انضم إلينا
اغلاق
"الحرب والسلام" لتولستوي.. تأملات في التاريخ والإرادة الإنسانية

"الحرب والسلام" لتولستوي.. تأملات في التاريخ والإرادة الإنسانية

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  
تبدو الحرب -في جانب من جوانبها- كآلة صماء ضخمة تبتلع بداخلها كل ما تواجهه من بشر وشجر وحجر دون أن تلوي على شيء، تصنع الحرب سرديتها الكبرى ويضمحل الإنسان إلى حد التلاشي أمام هذه السردية، بحيث لا يعدو أن يكون مجرد شيء أو مادة خام تختلط مع أكوام أخرى من الأشياء التي تستعر بها لظى الحرب وتتفاقم من خلالها.

 

ليست الحرب مجرد استخدام للعنف والقوة، بل إنها "إيغال في توحش القوة" كما يقول د. الطيب بوعزة، هذا الإيغال في استخدام العنف وما ينجم عنه من ارتكاب لفظائع وأفعال سادية تخالف الفطرة والطبيعة الإنسانية ومقتضيات الشرع والعقل دفع العديد من الفلاسفة والأدباء إلى إعادة التفكير في التاريخ البشري والطبيعة الإنسانية بما هي طبيعة خيّرة وعاقلة تميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية.

الحرب قادرة على استدعاء السرد الأدبي واستفزاز مخيلة الروائي واستجاشة مشاعره

مواقع التواصل الإجتماعي


من هذه الزاوية كان اعتناء النصوص الروائية بظاهرة الحرب، حيث تعد مختبرًا حقيقيًّا للنفس الإنسانية، إذ في الحرب "تتجلى حقيقتها سافرة بلا رتوش، وينطبع وقعها في الذاكرة فلا يطاله سهو ولا نسيان"[1]، ومن هنا أيضًا كانت قدرة الحرب على استدعاء السرد الأدبي واستفزاز مخيلة الروائي واستجاشة مشاعره، فكثافتها الدرامية واختزالها لأوضاع متعددة للنفس الإنسانية بما تحملها من آلام وآمال، وشر وخير، وحطة وعلو، جعلت منها -أي الحرب- مادة خصبة للسرد الروائي.
 

ولعل أشهر الروايات التي تناولت موضوع الحرب وبواعثها النفسية والاجتماعية كانت رواية "الحرب والسلام" للأديب الروسي تولستوي، والتي تناول فيها الحرب النابوليونية وبلور من خلالها صورة للمجتمع الروسي، وهو ماجعل بعض النقاد ينظر لها كعمل تاريخي لا كرواية وذلك لإحاطته بالواقع الاجتماعي والسياسي لروسيا إبان الغزو النابليوني لها.

 

الحرب والسلام: تاريخ لحظة وشعب:
رواية الحرب والسلام لتولستوي (مواقع التواصل الإجتماعي)

يميز الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش بين اشتغال المؤرخ على حقبة تاريخية ما واشتغال الأديب على نفس الحقبة، حيث يهتم الأول بتسجيل الوقائع والأحداث بينما ينصرف الثاني إلى مقاربة انفعالات النفس وأشواق الإنسان وآماله في تلك المرحلة الزمنية.

 

عن هذا كتب بيجوفيتش: "فيما يتعلق بالتاريخ والفن فإن هناك اختلافًا في الموضوع ذاته؛ فالتاريخ يصف أحداثًا خارجية بينما تصف الرواية التاريخية الحياة ذاتها؛ يتناول التاريخ الأحداث بينما تتناول الرواية الخبرات والتجارب المعيشة؛ موضوع التاريخ هو شعب ما، مجتمع ما، جماعة ما، أو مجموعة ما، أما موضوع الرواية فهو شخص فرد؛ ومع أن الأدب قد يكون غير دقيق في تقديمه للوقائع التاريخية إلا أن الأدب بالمقارنة مع التاريخ دقيق من حيث تصوير أسلوب الحياة والجو الاجتماعي وروح العصر والمشاعر والخبرة الذاتية المتعلقة بحدث تاريخي معين، إن التناول التاريخي وإن كان صادقًا فلا يتجاوز العرض الخارجي فقط، ومن ثم ينبغي أن ندع التاريخ للمؤرخين والحياة للشعراء، وسيخبرنا الشعراء بحقائق من نوع لا يمكننا أن نجده أبدًا في التاريخ، فمن الواضح أنه يوجد تاريخ براني وتاريخ جواني لأي حقبة تاريخية"[2]
 

قلّما نجد كاتبًا استطاع الجمع ببراعة بين اشتغال المؤرخ في تصوير وقائع العالم الخارجي وتحولاته واشتغال الأديب في مقاربة نبضات الإنسان وهواجسه -التاريخ الجواني بحسب تعبير بيجوفيتش- كما فعل تولستوي في رائعته "الحرب والسلام"، وهو ماجعل النقاد في عصره يقفون حائرين أمام تصنيف هذا الشكل الجديد من الكتابة، حيث لم يعدّوه نصًّا روائيًّا ولا مؤلَّفًا في التاريخ الروسي لأنه كان بالفعل قد خالف الأنماط السردية المتعارف عليها آنذاك.
 

لقد كان تولستوي نفسه واعيًا أن نظامه السردي الذي كتب به عمله الضخم الواقع في قرابة ستة آلاف صفحة كان خارقًا للأساليب والأنماط الكتابية المتعارف عليها في زمنه، ما استدعاه لكتابة مقدمة يوضح فيها إلى أي جنس من الكتابة ينتمي هذا العمل، حيث يقول: "ما كتاب الحرب والسلام برواية، ولا هو بقصيدة، ولا هو بسجل وقائع تاريخية. إن الحرب والسلام هو ما أراد المؤلف وما استطاع أن يعبّر عنه في هذا الشكل الذي عبّر به عنه".
 

تولستوي (مواقع التواصل الإجتماعي)


وإذا كان تولستوي قد عُني بتسجيل الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية لروسيا في بداية القرن التاسع عشر (زمن الحرب النابوليونية) فإن "موهبته الخلاقة كروائي وقدرته الهائلة على التخييل لم تكن إلا لتحول المادة التاريخية تحويلًا فنيًّا، يخرجها من نمط القول التاريخي إلى نمط القول الفني بما يستلزمه من تخييل وبناء للشخوص وإيغال في حكي ما يعتمل بداخلها من مشاعر وأفكار"[1] وهو ما وضحه تولستوي نفسه في المقدمة، فيقول: "إن المؤرخ الذي يدرس الدور التاريخي الذي قام به شخص في تحقيق هدف واحد من الأهداف يقع على أبطال. أما الفنان الذي يدرس أفعال فرد من الأفراد في كل ظروف الحياة فإنه لا يمكنه ولا يجب عليه أن يرى أبطالًا وإنما هو يرى بشرًا"[3]
 

ولعل التعبير الأدق الذي يصف رواية "الحرب والسلام" هو ما أطلقه د. الطيب بوعزة في كتابه "ماهية الرواية" حيث يصفها بأنها "تاريخ لحظة وشعب"، تاريخ قدمه تولستوي "وقد بعث فيه دفق الحياة، فنراه يمشي على قدمين ويتحرك في سياق صيرورته آخذًا معه جموعًا بشرية يحرص تولستوي على استبطان داخلها النفسي، فجعلنا نحس بها ومعها، ونتوقع أحيانًا ردود أفعالها وأسلوب تفكيرها"[1]. إن هذا البناء النفسي للشخوص هو ما يجعل من الحرب والسلام عملًا روائيًّا رغم ما فيه من أحداث تاريخية يفترض أنها قد وقعت بالفعل.
 

الحرب: بين الحتمية التاريخية والإرادة الإنسانية:
في كثير من صفحات الحرب والسلام نجد أن تولستوي قد انقطع عن سرده الروائي نحو التأمل في قضايا فلسفية شائكة، من قبيل فلسفة التاريخ والحتمية الطبيعية وحرية الإرادة الإنسانية، وقد حاول تولستوي أن يسائل مجرى التاريخ ويستكشف حدود قدرات أبطاله في صناعته؛ فهل كانت الحرب نتيجة لإرادة من نعتبرهم نحن رموز التاريخ وأبطاله كنابليون بنوبارت أو القيصر الروسي ألكسندر الأول؟ أم أن هؤلاء لم يكونوا إلا جزءًا من حتمية تاريخية تسخر من ضحاياها ومن أبطالها كما ذكر محمود درويش في إحدى قصائده؟
 

لقد أفرد تولستوي مئات الصفحات من هذا العمل للإجابة عن هذا السؤال، وقد أخذ يتتبع بشغف كبير ونفس هادئة دوافع أبطال ذلك الحدث من نابليون إلى ألكسندر الأول، مراقبًا مبادراتهم الفردية ومحاولاتهم العبثية في التحكم بمسار التاريخ، وساخرًا من اعتدادهم وثقتهم بأنفسهم إلى الحد الذي ظنوا فيه أن كل ما يجري في التاريخ إنما يجري بمشيئتهم، كما تهكم على نابليون حين قال ساخرًا: "ألم يكن يعتقد بكل حزم أن كل مافي الكون يتوقف على مشيئته وحده؟" بينما كان نابليون في الحقيقة ليس أكثر من "أداة لا معنى لها في يد التاريخ".
 

يقدم لنا تولستوي تصاوير واقعية عن الشخصيات في أعلى سلم الترتيب الاجتماعي وفي أدناه، إنه يقودنا في رحلة داخل البلاط الملكي ويجعلنا نكتشف ما يقوم به القياصرة والخدم، وما يصنعه الأباطرة والفلاحين، وهكذا يجعلنا تولستوي نقرر معه أن الأحداث لم تكن صنيعة إرادات عليا لفئات محدودة، فمن خلال هذا العرض الديمقراطي -إن صح التعبير- لجميع الفواعل التاريخية من جميع الطبقات، والأدوار التي تلعبها كل فئة من هذه الفئات في مجرى التاريخ، يمنحنا تولستوي فرصة عقد تقييم لدور كل فاعل منهم، لنصل إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء "الأبطال" في حقيقة الأمر لم يكونوا أكثر من رجال عاديين يخضعون لذات الظروف التي يخضع لها غيرهم[4]!
 

حين نتصور القيصر ألكسندر الأول في قصره وسط حاشيته ومستشاريه لن نجده سوى رجل عادي لا يختلف في شيء عن غيره من الرجال

مواقع التواصل الإجتماعي

إننا حين نتصور القيصر ألكسندر الأول في قصره وسط حاشيته ومستشاريه لن نجده سوى رجل عادي لا يختلف في شيء عن غيره من الرجال، وحين نتصور نابليون "العظيم" في حمامه يتجهز للحصول على فرك لجسمه الصغير فإنه يصعب علينا تمامًا النظر إليه بوصفه القائد الملهَم الذي غير تاريخ أوروبا والعالم برمته! [4]
 

لقد بلور تولستوي رؤيته للتاريخ على أنه ينتظم وفقًا لإرادات متكاثرة لا نهاية لها، فالتاريخ "ليس هو ذاك الذي يصنعه الرجال الكبار، بل الآخر الذي تحتمه مجموعة كبيرة من الأسباب والتفاصيل في تراكمها"[3]، ومن هنا قام تولستوي بتسفيه ذلك الهوس الذي يسكن المؤرخين ويدفعهم لعزو حركية التاريخ وتفسير أحداثه من مدخل الشخصيات السياسية الكبرى التي تُصوَّر وكأنها من تتحكم بصيرورة التاريخ.
 

يضع تولستوي تفسيرات المؤرخين للحرب النابليونية موضع المساءلة والنقد، فيقول: "إن المؤرخين يظهرون بتأكيد خالص أنها إهانات الدوق أولدنبرج وخرق الحصار البري، وطمع نابليون وعناد ألكسندر وأخطاء الدبلوماسية... إلخ، ولو كان الأمر كذلك فقد كان يكفي لتفادي الحرب أن يجتهد تاليران في مباحثة سياسية بارعة، أو أن يكتب نابليون إلى ألكسندر بكل بساطة: سيدي أخي، إني أوافق على إعادة الدوقية للدوق أولدنبرج" وبمثل هذه المباحثة أو تلك الرسالة فمن المفترض أن تنتفي جميع مسببات الحرب وتغدو غير ممكنة الوقوع منذ البداية!
 

هل يمكن أن يكون الأمر قابلًا للتدارك من خلال إجراءات تافهة كهذه؟ هل كان بالإمكان تفادي تلك الحرب الفادحة التي كلفت البشرية ملايين الضحايا والجرحى بمثل هذه الخطوات الضئيلة؟ إن تولستوي لا يرفض هذه الأسباب وحسب، بل ويرفض ذلك المنطق الذي يحاول القبض على أسباب عقلانية في تناول الأحداث التاريخية، فيقول: "إن العقل البشري لا يرفض فقط الاقتناع بهذا التفسير، بل يعلن بكل صراحة أن هذا المنطق في التفسير خاطئ، إن مجموع الإرادات البشرية هو الذي خلق الحدث"[1]
 

الحرب النابوليونية (مواقع التواصل الإجتماعي)


في واقع الحال ليس بالإمكان كتابة التاريخ دون تصور لتماسك أحداثه وانتظامها ووجود منظومة سببية تربط الأحداث بعضها ببعض، وهذا فقط ما يجعل كتابة التاريخ ممكنة، وهو ما لا نراه في الواقع عادة، لذا فإن تولستوي يدعونا لأن نبحث عن منظومة أخرى غير تلك التي يشتغل عليها المؤرخ فيقول: "لا بد من اللجوء إلى مذهب الجبرية إزاء بعض الظواهر التاريخية العارية عن المعنى أو التي يفوتنا معناها. والواقع أن عقلنا اجتهد في تفسيرها كلما بدت لنا منافية للصواب متعذرة الفهم!"
 

وهكذا يعتقد تولستوي بوجود شكل من الحتمية القدرية التي تسيّر مجرى الأحداث، فحتى نابليون وألكسندر لم يكونا يملكان من أمرهما شيء، نافيًا عنهما الإرادة المطلقة، إذ يقول: "على الرغم من أن تصرفاتهما بدت لهما ناجمة عن محض اختيارهما، فليس بينهما واحد مخير بالمعنى التاريخي للكلمة، بل كل منهما مرتبط بسير التاريخ العام ومعين منذ الأزل!" [1]
 

لقد كان هدف تولستوي من كتابة الحرب والسلام إذًا إيصال رسالة مفادها أن "حادثـًــا احـــترب فيه ملايين البشر، وقُتل فيه نصف مليون من الرجال، لا يمكن أن تكون إرادة فرد واحد هي سببه، إن رجلًا وحده لا يستطيع أن يجبر 500 ألف شخص على أن يموتوا". ويضيف تولستوي قائلًا: "إنني حين وصفت الأحداث التاريخية التي وقعت سنة 1805 وسنة 1807 وسنة 1812 خصوصًا وهي السنوات التي تظهر فيها الحتمية بارزة أكثر بروزًا، لم أستطع أن أنسُب شأنًا كبيرًا إلى الأعمال والإشارات التي قام بها رجال ظنوا أنهم يوجهون هذه الأحداث ويتحكمون بها، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا أقل سائر العاملين تدخلًا فيها بنشاط إنساني حر"[3].
 

لقد كانت الحرب والسلام المتن الذي ضمن فيه تولستوي رؤاه الفلسفية والفكرية حول جملة من المسائل والقضايا الشائكة، وهو ما جعل هذا المتن يبدو أكبر من مجرد سرد روائي أو مؤلَّف تاريخي أو حتى عمل فلسفي، ولا ندّعي هنا أننا أحطنا بكافة جوانب هذا العمل المميز، فالإحاطة بعمل استطاع أن يجسد روح المجتمع الروسي وتاريخه إبان واحدة من أكثر حقبها حساسية وخطورة يعد ضربًا من ضروب المستحيل، مكتفين فقط بعرض رؤيته في فلسفة التاريخ وماهية الحرب وموقع الإرادة الإنسانية منهما.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار