انضم إلينا
اغلاق
جذور الانهيار العربي.. كيف أسست هزيمة 67 الناصرية لصفقة ترامب؟

جذور الانهيار العربي.. كيف أسست هزيمة 67 الناصرية لصفقة ترامب؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

كانت الأعصاب على أشُدِّها، ورغم أجواء التفاؤل التي عمّت الجميع، فإن التوتر والقلق أيضا كان في كل مكان، في تلك الأثناء كان "محمود عوض" يقوم بعمله الصحفي التقليدي صحفيا متخصصا في الشؤون العسكرية ومراسلا حربيا، يغمره شعور أنه ربما يعيش أهم أيام حياته، فما يقوم به الآن يعكس كل ما يؤمن به من أفكار وقيم سياسية، هي الآن على محك الواقع، فالعدو الذي كرّس حياته لدراسته باتت الحرب معه وشيكة.

   

منذ منتصف (مايو/أيار) تقريبا، كانت أخبار المناوشات والاشتباكات العسكرية المحدودة بين إسرائيل وسوريا تتصدر عناوين الصحف المصرية، بل إن الصحفي "محمود عوض" أول مَن نشر في الصحافة المحلية خبر وجود حشود عسكرية إسرائيلية على الحدود السورية، وهو الخبر الذي مَثَّلَ تصعيدا خطيرا، ومنذ تلك اللحظة التي نشر فيها الخبر، أصبحت المنطقة كلها على صفيح ساخن.

   

حيث أتى الرد العربي موحدا، فعلى الرغم من الخلافات الشديدة بين ملك الأردن وجمال عبد الناصر، فإنه منذ تواتر الأنباء عن الحشود العسكرية الإسرائيلية المتجهة صوب دمشق، أتى ملك الأردن إلى مصر وقام بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين مصر والمملكة الأردنية الهاشمية، وقام بوضع قواته المسلحة تحت إمرة القيادات العسكرية المصرية، وقامت العراق بإمداد كلٍّ من وسوريا والأردن بكتائب مسلحة متنوعة لتشارك في القتال في جبهة موحدة، وأخيرا قامت مصر في استعراض ضخم بحشد غالبية قواتها المسلحة على الحدود مع إسرائيل لردعها عن غزو سوريا.

  

الصحفي المصري محمود عوض (مواقع التواصل)

     

خلال ذلك، كان الصحفي"محمود عوض" شديد الانشغال تقريبا، حتى إنه بالكاد استطاع أن يذهب إلى منزله ليستريح، فعمله اليومي هو التغطية الصحفية، سواء لفرق وتشكيلات الجيش المصري التي طافت الميادين والشوارع الرئيسية في القاهرة في طريقها إلى سيناء، أو نقل آخر المستجدات المتعلقة بالجبهة العربية المشتركة والحرب الوشيكة، خبر طرد قوات حفظ السلام الموجودة في سيناء أو غلق مضيق تيران أمام سفن الملاحة الإسرائيلية، وأخيرا إعلان القائد العام للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر رفع حالة الاستعداد داخل أفرع ووحدات الجيش المصري من "دائم" إلى "كامل"، أي حالة الاستعداد القصوى.

  

نحن الآن في العقد السابع من القرن العشرين، تحديدا عام 1967، والعالم العربي كله يشتعل حماسة، يتغنّى بالقومية العربية، ويُمجِّد أبطالها في العصر الحديث، في مقدمتهم "جمال عبد الناصر" الزعيم العربي الفحل، الذي وعد بتحرير فلسطين وإزالة دولة إسرائيل من الوجود. حينها شعر "محمود عوض" أثناء انهماكه في عمله أنه مثل كل هؤلاء الجنود الذين رآهم ونشر صورهم في شوارع القاهرة، جندي مقاتل بدوره في مجتمع كله جنود يسيرون خلف قائدهم وزعيمهم جمال عبد الناصر. غير أن على حجم تلك المشاعر المتأججة حماسة ووهما، أتت الهزيمة فكسرت الأعناق وصدمت ملايين العرب بواقع جديد، وصل لذروة خزيه ومرارته في هذا الزمن، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن صفقة القرن، التي تتلخص دون أي اختزال متعسف في "بيع فلسطين وتسليمها كاملة لدولة بني صهيون". فكيف أوصلتنا نكسة 67 لتلك اللحظة من "الخزي والعار العربي"؟

     

    

الصدمة.. هزيمة الجيش العربي

بحكم عمله، كان محمود مطلعا بشكل يومي على الإذاعة والصحف الإسرائيلية، وكانت الأخبار الخارجة من إسرائيل تثير سخريته، إذ أذاعت الإذاعة الإسرائيلية في أول أيام الحرب أن سلاح الجو المصري قد تحطم بالكامل، وأن المجال الجوي المصري بأكمله بات مفتوحا للطيران الإسرائيلي، لكن ثقة "محمود" في القيادة السياسية المصرية كانت أكبر من أن تهزها الصحف الإسرائيلية وحتى العالمية حينذاك، وفي الأيام التالية اتجه "محمود" إلى شرق القاهرة حيث يقع معسكر "الهايكستب" والمنشآت والمستشفيات العسكرية، وهنا أُسقِط في يد محمود عوض، وبدأ يتسلل كدر الواقع وكآبته إلى صفاء غفلته، كانت منطقة شرق القاهرة مدينة نصر وطريق الإسماعيلية - القاهرة أشبه بمنطقة موبوءة وكأن مرضا ما قد أصابها، أعداد هائلة، عشرات الآلاف من الجنود عائدون من سيناء في حالة مزرية، يتيهون بجراحهم في الشوارع نفسها التي استعرضوا فيها قوتهم قبل أيام قليلة.

 

وما إن بدأ محمود عوض بتسجيل ما رآه والحديث مع الجنود العائدين بهدف التغطية الصحفية، مع ربط كل تلك المشاهد والكلمات بالأخبار التي ترد يوميا في الصحف العالمية، حتى بدأ في إدراك حجم الكارثة التي حاقت بالبلاد، وبدأ من جديد في رسم مسار الأحداث، فما إن تم تدمير القوات الجوية المصرية، بدأت الدبابات الإسرائيلية بالتحرك باتجاه الحدود المصرية. بعدها أعلنت الدول العربية الحرب ضد إسرائيل، وفي منتصف الليل من اليوم نفسه أعلنت تل تبيب أنها نجحت في تدمير سلاح الجو المصري بالكامل بتعطيل ما لا يقل عن 400 طائرة من بينها 300 مصرية و50 سورية. وبخبرته العسكرية البسيطة أدرك محمود عوض فداحة الخسارة بتحطيم الطيران الحربي المصري في أولى ساعات المعركة.

  

في اليوم نفسه أتت الأخبار أن القوات الإسرائيلية بسطت سيطرتها على القدس الشرقية، وفي اليوم الثاني سيطر الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة الذي كان آنذاك خاضعا للإدارة المصرية، وفور السيطرة على قطاع غزة، اندفعت القوات الإسرائيلية غربا، لتندلع معركة مثيرة بالدبابات في سيناء، سيطر على إثرها الجيش الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس، كما اكتسحت البحرية الإسرائيلية شرم الشيخ وفتحت الطريق باتجاه خليج العقبة الأردني، وتمكّن الجيش الإسرائيلي في ظرف قياسي من بسط قبضته على أراضي الضفة الغربية لنهر الأردن، ما دفع المملكة الأردنية إلى القبول بوقف إطلاق النار.

  

دخول الجيش الإسرائيلي القدس الشرقية (مواقع التواصل)

  

في اليوم الرابع من الحرب تقدَّم الإسرائيليون إلى قناة السويس وانتهت معركة سيناء بشكل كامل، وبعدها أعلنت مصر عن موافقتها على وقف إطلاق النار الذي دعا إليه مجلس الأمن. وفي التاسع من يونيو/حزيران، فاجأ الرئيس جمال عبد الناصر المصريين والعالم بتقديم استقالته في لحظة بالغة الحرج، شعر فيها العالم العربي بالهلع، وخرج الناس في شوارع القاهرة في حشود مطالبينه بالبقاء في السلطة، حتى تراجع عن قراره. وفي ذلك الحين اشتدت المعارك على الجبهة الإسرائيلية-السورية. وبعد سقوط القنيطرة، أوقفت سوريا القتال. وبذلك، تمكّن الجيش الإسرائيلي في ستة أيام من وضع حدود جديدة لدولته في قناة السويس والأردن والجولان، وتركت العالم العربي في حالة صدمة وذهول وفوضى عارمة.

    

هزيمة التحرر الوطني.. بداية مسار الذل

بحسب المفكر السياسي عزمي بشارة فإن هزيمة يونيو/حزيران تُمثِّل الهزيمة التاريخية لأيديولوجيا التحرر الوطني في العالم العربي، أيديولوجيا التحرر الوطني التي استخدمت القومية العربية كخطاب سياسي هي في التحليل النهائي أيديولوجيا تحديثية نشأت في العالم الثالث، تحمل في جوهرها غاية أساسية هي التحرر الوطني وبناء السيادة الوطنية والدولة العربية الحديثة، ويضيف الكاتب حازم صاغية أنه منذ الاستقلال الوطني الذي أتى على شكل انقلابات عسكرية في مصر والعراق وسوريا، كانت القومية العربية هي الأيديولوجيا المهيمنة، وعليه تم تمثل الذات العربية على أنها أمة عربية موحدة ثورية تسعى للقضاء على الاستعمار في كل محيطها الحيوي والإقليمي، وفي القلب بالطبع إنهاء الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين.

   

لكن قبل الهزيمة مباشرة، يؤرخ لنا الأكاديمي والمؤرخ خالد فهمي عن خطاب ما قبل النكسة، ففي بداية الأزمة خطب عبد الناصر في أحد المؤتمرات الشعبية قائلا: "إسرائيل إذا بدأت بأي عمل عدواني ضد سوريا أو ضد مصر فهتكون المعركة ضد إسرائيل معركة شاملة، ما هياش معركة محصورة في حتة قدام سوريا، أو محصورة في حتة قدام مصر، المعركة هتكون معركة شاملة، وهيكون هدفنا الأساسي هو تدمير إسرائيل".

      

رأى النظام في نفسه طليعة تحديثية وثورية يقود جموعا من المستضعفين والمضطهدين من شعوب الدول المستعمرة ضد القوى الاستعمارية، وكان عبد الناصر يجسد هذا الحماس

مواقع التواصل
     

وفي مناسبة لاحقة استمر هذا التصعيد الخطابي حين قال في إجابته عن أحد الأسئلة الصحفية إن الفلسطينيين "لهم الحق الكامل في أن يباشروا بأنفسهم حرب التحرير ليستعيدوا حقوقهم في بلدهم، وإذا تطورت الأمور إلى صراع شامل في الشرق الأوسط فنحن على استعداد لهذا الصراع". وفي إجابة عن سؤال آخر قال: "لا نقبل أي أسلوب للتعايش مع إسرائيل"، وكان عبد الناصر قد بدأ المؤتمر الصحفي بكلمة أوضح فيها رؤيته لسبب الأزمة الراهنة، فقال إن الموضوع لا يتعلق بقرار إغلاق المضيق بقدر ما يتعلق بوجود إسرائيل في حد ذاته: "تلك هي مشكلة العدوان الذي وقع ولا يزال وقوعه مستمرا على وطن من أوطان شعوب الأمة العربية في فلسطين، وما يعنيه ذلك من تهديد قائم باستمرار ضد أوطانها جميعا، هذه هي المشكلة الأصلية".

   

يضيف خالد فهمي أن هذا الخطاب لم يكن مجرد بروباغندا سياسية للالتفاف على سؤال الشرعية السياسية والديمقراطية التي افتقدها النظام فقط، بل كان في جوهره ينم عن وعي النظام بذاته وبالعالم وموقعه في هذا العالم، كانت قد "تحررت عديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط من نير الاستعمار، وكانت مصر تقف في قلب هذا المشروع التحرري. كان التفاؤل كبيرا ووعي الناس كذلك، فكلمة المرحلة كانت هي الأمل"، ورأى النظام في نفسه طليعة تحديثية وثورية يقود جموعا من المستضعفين والمضطهدين من شعوب الدول المستعمرة ضد القوى الاستعمارية، "كان عبد الناصر يجسد هذا الحماس وهذه الكرامة أكثر من أي شخص آخر. كان يتفاوض مع القوى الاستعمارية على قدم المساواة. كان يقول: سنجعلكم تدفعون ثمن الاستعمار"، هي ذاتها الأيديولوجيا الضمنية التي ورثها الإسلامي السياسي في نسخه المتنوعة بعد ذلك ولكن بعد تديينها.

     

هنا، بحسب خالد فهمي، يكمن جوهر الهزيمة في يونيو/حزيران 67، فداحة وعمق الهزيمة جعلت الأمر أكبر من نصر عسكري لطرف على حساب الآخر، "فلم ينهزم مجتمعنا حينها عسكريا فقط، بل إننا عشنا انهيار نظرة إلى العالم، وفلسفة، وفهم لهذا القسم من العالم ولمكاننا بداخله. وتلك الأسئلة ما زالت تشغلنا بعد مرور أكثر من نصف قرن على هذا الانهيار".

   

مسار الذل والهزيمة.. التحرر الوطني كعبء

  

بالعودة لعزمي بشارة، فإن هزيمة يونيو/حزيران هزيمة تأسيسية للسياق الذي نحياه أكثر من نصف قرن، تأسيسية بمعنى أنها كانت ذروة ما قلبها وفاتحة ما بعدها، ذروة صراع الدولة الإسرائيلية ودولة التحرر الوطني العربية منذ الاستقلال، وفاتحة كل المحطات التاريخية والمفاوضات والمبادرات والمعاهدات التي أعقبتها التي عكست اختلال علاقات القوة في الإقليم لصالح إسرائيل، ويضيف بشارة أن دول ما بعد النكسة وأنظمتها كانت ترى في ميراث القومية العربية والتحرر الوطني عبئا وليس مصدرا للشرعية السياسية والأخلاقية.

 

ورثت منظمة التحرير كفاعل سياسي فلسطيني غير دولتي أحلام تحرير فلسطين والقضاء على الاستعمار والتحرر العربي، في الوقت الذي بدأت به الدول العربية بداية من مصر ثم الأردن وممالك الخليج مسارها الجديد، كانت أولى المحطات التاريخية لهذا المسار هي ما عُرف إعلاميا بمبادرة روجرز -وزير الخارجية الأميركي- في العام 1970 لبدء عملية تفاوضية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967، وهي المفاوضات التي استمرت بشكل متقطع طوال الفترة الممتدة بين عامَيْ 1967 و1973، بنشوب حرب أكتوبر/تشرين الأول بين مصر وسوريا من جانب وإسرائيل على الجانب الآخر.

  

ياسر عرفات يتوسط كلًّا من جمال عبد الناصر وأنور السادات (مواقع التواصل)

     

نشبت الحرب في العام 1973، وكان الهدف بحسب القيادة السياسية المصرية هو تحريك المياه الراكدة، لا استرجاع كامل الأراضي التي احتُلَّت، رفضت إسرائيل مبادرة روجرز وأفشلت كل مسار المفاوضات وفضَّلت الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع. وقد شهد الأسبوع الأول من حرب أكتوبر/تشرين الأول أكبر نجاح عسكري للعسكرية النظامية العربية خاصة على الجبهة المصرية، في عمليات عبور قناة السويس وتحطيم دفاعات خط بارليف والتوغل شرقا في سيناء بعمق 12 كيلومترا2، وسط تفوق واضح للدفاع الجوي المصري في تأمين الهجوم، وتأمين العمق المصري من أي طائرات معادية، إلا أنه منذ الأسبوع الثاني حدثت كارثة عسكرية قوّضت الإنجاز العسكري الذي حقّقته مصر بشكل كبير.

 

بشكل منفرد، وعلى عكس رأي القيادات المختصة، أمر أنور السادات القوات المصرية بتطوير الهجوم شرق القناة والتوغل حتى الوصول لمنطقة الممرات داخل سيناء، الأمر الذي أدّى ليس فقط إلى تدمير القوات نفسها التي طورت الهجوم، بل إضعاف تمركز القوات المصرية شرق وغرب القناة، الأمر الذي سهّل على القوات الإسرائيلية اختراق تمركز الجيش المصري شرق القناة ومن ثم عبور القناة نفسها، والالتفاف على الجيش الثالث وحصاره، وتفريغ حرب أكتوبر/تشرين الأول من هدفها السياسي الذي ارتأته القيادة السياسية المصرية، وهو تحريك المياه الراكدة، وبحصار الجيش الثالث الميداني المصري فضلا عن فشل الجيش السوري في تحقيق أي إنجاز عسكري ملموس، أصبح لإسرائيل مرة أخرى اليد العليا في المفاوضات وفي أي ترتيبات سياسية أعقبت الحرب.

 

منذ ذلك التاريخ كانت إسرائيل هي التي تُقرِّر الأُطر التي سيتم التفاوض عليها مع العرب، وكانت المبادرة التي مَثَّلَت نواة اتفاقية كامب ديفيد -فيما بعد- بين مصر وإسرائيل، ثم معاهدة أوسلو بين منظمة التحرير والأردن وإسرائيل، هي مبادرة بريجنسكي -مستشار الرئيس الأميركي جيمي كارتر-، المبادرة التي وعدت مصر على وجه الخصوص بمزيد من الأراضي في سيناء مقابل اعترافها بإسرائيل كدولة شرعية ذات سيادة وموافقتهم بالضغط على منظمة التحرير لقبول حكم ذاتي فلسطيني منزوع السلاح بالضفة الغربية، والقبول بتحويل القدس إلى عاصمة لإسرائيل، وقبلت مصر بالمبادرة التي تطورت لاتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، ورفضت منظمة التحرير المبادرة ومن ثم رفضت إسرائيل منح الفلسطينيين أي شيء، فحصلت مصر على الأراضي التي وعدت بها وخرجت بذلك من دورها في القضية الفلسطينية، لتكون أول دولة عربية تتخلص من ميراث أيديولوجيا التحرر الوطني وتعترف بإسرائيل.

 

نهاية النظام الرسمي العربي.. من أوسلو إلى صفقة القرن
اتفاقية أوسلو (رويترز)

      

تحمّلت منظمة التحرير وحدها، مدعومة على استحياء من العراق وسوريا، عبء الصراع مع إسرائيل، حتى قيام جيش العراق بقيادة صدام حسين بغزو الكويت، ثم قيام الولايات المتحدة متحالفة مع عدد من الدول بغزو العراق وتحطيم جيشها، مَثَّلَ هذا الحدث بحسب عدد من المؤرخين نهاية النظام الرسمي العربي الذي تشكّل منتصف القرن الماضي مع حركات الاستقلال الوطني، إذ بضرب العراق في المرة الأولى، ثم غزوها بالكامل في المرة الثانية، فقد العرب كل ما تبقّى من إرادتهم السياسية.

 

وأمام هذا الوضع، شرعت منظمة التحرير في الدخول في مفاوضات ما عُرف تاريخيا بعد ذلك بـ "معاهدة أوسلو"، وخلال المفاوضات قبلت قيادات منظمة التحرير بكل ما كانت قد رفضته في "مبادرة بريجنسكي" سابقا، فاعترفت بدولة إسرائيل دولة شرعية ذات سيادة على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة، مقابل حكم ذاتي للفلسطينيين في كلِّ من الضفة الغربية وغزة اللتين تُشكِّلان 1.5% من أرض فلسطين، في المقابل، تقر إسرائيل بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي أصبح يُعرف فيما بعد بـ "السلطة الوطنية الفلسطينية" على الأراضي التي تنسحب منها إسرائيل في الضفة الغربية وغزة، حكم ذاتي للفلسطينيين وليس دولة مستقلة ذات سيادة.

   

وبحسب المفكر السياسي منير شفيق فإن منظمة التحرير ألقت بآخر أسلحتها كحركة تحرر وطني ومقاومة مسلحة، لتتحول بذلك إلى هيئة بيروقراطية في بلديات محلية صغيرة في الضفة والقطاع، تحت رحمة السيادة الإسرائيلية، فمنذ اتفاقية أوسلو لم يعد لدى منظمة التحرير ولا لأي طرف عربي ما يضغط به على إسرائيل حتى لضمان تنفيذ التزاماتها داخل أوسلو، وما يدعم مقولة منير شفيق أنه منذ المعاهدة التي نصّت على وقف الاستيطان تمهيدا لحلها وحل مسألة القدس الشرقية وساكنيها لم تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات، واستمرت في سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض سواء في القدس وفي الضفة وأخيرا بحصار غزة نفسها.

   

كان الشيء الأكثر أهمية وخطورةفي صفقة القرن هو غياب الجانب الفلسطيني تماما عن ترتيبات الصفقة وبنودها

وكالة الأنباء الأوروبية
   

وبالعودة إلى عزمي بشارة، فإن كل هذا التراجع في السياسة والتفاوض ومقاربة القضية الفلسطينية وقبلها الصراع العربي الإسرائيلي قد بدأ بهزيمة العرب مجتمعين في يونيو/حزيران 67، فمنذ تلك الكارثة العربية لم تحقق الدول العربية إلا التنازلات من أجل إرضاء إسرائيل للظفر ببعض المكاسب من أراضٍ احتلتها إسرائيل بالأساس.

 

صفقة القرن.. اللحظة الإسرائيلية

قبيل اعتقاله في مصر، حذّر أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة من أن المنطقة تعيش ما سماه بـ "اللحظة الإسرائيلية"، قاصدا أن خريطة التحالفات في المنطقة يتم إعادة فرزها وتشكيلها من جديد في شكل تحالف جديد قوامه عدد من الدول العربية الرئيسية، مصر والسعودية والإمارات والبحرين وعمان بقيادة إسرائيل، لتصبح إسرائيل هي اللاعب الأساسي في المنطقة العربية، وأفاد نافعة "أن بعض النخب الحاكمة في العالم العربي بعد الربيع العربي تعتقد أن المنطقة مقبلة على انهيارات جديدة، وأن إسرائيل أصبحت هي طوق النجاة الوحيد المتاح، وتعتقد أنه لم يعد أمامها من سبيل لإنقاذ مصالحها إلا بإعادة النظر في نمط العلاقة القائم حاليا بين الدول العربية وإسرائيل والعمل على نقل هذا النمط تدريجيا من الطابع الصراعي أو الحيادي الذي يتسم به حاليا إلى الطابع التعاوني المنشود، ويا حبذا لو أمكن الوصول به إلى نوع من التحالف النشط في مواجهة ما تُمثِّله إيران وربما تركيا والجماعات الإرهابية من تهديدات مشتركة"، حيث دعا نافعة إلى مزيد من اهتمام بالديمقراطية والتنمية وقضايا الإصلاح العربي لتقوية موقف الدول أمام تلك التهديدات.

 

في هذا السياق، سياق اللحظة الإسرائيلية، أتت صفقة نتنياهو - ترامب أو ما يُعرف إعلاميا بصفقة القرن، وهو السياق الذي تجذَّر أكثر بصعود اليمين الأميركي الإنجيلي إلى البيت الأبيض، حيث ينتمي إليه غالبية مستشاري ترامب ووزير خارجيته، وبعيدا عن بنود صفقة القرن نفسها، كان الشيء الأكثر أهمية وخطورة هو غياب الجانب الفلسطيني تماما عن ترتيبات الصفقة وبنودها، فتم إعلان القدس عاصمة إسرائيل، وشرعنة المستوطنات لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية، ووقف تمويل وكالة الأونروا -وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل الفلسطينين-، وطرد مدير منظمة التحرير من واشنطن وغلق مكاتبها في الولايات المتحدة، كل هذا يتم وكأن الجانب الفلسطيني غير مرئي، وكأن فلسطين أرض بلا شعب، وهو تراجع حتى عن كل المبادرات والمعاهدات السابقة، وكأننا رجعنا إلى مرحلة وعد بلفور نفسه، في صورة استعمارية خالصة.

  

    

بحسب مراقبين، فإن بنود الصفقة التي تم الإعلان عنها حتى الآن هي ما توقّعه منير شفيق قبل أكثر من عقدين، إسرائيل الآن تقوم من طرف واحد بفض يدها من كل التزاماتها من معاهدة أوسلو، كقضية اللاجئين والمستوطنات والحدود والقدس، وهي قضايا ما عُرف بالحل الدائم، أي إنها كل ما تبقى بعد كل هذا الصراع من القضية الفلسطينية، وبقيام إدارتَيْ ترامب - نتنياهو منفردتين بنقض هذه الالتزامات، يتم تسوية القضايا الفلسطينية وما تبقى من الصراع العربي الإسرائيلي، وبمباركة الدول العربية المشاركة في هذة الصفقة، وهي الإجراءات الذي أدهشت أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله، معقبا بأنه "لم يعد يوجد ما يفاوض عليه"، لقد انتهت القضية تماما.

   

كيف وصلنا إلى هنا؟ يختلف المهتمون بالتاريخ الحديث للمشرق العربي على جذور اللحظة الكئيبة التي نحياها، يرجع البعض بداية هذا المسار إلى اتفاقية أوسلو، والبعض الآخر إلى قبل ذلك بقليل إلى اتفاقية السلام ومعاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل التي ترجع جذورها إلى الثغرة وحصار الجيش الثالث المصري في سيناء، إلا أن هناك اتفاقا عاما بين الغالبية على أن هزيمة 67 كانت بداية المنحدر الذي هبط عليه العرب جميعا في الصراع العربي الإسرائيلي وعلى مستوى القضية الفلسطينية، كانت النخب العربية تتحدث عن تحرير كامل التراب الفلسطيني وعودة اللاجئين، والآن مع صفقة القرن وبعد كل تلك التنازلات والتراجع، يقول سيد التنازلات نفسه -أبو مازن- إنه لم يعد يوجد ما يفاوض عليه في فلسطين!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار