انضم إلينا
اغلاق
وصف أهلها بالكرم والحضارة ورأى فيها ابن تيمية.. هكذا سحرت دمشق عقل ابن بطوطة

وصف أهلها بالكرم والحضارة ورأى فيها ابن تيمية.. هكذا سحرت دمشق عقل ابن بطوطة

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"وأهل دمشق يتنافسون في عِمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد، وهم يُحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون إليهم بالأموال والأهل والأولاد، وكلّ مَن انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة، أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة القرآن، أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة"

(ابن بطوطة ورأيه في أهل دمشق حين زارها سنة 727هـ)

   

يُجمع الباحثون ومؤرّخو علوم الجغرافيا والرحلات على وضع ابن بطوطة في قمة الرحّالة في تاريخ الإنسانية، ذلك الرجل الذي طاف بلدان المشرق والمغرب من أقصاها إلى أقصاها في فترة زمنية قاربت الثلاثين عاما، غاب فيها عن وطنه وأهله، ومات خلالها والداه، وكاد أن يُنسى من أقرب المقربين إليه، ثم إنه تزوج في عدة بلدان زارها، وكان في أغلبها يترك زوجته في بلدها ليُكمل طريقه فلا يعود إلى ما كان عليه من قبل، وهكذا استمرت مغامرته بلا انقطاع!

  

ولو لم يلحَّ عليه السلطان المغربي أبو عنان (ت 759هـ) في دولة بني مرين في منتصف القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي بعد عودته إلى وطنه لتدوين هذه المغامرات العجيبة لما دوّنها ابن بطوطة، ولما أملاها على الوزير المريني ابن جُزَيّ الذي صاغها بأسلوب رشيق في العبارة نقلا عن ابن بطوطة، ولظلَّت حكاياه في طي النسيان والعدم.

  

وفي مدّة تلك الرحلة التي بدأت من المغرب الأقصى ووصل صاحبها إلى الصين في أقصى الشرق من العالم، شاهد بلدان العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ولم نشعر معه بغربة في رحلاته تلك، وقد جذبته بعض البلدان التي مرّ بها، وسحرته أخلاق أهلها وعاداتها ومؤسساتها وعمرانها وثقافتها، فراحَ يصف كل ذلك في رشاقة وأناة ودقة، متقيدا بمنظومته الأخلاقية التي نشأ فيها. فما الذي استهوى ابن بطوطة للقيام بتلك الرحلات؟ وكيف امتلك المال الذي أعانه في سبيل بذلك؟ وما أبرز ما رآه في بلاد الشام وأعجبه فيها؟ ذلك ما سنراه في قصتنا التالية.

    

    

مُعينات الرحلة وقوة الأمة!

وُلد محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي المغربي في مدينة طنجة في رجب سنة 703هـ/ فبراير/شباط 1304م، فنشأ على طريقة أمثاله في ذلك العصر، حيث حفظ القرآن الكريم، وبدأ بالدراسة على الشيوخ ليبلغ مرتبة الفقهاء النابهين والقضاة المشاهير من أهل بيته، ويبدو أنه أنهى جزءا كبيرا من هذه الدراسة وهو في الحادية والعشرين من عمره، ثم استهوته الرحلة والانطلاق لاستكشاف هذه الدنيا الواسعة.

  

فكانت الغاية الأولى والمباشرة لابن بطوطة أن يبلغ بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج وزيارة الأماكن المقدسة وهو لمّا يزل بعد شابا في ريعان شبابه، يقول:

"كان خُروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمئة معتمدا حج بيت الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفردا عن رفيق آنس بصحبته، وركْبٍ أكون في جملته، لباعثٍ من النفس شديد العزائم، وشوقٍ إلى تلك المعاهد الشريفة، فجزمتُ أمري... وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون، وكان والديَّ بقيد الحياة فتحمَّلتُ لبعدهما وصَبا، ولقيت كما لقيا نصَبا، وسِنّي يومئذ اثنتان وعشرون سنة"[1].

     

وإذا كان ابن بطوطة بدأ رحلته بقصد زيارة بيت الله الحرام، فإن الحال قد انتهى به إلى ترحال وراء آخر، وسفر إثر سفر، ورحلة تعقبها أختها، وإقامة هنا وهنالك في ربوع بلدان امتدت من المحيط الأطلسي غربا إلى بحر الصين شرقا، وهكذا استغرقت رحلاته في مجموعها ما يقرب من تسعة وعشرين عاما، عاد بعدها ليُملي مشاهداته ورواياته على الوزير الأديب محمد بن جُزَي الكلبي بتكليف من السلطان المغربي أبي عنان المريني حاكم المغرب آنذاك، وقد سُميت تلك الرحلة بـ "تُحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وهو عنوان كتاب الروايات والأحداث التي دوّنها ابن جزي نقلا عن ابن بطوطة.

      

قطع ابن بطوطة العالم الإسلامي كله من المغرب إلى إندونيسيا إلى الصين التي بلغ فيها حتى العاصمة الحالية بكين دون أن يشعر بأنه خرج من بلده أو فارق أهله

مواقع التواصل
     

ولقد أعان ابن بطوطة على القيام بهذه الرحلات بدن قوي يتحمل المتاعب ويقاوم الأمرض بصورة تدعو إلى العجب، فقد كان يأكل أي طعام -عدا المحرمات- دون أن يشكو مرة سوء هضم أو تعب، ما عدا مرة واحدة، وكان لا يتخير طعاما بل يأكلُ ما يجدُ، وفي أحيان كثيرة نجده يصوم عن الطعام أياما، ليصحّ بدنه إذا ألـمَّ به سقم، وقد مرض أكثر من مرة في أثناء رحلاته، وأصابته الحمى مرة بعد مرة، وكان يخرج من هذه المتاعب سليما بفضل ما آتاه الله من صحة وقوة وبُنيان. وقد حدّثنا عن كثير من أصحابه الذين توفاهم الله بسبب بعض الأمراض أو الطعام الفاسد، ونجا هو من الموت رغم مشاركتهم في أكل هذا الطعام، لأنه كان قوي البدن، وقد رزقه الله مناعة يسّرت له النجاة من المهالك[2].

    

وإذا كان ابن بطوطة ذا حظ عظيم بجسد قوي معافى أعانه على الرحلة والسفر ومواجهة المهالك والأمراض في أزمنة كانت تفتك بالناس بلا رحمة ولا دواء ناجع، فإنه كان محظوظا في أمر آخر أعانه على استمرار رحلاته بسهولة ودون عناء، وهو إيجاد التمويل اللازم لهذه الرحلة، وهو تمويل لم تقم به جهة واحدة، بل الأمة كلها.

  

ذلك أنه كان هناك دائما عالمان إسلاميان؛ عالم السياسة، ومعظمه خلافات وحروب ومكايد، وعالم الأمة نفسها، وهي وحدة متماسكة مترابطة، ورحلة ابن بطوطة تُوضِّح لنا هذه الحقيقة بأجلى بيان، فهذا الرجل قطع العالم الإسلامي كله من المغرب إلى إندونيسيا إلى الصين التي بلغ فيها حتى العاصمة الحالية بكين دون أن يشعر بأنه خرج من بلده أو فارق أهله، ووجد في كل مكان مَن يستقبله ويُؤويه ويُقدِّم إليه الطعام، لا على سبيل التكرم والتفضل، بل لأنه كان هناك تنظيم مُحكم وضعته الأمة وقامت على رعايته وتنفيذه دون تدخل الدولة؛ ذلك هو نظام الزوايا والمدارس والرُّبُط -جمع رباط-، وهي دور ضيافة يُنشئها رجال الطرق الصوفية، أو بعض أهل الخير أو كبراء أهل الدولة من مالهم الخاص، وقد تُنشئها الجماعة نفسها وتتولى أمرها ورعاية النازلين بها من أموال لهذا الغرض[3].

  

ويرى المؤرخ حسين مؤنس أن رحلة ابن بطوطة يتجلى فيها دور التكافل الاجتماعي للغرباء وأبناء السبيل، وأن الناس كانوا سواسية؛ صحيح أنه كان هناك فقراء وأغنياء، وأقوياء وضعفاء، ولكن الأمة كانت تجتهد في إزالة هذه الفوارق، وتحقيق المثل الأعلى الإسلامي بطريقة تلقائية دون تكلُّف، وهذا هو عالم الإسلام الآخر الذي تكشف رحلة ابن بطوطة النقاب عنه، أي عالم أمة الإسلام[4] الذي آواه وعرف قدره فقيها وقاضيا ورجلا يجب الإحسان إليه وإنزاله منزلته التي تليق به.

  

الشوق إلى دمشق

      

كانت تلك بعضا من الأُسس التي قامت عليها رحلة ابن بطوطة طوال ثلاثين عاما قضاها مرتحلا بين بلدة وأخرى في أركان العالم الفسيح، أما أعظم البلدان التي أخذت بلبّه فكانت بلاد الشام وفي القلب منها دمشق، وقد كان شديد الشوق لزيارتها ورؤياها، يقول:

"وكان دُخولي لبعلبك عشية النهار وخرجتُ منها بالغدوّ لفرط اشتياقي إلى دمشق، ووصلتُ يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين (وسبعمئة) إلى مدينة دمشق الشام فنزلتُ منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تفضُل جميع البلاد حُسنا، وتتقدمها جمالا، وكلُّ وصف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها"[5].

    

لقد أخذت دمشق بلُبّ ابن بطوطة، وراح يفيض في أوصاف ومحاسن البلد، فالمسجد الأموي درّة تاج المدينة، ومن فضائله "أنه لا يخلو عن قراءة القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان، كما سنذكره، والناس يجتمعون به بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرؤون فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن، وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تُجرى لهم، وهم نحو ستمئة إنسان، ويدور عليهم كاتب الغيبة، فمَن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته، وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه، مقبلون على الصلاة والقراءة والذّكر لا يفترون عن ذلك ويتوضؤون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها، وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك"[6].

    

وقد أُعجب ابن بطوطة بدمشق إعجابا زائدا، وأخذت بلُبّه أوقافها ومدارسها وعلماؤها وأحداثها الساخنة، وانخرط في هذه المدينة، وقد حصل في دمشق على نحو من ثلاث عشرة إجازة علمية، وفيمن أجازوه من العلماء السيدة أم عبد الله زينب بنت الكمال المقدسية، ولقد كان حريصا على أن يذكر أسماء الذين أجازوه في أرض الشام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على "انتساب" الرجل إلى بيت العلم والفقه والحديث[7] وافتخاره بعلماء هذا القُطر.

     

  

وقد كشف المؤرخ المغربي الدكتور عبد الهادي التازي، محقق رحلة ابن بطوطة، عن وثيقة مهمة لم نقف عليها في تلك الرحلة، تُوضِّح مدى انخراط هذا الرحّالة الأشهر في تناول العلم، كتابة وحصولا على الإجازات ونسْخا للمؤلفات، والتصاقا بالعلماء، وهي نسخُ ابن بطوطة لكتاب "المفهم لما أُشكل من تلخيص الإمام مسلم" لمؤلفه الإمام القرطبي، وفي نهاية المجلد الثاني في هذا الكتاب المخطوط الذي لا يزال على حاله وبخط ابن بطوطة محفوظا في المكتبة الأزهرية بالقاهرة نجده بعد تمام النسخ قائلا:

   

"أنجزتُ المجلدة الثالثة من الكتاب: "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"، وبتمامها تم جميع الديوان، والله المستعان، وذلك يوم الاثنين الثامن عشر من جمادى الأخرى من عام سبعة وعشرين وسبعمئة، وذلك بمدرسة العزيزية من مدينة دمشق المحروسة، والحمد لله الذي هدانا للإسلام، ووفقنا لكتابة سنة نبيه وحبيبه وخليله سيد الأنام، والله المسؤول أن يخلص أعمالنا ونياتنا وضمائرنا لوجهه الكريم... كتبه العبد الفقير إلى عفو ربه، المستغفر من زلته وذنبه، الراجي رحمة ربه، محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن بطوطة الجراوي الطنجي، وهو بحال غربة عن بلاده، جمع الله أموره وأحواله، حامدا لله تعالى ومصليا على رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما. نسخَه لمالكِه الشيخ الفقيه الأجل، المدرس الأوحد، الأسنى الأسعد... القاضي العدل الرضي الأرضى نور الإسلام، سيد القضاة والحكام، أبي الحسن علي السخاوي المالكي، أبقى الله عزته"[8].

   

والحق أن حديث ابن بطوطة عن دمشق حديث طويل حافل بالمعلومات المهمة واللافتة، فقد أدرك العلامة ابن تيمية الحراني (ت 728هـ)، ووصفه بأنه "كبير الشام، يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيئا"، أي إن الشائعات التي انتشرت عن ابن تيمية في ذلك الوقت أنه كان مجنونا أو به مسٌّ من الجنون كما نقلها ابن بطوطة وسمعها من العامة وغيرهم، وهذه الشائعات لم تخرج من الناس بالتأكيد، وإنما من أعداء ابن تيمية وعلى رأسهم السلطة وكثير من الصوفية والطروقية الذين كانوا يتتبعونه، وقد سُجن حتى ذلك التاريخ مرتين، ثم سُجن بعد هذا التاريخ سجنه الأخير في دمشق الذي مات فيه بعد ذلك بعامين بسبب خلافاته الفكرية مع كثير من الفقهاء والعلماء آنذاك، لكن ابن بطوطة يعترف بأن "أهل دمشق يُعظّمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر"[9].

    

عجائب دمشق وأوقافها

أشار ابن بطوطة إلى تنافس أهل دمشق على فعل الخيرات، ومدى تلاحمهم وتضامنهم الاجتماعي اللافت حتى كأنهم عائلة واحدة

مواقع التواصل
     

أُعجب ابن بطوطة كذلك بأوقاف دمشق وأنواعها اللافتة والبديعة والدالة على التضامن والتلاحم بين أبناء الأمة، يقول:

"والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف العاجزين عن الحج، يُعطى لمَن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهنَّ على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفِكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل يُعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطُّرق ورصفها؛ لأن أزقة دمشق لكلّ واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الرّكبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسِوى ذلك من أفعال الخير".

  

أما أعجب أوقاف دمشق التي رآها ابن بطوطة فهي وقف "الأواني" أو "الأطباق المكسورة"، يقول:

"مررتُ يوما ببعض أزقة دمشق فرأيتُ به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صحفة (طبق) من الفخار الصّيني وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفَها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعَها وذهبَ الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام لا بدّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرا للقلوب، جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا"[10].

   

كما أشار ابن بطوطة إلى تنافس أهل دمشق على فعل الخيرات، ومدى تلاحمهم وتضامنهم الاجتماعي اللافت حتى كأنهم عائلة واحدة، ودعمهم للمؤسسات التعليمية والدينية في مدينتهم بكل ما تجود به أيديهم وأموالهم، سواء لأهل دمشق وساكنيها، أو للغرباء والطارئين عليها من الحجاج في طريق حجّهم، أو لطلبة العلم القادمين من أصقاع الأرض المختلفة من الصين في أقصى الشرق إلى المغرب والأندلس في أقصى الغرب.

  

خصال أهل دمشق

    

يقول:

"وأهل دمشق يتنافسون في عِمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد، وهم يُحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون إليهم بالأموال والأهلين والأولاد، وكلّ مَن انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة، أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة القرآن، أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة، أو يكون كجملة الصوفية بالخوانق تجري له النفقة والكسوة، فمَن كان بها غريبا على خير لم يزل مصونا عن بذل وجهه محفوظا عما يزري بالمروّة، ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخرى من حراسة بستان، أو أمانة طاحونة، أو كفالة صبيان يغدو معهم إلى التعليم ويروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التّامة على ذلك".

 

ومن عاداتهم الجميلة في شهر رمضان أنه "لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كلّ ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا"[11].

  

بل إن ابن بطوطة قد أصابته الحمى أغلب شهر رمضان، وهو الغريب، فأصر أحد فقهاء المالكية من أهل المدينة، وهو الشيخ نور الدين السخاوي المالكي، على استضافته في بيته وإحضار الطبيب له، وفعل فوق ذلك وزيادة، يقول:

"أصابتني الحمى فغبت عنه، فبعث في طلبي فاعتذرت بالمرض، فلم يسعني عذرا فرجعت إليه وبتّ عنده، فلما أردت الانصراف بالغد منعني من ذلك وقال لي: احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو أخيك، وأمر بإحضار طبيب وأن يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غداء، وأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد، وحضرتُ المصلَّى وشفاني الله تعالى مما أصابني، وقد كان ما عندي من النفقة نفِد، فعلم بذلك فاكترى لي جمَّالا وأعطاني الزاد وسواه، وزادني دراهم وقال لي: تكون لما عسى أن يعنّ لك مِن أمر مهم، جزاه الله خيرا"[12].

  

إننا نرى من وصف ابن بطوطة لأهل دمشق وعاداتهم الجميلة أنهم كانوا مرهفي الشعور، على جانب كبير من الأخلاق والتقوى، يتهافتون إلى الطاعة والعلم وعون المحتاج والملهوف، ويستغلون مواسم الخيرات مثل رمضان وأيام ذي الحجة وعرفة للابتهال والتضرع والتقرب إلى الله تعالى، وعن يوم عرفة وتلهفهم للحج والحجاج يقول:

"ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة، فيقفون بصحون (ساحات) المساجد كبيت المقدس وجامع بني أمية وسواها، ويقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم، داعين خاضعين خاشعين ملتمسي البركة، ويتوخّون الساعة التي يقف فيها وفد الله تعالى وحجاج بيته بعرفات، ولا يزالون في خضوع ودعاء وابتهال وتوسل إلى الله تعالى بحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس، فينفرون كما ينفر الحاج، باكين على ما حُرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات، داعين إلى الله تعالى أن يوصلهم إليها ولا يخيبهم من بركة القبول فيما فعلوه"[13].

    

   

دمشق أم الدنيا في عين ابن بطوطة!

لم تأخذ دمشق بلُبّ ابن بطوطة في كثرة علومها ومشاهدها ومتنزهاتها وعلمائها فقط، إذ انخرط في ذلك كله، ولكنه فوق ذلك آثر أن يتزوج منها من ابنة رجل مغربي مكناسي الأصل، استهوته دمشق فقرر المكوث بها، وظلت دمشق في عيني ابن بطوطة أيقونة العالم، وصورته الصغرى، والمعيار الذي يقيس عليه باقي المدن التي مرّ بها، فحين مرّ على مدينة شيراز في بلاد فارس (إيران) وأُعجب بها وبهوائها وأهلها، راح يقول:

 "مدينة شيراز وهي مدينة أصليّة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، مُنيفة القدر، لها البساتين المونقة، والأنهار المتدفقة، والأسواقُ البديعة، والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة متقنة المباني، عجيبة الترتيب، وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطُهم غيرهم، وأهلها حِسان الصور، نِظاف الملابس، وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حُسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحُسن صور ساكنيها إلّا شيراز"[14].

  

وحين يمرُّ بمدينة سنجار في بلاد الجزيرة الفراتية شمال العراق اليوم يقول:

"ثمّ رحلنا إلى مدينة سنجار، وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار، والعيون المطردة والأنهار، مبنيّة في سفح جبل، تُشبّه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها"[15].

  

وقد ظل ابن بطوطة طوال عشرين سنة بعد مغادرته دمشق لا يفكر إلا بها، حتى عاد إليها مرة أخرى سنة 749هـ، قائلا: "وكانت مدة مغيبي عنها عشرين سنة كاملة، وكنت تركت بها زوجة لي حاملا، وتعرفتُ وأنا ببلاد الهند أنها ولدت ولدا ذكرا فبعثتُ حينئذ إلى جدّه للأم، وكان من أهل مكناسة المغرب، أربعين دينارا ذهبا هنديا، فحين وصولي إلى دمشق في هذه الكرّة لم يكن لي همّ إلا السؤال عن ولدي، فدخلتُ المسجد فوقف لي نور الدين السخاوي إمام المالكية وكبيرهم، فسلمتُ عليه فلم يعرفني، فعرّفته بنفسي، وسألتُه عن الولد، فقال: ماتَ منذ اثنتي عشرة سنة، وأخبرني أن فقيها من أهل طنجة يسكُن بالمدرسة الظاهرية، فسرتُ إليه لأسأله عن والديَّ وأهلي، فوجدتُه شيخا كبيرا فسلمتُ عليه وانتسبتُ له، فأخبرني أن والدي توفي مند خمس عشرة سنة وأن الوالدة بقيد الحياة"[16].

 

غادر ابن بطوطة بلاد الشام وفي القلب منها دمشق التي زارها مرتين وأحبها حبا شديدا، غير أنه لم يَعُد إليها مرة أخرى قط، إذ انطلق إلى الحج، ومنه إلى بلاده المغرب التي ألقى فيها عصى التسيار والاستقرار بعد أكثر من ربع قرن شاهد فيها العجائب والغرائب، وأبرز لنا عالما أشد عمقا وأكثر تماسكا من عالم السياسة والحرب؛ ذلك هو عالم الناس وأمة الإسلام.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار