انضم إلينا
اغلاق
رواية "المسخ".. كيف أصبح كافكا رائدا للأدب العبثي؟

رواية "المسخ".. كيف أصبح كافكا رائدا للأدب العبثي؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  

 "سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات"

"فرانز كافكا"

  

كاتب مزاجي متقلب، كثير القلق، وقليل النوم، عاشق مجنون، ومريض. يكتب كثيرا لكنه يمزق، ويحرق أغلب ما كتبه. عانى من مشاكل عائلية، وفوق هذا كلّه كان كاتبا مغمورا، ولا يعرف نتاجه الأدبي سوى أسرته وبعض من الأصدقاء والزملاء، ولكنه بعد أن فارق الحياة تحول إلى أحد أفضل الكُتّاب في القرن العشرين، إنه الأديب العالمي: فرانز كافكا.

   

أدب كافكا.. لا شيء غير العبث

ولد فرانز كافكا في 3 يوليو/تموز من عام 1883 بالقُرب من ساحة المدينة القديمة في براغ، وهو ابن لأسرة تشيكية ناطقة بالألمانية. عاش حياة مضطربة، في ظلّ ظروف أسرية وعاطفية معقدّة، انعكست على أدبه، ونظرته للحياة والناس من حوله. وكان كثير الاختلاف مع والده، وأخذت اختلافاتهما أبعادا شتّى، منها ما هو متعلق بالذهاب إلى الكنيسة، ومنها ما هو متعلق بالكتابة. وظهرت علاقته المضطربة مع والده بشكل أكثر وضوحا من خلال كتابه: "رسالة إلى الوالد" ويذكر في الكتاب أنه تأثّر تأثيرا عميقا بشخصية والده المستبدّة.

   

بلغت كتابات كافكا آفاقا واسعة بعد أن فارق الحياة، وذلك بفضل صديقه ماكس برود الذي نشر أعماله، وقد ذكر ماكس أن كافكا لم يُنهِ أيًّا من رواياته، وأنه قد أحرق عددا كبيرا منها، وكان أكثر ما أحرقه مما كتبه خلال فترة وجوده في برلين(1) تلك الفترة التي صنعت شخصيته، وأبرزت ملامحه الروائية.

    

  

تتراوح أعماله بين القصة القصيرة، والرواية، والرسائل، بالإضافة إلى المقالات والمقابلات الصحفية، ولم تُحصر أعماله التي كتبها حصرا دقيقا لأنه كان مزاجيا، وغير مسؤول حينما يتعلق الأمر بالاحتفاظ بما كتبه، فقد كانت علاقته مع العمل تنتهي بمجرد أن يفرغ منه، ونسبة للأرق الذي أصابه طوال حياته، كان يسلي نفسه بإشعال النار في تلك الكتابات، وهذا ما ذكره هو نفسه بوضوح في مذكراته في مارس/آذار 1912، وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 1921، وفي يناير/كانون الثاني 1922.ورغم شخصيته المضطربة والمزاجية، فإنه كتب أعمالا صُنّفت على أنها مخيفة، ومرعبة، وكابوسية وأفضل ما كُتب في الأدب العبثي. ومن أهم ما كتبه رواية "المسخ"، و"القلعة"، و"المحاكمة"، و"المفقود"، و"أميركا". وكان من رسائله المشهورة "رسالة إلى الوالد" وكتب بعض الرسائل بالتشيكية، ومنها تلك الرسالة التي كتبها إلى عشيقته ميلينا.

  

تعتبر أعماله من بين أفضل الأعمال القصصية في العالم، وهي تغوص في أعماق النفس البشرية، فتعرّيها، وتزيح عنها كل غطاء، وتطليها بألوان حالكة، ومن ثم تُصوّر رحلة الإنسان الوجودية على أنها رحلة إلى المجهول، والعدم، أو العبث، فالحياة كما يراها كافكا عدمية، وعبثية، وسوداوية، وكابوسية ولا فائدة منها. وهذا ما جعل أعماله تُوضع من قِبل النقاد والمختصين في خانة الأعمال الكابوسية المخيفة.

  

حاول كافكا أن يعكس تجربته في الحياة من خلال نصوصه، لذلك نقل علاقته السيئة مع أبيه في كتابه "رسالة إلى الوالد"، أما تجاربه العاطفية الفاشلة، والتي كان يقف مرضه "بالسل" عائقا أمامها، عبّر عنها في رسائله إلى ميلينا، وبخصوص قلقه الدائم، وشعوره بالاغتراب عن ذاته أولا وعن أسرته والعالم ثانيا، عبّر كافكا عن هذه التجربة من خلال رواية "المسخ". وتقوم جُلّ أعماله على فكرة التشاؤم، والانسحاب من حياة بائسة إلى حياة أخرى أكثر بؤسا وألما وتشظيا لا حدود له.

  

  

    

مرِض كافكا بالسُّل، وتوفي في 3 يونيو/حزيران 1924 في سِن مبكرة عن عمر ناهز الأربعين سنة، ولكنه قبل أن يموت كتب لعشيقته ميلينا قائلا: "حياة الكتاب تبدأ بعد موت مؤلفه، أو بالأغلب بعد وفاته بفترات، فأولئك الرجال التوّاقون يحاربون من أجل قصصهم، وحتى بعد موتهم، لكن حينها فقط يُترَك الكتاب لوحده، ويبدأ يستمد القوة من ضربات قلبه". وهذا ما حدث معه تماما، فقد اشتهرت كتبه بعد وفاته، ونُشرت على نطاق واسع، لتدرّس في الجامعات، ولتعيش رواياته وقصصه حياتها من ضربات قلب روحه.(2) وليصبح بذلك رائدا للكتابة العبثية والكابوسية في العالم بلا منازع.

  

عوالم كافكا.. رحلة البحث عن الكوابيس

يشير رونالد جراي في كتابه "فرانز كافكا" إلى أن اسم كافكا أصبح كلمة دالة على فظائع القرن العشرين، إذ يُمثل كافكا نموذجا متطرفا للكاتب الذي سلّم نفسه لكل القوى القادرة على تدمير الإنسان، من دون أي محاولة منه لإعاقة طريقها بالوعي(3)، ويبدو العالم من خلال نصوصه عالما باليا متكررا على نحو ما، تكون فيه الذات محتقرة، وغير ذات معنى ولم ترتقِ لمرحلة الإنسانية بعد، ولتصل الذات لمرحلة الإنسانية عليها خوض رحلة كابوسية مخيفة، ليس من أجل استعادة وعيها، وإنما للدخول في مزيد من الكوابيس والفظائع.

  

ويعترف جراي في نهاية كتابه بأن عملية المسح الشاملة التي قام بها لأعمال كافكا تفرض هذه النتيجة، وهي أن الشيء الوحيد الذي نجح كافكا في صياغته بطريقة تضمن له البقاء هو موضوع تحقيره ذاته منعكسا في شكل روائي، فليس هناك شيء آخر مرئي في أعماله الروائية غير هذا التحقير.(4) ولكن رحلة تحقير الذات نفسها ليست سهلة، فهي رحلة شاقة، متعبة، وتحيط بها الفجائع، والتحولات، والمآسي، وكل ما من شأنه أن يجعلها سوداوية وبائسة.

     

من خلال أعماله يحاول كافكا أن يرسُم للقارئ لوحة أدبية مأساوية، عبثية الألوان، ومؤطرة باللاجدوى من الحياة والناس، إنه يضع القارئ في لبّ الأحداث الكابوسية بسرعة، وبدون مقدمات رنّانة، أو جُمل مشحونة بالأمل والتفاؤل، هو يدخل إلى عوالمه المخيفة بسرعة البرق وفي لمح البصر، فالحياة عنده ليست ذات معنى، ولا تستحق حرفا واحدا يصوّر جمالها، وروعتها غير الموجودة من الأساس، إنها بشعة، ومقرفة، إلى حدّ بعيد.

  

  

  

إن أغلب الأعمال التي كتبها كافكا تحمل معها كابوسها الخاص، ففي رواية "المحاكمة" نعيش على وقع حزن عميق، ووجع ينخرنا من الداخل بسبب الحكم الذي أصدر بحق البطل "جوزيف ك" ويتشكّل وعينا بملامح القهر والظلم والعبثية والعدمية في حياة الإنسان. أما في قصة "تحريات كلب" كما في رواية "المسخ" سنواجه ذلك القلق المحتدم، وتلك الرهبة المحلقة، فلا هي تتبدد ولا هي تنقضي لتضع نهاية لعالم مصنوع من كوابيس، وفي كل عمل كتبه كافكا سواء نشره أو لم ينشره هناك كابوس فظيع ينتظرنا بين النصوص.

  

المسخ.. أزمة الوجود الإنساني

 في عام 1915 أي بعد خمسة وثلاثين عاما على مولد كافكا، وبينما كان اهتمام قطاع كبير من قرّاء الأدب العالمي منصبا نحو أدب الحرب العالمية الأولى، في غضون هذه الظروف المعقّدة، ظهرتْ إلى السطح رواية "المسخ" من بين أنقاض الحرب، لترسم بذلك خارطة جديدة في الأدب العبثي والكابوسي، ذاك النوع من الأدب الذي ينظر إلى الحياة باعتبارها حالة من العبث، والبؤس، واللاجدوى.

   

اعتُبرت الرواية وقت ظهورها نقلة كبيرة في الأدب العالمي، وشكّلت طريقا مُعبّدا للوصول إلى محطات إنسانية بعيدة، وأثارت النقاش حول قضايا الوجود الإنساني، والاغتراب عن المجتمع، وعن الذات. يقول روجيه جارودي عن الرواية: "إن كافكا خلق هذا العالم بمواد عالمنا مع إعادة ترتيبها وفقا لقوانين أخرى. إن الشخصية الأدبية التي كتب عنها كافكا ما هي إلا تعبير عن النفس المضطربة والحزينة لديه، إن المسخ لم يكن مجرد حشرة قذرة ولكن انعكاس الحياة المادية القاسية واستعباد العالم للإنسان العامل في ظل نظام رأسمالي يتجرد من الإنسانية، ومن كل صفات بني البشر.

    

  

تدور أحداث القصة حول شخصية الموظف جريجور سامسا الذي تحول إلى صرصار ضخم ذات صباح عادي ورتيب، وما آلت إليه حياته من متاعب جراء هذا التحوّل المخيف. تخلت عنه أسرته، ومديره المباشر في العمل، ولم يجد جريجور سامسا تفسيرا منطقيا لتخلي الناس عنه، فراح يتحرك داخل غرفته، طارحا أسئلة مزعجة على نفسه: ما الذي جرى لي؟ وما الذي أصابني؟ ولم يجد جوابا لهذه الأسئلة إلى أن مات تحت مكنسة الخادمة التي كانت تردد: "انظروا لقد مات، إنه يستلقي هنا ميتا هالكا".

   

في بداية الرواية وحتى نهايتها تظهر المأساة الإنسانية على أنها أمر اعتيادي، ويظهر الأمر المعقول على أنه شيء نادر الحدوث، واللامعقول على أنه أمر عادي وقد يحدث في أي لحظة، وتنطلق الرواية في بدايتها مصورة الشّقاء الإنساني بصورة أكثر من عادية، وتضع مصير الإنسان في قالب يقوم على عنصر المفاجأة. يقول كافكا في افتتاحية الرواية: "استيقظ جريجور سامسا ذات صباح على أحلام مثيرة للقلق، إذ وجد نفسه قد تحول إلى حشرة هائلة فظيعة". بهذا المقطع العبثي المرعب يدلف بنا كافكا إلى دهاليز عالمه السوداوي القاتم، ويهمس إلينا قائلا بطريقته الخاصة: لا جدوى من الحياة، ولا فائدة من العيش، سيفقد الجميع إنسانيتهم في خضم هذا العبث، في لحظة ما سنغدو عكس ما نريده.

   

في هذه الرواية يقدّم لنا كافكا نموذجا مرعبا للكتابة الأدبية، ويسلك بنا مدخلا سوداويا للتعبير عن الذات، وتناقضاتها النفسية، والاجتماعية، وهو بذلك يقدّم لنا نوعية فريدة من السرد قائمة على فضح النفس البشرية، وكشف حقيقتها المزيفة، وعجزها الدائم والمستمر عن فعل أي شيء حيال مصيرها غير المعروف، ذاك المصير الذي رغم عدم معرفتنا به، وبما يخبئه لنا من أحداث وصور غامضة، فإن كافكا يخبرنا من خلال "مسخه" أن مصيرنا سيكون سوداويا، وعدميّا، ولا فائدة منه.

    

يقول الناقد "بينو فون فيزه" عن القصّة: "أما قصّة التحول، أو المسخ، فهي تقدّم للقارئ حالة من حالات الفشل تؤدي إلى الموت، وهي قصة تجسد أزمة وجود إنساني، وتشير في وضوح إلى انقسام يقع نتيجة لتراكمات، فيفصل بين الوعي واللاوعي". إن القصة في محتواها العام تقوم على فكرة البؤس، وانعدام الأمل، وتغير الحياة رأسا على عقب، ومع تحول جريجور سامسا إلى حشرة، بإمكاننا أن نفهم عمق الرسالة الوجودية التي يخطّها كافكا، وهي تنص على عدم وجود أي فائدة من الوجود الإنساني بمختلف تمظهراته، لأنه، أي الوجود، عدمي، وبلا قيمة، ولا معنى.

 

    

وتُعد حياة البطل جريجور سامسا مثالا للإنسان المغترب عن ذاته، فهي حياة تقوم على مبدأ التحول أو الانمساخ من إنسان إلى حشرة، ومن رجل له أهداف واضحة في الحياة، إلى آخر فاقد للوجهة، والبوصلة، ومن رجل يعيش في الهامش إلى آخر يعيش في القاع، ومن شيء إلى لا شيء. في النهاية فإن التحول أو الانمساخ الذي يضعنا فيه كافكا يكون دائما إلى الأسوأ، وإلى الأبشع، لدرجة يصبح معها الوجود الإنساني مجرد رحلة سوداوية قاتمة، وبلا نهاية.

  

لم تخرج قصة "المسخ" عن كونها تعبيرا عن الحياة البائسة التي عاشها الموظفون والعمّال آنذاك، ويقول بعض النقاد عن القصة: إن "المسخ" جاءت من وعي جريجور سامسا بطل الرواية، وشخصه الأساسي، مما أدى إلى تطابق بين وعي المنظور ووعي السرد، وأن القصة فيها تطابق بين الكاتب "كافكا" والشخصية الرئيسية في القصة "جريجور سامسا" والتي نتجت عن الرغبة اللاواعية بالتخلص من العذاب النفسي الذي يسببه العمل المكتبي.(5) ويحكي كافكا على لسان جريجور سامسا فيقول: "يا له من موقف، أن يحكم عليك يا جريجور بالعمل في مؤسسة يؤدي أقل صروف الإهمال فيها إلى إثارة أشد الرِيَب في الحال، أكان جميع العاملين مجرد أوغاد؟".(6)

  

استخدم كافكا عددا من الشخصيات لتخدم خياله الواسع، واقتصر فضاء الرواية المكاني على غرفة جريجور سامسا، مع وجود بعض التلميحات لأماكن أخرى خارج البيت، والذي يريد كافكا الوصول إليه هو أن الإنسان الذي يحاول العيش خارج المنظومة الرأسمالية، يجد نفسه خارج التاريخ بالمرة، وحيدا، ومنكسرا، وبلا قدرة للعودة مجددا إلى تلك المنظومة. وعبّر كافكا عن ذلك بحالة الانتقال البائسة للتخلص من شكل جريجور سامسا المقرف، وعجزه عن القيام بأي حركة دون الحصول على ألم جسدي ونفسي.

   

   

يذهب الشاعر الأميركي "هيو هوغ أودن" في تعليقه على الرواية إلى "أن كافكا مهم بالنسبة لنا لأن محنته هي محنة الإنسان المعاصر"، فالأزمة الوجودية التي عاشها جريجور سامسا هي ليست أزمة نصية خيالية فحسب؛ وإنما أزمة حقيقية تطارد الإنسان المعاصر من كل الجهات، وهي بذلك تدل على ما يعيشه الفرد في المجتمع من خوف وقلق بسبب التغيرات في البنى الاجتماعية، وعن استعداد الأفراد في ظل العالم المتسارع للتخلي عن بعضهم البعض في لمح البصر مثلما تخلت عائلة جريجور سامسا عنه.

   

وهكذا، فإن عالم كافكا القصصي يستند إلى أرضية صلبة تقوم على مواد مأساوية مخيفة، وتعتبر رواياته وجبة دسمة لعشاق الأدب العبثي والكابوسي. ويقول عنه جهاد فاضل في مقالته "عالم كافكا": "إن أعماله ستظل شابة في داخلها، لن تشيخ لأن كل إنسان مهما كان لون جلده، ومهما كان دينه ولسانه ومكانه، يشعر بأن له صديقا عليلا عاش في مدينة براغ، وكتب أعماله باللغة الألمانية، مات مبكرا جدا، ولكن رسالته عبرت عصره إلى كل العصور".(7)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار