، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل ويُمنيهم أنهم سيكونون في يوم من الأيام من طبقة الملاك الكبار، أحلام تداعب الخيال، وتجعل هذه الآلاف المؤلفة من العبيد طوع بنانه وإشارته.

     

    

قيادة ذكية

في تلك الأثناء ظهر رجل يدّعي النسب العلوي، وهو من أصول فارسية إيرانية مولود في الرّي (طهران اليوم)، اسمه علي بن محمد الفارسي، وهو شخصية محيرة متقلبة، لكنه اتصف بالطموح والذكاء والموهبة، بدأ حياته شاعرا في بلاط الخليفة العباسي في العاصمة الجديدة "سامراء"، لكنه لم يجد مكانه اللائق به، فقد أغوته حياة الخلفاء والقصور إلى الطموح السياسي، فلماذا لا يكون هو الآخر أميرا أو ملكا أو ربما خليفة، ولمَ لا، فقد قامت الدولة العباسية في الأصل بالثورة العسكرية على الأمويين من خلال نشر فكرة المظلومية العلوية، وتحقيق العدل، وتمكّن العباسيون في النهاية من ارتقاء منصب "الخلافة".

  

كانت هذه الأفكار حافزا لعلي الفارسي، وكما بدأ العباسيون من أقصى البقاع في خراسان بعيدا عن مركز الأمويين في الشام والعراق ومصر، فقد تجه الفارسي هو الآخر في بادئ الأمر إلى عمق الصحراء في شرق الجزيرة العربية محاولا أن يستثمر ما للشيعة من عطف وتأييد بين الناس، وقد أحلّه أتباعه محل النبي حتى جُبي له الخراج في بادئ الأمر. على أن جماعة كبيرة من البحرانيين قد تنكّرت له، مما دفعه إلى مغادرتها صوب البادية ليستقطب الأعراب، فادّعى فيهم النسب العلوي، وقال إن اسمه يحيى بن عمر أبو الحسين، فالتف بالفعل حوله مجموعات من الأعراب، واستطاع من خلالهم إعادة السيطرة على البحرين لبعض الوقت، لكنه هُزم في نهاية المطاف ولم يجد بدا إلى الهرب صوب البصرة[8].

  

وفي البصرة، وقف الفارسي على أدق تفاصيلها وتناقضاتها السياسية والاجتماعية، وحاول أن يستغل هذه الخلافات لصالحه، بيد أنه فشل في استمالة أهلها وساداتها وقبائلها، في حين أنه رأى في المناطق المحيطة بالمدينة مجموعات كبيرة من العبيد السود في أشد الأوضاع المأساوية، وقد حاول في بادئ الأمر التقرب منهم، لكنه طُرد من البصرة كلها، فاتجه للمرة الثانية صوب بغداد، التي اتخذ فيها نسبا علويا جديدا فانتسب إلى أحمد بن عيسى بن زيد، وحاول أن يسيطر على السلطة مستغلا اضطراب الأوضاع السياسية حينذاك، لكن لم يستطع ولم يتجاسر لقوة الأتراك العسكرية وسيطرتهم المحكمة على الأمور، فعاد إلى جنوب العراق[9] مرة أخرى سنة 255هـ/869م، عازما أن يتقرب من هؤلاء العبيد ليتخذ منهم جندا لحركته الثورية الجديدة.

  

وقف علي بن محمد الفارسي خطيبا، ولنا أن نتخيل كيف ألهبت خطبته وفصاحته ولعبه على وتر حاجيات هؤلاء البؤساء حماستَهم

مواقع التواصل
   

على أن الفارسي حين أراد أن يدخل لهؤلاء العبيد كان مدخله متعلقا بمسائل العدالة الاجتماعية، والحاجيات المعاشية، وجعله الوتر الحسّاس الذي أخذ يضرب عليه ببراعة شديد فيستجيب له العبيد، وهو في هذا الأمر يمثل القيادة الذكية الواعية التي تلعب على وتر الواقعية في جلب الأنصار، ولعل ذلك يرجع إلى كونه رجلا مثقفا في المقام الأول، له خبرة سياسية بدهاليز القصور، ومحاولات سابقة للوثوب ضد السلطة العباسية في البحرين والبصرة، وقد أثر عنه وهو شاعر في الأصل بعض أبيات تدل على مذهبه الاقتصادي والاجتماعي حين يقول:

   

رأيتُ المقام على الاقتصادِ *** قنوعًا به ذِلّة في العبادِ

إذا النارُ ضاق بها زندها *** ففسحتها في فراق الزنادِ

إذا صامٌ قرّ في غِمْده *** حوى غيره السيف يوم الجلاد

  

وهكذا فإنه يرى في القناعة والبقاء على الكفاف نوعا من الذلة والخنوع، ويجب على الإنسان السعي لتحقيق الغايات البعيدة، وحين التقى بهؤلاء العبيد للمرة الأولى خطيبا وداعيا لهم لتأييده عام 255هـ، كان مع دعوته للحقوق والعدالة الاجتماعية بهم يغلف شعاره ودعوته بغلاف من الدين والشرع، ويُنادي بتطبيق الإسلام الحقيقي الذي أوصى بالعبيد خيرا، وقد عبّر عن هذه الحقيقة حين قال خطيبا لأسياد هؤلاء العبيد ووكلائهم: "قد أردتُ ضرب أعناقكم لما كنتُم تأتون إلى هؤلاء الغلماء (الزنج)، الذين استضعفتموهم وقهرتموهم وفعلتُم بهم ما حرّم الله عليكم أن تفعلوه بهم، وجعلتُم عليهم ما لا يُطيقون"[10].

     

كان الفارسي يتكلم بلسان العبيد حين لا يستطيعون التعبير، ويصرخ في فضاء واسع لاعنا السادة الظلمة

مواقع التواصل
    

وإمعانا من علي الفارسي لإلباس نفسه ثوب الغموض والقداسة، ادعى للزنوج أنه يعرف الغيب، وأن الملائكة تنصره وتشدُّ من أزره، وأن دعاءه مستجاب، ويبدو أن تأثيره تعدى إلى أهل القرى والعمال وأصحاب الحرف الذين رأوا في دعواه إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والنظر إلى مظالم العمال الزنوج، وقوته المطردة، سببا كافيا لدعمه كي يحقق لهم بعضا من المظالم المشتركة مع هؤلاء الزنوج.

  

لقد وقف علي بن محمد الفارسي خطيبا، ولنا أن نتخيل كيف ألهبت خطبته وفصاحته ولعبه على وتر حاجيات هؤلاء البؤساء حماستَهم، كان يتكلم بلسانهم حين لا يستطيعون التعبير، ويصرخ في فضاء واسع لاعنا هؤلاء السادة الظلمة فيردد العبيد معه هذا اللعن؛ فرحا بأنهم في نهاية فاقتهم ومآسيهم وحرمانهم وجدوا ضالتهم في قيادة تشعر بهم، وتسعى إلى تحقيق أمنياتهم بل وما هو فوق هذه الأمنيات.

  

ينقل العلامة ابن جرير الطبري بعضا من هذه الخطب، وهو المؤرخ المعاصر له، قائلا: "نادى في أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا، وركز المردي (العصا أو الخشبة) الذي عليه لواؤه (العلَم الخاص به)، وصلّى بهم وخطَب خطبة ذكرَ فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنقذهم به مِن ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويُملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلى الأمور، ثم حلف لهم على ذلك، فلما فرغَ من صلاته وخطبته، أمر الذين فهموا عنه قوله أن يُفهموه من لا فهم له من عجمهم، لتطيب بذلك أنفسهم ففعلوا ذلك"[11].

  

الخروج العسكري المسلح والنهاية القاسية

  

كانت الخطوة التالية بعدما ضمن علي الفارسي وجود الأنصار الأقوياء من الزنوج والعربان وأصحاب الحرف، ممن تجمعهم مظلومية الفقر وغياب العدالة الاجتماعية، التوجه صوب المدن الكبرى في جنوب العراق وشرقه والاستيلاء عليها، لتكون الخطوة القادمة الانقضاض على بغداد، وإلغاء الخلافة العباسية بالكلية.

  

أثبت الفارسي أنه قائد ذكي بارع، فقد حرص على الدوام لتكوين فرق استطلاع ومخابرات لرصد تحركات الجيوش العباسية، وعمل وفق إستراتيجية نصب الكمائن، والتفوق على قوات الخليفة، واستطاع في أولى خطواته الكبرى الاستيلاء على مدينة البصرة سنة 257هـ/871م، فأنزل فيهم جرائم مروّعة من القتل والإحراق، حتى سُميت هذه الواقعة لشدتها في المخيال الجمعي لأهل البصر بيوم الشذا، وهي نوع من السفن الحربية لوقوع المعركة قرب نهر الفرات، يقول الطبري: "وكثُر المفقودون بالبصرة، وعلا العويلُ من نسائهم وهذا يوم الشذا الذي ذكره الناس، وأعظَموا ما كان فيه من القتل، وكان فيمن قُتل من بني هاشم جماعة من ولد جعفر ابن سليمان وأربعون رجلا من الرماة المشهورين، في خلق كثير لا يحصى عددهم"[12].

  

كانت الخلافة العباسية منهمكة حينذاك في حروب داخلية على جبهات عدة، أخطرها في الشرق مع يعقوب بن الليث الصفار الذي أنشأ فيما بعد الدولة الصفّارية، مما أعطى علي الفارسي فرصة التمادي والتوسّع والتدمير، هذا فضلا عن أن القادة الأتراك كانوا يتآمرون على الخليفة الضعيف المهتدي الذي لم يُكمل عاما واحدا في الحكم، وعلى الرغم من أن الخليفة الجديد المعتمد على الله أحمد بن المتوكل (256-279هـ) لم يكن بالشخصية القوية، فإن الخلافة دخلت في مرحلة من القوة والانتعاش بفضل أخيه الموفّق طلحة الذي كان الحاكم الحقيقي تاركا للمعتمد ألقابه ومظاهره.

    

  

سيطر "صاحب الزنج" كما تسميه المرويات التاريخية خلال عشرة أعوام (255-265هـ/879-879م) على رقعة جغرافية هائلة تمتد بين الأهواز وواسط، دخل فيها الأبلة والبصرة وعبادان وخوزستان، وباتت بغداد ذاتها مهددة، الأمر الذي جعل الأمير العباسي القوي الموفّق طلحة يقود بنفسه العمليات العسكرية ضد هذه الحركة المسلحة الخطيرة، لكنّ كثيرا من قوّاده على الأرض سرعان ما كانوا ينهزمون أمام التكتيكات المتقدمة لحرب الكمائن والمباغتة التي كان ينتهجها الزنج وقائدهم.

  

وعلى الجبهة الأهوازية، كانت قيادة الزنج على الدرجة نفسها من القوة والمهارة العسكرية، فاستطاع القائد علي بن أبان المهلّبي أن ينتصر على القوات العباسية في وقعات كثيرة، وظل نفوذ الزنج يهدد المناطق الشرقية ويستولي عليها من أراضي الخلافة العباسية، حتى إذا جاء عام 266هـ ليتفرغ الموفّق طلحة إلى الزنج بصورة كاملة بعدما انتهى من أمر الصفّاريين، وأرسل واحدا من أكبر جيوش العباسيين بقيادة ابنه العباس بن طلحة على رأس 10 آلاف فارس، فضلا عن السفن الحربية، وكانت المعركة الأولى في مدينة واسط التي استطاع الأمير العباس بن طلحة أن يستنقذها ويهزم قائد الزنج في هذه الجهة سليمان بن جامع الذي تقهقر بقواته إلى جنوب واسط[13] مُعدّا للمعركة التالية.

  

كان خروج الموفّق طلحة بنفسه منذ الأعوام التالية بداية النهاية لحركة الزنج الثورية المسلحة، فاستعمل كل ما لديه من إمكانيات سياسية واقتصادية وعسكرية ليكفل النجاح، فحاصرهم اقتصاديا ليُضعف قدراتهم، فأحرق غلالهم ومؤنهم، وقطع التموين عنهم الذي كان يقدمه بعض الأعراب الداعمين لهم، فعضّهم الجوع، وخارت قواهم، واستسلمت أعداد كبيرة منهم، ثم استطاع الموفّق هزيمتهم عسكريا في الأهواز وأجلاهم عنها، وكان النصر النهائي في آخر معارك الجانبين سنة 270هـ/883م، وفيها قُتل زعيم الثورة علي بن محمد الفارسي، واستسلم آخر من بقي من أتباعه[14].

    

  

وهكذا أُسدل الستار على أول حركة عمالية للرقيق تم تدعيمها فكريا وعسكريا في مواجهة الخلافة العباسية، خرجت مُطالبة في أول الأمر بالعدالة الاجتماعية، وتحقيق المساواة مع كبار الملاك، غير أنها سرعان ما حادت عن طريقها إلى القتل والنهب وارتكاب الفظائع، الأمر الذي جعل مؤسسة الخلافة والجيش العباسي تدخل في صدام عسكري قوي استمر 14 عاما كاملة!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار