انضم إلينا
اغلاق
سيلفيا بلاث: متعة الحياة والكتابة كخلاص للروح

سيلفيا بلاث: متعة الحياة والكتابة كخلاص للروح

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
يطلعنا المقال التالي على فترة الشباب من حياة الشاعرة الأمريكية "سيلفيا بلاث" التي انتهت بصورة مأساوية سنة 1963. في مقتطفات من رسائلها إلى والدتها، التي قامت في نهاية المطاف بتحريرها وتنقيحها؛ لنشرها في كتاب بعنوان "بيت الرسائل: جناس" نرى حيرة "بلاث"، وتقلّباتها النفسية التي لا يبدو أنها تختلف كثيرًا عما نعيشه نحن من حين لآخر. 
 

"أريدُ للحياة أن تمسّني بعمق؛ لكن دون أن أعمى عن رؤية وجودي في نور الخفّة والفكاهة". 

(سيلفيا بلاث)

 

سواء كان السبب أننا عالقون في داراتنا المعرفية المغلقة، أو أننا قد تكيّفنا مع ثقافة التهكّم التي نعيش فيها، إلا أننا في الحالتين نعجز بعمق عن إدراك التناقضات، والمعتقدات والآراء والسلوكيات الإنسانية، في أوقات مختلفة وحتى في ذات الوقت؛ نعجز عن أن يكمّل أحدنا الآخر ويثريه عوض إلغائه.

 

هل يمكن لحياة عشناها يملأ قلوبنا الفرح أن تنتهي إلى يأس مفجع، وأن يُلغي هذا الأخير حقيقة ما سبق عليه؟ قد لا يمكن لشيء أن يطرح هذا السؤال بإلحاح أكبر من الحياة القصيرة إنمّا الكثيفة للشاعرة الجميلة "سيلفيا بلاث" التي ولدت سنة 1932  لتوارى الثرى سنة 1963.

 

وقد نال القرّاء لمحة عن المشهد الداخلي الإبداعي المضطرب لدى "بلاث"، في تنويعة من الرسائل التي خاطبت فيها الشاعرة عائلتها وقامت والدتها "أوريليا بلاث" بتحرير نصّها وتجميعها في كتاب بعنوان "بيت الرسائل: جناس" ونشرتها سنة 1975، قبل عشر سنوات على صدور مذكّراتها الشخصية، وفوزها بجائزة البوليتزر تخليدًا لذكراها. وقد انطوت ما بين السطور ضخامة المشاعر التي أحيت روح الشاعرة المضطربة.


في الافتتاحية، تتحدث والدة "بلاث" عن "التنافذ النفسي" * المشترك مع "سيلفيا"، وتستشهد بنصّ دوّنته ابنة السبعة عشرعامًا في يومياتها (وسيلفيا بالمناسبة، كانت من أشدّ الكتّاب إخلاصا لمذكّراتهم):

 

"عليّ بطريقة ما التمسك ببهجة كوني في السابعة عشرة. كل يوم ثمين ويعتريني حزن سرمديّ عندما أفكّر بأنّ كل هذا الزمن تذروه الرياح كلّما تقدمت في العمر. الآن، الآن هو الزمن المثالي لكي أعيش. عند التأملّ في الأعوام الستة عشر التي خلت، أرى أن المآسي والمسرّات التي أحاطتني، كانت نسبية، وغير ذات أهمية [الآن]. ولا ينفع معها سوى أن أبتسم بحياد. إنني ما زلت لا أعرف نفسي، وقد لا أعرفها أبدا؛ لكنني أشعر بالحريّة، لا تكبّلني المسؤولية".

 

في رأي يذكّرنا بمقولة "سوزان سونتاغ" أن "الكاتب مراقب متمرّس" تضيف "بلاث" المراهقة: "في الوقت الحالي أشعر بسعادة غامرة، أجلس إلى مكتبي، وأشاهد الأشجار العارية التي تطوّق البيت في الشارع المقابل... إني دائمًا ما أريد أن أراقب. أريد للحياة أن تمسّني بعمق؛ لكن دون أن أعمى عن رؤية وجودي في نور الخفة والفكاهة. ودون أن أهزأ من نفسي كما أهزأ من الآخرين تماما.
 

[...]


أخشى التقدّم في العمر. أخشى أن أتزوّج. ماما، أعفيني من مهمّة طهو ثلاث وجبات كلّ يوم؛ من قفص الروتين والتكرار الذي سيطبق علي جدرانه".

رسمة كوينتن بلاك عن كتاب ألّفته "بلاث" لأطفالها بعنوان "السرير" (مواقع التواصل الإجتماعي)


تزوّجت "بلاث" في نهاية المطاف وأنجبت الأطفال، وأجدني هنا مضطرّة لإضافة تعقيب ضروري حول  الأمر: الافتراض الاستعلائي بأنّ زواج "سيلفيا" كان سبب مأساتها اليومية التي دفعتها في نهاية المطاف للانتحار(وهو افتراض شائع بشكل مأساوي في هذا العصر، عصر تصدير الأحكام الجاهزة والانطباعات السطحية كما لو كانت آراء متعمّقة، والتي لا يتردد الناس في إلقائها كلّما ذكرت بلاث وزوجها هيوز) استخفاف بتعقيدات الحياة الإنسانية، واستهانة بالتعقيد المضاعف المصاحب للعلاقات الإنسانية. فضلا عن أنه افتراض يفشل في تفسير الكيمياء العصبية المعقدة سلفا للإبداع والمرض النفسي.

 

 يتضح لي بأنها في سن السابعة عشرة، قد صارعت بالضبط تلك التعقيدات التي تجعل الإنسان يشعر بأنه خارج حدود ذاته، أجنبيا-مقيما داخل عقله وجسده.

 

"أريد أن أكون حرّة -حرة في معرفة الناس وخلفياتهم الثقافية- في الانتقال إلى أماكن مختلفة من هذا العالم؛ لكي أتعلّم أن ثمة معايير أخلاقية أخرى إلى جانب تلك التي عندي. إنّي أريد وأرغب أن أكون، أن يسع علمي كل شيء... أن أحلّ في كل شيء؛ لكن إن لم أكن في هذا الجسد، أين سأكون -ربّما كان من المقدّر لي أن يتمّ تصنيفي وتأهيلي [لحياة واحدة]، لكنني أرفض الأمر. فأنا- أنا قوية، لكن إلى أي حد؟

 

أحاول أحيانا أن أضع نفسي مكان الشخص الآخر، ويتملّكني إحساس بالذعر عندما أوشك على إتقان الأمر. كم هو مريع أن أكون شخصا آخر غيري. لديّ حب مفرط لذاتي. أحب لحمي ووجهي وأطرافي بإخلاص مفرط. أعرف بأنني "طويلة جدا" وأن أنفي سمين. لكنني رغم ذلك أتزيّن وأقف قبالة المرآة لأرى أكثر فأكثر مدى روعتي. فقد بنيت صورة ذهنية عن نفسي -مثالية وجميلة؛ أليست تلك الصورة البراقة [الذهنية]، هي الذات الحقيقية- أعني الكمال الحقيقي؟ هل أخطئ عندما أسمح لهذه الصورة بطمر عيوبي أمام المرآة المتوحشة؟ (يا إلهي، عند النظر فيما كتبته للتوّ، يا لغباء ما أكتب، وفرط دراميتّه)".

 


ومع ذلك، في صدى لفان غوخ (فنان معقد آخر لاقى نهاية مأساوية) والذي كتب إلى أخيه: "أيظهر ما في نفوسنا، على قسمات وجوهنا؟ إنّ في روح أحدهم نارا عظيمة لا يأتي أحد كي يتدفأ بها، لا يرى المارّة سوى غمامة الدخّان الرمادية الصغيرة تنبعث من رأس المدخنة"، ومع ذلك تتساءل "بلاث" إذا ما كان سعيها خلف الكمال الداخلي سيثمر ويظهر إلى الخارج:

 

"لن أصل أبدًا الكمال الذي أتوق إليه من أعماق روحي، إن لوحاتي وقصائدي وقصصي جميعها ما هي إلا انعكاسات مثيرة للشفقة."
 

تتعجّب "بلاث" في فترة من حياتها، كانت فيها بمواجهة منعرجات حياة النضج: "عند لحظة ما سيكون عليّ مواجهة نفسي؛ بل في هذه اللحظة وأنا أخشى اتخّاذ القرارات الكبرى التي تتعلق بحياتي؛ إلى أي جامعة أذهب؟ أي مهنة أختار؟ إنني متوجسة. يعتريني الشكّ. ما الأفضل لي؟ ماذا أريد؟ لا أعرف. أحبُّ الحرية. ولا أطيق القيود والتضييقات... إنني لست حكيمة كما ظننت. أستطيع أن أرى الآن -كما لو كنت في وادٍ- الطرق المتاحة أمامي، غير أنني أعجزُ عن رؤية النهاية؛ أعني عاقبة كل طريق منها.

 

أحب العيش في الآن، بكل هواجسي ومخاوفي؛ لأنني في الآن لم أنضج بعد. لا تزال حياتي في بواكيرها. إنني قوية، وفي توق لقضية أكرس لها طاقاتي."

 

وتلك القضيّة أصبحت الكتابة، تملّك "بلاث" إحساس بالغاية عندما سمحت لحياتها بالكلام. ونراها تلتقط جاذبيتها بجمال في إحدى قصائدها الأولى، التي ترفقها والدتها في مقدمة الكتاب:

 

تسألني لماذا أمضي عُمري في الكتابة

إن كانت مصدر تسلية

إن كانت تستحقّ

وفوق كل شيء إن كانت ذات جدوى

إن لم يكن، إذن، أثمة سبب؟

أنا أكتب فقط

لأنّ

هناك صوتا في داخلي

لن يسكت

 

سرعان ما التحقت "بلاث" بكليّة سميت، وهناك نما تفانيها في الكتابة بشراهة، وقد خلّدت الكليّة ذكراها بتعليق إحدى القصاصات الكرتونية التي ألّفتها "بلاث" بعنوان "انتصارات عمر المراهقَة" في صالة الكلية.

 

"ولدتُ لأكتب"
في سن السابعة عشرة، تعمل سيلفيا بلاث بالفعل في الكتابة... لقد نشرت مجلة وطنية اثنتين من بنات أفكارها! إنّه الامتحان الحقيقي لأي كاتب.


من ناحيتها، فقد أحبّت بلاث فرصة كتابة النشرات الكرتونية. وفي رسالة إلى والدتها تقول: "بصدق، يا أمّي، إن في وسعي البكاء من شدة الفرح. أحب هذا المكان كثيرًا، وثمة مجال كبير فيه للعمل الإبداعي... إن العالم يتفلّق عند قدميّ كما لو أنه بطيخة ناضجة شهية. لو أمكنني وحسب أن أعمل وأعمل، وأعمل لكي أبرر كل فرصي... ابنتك السعيدة: سيفي".

 

العمل والعمل، ثم العمل هو كل ما فعلته بلاث. بعد عدة أشهر، كانت سيلفيا قد تلقت خطاب تدريب من كلية مدموزيل، وهو الأمر الذي أدخلها عالم الاحتراف في الكتابة. في رسالة كتبت عام 1955 إلى والدتها، والتي تؤكّد كلام كاتب السير الذاتية "أندرو ويلسون" بأن "بلاث" كانت "مدمنة على التجربة" تكتب: "الكتابة هي حبي الأول. علي أن أعيش بعافية وثراء وبعدٍ لكي أكتب... لا يمكن إطلاقا أن أكون كاتبة منطوية ضيّقة، مثلما هو حال العديدين؛ لأن كتابتي تعتمد على الكثير من الحياة."

 

في يوليو لعام 1956، تعرب "بلاث" عن هذه الرغبة الدائمة في رسالة أخرى إلى والدتها من رحلتها إلى باريس رفقة زوجها "تيد هيوز" الذي كانت قد تعرفت إليه في لقائهما الشهير الأول شهر فبراير وتزوّجا بعده في شهر يونيو.

 


تكتب بلاث البالغة من العمر ثلاثا وعشرين عامًا:
 

"أمي الغالية، كلانا يخرج ببطء من التعب الذي أعقب خططنا التي باءت بالفشل... وأحداث الشهر الأخير، بعد التسكّع في أرجاء باريس، والجلوس والكتابة والقراءة في حدائق التويلري، كتب كل منا قصيدة جيدة، وهو الأمر الضروري من أجل تقديرنا الذاتي الشخصي، لا أقول إننا كتبنا قصائد وقصصا بالغة الروعة، وإنما جلسنا على الأقل لبضع ساعات من العمل لأجل الخروج بكتابة متماسكة يوميا. إن ثمة شيئًا فينا (هو وأنا) يدفعنا للكتابة المطولة اليومية، وإلا أصابنا البرود على الورق، أو النكد، أو الإحباط... إننا بالفعل أسعد في البقاء بمفردنا، والكتابة. إنني لم أفكر إطلاقا بأن عليّ النمو بسرعة حتى اللحظة في حياتي.

 

السرّ في كلينا، كما أعتقد، هو حبنا المطلق لبعضنا البعض، وهو ما يحرر كتابتنا من أن تكون محض انعكاس أنانيتنا؛ لتكون عوض ذلك استبيانا قويا عن حياة الناس الآخرين وتحركاتهم."

 

بيت الرسائل هو كنز ثري يسلّط الضوء على هذه الروح المضيئة العالقة في عقل مضطرب؛ لكنّه ليس الكتاب الوحيد الذي نشره أقرباء "بلاث" وأفراد عائلتها. فقد نشرت ابنتها رسوماتها ونصوصا أخرى كذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

* التنافذ النفسي (psychic osmosis): هو انتقال الفكرة من شخص لآخر دون وعي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال الأصلي: https://goo.gl/IMUZco

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


آخر الأخبار