انضم إلينا
اغلاق
فقير بأرض الخير.. قصة شقاء الفلاح المصري منذ الفراعنة

فقير بأرض الخير.. قصة شقاء الفلاح المصري منذ الفراعنة

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

إذا كانت مصر هبة النيل، فإن صانع مصر ومجدها وحضارتها من هذا النيل هو الفلاح، ذاك الذي لا يعرف سوى حياة الكدح والتعب والعرق منذ استواء عوده وسط الغيطان، يبذر ليأكل الآخرون حصاده، فلا يكاد يعرف الشبع هو وأولاده -في كثير من الأزمنة- رغم أن الخير بين يديه، يمنح مصر الرخاء على مدار التاريخ، فتأتي الحضارات تلو الحضارات فلا ترى فيه سوى الفقير المُعدم الذي لا قيمة له، وأنه مجرد أداة، في حين أنه أصل القيمة والخير!

  

ولعل هذه الحالة من البؤس والشقاء عبّر عنها ذلك الفلاح القديم في مصر الفرعونية حين كتب أحد الكُتّاب على الجدران معاناته وشكواه من ظلمات ما يتحمّله، قائلا للتاريخ: "هلا استعدْتَ في خيالك صورة الزارع حين يُجبى منه عُشر حَبِّه؟ لقد أتلفَتْ الديدان نصف القمح، وأكَلَتْ أفراسُ البحر ما بقي له منه، وهاجمتها في الحقول جماعات كبيرة من الجرذان، ونزلَت بها الصراصير؛ والماشية النهمة، والطيور الصغيرة تختلس منها الشيء الكثير؛ وإذا غفل الفلاح لحظة عما بقي له في الأرض، عدا عليه اللصوص. يضاف إلى هذا أن السيور التي تربط الحديد والمعزقة فقد بليت، وأن الثورين قد ماتا من جرّ المحراث. وفي هذه اللحظة يخرج الجابي من القارب عند المرسى ليطلب العشور، ثم يأتي حُرّاس أبواب مخازن "الملك" بعصيّهم، والزنوج بجريد النخل، يصيحون: تعالوا الآن، تعالوا! فإذا لم يأتهم أحد طرحوا الزارع أرضا، وربطوه، وجرّوه إلى القناة وألقوه فيها"[1].

    

الفلاح بالنقوش الفرعونية (مواقع التواصل)

     

بيئة مُعدمة!

ظل الفلاح المصري على مر العصور يعاني الفقر والحرمان؛ وتجلى ذلك في حِلِّه وترحاله؛ فعلى سبيل المثال كانت شوارع قريته وبيوتها منظمة بصورة عشوائية غير مخطط لها، وكان يندر استعمال الحجارة كمادة للبناء الذي يعتمد على مادة اللبن المجفف، وعلى جذوع النخل وقضبان القصب لبناء الأخصاص، وكان البيت الريفي يتكون من طابق واحد، يتناسب حجمه مع عدد أفراد الأسرة، ويشتمل على حوش مكشوف وغرفتين، إحداهما للنوم والأخرى للاستعمالات المنزلية المختلفة كالفرن، الذي تعلوه مصطبة عريضة، كانت تُستخدم في فصل الشتاء كسرير للنوم بعد إشعال نار خفيفة فيها[2]!

  

في كل قرية تستطيع رؤية الفئات التي تعد الأعلى مكانة، مثل شيوخ القرى وجامعي الضرائب وحافظي الأمن، وكان بعضهم يستغل سلطاتهم في تحصيل الثروات والعيش في بيوت فخمة كالقصور، وامتلكوا قطعان الماشية والأراضي الزراعية، وكانوا يُقرضون الفلاحين التقاوي والأموال بالفوائد الربوية، وقد وصفهم بعض المؤرّخين بالملوك في قراهم[3].

  

لقد عانى الفلاحون، أهل القرى، حين زراعة الأراضي وحرثها، التي لم تكن في الغالب ملكا لهم، فإما كانت إقطاعا يعملون فيه ويدفعون خراجه السنوي للدولة كما في عصر الأيوبيين والمماليك، أو كانوا يعملون في حقول كبار الملاك نظير أجرة يومية تكاد تسد حاجتهم للعيش، وإذا كان الرجال قد أصابهم التعب والإرهاق اليومي المتواصل، فإن المرأة الريفية لم تكن تهنأ بالراحة إلا في القليل من يومها الطويل، حيث كانت وظيفتها جلب مياه الشرب من الآبار والترع القريبة، والعناية بالأطفال، وتحضير الطعام، وتوفير الوقود اللازم بجلب الأحطاب، وتحضير أقراص الجلّة من التبن والزبل، والعناية بالحيوانات والطيور المنزلية، ومساعدة زوجها في بعض الأعمال الزراعية كالزرع والقلع والحصاد.

  

      

    

أما أطفال القرية فقد غلب البؤس والشقاء على حياتهم، فالفلاح لا يكاد يعرف معنى للطفولة للفقر الشديد، وانخراطه في العمل الحقلي والبدني منذ صغره، ولذلك يصفهم بعض المؤرخين المصريين في العصر العثماني مثلا بأنهم "عرايا تراهم في صورة المجانين... كأولاد الهنود، مكشوف الرأس، غارق في الساس، ونومه في المدود، وشُربه من المترد، ولعبه حول العِجْلة، وإذا درج في الحارة لا يعرف غير الطبلة والزمارة، والطرد خلف الثور والفحل، لا يلبس على طهارة قميص، وعيشه دائما في تنغيص"[4]!

  

وإذا كانت حياة الفلاح وزوجته وأبناؤه بمثل هذه الصعوبة في يومهم، فإنهم لم يذوقوا أطيب الأطعمة إلا في النادر من حياتهم، فقد اعتمد الفلاحون على الخبز المصنوع من الذرة، وكان يُصبح سيئا إذا أُضيف إليه الشعير، ومنهم من كان يصنعه من الشعير فقط، ومنهم من كان يخلط الذرة والشعير ببعض القمح أو دقيق الحلبة، وقد أشار النابلسي في بداية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي إلى أن خبز بلاد الفيوم يتميز بطراوته في اليوم الأول من خبزه، ولكنه يفقد طعمه إذا بات ليلة واحدة فقط[5]!

   

مكافأة الفلاح.. الاحتقار والبؤس!

وبسبب هذه الحياة الصعبة والقاسية، ورغبة منه على الدوام في ترك هذا البؤس والشقاء اليومي الذي لا ينتهي، فإن نظرة الفلاح لحياة المدن كانت تتسم بالاحترام والتقدير، خصوصا العاصمة القاهرة، حتى تجسّدت الرغبة لديه في الانتقال والعيش بها أو مجرد زيارتها، واعتبار زيارتها عملا يستحقّ الحديث عنه أثناء الجلسات العامة والخاصّة؛ لكن أهل المدينة في الغالب قابلوا هذه النظرة بالاحتقار والازدراء لنمط حياة الفلاحين وسلوكهم، واستخدم بعضهم كلمة "قحف" للدلالة على الفلاح، وعلى سوء طبعه، فقد أشار المؤرخ ابن إياس في القرن السادس عشر الميلادي وهو مملوكي الأصل إلى الجمود الذي يسيطر على عقلية الفلاح، وعدم قابليته للتغيير والتبديل، فضرب لنا مثلا بأحد هؤلاء الذين قدموا من محافظة الغربية ليصبح من مقربي السلطان قانصوه الغوري، لكنه رغم ذلك لم يُغيّر طريقة حديثه ولباسه، فبقي في نظر ابن إياس وغيره من أهل القاهرة: "فلاح قحف كما جاء من وراء المحراث"[6]!

  

    

  

في عصر العثمانيين، ظهر نظام جديد بخلاف الإقطاع الإسلامي الذي عُمل به منذ عصر السلاجقة والأيوبيين والمماليك، فقد كانت الأرض تُقطع للجيوش الإسلامية يُنظمها ديوان الجيش، فكل أمير أو جندي كانت له قطعة أرض يعمل فيها فلاحو تلك المنطقة، وفي مقابل عملهم، كان يأخذ إتاوة سنوية مرتبا له، وما يتبقى فإنه يكون لهم ولأولادهم، أما في العصر العثماني فقد جاء نظام "الالتزام"، وهذا النظام كان يتم عن طريق المزايدة العلنية، أي إن أغنى أغنياء القرية أو الناحية كان يضمن للدولة (يلتزم) مبلغا من المال سنويا في مقابل تحصيله للضرائب من كافة أهل القرية، وكثيرا ما وقع الظلم من قِبل الملتزمين لنفوذهم وعلاقاتهم الوطيدة مع رجالات الدولة وعسكرها على كاهل الفلاحين الفقراء!

  

وإذا لم يسلم الفلاح من الضرائب والإتاوات المُرهِقة من قِبل الأمراء المقطَعين أو الملتزمين في العصر الوسيط، وإنما فوق ذلك كان عليه أن يواجه خطر العربان وقُطاع الطرق، في وقتٍ كان يسهل عليهم قطع الطرق، والهجوم على القرى كالجراد، فينهبون الحصاد، ويسلبون ما تصل إليه أيديهم، ويبتزون الفلاحين بعرض حمايتهم مقابل المال[7]، فلا يدري هؤلاء المساكين من يُرضون، فضلا عن سد حاجاتهم ورمق أولادهم!

    

حقق محمد علي باشا طفرة كبيرة للغاية في الإصلاح الزراعي، وفي شق الترع وأعمال الري، فضلا عن القناطر التي أنشأها، وأهمها القناطر الخيرية

مواقع التواصل
   

على أن الأسوأ من هذا كله أن الفلاحين كانوا يُستخدمون كالسخرة في تقوية الجسور وتطهير الترع واحتفارها، وكانت هناك أراضٍ تُسمى "الوسية" أو "الأوسية" هي حق خالص للملتزمين من كبار الأغنياء وأمراء المماليك، كان الفلاحون يعملون في هذه الأراضي بجوار أراضيهم دون حق في الأجرة أو الحصاد. وفي العصر الحديث حقق محمد علي باشا طفرة كبيرة للغاية في الإصلاح الزراعي، وفي شق الترع وأعمال الري، فضلا عن القناطر التي أنشأها، وأهمها القناطر الخيرية، ورغم ذلك ظل الفلاح المصري يعيش حالة من البؤس والفاقة، وكانوا يُعاملون بأشد أنواع المهانة بالكرباج وغيرها، وفوق هذه المظالم فرض عليهم محمد علي جباية الضرائب بصورة مالية ليست من الحصاد، والثاني تمثَّل في الاحتكار الذي فرضه عليهم محمد علي، فكان "يمتصّ" دماءهم من الجانبين!

    

أما فيما يتصل بتابعي محمد علي وأبنائه وأحفاده، فإن حالة الفلاح المصري كانت تزداد سوءا كلما اتجه الولاة إلى الاستدانة من المرابين الأوروبيين، لا سيما في عصر الخديو إسماعيل؛ ذلك الذي أغرق البلاد في مستنقع الديون، ولم يجد أمامه إلا فرض مزيد من الضرائب على الفلاحين ليسد نَهَم السادة أصحاب البنوك في فرنسا وإنجلترا وغيرها، حتى بات الفلاحون أفقر من ذي قبل، يقول ألفريد بلنت أحد أهم المؤرخين لتلك الحقبة القاسية في تاريخ مصر، وقد زار البلاد، ورأى بعينه حالة الفلاحين المزرية:

  

"كان الفلاحون في ذلك الوقت في أشد حالات الضنك.. والمجاعة على أبواب الفلاحين، وكان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصا في الحقول وعلى رأسه عمامة أو على ظهره شيء أكثر من قميص، وحتى في ضواحي القاهرة وبالأكثر في الفيوم التي يمّمنا بوجوهنا شطرها يمكنني أن أقول إن الحالة كانت كذلك، وكان بين مشايخ القرى قليلون يملكون عباءة، وغصّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحليّهن الفضيّة للمرابين الأروام لأن جامعي الضرائب كانوا في قراهنّ والكرباج مُشهر في أيديهم، فابتعنا مصوغاتهن الزهيدة، وأصغينا إلى قصصهن، واشتركن معهن في استنزال اللعنات على الحكومة التي جعلتهن عرايا"[8]!

   

استمرار الفقر رغم محاولات الإصلاح

كثير من الفلاحين وقعوا ضحية لأعمال نصب أو استهانة أمام القضاء المختلط الذي أُنشئ في نهاية عصر الخديو إسماعيل

مواقع التواصل
   

لم يكن الاحتلال الإنجليزي لمصر أحسن حالا من أيام إسماعيل وسلفه، صحيح أنه اهتم بالزراعة اهتماما لافتا، لكنه كان اهتماما لتحقيق مصالحه الشخصية دون أدنى اهتمام بمصالح مصر والمصريين، فقد اهتم على الخصوص بزراعة القطن، وأهمل الزراعات الأخرى[9]، وشجع الأجانب على استثمار رؤوس أموالهم ونشاطهم في التسليف وفي المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية، وقد نجمَ عن هذه السياسة القضاء على الحياة الصناعية في البلاد، وجعلها عالة على إنجلترا وعلى الدول الأوروبية في حياتها الاقتصادية.

  

وكان الأسوأ من ذلك، الارتهان للسياسة البريطانية ومصالحها الزراعية، أن كثيرا من الفلاحين وقعوا ضحية لأعمال نصب أو استهانة أمام القضاء المختلط الذي أُنشئ في نهاية عصر الخديو إسماعيل، وكان كثير التجني على المصريين بمختلف طبقاتهم لصالح الأجانب في مصر، واستطاع مجموعة من الأجانب أن يوقعوا بالكثير من الفلاحين في شباكهم التي نصبوها لهم، "فتمادوا في ذلك تماديا يمكن التأكيد معه أن بعضا من صغار الملاك نُزعت ملكيتهم قضائيا بدون أن يصل إليهم أي إعلان من المحكمة"[10]!

  

في مرحلة الاستقلال، وعقب ثورة يوليو 1952م، كان من جملة أهدافها القضاء على الإقطاع وتحقيق العدالة الاجتماعية، واستطاع ضباط يوليو بالفعل توزيع الأراضي الزراعية المصادرة من كبار الملاك على صغار الفلاحين بواقع من خمسة إلى عشرة أفدنة، لكن ذلك لم يحقق المرجو على المدى المتوسط والطويل، فقد أوضحت الأبحاث الميدانية والتقديرات المختلفة بأن نحو 80% من الفلاحين يعملون بصفة مؤقتة أو "دائمة" خارج أرضهم، إما لدى فلاحين أفضل حالا، وإما في الإدارة أو الخدمات أو التجارة، وأثبتت هذه الدراسات الميدانية أن عددا كبيرا من الفلاحين المصريين يحاولون تلبية احتياجات أسرهم عن طريق البحث عن موارد للدخل من خارج أراضيهم[11].

    

  

في إحصاء عام 2000م وصل عدد الفلاحين في مصر إلى 3.6 مليون فلاح، يعول كل منهم أسرة تتكون من خمسة إلى ستة أشخاص، ومع مرور عقد من الألفية الجديدة كان وضع الفلاحين في مصر يزداد سوءا، فقد لوحظ بحثهم الدائب عن عمل خارج أرضهم الصغيرة محاولين تنويع أنشطتهم، لكون الأرض التي يفلحونها لم تعد تكفي لغذائهم، وقد أجاب أحد الفلاحين ردا على سؤال وُجّه إليه يخص خطته المستقبلية بأن صغار الفلاحين مضطرون إلى ممارسة نشاط أو أكثر من أجل تلبية الاحتياجات الملحّة للأسرة، مؤكدا أنه "من دون ذلك سنتحول إلى شحاتين"[12]!

  

ما سبق لم يكن سوى ملمح بسيط من مأساة الفلاح المصري عبر الزمن، تاريخ من التهميش والتحقير والنسيان، لا نكاد نراه فيها فرحا سعيدا إلا في أيام معدودة من عُمره، قصة يغمرها الشقاء والعرق، ويلف أبطالها القلق والحزن، يبني حضارة مصر، ويُشبع شعبها وطبقاتها وهو الفقير المعدم، فلعله يأتي من يُشعره بكيانه وقيمته في بلده يوما ما!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار