انضم إلينا
اغلاق
سليمان بن قُتلَمِش.. ماذا تعرف عن المؤسس الأول لتركيا الحديثة قبل ألف عام؟!

سليمان بن قُتلَمِش.. ماذا تعرف عن المؤسس الأول لتركيا الحديثة قبل ألف عام؟!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
"في هذه السنة (سنة 477هـ) سار سُليمان بن قُتلَمش صاحب قونية وأقصرا وأعمالها من بلاد الروم (الأناضول) إلى الشام فملَك مدينة أنطاكية من أرض الشام، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة". 
(ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ")
     
يعتبر الكثيرون أن الدولة العثمانية التي امتدت لتسعة قرون متطاولة هي الأصل الذي تقوم وتتكئ عليه تركيا الحديثة، ويُغفِل هؤلاء أن لهذه الدولة الحديثة أصولا أكثر قدما تبدأ مع معركة ملاذكرد سنة 463هـ/1071م حين هزم السلطان ألب أرسلان السلجوقي (ت 465هـ/1073م) أعداءه البيزنطيين بقيادة الإمبراطور رومانوس ديوجنيس وألبسه ثوب الأسر والقيد والذل في أقصى شرق الأناضول، ففتح هذا الانتصار الباب واسعا لانسياح الأتراك والتركمان في بلاد الأناضول.
    
ولئن كان ذلك النصر علامة فاصلة في تاريخ الدولة البيزنطية وانحسار نفوذها في تلك المناطق التي كان يُسميها المؤرخون العرب "بلاد الروم" نسبة إلى قاطنيها من الروم البيزنطيين، فإن دخول الأتراك إلى هذه الأقاليم صاحبه نوع من العشوائية إلى حدٍّ ما.
  
غير أنه برز على سطح الأحداث بعد ذلك بسنوات قليلة رجل لن يعمل على توحيد الأناضول وزيادة رقعة الفتوحات الإسلامية التركية في غرب آسيا الصغرى وفقط، بل سيُعتَبر المؤسس الحقيقي للوحدة السياسية للأتراك في عصرهم الوسيط، وعلى إرثه ذلك بزغ فجر العثمانيين ثم دولتهم الحديثة في عصرهم الحاضر.  
    
ذلك هو سليمان بن قُتلَمِش أحد أبناء وأمراء البيت السلجوقي، فكيف ظهر ذلك الرجل على مسرح الأحداث؟ وكيف تحول خلافه مع أبناء عمومته من السلاجقة الكبار وعلى رأسهم ألب أرسلان وابنه ملكشاه بن ألب أرسلان إلى مسار آخر؟ وما أبرز إنجازاته في بلاد الأناضول "تركيا"؟ وكيف كانت نهايته المأساوية؟!
  
تمثال "سليمان بن قتلمش" (مواقع التواصل)
    
من السجن إلى القيادة!
ينتمي سُليمان بن قتلمش إلى البيت السلجوقي الذي تولى زمام قيادته السلطان طغرل بك بن ميكائيل بن سلجوق (ت 455هـ/1063م)، طارد البويهيين من العراق، والفاطميين من الشام، والمؤسس الحقيقي للإمبراطورية السلجوقية التي امتدت من وسط آسيا حتى الشام وسواحل البحر المتوسط، وإن كان ثالث السلاطين السلاجقة على الحقيقة.
  
فتحت وفاة السلطان "طغرل بك" الباب للنزاع بين السلاجقة أو أبناء العمومة، فقد كان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل السلجوقي ابن أخي طغرل بك يحكم ولايات ما وراء النهر في خراسان ووسط آسيا بعد وفاة والده جغري بك سنة 451هـ، وبإيعاز من وزيره المحنك "نظام الملك الطوسي" حضّه على الإسراع للسيطرة على عاصمة السلاجقة في الري (طهران حاليا) وإعلان نفسه سلطانا بعد وفاة عمه طغرل بك، بينما كان "طغرل بك" وبتأثير من زوجته قد عهد للطفل الصغير "سليمان بن داود" أخي ألب أرسلان من الأب ليرتقي عرش إمبراطورية السلاجقة بعد وفاته، يعاونه في ذلك وزير ذكي ماكر اسمه عميد الملك الكندري[1].
    
  
وبالفعل انطلق ألب أرسلان من قاعدة مُلكه في خراسان وتمكّن من السيطرة على العرش السلجوقي بقواته وعساكره الكثيرة وعاصمة الدولة في الري، لكن ذلك لم يُعجب أميرا سلجوقيا آخر هو "قُلتمش بن يابغو السلجوقي" ابن عم "طغرل بك" مع أبنائه وعلى رأسهم سُليمان الذي سيكون له شأن بعد قليل، إذ أعلن "قُتلمش" أنه الأحق بمنصب السلطنة من "ألب أرسلان"، لأنه ابن عم السلطان السابق وأقرب الناس منه، وقرر الخروج من قاعدة إمارته في طبرستان شمال إيران متجها صوب الري عاصمة الدولة، وتمكّن من الاستيلاء عليها، وعاد ألب أرسلان من العراق مسرعا صوب الري، وهزم بسهولة قتلمش بن يابغو الذي خرّ صريعا، وألقى بأبنائه الخمسة في السجن ومنهم سليمان بن قتلمش الذي أصبح أسيرا سجينا وذلك سنة 456هـ/1063م، واستتبّ لألب أرسلان الأمر في قيادة السلاجقة[2].
  
بقي "سليمان بن قتلمش" في السجن طوال سنوات حُكم "ألب أرسلان"، حتى إذا وافته المنية سنة 465هـ، ووقوع الاضطراب والفتنة بين أبنائه على العرش السلجوقي مرة أخرى، استغل سليمان هذا الأمر واستطاع أن يفر مع إخوته من سجن مدينة الري (طهران) ويتوجه صوب الأناضول التي كان السلاجقة قد فتحوا أجزاء منها بقيادة ألب أرسلان قبل ذلك بعامين فقط.
  
فحين دخلت القبائل التركمانية إلى الأناضول بعد انتصار موقعة "ملاذكرد" وسيطرتهم على مناطقها الوسطى والجنوبية، أقاموا مجموعة من الإمارات شبه المستقلة، فسيطر الأمير أرتق بن أكسك على مدينة ماردين وديار بكر وما حولها فسُموا بإمارة "الأراتقة"، وسيطر الأمير محمد بن الدانشمند على مناطق وسط الأناضول مثل توقات وسيواس وقيصارية وأنشأ إمارة الدانشمنديين، وسيطر الأمير ضاولي سقاو على منطقة مرعش، وآخر على منطقة أرزنجان[3]، وهكذا بدت الأناضول مشتتة بين القبائل التركمانية بعد فتحها على يد السلاجقة الكبار بقيادة ألب أرسلان.
    
   
التوسع في غرب الأناضول
وبسبب هذا التشتت التركماني، فإن "سليمان بن قتلمش السلجوقي" حين حطّ رحاله بعد فراره من السجن في إيران إلى الأناضول، التفّت حوله القبائل والجموع التركمانية، لأنهم رأوه واحدا من كبار رجالات البيت السلجوقي، واستقر به المقام في منطقة الرُّها المعروفة اليوم بـ "أورفا"، ومن هناك أرسل إلى الفاطميين لإقامة تحالف مشترك، وكان الفاطميون يسيطرون على مناطق حلب والساحل الشامي، إلا أن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان (465-485هـ) الذي ارتقى إلى عرش السلاجقة بعد وفاة والده "ألب أرسلان" سنة 465هـ قرّر أن يسيطر على بلاد الشام ويطرد الفاطميين منها، ومن هنا أرسل أحد أهم قادته أتسز التركماني لطرد الفاطميين، والسيطرة على الشام، وفك تحالفهم مع الأمير السلجوقي سُليمان بن قتلمش، الأمر الذي أجبر سليمان على التراجع عن حلب والشام بالكلية إلى الأناضول من جديد[4].
  
أدرك سليمان بن قتلمش وإخوته أن معركتهم الحقيقية تكمن في الأناضول وتطهيره من بقايا الوجود البيزنطي الرومي، لا سيما في مناطقه الغربية، وعبر سلسلة من المعارك والحروب الخاطفة والقوية استطاعوا مدّ نفوذهم إلى بحر مرمرة واتخذوا من مدينة نيقية (أزنيق) عاصمة لهم سنة 470هـ/1077م، وهو الذي يُعتَبر عام تأسيس دولة سلاجقة الروم[5].
  
أدرك سليمان بذكائه مدى الضعف والترهل الذي كانت تعاني منه الإمبراطورية البيزنطية وبقاياها في الشمال الغربي وبعض مناطق الوسط بالأناضول والبلقان والقسطنطينية، والتنافس الداخلي بين كبار القادة العسكريين للظفر بمنصب الإمبراطور، ومن هنا استجاب سليمان لدعوة الإمبراطور ميخائيل السابع لمساعدته ضد القائد البيزنطي المتمرد رسلباليل الذي أعلن استقلاله في مناطق أنقرة وقونية، وبالفعل توجّه سليمان بجيشه نحو الغرب وهزم ذلك القائد المتمرد، واستطاع سليمان السيطرة على مناطق جديدة، الأمر الذي اضطر الإمبراطور البيزنطي إلى اللجوء إلى البابوية في روما لمساعدته في صدّ التقدم التركي الذي يُهدِّد الوجود البيزنطي في كل مناطق الأناضول[6].
  
فاستغل سليمان هذه التمردات الداخلية بين القادة العسكريين البيزنطيين، وكان يقف مع جانب ضد آخر، بل ومع الجانبين في بعض الأحيان للوصول إلى أغراضه وتوسيع رقعة نفوذه، وبالفعل بحلول عام 473هـ/1080م كان سليمان بن قتلمش السلجوقي التركي قد سيطر على المقاطعات الممتدة من كليكيا جنوبا وفي القلب منها قونية وأقسرا وأنقرة إلى ساحل البحر الأسود شمالا، ومن النهر الأحمر شرقا "قيزل إرماك"، بل قيل من نهر الفرات في أقصى الشرق وحتى سواحل بحر مرمرة غربا[7].
  
استرداد أنطاكية للحضن الإسلامي
   
حين استقرت الأوضاع لسليمان بن قتلمش في هذه المناطق الشاسعة من الأناضول، فزع الأرمن وهربوا إلى مناطق جبال طوروس قرب أنطاكية والمناطق المطلة على خليج الإسكندرون، وقد كانت بقايا من فلول الجيش البيزنطي المنهزم أمام السلاجقة في معركة ملاذكرد سنة 463هـ قد آثرت الانسحاب والاستيطان في هذه المنطقة وتأسيس دويلة صغيرة سُميت بـ "مملكة أرمينية الجديدة أو أرمينية الصغرى"، وكان أغلب سكانها من الأرمن النصارى، واتخذوا القائد البيزنطي الأرمني فلاريتوس قائدا لهم، وقد اعترف الإمبراطور البيزنطي بدويلته الجديدة شريطة تبعيّتها للبيزنطيين، لكن فلاريتوس في الوقت نفسه كان يدفع الجزية للسلطان السلجوقي ألب أرسلان[8].
    
ظل السلطان الجديد لسلاجقة الأناضول سليمان بن قتلمش يتحيّن الفرص ليمد نفوذه جنوبا صوب حلب وبلاد الشام، وهي المناطق التي حاول الاستيلاء عليها حين مجيئه من إيران في أول الأمر، على أن وجود الأرمن ودويلتهم في مناطق خليج الإسكندرون في أنطاكية وطرسوس وعين زربي كان بالنسبة له تحديا يجب القضاء عليه، لذا كان الاستيلاء على أنطاكية المدينة التي فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب وأعاد الروم احتلالها سنة 358هـ/969هـ حلما لسليمان[9]، وقد بدأ يُخطّط بالفعل للاستيلاء على هذه المدينة بوابة بلاد الشام والأناضول على السواء!
  
وبالفعل، جاءته أخيرا الفرصة حين أخبره جواسيسه أن الملك الأرمني فلاريتوس بجانب إساءته للرعية والجند قد ترك المدينة فارغة إلى مدينة عكا لخطبة فتاة، ومن هنا هبّ سليمان بن قتلمش بجنوده في خطة سرية عملت على التحرك ليلا والتخفي نهارا، حتى باغتوا أسوار مدينة أنطاكية في يوم الخميس 14 شعبان سنة 477هـ، ودخلوها وفتحوا أبوابها من الداخل نتيجة تواطؤ داخلي من سكان وبعض قادة المدينة الكارهين لحكم الأرمن، وبحلول 12 رمضان من العام نفسه/1084م كان قد استولى على كامل مدينة أنطاكية والضياع والمناطق المحيطة بها، بعد أكثر من قرن من سيطرة البيزنطيين على المدينة، فباتت دولته تمتد من نيقية على ساحل بحر مرمرة غربا إلى حدود طرابلس الشامية جنوبا[10].
  
نهاية في سبيل الطموحات!
   
كان السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان (ت 485هـ) رغم توجسه وخوفه من نفوذ سليمان بن قتلمش المتصاعد في مناطق نفوذه قد فرح لخبر انتصاره على الأرمن والبيزنطيين حين أرسل له سليمان رسالة تُبشّره بهذا النصر، غير أن هذا النصر والتمدد لسليمان قد أثار نقمة حكام حلب العرب من بني عقيل الموالين للسلطان ملكشاه، وعلى رأسهم الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي (453-478هـ/1061-1085م)، وقد أدرك مسلم أن الخطوة التالية لسليمان ستكون مهاجمة حلب، فأخذ زمام المبادرة بالهجوم.
    
لكن مسلم بن عقيل لم يكن يحسب لهذه المواجهة حسابا واقعيا، وفي 24 صفر سنة 478هـ/21 يونيو/حزيران 1085م قرب بلدة عفرين، لاقى العقيليون وأتباعهم هزيمة ساحقة من قوات سليمان بن قتلمش السلجوقي، وقتل مسلم في هذه المعركة، وأرسل سليمان أخبار هذه المستجدات إلى السلطان ملكشاه، لكنه في المقابل بدأ في حصار حلب التي كان يحكمها آنذاك رجل اسمه الشريف الحتيتي الذي كتب سرا بتسليم المدينة إلى الأمير تُتش بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه وحاكم دمشق وجنوب الشام، والذي رأى في تمدد سليمان بن قتلمش في بلاد الشام خطرا يُهدِّد نفوذه، وكانت خطة الحتيتي حاكم حلب المحاصر أن يوقع بين السلاجقة وأنفسهم في حرب أهلية يضعفون فيها أنفسهم[11].
   
وبالرغم من أن سليمان لم يستطع الاستيلاء على حلب حين عرف أن أهلها راسلوا السلطان ملكشاه، فإنه استطاع بسهولة بالغة الاستيلاء على المناطق الشامية المحيطة بها، مثل كفر طاب ومعرة النعمان وقنسرين وحصن شيزر وغيرها، الأمر الذي اضطر الأمير تُتش السلجوقي حاكم الشام إلى سرعة التحرك لحسم تمدد سليمان شاه. وبالفعل بلغ الأمير تتش مدينة حلب، واستطاع بسهولة كبيرة كسب الأمراء التركمان في جيشه بتهديدهم ووعيدهم، فهو عم السلطان، بل وعم سليمان بن قتلمش، وأحد كبار الأمراء السلاجقة نفوذا، فتخلى عن سليمان كثير من أمرائه وجنده، وفي يوم الأربعاء 18 صفر 479هـ/يونيو/حزيران 1086م في منطقة عين سليم على بعد ثلاثة أميال فقط من مدينة حلب جرت معركة سلجوقية خالصة، سُحق فيها سليمان بن قتلمش وجنوده[12].
  
وبعد تلك الهزيمة أرسل إليه تُتُش يستدعيه للمثول أمامه، إلا أنه رفض دعوته، ولما رأى أن قادة جيشه يضغطون عليه لتلبية دعوة الأمير تتش أخرج خنجرا وقتل نفسه منتحرا، وبهذا انتهت حياة سليمان بن قتلمش فاتح الأناضول، ومؤسس دولة سلاجقة الروم، وأحد أركان الدولة التركية الحديثة[13]، وقد استكمل أبناؤه قيادة الدولة من بعده، ومن رحمهم خرج العثمانيون فيما بعد.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار