انضم إلينا
اغلاق
بين الأدب والفلسفة.. أي علاقة؟

بين الأدب والفلسفة.. أي علاقة؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

مارس الإنسان التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقية والمعرفية والاجتماعية، وقد اتسمت الفلسفة التقليدية بمداها النسقي، أي أنها لم تترك مجالاً إلا وأخضعته لنمط سؤالها العام، فأفلاطون -على سبيل المثال- كان قد أدخل في كتاباته تصورات عن العالم الطبيعة والإنسان والمجتمع، فتحدث في كتابه الجمهورية عن الرياضيات والأخلاق والاجتماع  والسياسة والفن والأدب، بحيث لم يترك مجالاً إلا وضمّنه في نسقه الفلسفي[1].

 

إلا أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، استعصى على الاحتواء من قبل الفلسفة النسقية التقليدية، فالكتابة الأدبية باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو رواية، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة[2].

 

يمكن القول إنه برغم التساكن والتعايش اللذان عرفتهما العلاقة بين الأدب والفلسفة، إلا أن هذين الحقلين المعرفيين كانا دائماً في حالة صراع، فكل نمط يعتبر نفسه قد قطع شوطاً في سبيل تلمس الحقيقة يما لم يفعله النمط الآخر، وهذا بالتحديد ما جعل أفلاطون يستبعد الأدباء بشكل عام والشعراء تحديداً من جمهوريته.

 

هل العلاقة بين الفلسفة والأدب دائماً متنافرة؟ وهل ثمة إمكانية للجمع بينهما؟ وماهي الوظيفة التي تؤديها كل من الفلسفة والأدب في العصر الحديث؟

 

بين العبارة الفلسفية والإشارة الأدبية
"اذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" - النفري

إن حدود اللغة المنطقية العقلانية لا تسمح بمقاربة نبضات وأشواق وكشوفات الروح التي تتجاوز العقل وتتفلت من صرامة المنطق، وبالتالي لا تستطيع اللغة المنطقية الجافة من مقاربة الحقيقة كما يفعل السرد الأدبي.


مواقع التواصل الاجتماعي
يقسم الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن اللغة إلى قسمين[3]: الأول هو الكلام العباري والثاني هو الكلام الإشاري، فالعبارة -بحسب طه عبدالرحمن- هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، بينما الإشارة على عكسها، "كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" ما يعني أن العبارة -هي أساسا- كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العبارية ذات الدلالة المحددة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد" هي مدار اشتغال الأدب والشعر.
 

بحسب طه عبد الرحمن فإن كلا من الفلسفة والأدب يختلفان فيما بينهما بمقدار نصيب كل منهما من هذين القسمين البيانيين المتعارضين: العبارة والإشارة. أو "قوة التعقل وقوة التخيل"، وهنا لا يذهب طه عبدالرحمن إلى الفصل بين الأسلوبين فصلاً تاماً، بل يشير إلى أن كلاً من الفلسفة والأدب يشتملان على هذين النوعين من البيان معاً، إلا أنه وبينما تنال الفلسفة قسماً أكبر من البيان العباري، فإن السرد الأدبي يحظى بالقسم الأكبر من البيان الإشاري[4]. 

 

يذهب الفيلسوف إلى أنه (ومن خلال لغتة العبارية المجردة التي تبدو صارمة في عقلانيتها، ومغرقة في غموضها) قادرٌ على الإحاطة بمستويات التفكير الإنساني سواءً كانت علمية أم أدبية[5]. لكن الأديب يمكنه الرد على ذلك بالقول إن حدود اللغة المنطقية العقلانية لا تسمح بمقاربة نبضات وأشواق وكشوفات الروح التي تتجاوز العقل وتتفلت من صرامة المنطق، وبالتالي لا تستطيع اللغة المنطقية الجافة من مقاربة الحقيقة كما يفعل السرد الأدبي الذي يتسم بالتدفق والانسياب واستخدامه للصور المجازية والاستعارات الجمالية[6].

 

إلا أن هذه الحدود الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل ثنائية الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحرية والحتمية... إلخ[7].

 

ما بعد الحداثة وتكسير الحدود بين الأدب والفلسفة

تُعنى فلسفة ما بعد الحداثة بالأدب بصورة خاصة، ذلك أنها فلسفة قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانية الصارمة التي يوليها المنهج الفلسفي اهتماما خاصاً[8]، وانتهى عدد كبير من المنتسبين لمدرسة ما بعد الحداثة إلى القول إن ما يجمع المجالين هي قضية إشكالية واحدة وهي قضية الكتابة، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز[9].

 

من الممكن أن نجد جذور هذا الموقف المنتفض على هذه القسمة الثنائية بين الأدب والفلسفة عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريك نيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى "العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائية للارتشاف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي"[10].

 

من هنا ظهر عدد من المفكرين والفلاسفة الذين مزجوا بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعرية من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفية من جهة أخرى، فنيتشه نفسه على سبيل المثال كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت"، الأمر ذاته نجده عند عدد من الفلاسفة الذين صاغوا فلسفتهم وأفكارهم بواسطة الرواية والمسرح كجان بول سارتر، وميلان كونديرا وغيرهم[11].

 

الفلسفة والأدب ومهمة التأسيس للحداثة
"مثلما قالت فلسفة الحداثة مع ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، قال أدب الحداثة أنا أتألم إذن أنا موجود" - ميلان كونديرا


ينسج الروائي التشيكي ميلان كونديرا في كتابه "ثلاثية حول الرواية: فن الرواية" علاقة جديدة بين الرواية والفلسفة، لا من حيث الأسلوب والمنهج الذي يتبعه كل منهما، بل من حيث الوظيفة التي أدتها كل من الفلسفة والأدب في العصر الحديث.

 

فبحسب كونديرا فإن كلا من الفلسفة والأدب عملتا جنباً إلى جنب على تأسيس الحداثة الغربية، فإذا كان التأسيس الفلسفي للحداثة قد جرى على يد الفيلسوف الرياضي ديكارت -وذلك في القرن السابع عشر الميلادي- الذي جعل الذات المفكرة الواعية أساس كل شيء، وذلك من خلال مقولته الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، حيث حدد ديكارت مهمة هذه الذات المفكرة في اكتشاف الكون وحل ألغازه، فإن دور الراوية كان قد تمثل في سبر أغوار النفس البشرية والحفر في أشواقها وآمالها التي لا تقف عند حدود المادة والطبيعة[12].

 

من هنا اعتبر كونديرا أن الروائي الإسباني ميخائيل دي سرفانتس -الذي عاصر ديكارت في القرن السابع عشر الميلادي- ومؤلف رواية "دون كيشوت" الشهيرة مؤسساً للحداثة بجانب ديكارت، فذات ديكارت المفكرة تسعى لكشف أسرار العالم، ورواية سرفانتس تسعى لكشف سر هذه الذات وتطلعاتها وأشواقها [13].

 

فمن خلال هذا الربط بين نشأة الرواية على يد سارفنتس وهوى المعرفة على يد ديكارت، يكون كونديرا قد جعل كلا من الفلسفة والأدب ذات وظيفة متكاملة ومشتركة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار