انضم إلينا
اغلاق
استدعاه ملك النورمان وأجزل له العطاء.. الإدريسي أول مَن صنع كُرة للأرض قبل تسعة قرون!

استدعاه ملك النورمان وأجزل له العطاء.. الإدريسي أول مَن صنع كُرة للأرض قبل تسعة قرون!

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

    

"وأمعن النظر (أي الإدريسي) في جميعها حتى وقفَ على الحقيقة فيها، فأمر عند ذلك بأن تُفرغ له من الفِضة الخالصة دائرة مُفصَّلة عظيمة الجرم، ضخمة الجسم، في وزن أربعمئة رطل بالرومي.. فلما كمُلت، أمرَ الفعَلة (الصُنّاع) أن ينقُشوا فيها صُور الأقاليم السبعة، ببلادها وأقطارها وسيفها وريفها وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها"

(الإدريسي واصفا عمله في صنع نموذج الكرة الأرضية)

   

اشتهر العالم الإسلامي بتخريج دفعات هائلة من علماء الجغرافيا أصحاب الموسوعات العلمية في أزمنة خلت من أجهزة الاتصالات والأقمار الصناعية الحديثة، فضلا عن وسائل المواصلات التي تُسهِّل عملهم الدقيق. رغم ذلك، استطاعوا تحديد مواقع البلدان والأقطار، ووصف البحار والأنهار، ومعرفة أسرار القارات وطبوغرافيتها ببراعة فاقوا فيها مَن سبقهم من اليونانيين الأقدمين.

  

ذلك أن العلماء المسلمين وقفوا على صحة معلومات مَن سبقهم بأنفسهم من خلال السفر والترحال، ثم أضافوا إليها، وصحّحوا أغلاطها، حتى بلغوا القمة في علوم الجغرافيا الفلكية والوصفية والرحلات، ورأينا ذلك مع علماء من أمثال ابن حوقل وابن خرداذبة وابن جبير والإدريسي وابن الفقيه وابن بطوطة ومن تلاهم، بل استطاعوا رسم خرائط بلغت من الدقة حد التناظر مع صور الأقمار الصناعية اليوم، مثل ما قام به الجغرافي والملاح العثماني بيري ريس في القرن السادس عشر الميلادي في كتابه المدهش "بحرية".

     

الإدريسي (مواقع التواصل)

    

وكان الإدريسي الذي عاش في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي من جملة هؤلاء الجغرافيين المبدعين الذين حرص واحد من أعظم وأشهر ملوك الغرب المسيحي آنذاك على أن يستعين به في الانتهاء من منجز جغرافي ضخم يتعدى المعرفة النظرية إلى الجانب العملي، وقد نجح عالمنا في تحقيق ذلك، فكيف نشأ الإدريسي؟ وما الذي أضافه إلى موسوعته "نزهة المشتاق"؟ وكيف صنع أول كرة أرضية من الفضة قبل تسعة قرون؟ ذلك ما سنراه ونقف عليه في سيرته.

  

النشأة وعشق الجغرافيا

في عام 493هـ/1100م وُلد أبو عبد الله محمـد بن محمـد بن عبد الله بن إدريس في مدينة سبتة المغربية منتسبا إلى الأدارسة العلويين من آل البيت، وهم الذين أقاموا دولة الأدارسة الأولى مستقلين عن العباسيين زمن الخليفة هارون الرشيد سنة 172هـ، كما أنهم أنشؤوا مدينة فاس، وقد استمرت دولتهم تلك حتى العام 375هـ، وقد تمكّن فرع منهم أن يعبر البحر المتوسط، وأن يحكُم مدينة مالقة الأندلسية، ويبدو أنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بحكم هذه المنطقة لفترة زمنية طويلة في أثناء حقبة مُلوك الطوائف بعد سقوط الدولة الأموية في بداية القرن الخامس الهجري، فاضطروا إلى العودة إلى موطنهم في منطقة سبتة شمال المغرب الأقصى، حيث وُلد الحفيد الإدريسي في ذلك العام.

  

تلقّى الإدريسي تعليمه في المغرب الأقصى في كلٍّ من سبته وفاس، وندرك من خلال ترجمة الصفدي (ت 764هـ) له، وهي ترجمة مقتضبة، أنه كان أديبا ظريفا، وشاعرا، وفوق ذلك مغرما بعلم الجغرافيا[1]، ويبدو أن حبه للجغرافيا قد دفعه إلى اتخاذ قرار الرحلة واستكشاف العالم.

  

فقد بدأ بالأندلس ومكث مدة في قرطبة عاصمة الأمويين القديمة بها، وكان يحكمها آنذاك، كما يحكم سائر بلاد المغرب، دولة المرابطين الشهيرة، وانطلق الإدريسي ببجاية وألمرية ثم اتجه غرب الأندلس إلى أشبونة (لشبونة عاصمة البرتغال الحالية)، وشمالا إلى جليقية (بسكونية)، وعبر جبال البرانس لاستكشاف الأرض الكبيرة أو بلاد الإفرنج "غاليا" أو "فرنسا الحالية"، واستطاع الوصول إلى شواطئ إنجلترا الجنوبية، ثم عاد إلى المغرب فمكث في مراكش وفاس ومكناسة، ومنها إلى المغرب الأوسط "الجزائر" فمر بتلمسان وقسنطينة[2]، ونحن نعرف هذه الأخبار من خلال النتف التاريخية التي أخبرنا بها عن نفسه في كتابه "نزهة المشتاق"، وصحة وصفه لهذه الأقاليم التي مرّ بها.

      

لإتمام خريطته، سأل الإدريسي أهل التجربة والدربة المتجولين والرحّالة والعالمين بخصائص كل إقليم، واتخذ في هذا منهجية علمية دقيقة، استغرقت منه خمسة عشر عاما كاملة!

مواقع التواصل
       

لم تتوقف رحلة الإدريسي عند المغرب الأوسط، بل انطلق صوب مصر وبلاد الشام والأناضول، ووقف على خرائب إفسين مدينة أصحاب الكهف في الأناضول كما هو شائع نحو سنة 510هـ، ونرى في كتابه وصفه لذلك الكهف قائلا: "عمل (بلاد) الأفسين، وفيه أربعة حصون، ومدينة أفسين في رستاق (منطقة) الأواسي، ويقال إن أفسين هي مدينة أصحاب الكهف، وأما أصحاب الكهف فهم في كهف برُستاق بين عمورية ونيقية (أزنيق التركية) وهذا الكهفُ هو في جبل علوّه أقل من ألف ذراع، وله سرب من وجه الأرض كالمدارج ينفذ إلى الموضع الذي فيه أصحاب الكهف... وفيه الموتى وهم أصحاب الرقيم وعددهم سبعة وهم نيام على جنوبهم وعددهم سبعة، فانية جسومهم، وهي مطلية بالصبر والمر والكافور، وعند أرجلهم كلب راقد في استدارة رأسه عند ذنبه، ولم يبق منه إلا القحف، وأكثر أعظمه باقية حتى لا يخفى منه شيء"[3].

  

وهذا جميع ما استُنتج من سيرة الإدريسي، ومن اللافت أن المعلومات حول حياته قبل سفره إلى جزيرة صقلية قليلة للغاية، وكان الإدريسي قد قام بهذه الرحلات وهو لا يزال في عمر السادسة عشرة من عُمره، وقد عاد إلى بلاده فاستقر بها مدة من الزمن، اشتهر فيها كرحالة ورجل مولع بعلم الجغرافيا وتدريسها.

  

اللقاء مع ملك النورمان

في تلك الأثناء، كان الملك النورماني روجر الثاني (ت 1154م/548هـ) قد استولى على مناطق جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية التي حكمها المسلمون طوال قرنين من الزمان، واضعا كلمة النهاية للوجود السياسي الإسلامي في هذه الجزيرة، وإن بقي وجود المسلمين كجالية كبيرة في هذه الجزيرة لنصف قرن بعد وفاة روجر الثاني على الأقل، إلا أن حضارة المسلمين وثقافتهم قد أثّرت فيه للغاية، حتى كانت حاشيته لا تخلو من المسلمين، سواء كانوا عسكرا أم علماء ومثقفين وشعراء!

    

  

وقد وضحت هذه الصبغة في حياة البلاط نفسه بمدينة بالريمو الصقلية، فتشبّه روجر بملوك المسلمين في الاستكثار من الجنائبِ وهي الدواب مثل النوق والخيول الحربية، والحُجّاب الذين يقفون بين يديه ويمنعون الناس عنه إلا بإذنه، والسلاحية وهم حرسُه الخاص، وغير ذلك من عوائد دول العرب والمسلمين، وقد خالف عادة الفرنج فإنهم لم يكونوا يعرفون شيئا منها. وتصفه الوثائق العربية ويلقبه الإدريسي "بالملك المعظم المعتز بالله المقتدر بقدرته"[4] وتلك كانت ألقابا ثابتة له، وكانت علامته أي ختمه وتوقيعه "الحمد لله شكرا لأنعمه".

  

أما ابنه غليالم (وليام) فكان يتكلم العربية ويكتبُ بها، ويحيطُ نفسه بحرس من المسلمين، وكان بلاطه مملوءا بالخصيان والحجاب والجواري، وناظر مطبخه رجلا من المسلمين أيضا، وله جملة من العبيد السود المسلمين، وعليهم قائد منهم، وكان وزراؤه وحرّاسه الفتيان وجملة من أهل دولته مسلمين.

  

ومن هذا الوصف ندرك أن ذلك الملك النورماني المسيحي قد أغوته الثقافة العربية وحضارتها وعلومها رغم انتصاره عليها سياسيا وعسكريا، فقد حرص على تقريب علماء المسلمين منه، ومن جملتهم الجغرافي اللامع الإدريسي، الذي يؤكد المؤرخ الصفدي (ت 764هـ/1363م) في كتابه "الوافي بالوفيات" أن روجر الثاني أرسل إليه "من العُدوة (المغربية) ليصلح له شيئا من صورة العالم"[5]، أي يصحح له الصورة المشوشة والمغلوطة لجغرافيا العالم التي جهلتها الحضارة الغربية آنذاك.

  

على أن الشريف الإدريسي قد أوضح لنا بصورة قاطعة أن سبب استقدام الملك النورماني روجر الثاني له من المغرب إلى جزيرة صقلية يعود إلى تحقيق غرضين؛ الأول معرفة حدود دولته الناشئة في جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية ومعالم هذه الدولة ومدنها وجغرافيتها، والثاني معرفة "صورة العالم" من خلال صنع كرة أرضية لهذا الغرض، فضلا عن صنع خريطة للعالم وجغرافيته كلها كما أخبرنا الصفدي من قبل.

    

خريطة الإدريسي قبل تسعة قرون، وتظهر فيها أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا (مواقع التواصل)

    

ونظرا لأن حجم المهمة كان عظيما، ولأن الملك النورماني قد أفاض على الإدريسي من سابغ عطفه، وفتح له المخصصات المالية المقدرة في هذا الشأن بلا انقطاع ولا حساب، فضلا عن تقريبه إياه حتى وصفه الإدريسي قائلا: "هو خير مَن مَلَك الروم بسطا وقبضا، وصرفَ الأمور على إرادته إبراما ونقضا، ودانَ في ملته بدين العدل، واشتملَ عليهم بكنف التطول والفضل، وقام بأسبابِ مملكته أحسنَ قيامٍ، وأجرى سُنن دولته على أفضل نظام وأجمل التيام"[6]، فقد قرّر الإدريسي أن يرأس "الدائرة الجغرافية" لتحقيق المهام الموكلة إليه، وقسّم مهمته إلى قسمين؛ اشتمل الأول منها على جمع المادة العلمية لتحقيق هذا الغرض من أجمع وأوثق المصادر الجغرافية المتوافرة حتى زمنه، وقد أخبرنا الإدريسي سبب هذا الاهتمام من الملك النورماني، قائلا:

  

"فمِن بعض معارفه السنية، ونزعاته الشريفة العلوية، أنه لما اتسعت أعمالُ مملكتِه، وتزايدت همم أهل دولته، وأطاعته البلاد الرومية، ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه، أحبَّ أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينا وخبرة، ويعلم حدودها ومسالكها برا وبحرا، وفي أي إقليم هي وما يخصُّها مِن البحار والخلجان الكائنة بها، مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفقَ عليها المتكلمون، وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون، وما لكلِّ إقليم منها مِن قسم بلاد يحتوي عليه، ويرجع إليه"[7].

  

مشروع علمي طوال خمسة عشر عاما

من هنا عاد الإدريسي إلى "كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد الله بن خرداذبه، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب خاناخ بن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسم القردي، وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي، وكتاب إسحاق بن الحسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطلميوس الأقلودي، وكتاب أرسيوس الأنطاكي".

  

غير أن هذه المصادر "لم يجد فيها مشروحا مستوعبا مفصّلا، بل وجده فيها مُغفلا" كما يقول الإدريسي، فانطلق إلى القسم الثاني من خطته، وتمثّل في سؤال أهل التجربة والدربة المتجولين والرحّالة والعالمين بخصائص كل إقليم، واتخذ في هذا منهجية علمية دقيقة، استغرقت منه خمسة عشر عاما كاملة!

    

خريطة للإدريسي ويلاحظ أن الخريطة مقلوبة لأن الناس في تلك الأيام كانوا يعتبرون أن الجنوب يوجد في الأعلى (مواقع التواصل)

     

يقول عن نفسه بضمير الغائب: "فأحضرَ العارفين بها المتجولين فيها، فسألهم عنها بواسطةٍ جمعا وأفرادا، فما اتفق فيه قولُهم، وصحَّ في جمعه نقلُهم، أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه أرجاه وألغاه، وأقام على ذلك نحوا من خمس عشرة سنة لا يُخلي نفسه في كلِّ وقتٍ مِن النظر في هذا الفن، والكشف عنه والبحث عن حقيقته، إلى أن تمَّ له فيه ما يريده، ثم أراد أن يستعلم يقينا صحة ما اتفق عليه القوم المُشار إليهم في ذكر أطوال مسافات البلاد وعروضها، فأحضر إليه لوح الترسيم، وأقبل يختبرها بمقاييس من حديد شيئا فشيئا، مع نظره في الكُتب المقدَّم ذكرها وترجيحه بين أقوال مؤلفيها"[8].

     

وهذا يعني أن الإدريسي اعتمد على المنهج العلمي المقارن بين المصادر الجغرافية التي سبقته، وبين أصح آراء فرقه العلمية الميدانية التي أرسلها في أقطار العالم، فاتخذ أقربها للصحة، وقرر رسمها بنفسه في لوحة كبيرة "لوح الترسيم"، متحريا خطوط الطول والعرض، فلما استقام له الأمر، واطمأن إلى صحة أبحاثه الجغرافية، انطلق إلى جانب أكثر عملية وإبداعا لم يسبقه فيه أحد.

  

يقول: "وأمعن النظر (أي الإدريسي) في جميعها حتى وقفَ على الحقيقة فيها، فأمر عند ذلك بأن تُفرغ له من الفِضة الخالصة دائرة مُفصَّلة عظيمة الجرم، ضخمة الجسم، في وزن أربعمئة رطل بالرومي... فلما كمُلت، أمرَ الفعَلة (الصُنّاع) أن ينقُشوا فيها صُور الأقاليم السبعة، ببلادها وأقطارها وسيفها وريفها وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها، وما بين كل بلد منها وبين غيره من الطرقات المطروقة، والأميال المحدودة، والمسافات المشهودة، والمراسي المعروفة، على نصِّ ما يخرج إليهم مُمثّلا في لوح الترسيم، ولا يغادروا منه شيئا، ويأتوا به على هيئته وشكله كما يُرسم لهم فيه، وأن يُؤلفوا كتابا مطابقا لما في أشكالها"[9].

  

ويدلّنا الصفدي (الذي تُوفي 764هـ) على أن الملك النورماني روجر الثاني كان لصيق الصلة بالإدريسي وعمله طوال الخمسة عشر عاما تلك لتحقيق منجزه العلمي ذلك، فكان الإدريسي "يجيء إليه راكبا بغلة، فإذا صار عنده تنحّى له عن مجلسه، فيأبى، فيجلسان معا، فقال له: أريد تحقيق أخبار البلاد بالمعاينة لا بما يُنقل من الكُتب، فوقع اختيارهما على أُناس ألبّاء فطناء أذكياء، وجهّزهم رُجار إلى أقاليم الشرق والغرب، جنوبا وشمالا، وسفّر معهم قوما مصوّرين ليصوّروا ما يُشاهدونه عيانا، وأمرهم بالتقصّي والاستيعاب لما لا بد من معرفته، فكان إذا حضر أحد منهم بشكلٍ أثبته الشريف الإدريسي حتى تكامل له ما أراد، وجعله مصنفا، وهو كتاب ‘نزهة المشتاق‘ الذي للشريف الإدريسي"[10].

    

يعترف كراتشكوفسكي الروسي أن تكليف الملك النورماني روجر "لعالم عربي بوضع وصف للعالم المعروف آنذاك لَدليل ساطع على تفوق الحضارة العربية في ذلك العهد

مواقع التواصل
    

وخبر المؤرخ الصفدي هذا شديد الأهمية، إذ كانت البعثة العلمية الجغرافية التي أُرسلت ما بين عامَيْ 532هـ إلى 547هـ/1138-1152م قبل تسعة قرون من الآن قد عمل فيها مجموعة من الرسّامين المحترفين لرسم أو "تصوير" ما يقفون عليه في الأقاليم التي أُرسلوا إليها، بصورة دقيقة للغاية بـ "التقصي والاستيعاب لما لا بد من معرفته" على حد وصف الصفدي، لذا جاءت خريطة الإدريسي "لوح الترسيم" ثم مجسم الكرة الأرضية "جرم التصوير" على درجة عالية من الدقة والاطمئنان، فضلا عن أنه لم يسبق إلى ذلك أحد قبل الإدريسي!

  

وقد أوضح العلامة الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي في عمله العظيم "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" أنه يُفهم من افتتاحية الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، ومن كلام المؤرخ الشامي صلاح الدين الصفدي في موسوعته "الوافي بالوفيات" أن "العمل في الكتاب قد مرّ بثلاثة أطوار، وخلف وراءه ثلاثة آثار؛ أحدها، أنموذج فريد في نوعه للكرة السماوية وهو عبارة عن قُرص من الفضة مرسوم عليه صورة العالم. وثانيها، خارطة مرسومة على الورق، وثالثها، كتاب خاصّ مبينة فيه الأسماء الجغرافية. وقد ثبت أن أقلها دواما ومقارنة لطوارق الحدثان كانت الكرة الفضية التي يُقال إن الثوّار حطموها ونهبوها عند اقتحامهم لقصر روجر في عهد خلفه "وولده" سنة 1160م/555هـ، ومن حُسن الحظ أن الكتاب والخارطة قد حُفظا لنا في مخطوطات عديدة"[11].

  

ويعترف كراتشكوفسكي الروسي أن تكليف الملك النورماني روجر "لعالم عربي بوضع وصف للعالم المعروف آنذاك لَدليل ساطع على تفوق الحضارة العربية في ذلك العهد، وعلى اعتراف الجميع بهذا التفوق، وقد كان بلاط النورمان بصقلية نصف شرقي، هذا إذا لم يكن أكثر من النصف، وتشهد على هذا مختلف المصادر بما في ذلك الأشعار العربية التي تنشد في صقلية في عهد روجر"[12].

  

تأليف لم يتوقف حتى الممات!
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (مواقع التواصل)

      

ولم يكن من المستغرب والمدهش بعدما وقفنا على تلك الحقائق أن نرى هذا الثناء العظيم والبالغ من الإدريسي إلى الملك النورماني في افتتاحية موسوعته الجغرافية "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" التي أهداها إليه، وسُميت باسم "كتاب رُجار"، على أن الإدريسي ما إن انتهى من إتمام تلك الموسوعة والخريطة والكرة الأرضية المصنوعة من الفضة إلا وكان المرض قد دبّ في روجر، ليلقى أجله في عام 1154م/548هـ، ويتقلّد حكم الإمبراطورية النورمانية خلفا له ابنه الملك وليام أو كما تُسميه المصادر العربية "غليالم".

  

فعاش الإدريسي في كنف الملك الجديد الذي كان يُتقن العربية، ويتقرب من العرب كوالده من قبل، حتى إن الإدريسي ألّف له كتابا آخر سماه "روض الأنس ونزهة النفس" في ميدان الجغرافيا أيضا، وهو كتاب لم يصلنا منه إلا شذرات حفظتها بعض المصادر العربية التي أطلقت على الكتاب اسم "المسالك والممالك"، وقد وجدت قطعة من هذا المصنف في بداية القرن العشرين في إسطنبول بعنوان "روض الفرج ونزهة المهج" يحوي أطلسا كاملا من ثلاث وسبعين خارطة، وقد عُرف هذا المصنف في الدوائر العلمية باسم "الإدريسي الصغير"[13]، وكان للشريف الإدريسي مشاركة في علوم أخرى كعلم النبات وفيه ألَّف كتاب "الجامع لأشتات النبات"[14].

  

وقد وقف المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" مع الإدريسي وقفة متأنية، حلل فيها نشاطه الجغرافي، ومادته ومصادره، وعمله الموسوعي "نزهة المشتاق" وما سُمي بـ "الأقاليم السبعة" التي تعارفت عليها الدوائر العلمية الجغرافية في زمنه وحللها الإدريسي في ذلك الكتاب، وأهم المدن والأقاليم التي اطلع عليها بنفسه، وكتب عنها، فالعودة لكراتشكوفسي مفيدة للغاية في معرفة هذا الأمر[15].

    

أثبت الإدريسي تفوق الحضارة الإسلامية على غيرها من الحضارات آنذاك كما رأينا من استدعاء الملك النورماني لهذا العلّامة العربي المغربي

مواقع التواصل
   

ويُعَدُّ كتاب الإدريسي "نزهة المشتاق" من أمهات الموسوعات الجغرافية الوصفية في العصور الوسطى لما تضمنه من تعريفات ومصطلحات وما اشتمل عليه من أعلام وأماكن، وقد اعتمدَ عليه العديد من الجغرافيين المسلمين المتأخرين مثل الحسن الوزان "ليون الأفريقي"، وابن سعيد المغربي، وأبو الفداء، وفضل الله العمري، كما رجع إليه الملاحون والمكتشفون في القرن الخامس والسادس عشر الميلادي، ومن الراجح أن رواية الإدريسي عن الإخوة الثمانية المغرورين الذين توغلوا في المحيط الأطلسي "بحر الظلمات" من ميناء لشبونة ووصلوا جزرا نائية على السواحل الأفريقية "كناري أو الرأس الأخضر" كانت دافعا للملاحين البرتغال على مواصلة رحلاتهم نحو الهند، وقد كانت خارطة الإدريسي للأرض أساس المصورات الجغرافية الحديثة، فكانت منطلقا لتطوير الخرائط وقد استرشد بها الجغرافي البندقي الإيطالي مارينو سانوتو (1260-1338م) في رسم معظم خرائطه المتميزة في عصره[16].

  

ولقد تضاربت أخبار المؤرخين حول السنوات العشر الأخيرة من حياة الإدريسي، هل عاشها في باليرمو عاصمة صقلية في ظل النورمانيين ولقي ربه فيها، أم عاد إلى موطنه في المغرب، فناصر الدين سعيدوني المؤرخ الجزائري يقر أن الإدريسي توفي في جزيرة صقلية بين عامي 558-560هـ/1163-1166م، بينما يرجح كراتشكوفسكي أن الإدريسي عاد إلى موطنه المغرب، وفاضت روحه في مدينة سبتة سنة 560هـ.

  

وهكذا قدّم الإدريسي واحدا من أعظم منجزات الجغرافيا الوصفية في العصر الوسيط قبل تسعة قرون من الآن، اعتمادا على المنهج العلمي المقارن، والمنهج الوصفي، وأهدى لنا خريطة على قدر عالٍ من الدقة طبقا لإمكانيات ذلك العصر، وإثباته تفوق الحضارة الإسلامية على غيرها من الحضارات آنذاك كما رأينا من استدعاء الملك النورماني لهذا العلّامة العربي المغربي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار