انضم إلينا
اغلاق
أصول المماليك.. هل كانوا عنصرا وطنيا أم كيانا احتلاليا لمصر والشام؟

أصول المماليك.. هل كانوا عنصرا وطنيا أم كيانا احتلاليا لمصر والشام؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

     

في الآونة الأخيرة عُرِضَ مسلسل "ممالك النار" الذي أثار جدلا واسعا صُوِّرت فيه الدولة العثمانية كمملكة شيطانية هدفت إلى احتلال الأقطار العربية، وتدمير مقدراتها الوطنية، وجعلها في صورة من التبعية المطلقة، بواسطة سلطان شرير محب للدماء والشر منذ نعومة أظفاره هو السلطان سليم شاه الأول، هذا مع تصوير المماليك حكام مصر بالعناصر الوطنية النبيلة التي دافعت عن وطنها بدمائها، فكان السلطان الأخير طومان باي الثاني (ت 923هـ/1517م) في نظرها رمز التحرر المصري من قبضة العثمانيين المحتلين الغاشمين.

  

هكذا كان هدف المسلسل الذي أُنفق عليه 40 مليون دولار[1]، في 14 حلقة فقط، وبطاقم تصوير عالمي على رأسه المخرج البريطاني بيتر ويبر، وبطولة الممثل المصري خالد النبوي، وبتمويل وإنتاج شركة جينوميديا الإماراتية، وبالرغم من الإسقاط المباشر على الأحداث السياسة الحالية في المنطقة، والتكتلات السياسية والإقليمية بين تركيا من جانب والإمارات من جانب آخر، فإن محاولة تأصيل العداء بين الشعبَيْن المصري والتركي كانت واضحة جلية في كل مشاهد المسلسل الذي غاب عنه تقديم إجابة صحيحة عن عدة تساؤلات جادة وأصيلة، وبغض النظر عن الجدل الذي دار حول التفريق بين ما هو فني ودرامي وما هو تاريخي، فإن الأمر يأخذنا بعيدا للعودة إلى التاريخَيْن المملوكي والإسلامي للإجابة عن عدة أسئلة.

    

  

فهل كان المماليك أتراكا وشراكسة أم مصريين أصليين؟ وإذا اعتبرنا المماليك مصريين فلِمَ لا نُطلق على المماليك الذين حكموا الشام في الوقت نفسه بأنهم شوام، ومثلهم مَن حموا الأمن في الحجاز والحرمين الشريفين؟ وهل تجلّى مفهوم الوطنية والقومية في ذلك الزمن مثل زمننا هذا؟ أم أن مفاهيم الحكم والسياسة كانت على قدر كبير ومفصلي من الاختلاف والافتراق؟ وما وجهة نظر المؤرخين المصريين في مماليك عصرهم؟ وكيف رأوهم وكتبوا عنهم؟

    

ذلك ما سنراه في سطورنا القادمة..

   

أصل المماليك ونظامهم

كانت وفاة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي في عام 589هـ البداية الأولى للتشققات الداخلية في البيت الأيوبي بين أبنائه أولا، ثم بين أبناء أخيه العادل ثانيا، ثم أحفاد العادل مثل الصالح أيوب وداود بن المعظم عيسى والعادل الثاني وغيرهم من صغار الأمراء الذين توزّعت عليهم أملاك ومقاطعات الدولة الأيوبية في مصر والشام وغيرها، وكان من الطبيعي في ظل هذا التشرذم أن تزداد المنافسة الحامية التي بلغت أوجها بالاستعانة بالصليبيين من جديد لتقوية موقف السلطان الكامل محمد بن العادل (ت 635هـ) على حساب أخويه المعظم عيسى (ت 624هـ) والأشرف موسى (ت 635هـ)، ثم أولادهم من بعدهم وأقاربهم، فُفتح الباب على مصراعيه لاستجلاب المماليك بكل طوائفهم ونِحلهم وأعراقهم.

  

ومع ازدياد أعداد المماليك في جيوش أولئك الحكّام من ناحية، وتصاعد أهميتهم في الحياة السياسية الأيوبية من ناحية أخرى، برزت أدوارهم في دوائر الحكم في مصر وبلاد الشام بشكل مطّرد منذ أواخر القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وفي زمن كان للقوة العسكرية الدور الأكبر في حسم مصائر الحكام والمحكومين، فبدأ فرسان المماليك يتقدمون رويدا حتى صار وجودهم مرادفا للقوة العسكرية والقدرة السياسية[2].

        

قرّر نجم الدين أيوب الاعتماد على عنصر جديد في جيشه الأيوبي، هذا العنصر الجديد تمثَّل في الترك المجلوبين من بلاد القفجاق في وسط آسيا

مواقع التواصل
      

وحين ارتقى السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب (ت 647هـ) عرش مصر قرّر الاعتماد على عنصر جديد في جيشه الأيوبي المكوّن من الأكراد والتركمان والعربان والمتطوعة المرتزقة الخوارزمية القادمين من وسط آسيا، هذا العنصر الجديد تمثَّل في الترك المجلوبين من بلاد القفجاق في وسط آسيا، فقد كلّف عددا من تجار الرقيق لشرائهم من مكان إقامتهم تلك، وكان لظهور المغول واصطدامهم بالخوارزميين منذ سنة 616هـ سبب في عمليات هجرة منظمة لهؤلاء الأتراك من الشرق للغرب، فضلا عن وقوع كثير منهم في الأسر ومن ثم عرضهم للبيع والشراء في أسواق النخاسة، مما أتاح للأيوبيين أن يستجلبوا هؤلاء، ويعتمدوا عليهم في صراعهم الداخلي المحموم منذ وفاة العادل الكبير (ت 615هـ)، وكان أكثر مَن اعتمد عليهم هو حفيده الصالح أيوب.

  

دخل هؤلاء المماليك في الجيش الأيوبي المصري وأُطلق عليهم "المماليك البحرية"،لأنه أودعهم في ثكنات عسكرية بجزيرة الروضة قُرب بحر النيل في بادئ الأمر، أو لأنهم جُلبوا من وراء البحار فعُرفوا بها، وسرعان ما أثبتوا جدارة ومهارة فائقة في استخلاص بلاد الشام وإخضاعها للصالح، ثم طرد الصليبيين من القدس في معركة الحربية بغزة أو ما أطلقت عليه المصادر اللاتينية الغربية "لافوربيه" سنة 642هـ، ثم بلغوا ذروة مجدهم في الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع على دمياط والمنصورة، إذ تمكّنوا من أسر ملك فرنسا وإذلاله، وفي تلك اللحظة الحاسمة من أوج الانتصار والزهو، تُوفّي الصالح أيوب، ورأت تلك الفرقة المملوكية في الجيش الأيوبي أنها الأحق بالولاية والسيادة والسلطنة خاصة في ظل سياسة السلطان الأهوج توران شاه بن الصالح الذي رآهم أعداء وخطرا يُهدِّد ملكه وسلطانه، فقد أعلن عزمه القضاء عليهم، لكن المماليك كانوا أسرع يدا وقدرة على التخلص منه[3]. ومنذ بدايات العام 648هـ/1250م بدأ المماليك في إرساء قواعد دولتهم الجديدة، على أنهم ظلّوا يتكئون على تلك النظم القديمة التي ترسّخت في ظل دولة أسيادهم الأيوبيين، وإن أضافوا إليها بعض الأمور فيما بعد.

    

   

وكان أهم ما قامت عليه دولة المماليك الجديدة هو النظام الفروسي والعسكري الفريد الذي اتسم بالدقة والنظام في معظم مراحل دولتَيْ المماليك الأولى والثانية، ذلك أن دولة المماليك كانت دولة عسكرية من الطراز الأول، وعوّل سلاطينها الأوائل على إثبات تلك الحقيقة من خلال الصدام العسكري مع المغول والصليبيين في نصف القرن الأول من عمر هذه الدولة، فاحتاجت دولتهم إلى نظام عسكري صارم، ونظام إداري قوي، وإمداد لا ينقطع من البنية الأساسية للطبقة المملوكية الحاكمة، من خلال تأمين جلب المماليك من بلاد القفجاق والترك بآسيا الوسطى، وغيرهم من الرقيق الأبيض في جنوب روسيا والقرم وغيرها.

  

وقد جيء بالمملوك وهم الرقيق الأبيض من وسط آسيا في رحلة شاقة إلى الدولة البيزنطية أو جنوب الأناضول من خلال تجّار الرقيق ممن أُطلق عليهم -غالبا- لقب "الخواجا"، وبدأت الأيدي المملوكية تتهافت على شرائهم في مناطق التماس الشمالي كمَلَطْية أو حلب أو عينتاب أو حتى في عمق الأراضي المملوكية في دمشق والقاهرة وغيرها.  وكانت الخطوة التالية بعد عملية الشراء تتطور بحسب المشتري، فإذا كان أميرا مملوكيا كان لزاما عليه أن يُعلِّمهم ثقافة الدولة التي نزلوا بها، فقد كان هؤلاء المماليك يجهلون اللغة العربية، لذا فتعليمهم اللغة العربية وبعض المبادئ الأساسية للدين الإسلامي من القرآن والسنة النبوية وبعض العلوم الشرعية القائمة عليهما كانت الخطوة الأولى، ثم بعد ذلك تبدأ عملية تعلُّم الفنون العسكرية والقتالية من الضرب بالسيف، والطعن بالرمح، والرمي بالسهم، وركوب الخيل، وغير ذلك.

  

أما إذا كان شراء المماليك لحساب السلطان المملوكي، فهذا يعني إنزالهم وتسكينهم في "طِباق" القلعة، وهي بمنزلة "الكليات الحربية" في عصرنا الحاضر، وهؤلاء لهم نظام تربوي وعسكري صارم، فقد قامت هذه الطِّباق في بداية الأمر بساحة الإيوان بقلعة الجبل "قلعة محمد علي" بالقاهرة، وهو مقر الحكم واستقبال كبار السفراء والضيوف وغير ذلك، واشتملت كل طبقة من هذه الطباق على مساكن تتسع لألف مملوك، حيث يظل بها المملوك "لرسم الكتابة" أي لتعلُّم الكتابة، حتى يُقرِّر القائمون على هذه الطباق متى يكون صالحا للتخرّج، ومن ثم العتق[4].

    

  

على أن الناصر محمد بن قلاوون (الذي تُوفّي 741هـ) قرّر جعل هذه الطباق في مكان واحد، فبلغ عددها اثنتي عشرة طبقة، سُميت كل طبقة منها باسم الخادم "الطواشي" القائم بها، أو الأمير، أو "الأغا"[5]. ويكشف العلامة المؤرخ المقريزي (الذي تُوفّي 845هـ) طرائق وأساليب تربية المماليك في طباق (ثكنات) القلعة. فالنظام المملوكي، لا سيما في عصر المماليك البحرية (648-784هـ)، كان يشترطُ على تجار الرقيق شراءَ المماليك الصغار فقط، ثم يُبدأ معه فيما اصطلح العُرف على تسميته برسم الكتابة، وهو أن يحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ولكل طائفة فقيه يحضر إليهم كل يوم ويأخذُ في تعليمهم القرآن والخط وعلوم الشريعة والصلوات والأذكار، فإذا شبَّ الواحد من المماليك ارتقى به الفقيه إلى تعليمهم الفقه ثم أقرأهم مقدماته، فإذا صار المملوك إلى سنّ البلوغ أخذ معلم آخر في تعليمه فنون الحرب والقتال مِن رمي السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيبلغ مرحلة التخرّج "العتق" والاندماج في رتب الدولة ووظائفها بعد أن تهذّبت أخلاقه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله في قلبه، واشتدّ ساعده في رماية النُشّاب (القوس)، واللافت أن بعض هؤلاء المماليك استمر في دراسة علوم الشريعة أو العلوم التجريبية، فصار منهم الفقيه والأديب والشاعر والمحاسب وغير ذلك[6].

  

وبالنسبة إلى حفل التخرج، فكان يشتمل أولا على "عتق" المملوك ليصبح حُرًّا، ثم تُخصِّص الدولة له الخيل والقُماش "الملابس العسكرية"، فيندرج في فئة "المماليك السلطانية"، ويحصل من السلاح ما يلزمه من جميع أنواع الأسلحة من السيوف والقسي والنُشّاب والرماح والدروع وغير ذلك، وعند العرض العسكري أمام السلطان يحصلُ هذا المملوك على "إجازة" بانتهاء تعليمه يُطلق عليها "عتاقة"، لأنها تُشير إلى عتقه، وأنه صار جنديا مدربا قابلا للترقي في دولة المماليك وجيشها، ويُطلق على هذا العرض الذي يُعتق فيه "الكتابية" بـ "خرج" أي التخرّج، ولا توجد بالمصادر المملوكية التي بين أيدينا اليوم ما يُوضّح مدة مراحل التعليم للمملوك الكتابي، فهي غير ثابتة على ما يبدو، وتتراوح ما بين السنة إلى السنتين إلى أكثر من ذلك أو أقل، لكن سلاطين الدولة المملوكية الثانية لم يحفلوا بمدة تعليم مماليكهم، بل اهتمّوا بتخرّجهم أفواجا بعضها تلو بعض في سرعة غير محمودة[8].

  

فإذا تخرج المماليك ارتقوا في وظائف الدولة السياسية والعسكرية، لا ينافسهم في هذا الميدان منافس، فمنهم مَن يبلغ مرتبة السلطنة، ومنهم مَن يبلغ مرتبة الإمارة الكبرى وحكم الولايات، ومنهم مَن يظل على حاله في طائفة الأجناد، ويحكم الجميع نظام مالي وإداري كان مُقرّرا منذ زمن السلاجقة والأيوبيين من قبلهم.

  

على أن هؤلاء المماليك الذين تخرجوا في طِباق القلعة واشتركوا في نهضة الدولة المملوكية الأولى "البحرية" والمسمَّوْن بـ "الكتابية" كانوا يختلفون كل الاختلاف عن مماليك الدولة المملوكية الثانية دولة الجراكسة (784-923هـ) الذين كانوا يُسمون بـ "الجلبان" أو "الأجلاب"، وهؤلاء على خلاف مماليك الأتراك البحرية قد استُجلبوا كبارا جُهّالا، ولم يندمجوا في ثقافة وأصول النظامَيْن العسكري والتربوي اللذين أسّستهما الدولة الأولى، وتم التهاون معهم في التربية والنظام العسكري، الأمر الذي تسبّب في زعزعة استقرار بل وسقوط دولة المماليك الجراكسة بالكلية فيما بعد[7].

    

  

هذا باختصار ما يمكن أن نصفه بالنظام العسكري والسياسي المملوكي، وسبب جلبهم، والفارق الجوهري بين مماليك الأتراك البحرية في الدولة الأولى ومماليك الأتراك الشراكسة أو الجراكسة في دولة المماليك الثانية التي قضى عليها العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول، وقد لاحظنا أن عناصر السكان من أهل البلد في مصر والشام لم يلتحقوا بهذا النظام العسكري قط، اللهم إلا في أوقات التطوع للحروب والجهاد.

  

فهل تمصّر المماليكُ الأتراك والشركس والوافدية "المغول" طوال مدة حكمهم التي قاربت القرنين ونصف القرن، وكيف رآهم مؤرخو العصر المملوكي الكبار مثل العلامة المقريزي وابن تغري بردي وابن حبيب وابن حجر وغيرهم؟

  

مصريون وشوام أم أترك وشركس؟!

يتفق معظم هؤلاء المؤرخين المعاصرين لعصر المماليك على أن المماليك كانوا أتراكا أقحاحا، وأن دولتهم كانت دولة "تركية"، فقد وضع العلامة المقريزي (ت 845هـ) في موسوعته المهمة "مواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار" المشهورة بـ "خطط المقريزي" فصلا عنوانه "ذكر جيوش الدولة التركية وزيّها وعوايدها" تناول فيه خصائص ومزايا وسمات هذه الدولة التي عاصرها وعاش بين جنباتها سنين عددا، فيقول:

"كانت جيوش الدولة التركية بديار مصر على قسمين، منهم مَن هو بحضرة السلطان، ومنهم مَن هو في أقطار المملكة وبلادها وسكان بادية كالعرب والتركمان. وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات، أكابرهم مَن له إمرة مئة فارس، وتقدمة ألف فارس، ومن هذا القبيل تكون أكابر النوّاب (الولاة)"[9].

  

وعند القلقشندي (الذي تُوفي 821هـ) في موسوعته الإدارية المهمة التي تؤرِّخ لدهاليز ونُظم دولة المماليك "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، يشير إلى أن نُظم دولة المماليك التي عمل في دواوينها تعتمد "من ابتداء الدولة التّركيّة وإلى زماننا على رأس الثمانمئة مما أكثره مأخوذ من ترتيب الدولة الأيّوبية، التي هي أصل الدولة التركية"[10].

    

"صبح الأعشى في صناعة الإنشا" (مواقع التواصل)

    

ويضع مؤرخ الشام ابن حبيب الحلبي موسوعته التاريخية لدولة المماليك حتى قُرب وفاته سنة 779هـ، وقد أسماها "درة الأسلاك في دولة الأتراك"، وقد سبقه المؤرخ ابن الدواداري (ت بعد 736هـ) وهو من عناصر المماليك التركية، حين وضع موسوعته التاريخية التي أسماها "كنز الدرر وجامع الغرر"، وخصَّص الجزء الثامن فيها لتأريخ دولة المماليك الأتراك التي عنون لها بـ "الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية".

  

ويحسم المؤرخون المعاصرون هذه القضية منذ أكثر من نصف قرن مضت سنونه، وعلى رأسهم رائد من رواد الدراسات المملوكية وهو الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور ( 1922-2009م) الذي يقول: 

"المعروف أن المماليك لم يحاولوا -عادة- الاختلاط بالمصريين، ولم يتأثروا بنُظمهم وعوائدهم إلا في حالات قليلة وبقسط محدود. وقد ساعد على هذه العُزلة وترتّب عليها أن طبقة المماليك أكثرت من شراء الرقيق حتى تكون لهم عصبية يعتمدون عليها في حُكم البلاد. ويرتبط بالمماليك الوافدية الذين هاجر معظمهم من بلاد المغول إلى مصر مستأمنين أحرارا لا أجلابا مملوكين، وهكذا حدث في ذلك العصر أن ملأ المغول مصر وانتشرت بها عاداتهم وطرقهم، فظهر من الأطعمة في مصر ما لم يكن معروفا قبلهم وسمّوها بأسماء من لغتهم، وانتشر أكل لحوم الخيل في المهام والأعراس والحفلات، وشغف الناس بألعاب الرياضة والفروسية واقتناء الخيول، حتى اقتناها وسابق عليها بعض رجال الدين"[11].

     

وكان تأثير المماليك كبيرا في الملبس وثقافة العصر، بل "بلغ الأمر أن بعض القضاة والفقهاء تحدّثوا إلى سلاطينهم باللغة التركية، فإذا خاطب السلطان أحدهم بالعربية قبض لسانه، وإذا تكلّم معه بالتركية بالغ" كما يُقرِّر الدكتور سعيد عاشور[12].

  

على الجانب الآخر، نرى الدكتور حسن البطاوي، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة أسيوط، يُقرِّر في ذروة الجدل الذي دار حول مسلسل "ممالك النار" أن "المماليك مصريون" حيث إن عطاءهم وحياتهم ومماتهم كان على أرض مصرية وأنهم لم يكونوا دولة احتلال، ثم هم لم يكونوا عبيدا بالمعنى الدوني للكلمة، واستطاعوا انتزاع الحكم من سادتهم الأيوبيين في مصر والشام، في منشوره على منصة التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

     

      

وبالرغم من أن رأي الدكتور البطاوي يمكن إنزاله على مَن حكموا مصر قبل زمن المماليك وبعدها أيضا، كالطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين وغيرهم، إذ يُمكن وصفهم أيضا "بالمصريين" تبعا لتعريفه، فإننا نرى تناقضا في رأيه إذا عُدنا إلى مقدمة كتابه المهم "أهل العمامة في مصر عصر سلاطين المماليك"، حيث سنجد قوله الواضح إن "المماليك حكّام البلاد عزلوا أنفسهم عن عامة الشعب، وظلّوا يُمثِّلون طبقة متميزة"[13].

    

والحق أن جُلّ المؤرخين لعصر المماليك يكادون يُجمعون على حسم هذه القضية منذ بداية التأريخ الحديث لها، إذ يؤكد العلامة المؤرخ المصري محمد مصطفى زيادة (1900-1968م) أن المماليك كانوا طبقة أوليجاركية "حكم أقلية" لها سمات ميّزتها وحرصت على أن تُميّزها طوال حكمها لمصر والشام مدة قرنين ونصف القرن قائلا:

"أما العوامل الداخلية التي مكّنت لهذه الدولة (المملوكية الثانية من الشركس) استمرارها رغم قصور سلاطينها عن مستوى سلاطين الدولة الأولى (الأتراك)، فلا مشاحة أن أول هذه العوامل هو أن المماليك سيطروا على جميع الوظائف العسكرية والإدارية كما سيطروا على وظائف البلاط السلطاني، ثم إنهم حرصوا -ابتداء من السلطان (في القمة) إلى المملوك المجلوب حديثا (في قاع الطبقة)- أن يظلوا طبقة أوليجاركية (أقلية) ممتازة منعزلة عن سائر أهل مصر والشام وغيرها من الولايات المملوكية، ومن هذه الطبقة تألفت فئات الجهاز العسكري الوحيد في البلاد، وأدركت هذه الطبقة ضرورة التكتل والتماسك بين أجزائها، وعرفت كيف تحصر ما وقع من منازعات داخلية في دوائرها المملوكية، ولم تلتمس في هذه المنازعات مساعدة المصريين أو البدو بالأقاليم، ولم تقبل أن يتدخل فيها جيرانها"[14].

   

الحكم على الأعراق من منظور القومية الحديثة

ولئن كانت قضية "تركية" أو "جركسية" المماليك محسومة منذ قرن في الدراسات التاريخية الحديثة، ومنذ قرون عند المؤرخين الذين عاصروا زمن المماليك وكتبوا عنهم حوادثهم اليومية وسياستهم وثقافتهم وأحوالهم في مصادرهم التاريخية كما مرّ بنا بأنهم "أتراك" و"جركس"، فإن للقضية بُعدا آخر يجب علينا التطرق إليه، وهي مسألة مفهوم "الهوية" أو "القومية"، إذ إن إسباغ أوصاف "مصري" و"سوري" و"لبناني" وغيرها على جنس ما، منهم أولئك الذين عاشوا قبل قرون مضت مثل الأتراك والجراكسة في ظل دول وسلاطين وممالك وخلافات وسلطنات لم تتكئ في بُنيتها الداخلية واستمرارها وعلاقاتها الخارجية وتعريفها لذاتها على مفهوم "الوطنية" الضيق قط، والذي نشأ وظهر في ظل الدولة الحديثة، يُعَدُّ أصل المشكلة وجذرها الواضح.

    

  

ذلك أن الالتباس الذي يُراد قصدا أو جهلا في عدم التفريق بين مفاهيم ومضامين وفلسفات الدولة الحديثة ودول ما قبل الحداثة إنما يغض الطرف عن طبيعة تلك الدول والحضارات، وهي دول قامت واستمرت في الأساس على هوية واحدة جامعة منذ دولة المدينة المنورة التي أسّسها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي الهوية "الدينية" وفقط، سواء في العالم الإسلامي حتى نهاية الزمن العثماني في العام 1924م، أم في العالم المسيحي حتى ظهور مفهوم الدولة القومية الحديثة بعد صلح ويستفاليا الشهير سنة 1648م الذي كان خاتمة المطاف لحروب دينية وقومية بين شعوب أوروبية ناضلت للوصول إلى لحظة ميلاد تلك الدولة، مع الفارق الكبير والمفصلي بين الحضارتَيْن الغربية والإسلامية.

  

ومن اللافت أن الدولة القومية العربية الحديثة التي انبثق منها مفهوم القومية والوطنية والعِرق الواحد، داخل الحدود التي رسمها المحتل لمصالحه الخاصة، إنما أُنشئت بعد انهيار الدولة العثمانية بأيدي الاحتلال الأجنبي بريطانيًّا كان أم فرنسيًّا أم إسبانيًّا أم روسيًّا أم غير ذلك، وهي مسألة أصبحت في حكم المعلوم من التاريخ بالضرورة، ثم لم يُكتفَ بمسألة الحدود وإنما حُرص فيها على صناعة وعي "متخيل" بالذات، ولعل هذه المعضلة التاريخية والثقافية هي التي دفعت الكثيرين وعلى رأسهم المؤرخ والباحث الأميركي بندكت أندرسون (1936-2015م) إلى تناولها بشيء من الإثارة والدقة في كتابه "الجماعات المتخيّلة، تأملات في أصل القومية وانتشارها" الذي صدر في العام 1983م.

  

فالقومية بحسب واحد من الدارسين لها مثل توم نايرن هي "مرض التاريخ التطوري الحديث، فلا مفر منها، حيث يكتنفها إلى حدٍّ بعيد الإبهام الجوهري ذاته، وتتمتع بالقدرة الأساسية ذاتها على التدهور والتحول إلى ضرب من العته الذي يضرب بجذوره الضعف والعجز المنتشر في معظم أرجاء العالم والذي لا دواء لها بوجه عام"[15].

        

إن الأعمالا الدرامية مثل "ممالك النار" لا تعدو أن تكون مجرد تلفيق تاريخي فج يستخدم الدراما للّعب بالتاريخ وحقائقه

مواقع التواصل
     

فـ "الأمة القومية" ظهرت في العالم الغربي إثر تراجع الهيمنة الدينية، وهي -بحسب أندرسون- جماعة سياسية متخيّلة، ويقصد بالتخيُّل أنّها مجموعة أو جماعة محدّدة المعالم والأشكال. ومن هذا التعريف يعود الكاتب إلى الجذور الثقافية للمفهوم، حيث يرى أن فكرة "تخيُّل" الأمة لم تنشأ، في أوروبا، إلا بعد تراجع اللغة اللاتينية كلغة مقدسة، في ظل الاكتشافات والاختراعات العلمية، وبوجه خاص اختراع الطباعة، وانهيار تلك الأقانيم يُمكِّن أعدادا من البشر من التفكير بذواتهم، وربطِ أنفسهم بآخرين من خلال طرق جديدة، خصوصا مع الطباعة التي هيّأت المنصة للأمة الحديثة، إذ وصل عدد الكتب المطبوعة في عام 1500 إلى ما يقارب عشرين مليونا. وشكّلت صناعة النشر آنذاك الشكل المبكّر للمشروع الرأسمالي، لبحثها الدائم عن الأسواق وفتْحِ أصحاب المطابع فروعا جديدة في أنحاء أوروبا، ما ساهم في نشر اللغات المحلية وتوحيدها بين ملايين الناس[16].

   

وإذا كانت فكرة القومية قد بزغت في العالم الغربي نتيجة انفجار تناقضاته الدينية واللغوية والسياسية، فإنها أبدا لم تنفجر في العالم الإسلامي لوحدة الروابط الدينية والثقافية واللغوية وتجذُّرها، والقدرة الباهرة على تجاوز المتناقضات اللغوية والأنثروبولجية إلى التوافق على القواعد والأصول الدينية، ووضوح مسألة "الهوية" منذ نشأة دولة المدينة النبوية على يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لذا لم يكن يُنظر إلى العِرق الحاكم طوال التاريخ الإسلامي من منظار "قومي" -رغم بروز هذه المسألة في أوقات مختلفة كقضية الشعوبية زمن الخلافة العباسية بين العرب والفرس- لكن سرعان ما تم تجاوزها، فرأينا العنصر العربي يحكم في زمن الدولة النبوية والخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية وغيرها، ورأينا العنصر التركي يحكم في دولة الغزنويين والسلاجقة والمماليك والأتراك، ورأينا العنصر المغربي يحكم في زمن الفاطميين والمرابطين والموحدين ومن تلاهم، وهكذا.

  

ومن هنا، فإن إدراك الفارق الجوهري والواضح بين دولة ما قبل الحداثة والدولة الحديثة هو المعيار الفاصل في الحكم على التاريخ الإسلامي بما في ذلك حقبة المماليك، وأنه لا يمكن أن نحكم على عصر ما قبل الحداثة بمعايير ومنطق الدولة الحديثة وفي القلب منها المنظور "القومي" الحديث، وهو منظور بحسب مؤرخيه وباحثيه الغربيين مُلفَّق ومتخيَّل في أصل نشأته، وأن الحكم على المماليك بأنهم "مصريون"، بما تحمله دلالة "مصر" الحديثة ثقافيا وسياسيا وإدراكا بالوعي والذات القومية التي تختلف عن مفهوم "المصري" في زمن ما قبل الحداثة، هو أمر شديد الخطأ بوضوح تام، فضلا عن غيرهم من الأعراق التي حكمت مصر، ومن هناك فإن أعمالا درامية مثل "ممالك النار" لا تعدو أن تكون مجرد تلفيق تاريخي فج يستخدم الدراما للّعب بالتاريخ وحقائقه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار