انضم إلينا
اغلاق
بعد جدل جائزة نوبل للآداب..  هل نعارض بيتر هاندكه لآرائه السياسية أم نُكرِّم أعماله الأدبية؟

بعد جدل جائزة نوبل للآداب.. هل نعارض بيتر هاندكه لآرائه السياسية أم نُكرِّم أعماله الأدبية؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

بين صمت الطبيعة وصخب الكلمات يعيش الأديب النمساوي "بيتر هاندكه" في قلب غابة نائية بمقاطعة شافيل بباريس. الغابة بيته والحياة الفطرية هي الملاذ الذي اختار السكون فيه بعد رحلة طويلة من العيش في ديار مُتفرِّقة، يقول: "عندما أركب الطائرة أفكر متى أعود إلى البيت؟ وعندما تطأ أقدامي البيت يغمرني الشعور بالحرية"[1].

   

أعلنت لجنة مؤسسة نوبل فوزه بجائزة نوبل للآداب لعام 2019، توافد الصحافيون إلى بيته لكنه لم يفتح لهم أبوابه، بل استقبلهم في منتصف الغابة جالسا على كرسي خشبي وطاولة تزدحم بالفاكهة، وكأنه تُرِكَ هناك منذ عقود وحيدا ومنسيا بصحبة دفتره الصغير. تَقدَّم بضع خطوات تجاه الصحافيين ليُجري معهم اللقاءات السريعة، عجوز في أواخر السبعينيات، جسده نحيل وشعره الفضي يُخبرنا عن العمر الطويل الذي عاشه، يبتسم في هدوء، حركات جسده ونظراته الخجولة تخبرنا أنه لا يخالط الكثير من الناس في حياته اليومية، وبنبرة هامسة تتظاهر بالثبات ولَكْنَة إنجليزية غير مُتمكِّنة يقول: "لست أنا الفائز، إنها أعمالي، أنا لست شخصا مؤهلا للفوز، ولست فائزا بجائزة نوبل، أنا أكره هذا التوصيف".

  

    

"لطالما كان الأدب بالنسبة لي السبيل إلى فهم نفسي قليلا من الدرجة الأولى، لقد ساعدني لكي أعي أني هنا، ولكي أقبل هذا الوعي من دون أن يُثقل كاهلي أو يُصيبني بالجنون، إنه أعمق ما يمكن أن نعيشه. هو لا يُغيِّر الحياة، بل يوقظها وبذلك يُغيِّر حياتنا، يُغيِّرنا نحن"

(بيتر هاندكه)

  

الأديب الكاميرا

تعرفه مكتبات وسينمات ومسارح أوروبا، إنه بيتر هاندكه، الروائي الطليعي والشاعر والكاتب المسرحي والسينمائي، لن يُغفِله القارئ العربي أيضا حيث تزخر مكتبة الأدب العالمي المُترجَم للعربية بسبع من رواياته، أشهرها "الشقاء العادي"، "المرأة العسراء"، "خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء"[2]. يصطاد هاندكه الحكايات من سمائه الصافية، ويقطع مسافات الخيال بسرديات بديعة دون إغراق في تفاصيل جمالية زائدة، بأبسط الكلمات يُترجِم لنا الواقع كأن عيونه ترصد كالكاميرا ويداه تُسطِّر الصورة بالكلمات، فيغمرك شعور كامل بالعالم الذي نسبح في فراغه المتلألئ. في رواية "الشقاء العادي" يكتب هاندكه عن أمه التي انتحرت وهي في سن الخمسين وكان هو في الثلاثينيات من عمره، يحكي عن الرغبة المُلحِّة التي طاردته للكتابة عن أمه لكنّ ارتباكه من تعاطف الآخرين كان يمنعه، لكنه اختار في النهاية الكتابة كفعل شفاء لينقذ نفسه، يقول: "أكتب من أجل نفسي، لأنني أحيا من جديد عندما أنهمك في شيء ما، ولأنني أود أن أجعل من هذا الموت الإرادي عِبرة ولكن بطريقة مختلفة"[3].

  

كتب بيتر هاندكه للسينما فيلم "أجنحة الرغبة" (Wings of desire)، في الفيلم يراقب هاندكه عالم البشر بعيون ملاك، ملاك حقيقي يهبط من السماء ويسير بجوار المارة في الشوارع والقطارات ويستمع إلى همهماتهم الداخلية ويُهدهد أرواحهم، ويتمنى أن يلمسهم ليشعروا به، بل يحلم بما هو أبعد من ذلك، أن يتحوَّل إلى بشري مثلهم ليكون مرئيا، حقيقيا، يحمل هوية بين الجموع. في حوار الفيلم الذي كتبه هاندكه يقول الملاك بلغة شديدة الشاعرية: "أحب أن أشعر أن لي وزنا، وأن أنتهي من هذه السرمدية وأرتبط بالأرض. أحب أن أخطو كل خطوة، ومع كل هبة ريح، أن أكون قادرا على قول "الآن" بدلا من قول "للأبد". أحب أن أجلس بمكان فارغ على طاولة وتُلقى عليّ التحية حتى ولو بإيماءة رأس". ينظر هاندكه إلى الحياة في الفيلم بروح ملاك وعين طفل ليسرد الحكايات السرية للحياة، في شطر من إحدى قصائده يقول هاندكه: "إذا فقدت أمة رواتها فإنها تفقد طفولتها".

  

      

تبدو حياة هاندكه الأدبية والخاصة حالمة وهادئة كسحابة رائقة في نهار يوم قائظ، هذا الرجل الذي ارتاح في العزلة عن الحياة واختار أن يُثبت أثره في الحياة بالأدب والأشعار، وألّا يظهر إلى العلن كثيرا، يقبع بعيدا في بيته الصغير، محاطا بنفسه، وبصُحبة زوجته والأشجار والكتب والكتابة. لكن هذه الصورة الحالمة محاطة بضباب كثيف، كراهية وغضب واتهامات وسباب يقذف في وجهه كلما خرج إلى الحياة، حيث لم تشفع له رواياته، فآراؤه السياسية كانت أشد شراسة في وقعها على العالم الخارجي، هذا الأديب الذي يدعم نظام الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتـش[4] في حربه الدموية في سربرينيتشا للتطهير العرقي في دولة البلقان -التي راح ضحيتها ثمانية آلاف مسلم بوسني- أصبح مُتهما بتأييده لمجرم حرب، وأصبح فوزه بنوبل للآداب وصمة عار تلاحق الجائزة التي أعلن مئات من الأدباء والصحافيين في عدد كبير من دول العالم رفضهم القاطع لفوز هاندكه بهذه الجائزة التي تنتصر للقيم الإنسانية قبل أي شيء.

  

"مرحبا جائزة نوبل! هل تعلمون أن هاندكه كان يدعم حصار سراييفو واحتسى الخمر مع الجنود الذين كانوا يقنصون الأطفال وقال إن المسلمين يقتلون أنفسهم؟ الأمر مقزز للغاية!"

(بيتريت سليمي وزير خارجية كوسوفا)[5]

 

شاعر الديكتاتورية

يكتب المُترجِم المصري سمير جريس مقالا عن الجدل المُثار حول بيتر هاندكه المتهم بالفاشية، سيصدر لجريس قريبا أحدث ترجماته للعربية وهي رواية "دون جوان" لهاندكه، لكن هذا لم يمنع جريس من اتخاذ موقف موضوعيّ من الأزمة، يستعرض مسيرته الأدبية في شبابه والتي تعكس اهتمام هاندكه المتفرد بالأساليب اللغوية وتوصيفها الباطني للواقع وتأثر لغته بفلسفة مارتن هايديغر ولودفيج فيتغنشتاين، حينها لم يكن هاندكه منخرطا في دوائر السياسية، لكنه فعل في فترة التسعينيات عندما أعلن تأييده للصرب وشجب تدخل الناتو في حرب البلقان، وأبى بشدة أن يرى أية حقيقة أخرى غير التي يراها، وبعناد طفولي لم يتراجع عن آرائه.

   

  

بعدها بسنوات قليلة زار صربيا وحرَّر هناك كتابه الشهير "رحلة إلى الأنهار: العدالة لصربيا" (A Journey to the Rivers: Justice for Serbia)، ومنحه صديقه الرئيس ميلوسيفيتش وسام الفارس الصربي لالتزامه بالقضية الصربية[6]. لم تكن هذه نهاية هاندكه في ساحة السياسة، بل جاءت مشاهدته الأخيرة في زيارته للرئيس ميلوشيفيتش في السجن* ثم خطاب التأبين الأخير الذي ألقاه هاندكه على قبره، ثم أصبح مُتحفِّظا بعض الشيء في تصريحاته السياسية، بل إن الكثيرين مثلا تغافلوا عن تصريحاته اللاحقة بأن مذبحة سربرينتسا أبشع جريمة حدثت ضد الإنسانية[7]، ولهذا اعتكف هاندكه في معزل عن الصحافة والإعلام، واختار الصمت موقفا أبديا. في النهاية يطرح جريس تساؤلا مهما يضعنا أمام إشكالية فكرية تنطلق من هاندكه وتتسع للجميع: "هل يمكن فصل الأدب عن مواقف الأديب السياسية؟ ماذا لو ساند ديكتاتورا أو مجرم حرب؟ هل يستحق عندئذ أرفع الأوسمة الأدبية "لابتكاراته اللغوية" مثلما تقول لجنة نوبل؟".

  

"مهما كانت جدارته الأدبية، فإن أخلاقيات بيتر هاندكه المقبضة لا تؤهله للفوز بجائزة نوبل"

(الكاتب إد فوليامي)[8]

  

هاندكه في حفل تأبين ميلوسيفيتـش (مواقع التواصل)

      

عودٌ على بدء

في محاولة للوصول إلى إجابة، وفهم تصورات القارئ عن طبيعة الأديب الفائز بجائزة نوبل، طرح "ميدان" سؤالا استقصائيا على مجموعة من شباب القراء العرب في عدد من نوادي القراءة الإلكترونية: "هل ينتصر المنتج الأدبي على الآراء السياسية والإنسانية للكاتب؟ أم علينا أن نفصل بالكلية بين الكاتب وأدبه؟".

   

انقسمت الآراء بين مؤيِّد ومعارض ومحايد، يميل مؤيدو فصل الأدب عن آراء الكاتب إلى الحكم على الأديب من سياق أعماله فقط، وهنا لا يجوز الخلط بينه وبين مواقفه الشخصية، يقول (م.ح) لـ "ميدان": "لا يصح أن يكون النقد الموجَّه للأدب مُنطلِقا من مبدأ أخلاقي، وألّا يكون الأدب ترويجيا بمعنى أن يكون "مانيفستو" لأيديولوجيا ما"، ويرى (م.ر) أن تاريخ الأدب يزخر بكُتَّاب لهم آراء سياسية مُخجِلة مثل: جوتة، مارك توين، جون شتاينبك، يوكو ميشيما، وغيرهم الكثيرون، هل معنى ذلك أن نمحو تاريخهم الأدبي؟ أن نعاقبهم أدبيا لآرائهم الشخصية؟ حينها سيتحوَّل الأمر إلى حطب زائد في النار المُتَّقِدة للصوابية السياسية.

 

على الجانب الآخر وقف المعارضون بصرامة أمام فكرة فصل الأديب عن أفكاره الشخصية خاصة لو كان السياق هو فوزه بجائزة نوبل، تساءل (أ.ر): "لو كان حيًّا، هل كان نوبل ليوافق على منح الجائزة لهاندكه؟". وفي مساحة أخرى أعربت (ف.أ) لمحرر "ميدان" عن تعجُّبها من القدرة على تقبُّل أي أفكار إنسانية من أديب يدعم مجرم حرب ويُهوِّن من مذبحة اقتلعت جذور مسلمي سربرينيتشا. أما المحايدون في رأيهم بالقضية يميلون بصورة أو بأخرى للفصل بين الأديب وآرائه طالما أن منتجه الأدبي لا يُروِّج لأفكاره تلك، وإن حدث ذلك سيكون حينها موقفهم معارضا له. 

      

رواية الحادث الكبير لـ "بيتر هاندك" (مواقع التواصل)

   

تفاوت الآراء بين القرّاء العرب أثار بعض الفضول في النبش في موقف المُترجِمين من هذا الجدل المُشتعِل، لذلك حاورنا في "ميدان" المُترجِمة "رولا عادل" التي كانت لها عِدّة تجارب في الترجمة الأدبية من الروسية والإنجليزية إلى العربية، جاء ردُّها مُحايدا من موقعها على كرسي المُترجِم، وأكَّدت اختلاف نظرة القارئ عن نظرة المُترجِم، فيرى الأول أن شرف الكاتب هو الكلمة وأن إنسانيته لا تختلف عن أدبه، لكن الأخير أمره مختلف، المُترجِم وسيط بين لغتين، ومُؤلِّف أيضا، وبالأساس أمين على النص. تستكمل رولا الحديث مُوضِّحة: "تُلهم الجوائز العالمية دور النشر والمُترجِمين للمزيد من العمل على نقل النصوص العالمية إلى القارئ العربي على أن تظل المسافة بين الأدب والأديب واضحة ولا مجال للخلط هنا، فمثلا ترجمة الأدب العبري أثار من قبل إشكالية في مجال ترجمته للعربية، هل يمكننا اعتبار هذه الترجمة نوعا من التطبيع؟"، من وجهة نظر رولا لا تجد في الأمر خيانة، الهدف هنا هو خلق جسر تواصل بين القارئ والمنتج الأدبي ولا يعني الأمر بالضرورة موافقة المُترجِم على آراء الكاتب، المُترجِم لا يُورِّط آراءه في الأديب أو النص الذي يُترجم، هو فقط أمين عليه.

  

لاستكمال الصورة من منظور آخر حاور "ميدان" الكاتب المصري "إبراهيم عادل" الذي قرأ أكثر من رواية لهاندكه بعد أن عرف بخبر فوزه، لكن الأخبار التي اشتعلت حوله بسبب آرائه جعلته يتخذ موقفا مغايرا تجاه كتاباته، يقول إبراهيم: "لحُسن الحظ أن مكتبتنا العربية تحوي كتبا مُترجَمة لهاندكه، لم أكن قد قرأت له من قبل لكن فوزه بالجائزة شجعني، وبخلاف موقفه المناهض للحرب فإن أدبه لم يجذبني بالقدر الكافي، كان عاديا ومُمِلا أحيانا، ربما قراءات أخرى له تجعلني أُغيِّر رأيي، لكني لا أظن أنني سأقرأ له المزيد لأني لا أستطيع الفصل بين الأديب ومواقفه الإنسانية"، يستطرد إبراهيم في حديث بخصوص هذه الإشكالية التي نتساءل عنها ويقول: "موقفي من الأشخاص يُبنى جزء منه على مواقفهم الإنسانية، فما بالك بأديب وكاتب عالمي؟ كيف سأحترم كتابة أديب عرفت مثلا أنه مُتحرِّش أو مناصر للديكتاتورية أو ضد حقوق الإنسان؟ في رأيي أن أدب بيتر هاندكه لن يشفع له عندما يتجاور خياله الأدبي مع رأي سياسي كتأييد مجرمي حرب".

      

بيتر هاندكه (رويترز)

   

بعكس إبراهيم الذي قرأ لهاندكه عند العلم بفوزه بنوبل، يكتب الروائي البوسني-الأميركي ألكسندر همن عن طفولته وصباه والأوقات التي قضاها برفقة روايات هاندكه، يقول مُتأثِّرا: "كان من نوع الكُتَّاب الذين أريد أن أكون مثلهم يوما ما"، لكن موقف هاندكه من الحرب أصاب ألكسندر بارتباك، لم يفهم ما الذي يحدث لكاتبه المُفضَّل؟ وراح يتساءل كيف يمكن للكاتب الذي تخيَّل الملائكة فوق سماء برلين تهتم بالمواطنين وتئنِّ لمشاعرهم أن يُصدِّق أن مسلمي سراييفو -متعددة الأعراق- كانوا يذبحون أنفسهم لإلقاء اللوم على الصرب؟ يقف ألكسندر الآن أمام كاتب طفولته المُفضَّل بالمرصاد، لا يستطيع الفصل بين ملائكية ووحشية أفكاره، وبمنتهى الوضوح يصف هاندكه بأنه رجل مُمل يتطابق طموحه تماما مع تعطُّشه للدماء[9].

   

هل يمكننا استعارة كلمات نيتشه لإلقاء نظرة مختلفة على أدب بيتر هاندكه؟ يقول نيتشه: "أنا شيء وكتاباتي شيء آخر"، هنا يطالبنا بألّا نحكم عليه بما يكتبه، ولكن الحكم على كتابته من قلب الكتابة. إذا قلبنا الصفحات وقرأنا الحكايات التي غزل خيوطها فسنجد أن أدب هاندكه يبتعد تماما عن آرائه، هناك مسافة لا نهائية بين خياله ومعتقداته السياسية، وهو ما يجعل البعض يتضامن مع كتابته وينتصر لأسلوبه ولغته. منذ أيام قليلة فاز الأديب الألماني-البوسني ساشا ستانيش بجائزة الكتاب الألماني، وقال في خطابه: "كان حظي طيبا أن أنجو مما لن تجدوا له وصفا في أعمال بيتر هاندكه. ها أنا أقف أمامكم بسبب واقع فشل هذا الشخص في الاعتراف به"[10]. سيظل الأمر فضفاضا وشائكا على الدوام، لم ينتقد ساشا موقف هاندكه، لكن اتهمه بما هو أشرس من ذلك، بأن كتاباته تخلو من الواقع الذي رفض أن يؤمن به، تخلو من الموت المجاني الذي زهق الأرواح باسم الحرب والتطهير العرقي، لكن هل يجوز لنا الحكم على خيال الأديب وتحديد مساراته؟ من جهته فإن هاندكه منزعج من أسئلة الصحافيين المتكررة، كلهم سألوه عن شعوره بالجائزة، رأيه في الهجوم عليه، ولم يسأله أحد عن كتاباته التي فازت بالجائزة.

   

"هاندكه كاتب يجمع بين الرؤية الأدبية العظيمة، والعمى الأخلاقي المروّع"

(الروائي الهندي هاري كونزور)

  

توزيع جوائز نوبل في الآداب بحسب البلد (ويكيبيديا)

 

أصدر اتحاد الكُتَّاب العرب بيان استنكار لمنح جائزة نوبل للآداب لبيتر هاندكه بوصفه "يمينيا متطرفا"، وهو ما اعتَبره الاتحاد عارا ثقيلا على تاريخ نوبل، ويُلقي بظلاله الكئيبة على معايير منحها، وينال بالسوء من حيادها[11]. يبدو هذا البيان مُتوقَّعا، لكنه يضعنا أمام إشكالية أخرى تتجاوز قليلا فكرة الأديب وآرائه السياسية، طرح المُترجِم سمير جريس هذه الإشكالية في حال فاز الشاعر السوري أدونيس بجائزة نوبل، وتساءل جريس: "ألن تنقسم حينها الآراء بين الترحيب الشديد لاستحقاقه، وبين الاستهجان والاستنكار والرفض نظرا لمواقفه الملتبسة في الحرب السورية، التي يعتبرها كثيرون مؤيدة لنظام بشار الأسد؟". وأضيف هنا إلى تساؤله؛ هل سيُصدر حينها اتحاد الكتاب العرب بيانا مُشابها لبيان استنكار فوز هاندكه؟

  

يسأله الصحافي عن شعوره بالفوز، يجيب بيتر هاندكه بهدوء وملامح ثابتة: "أنا سعيد ومتأثر، لكن لا يمكنني التعبير عن مشاعري أمام الكاميرا وإلّا سأكون مُمثِّلا لأُعبِّر عما أشعر به". انتهت الأسئلة وغادر الجميع، يستطيع هاندكه الآن أن يهنأ ببعض الراحة والهدوء، لا مزيد من الصخب والأسئلة واقتحام الصومعة والنبش في الماضي. عاد مرة أخرى إلى الكرسي الذي يجلس عليه وحيدا في قلب الغابة، يستمع إلى حفيف أوراق الخريف، وربما يأنس بصحبة أبطال رواياته المتخيَّلين، ويُدير ظهره للضجيج الذي يُحدثه العالم بسببه ويُردِّد كما قالها قديما: "أنا كما أنا، فكِّروا كما شئتم. وكلما ظننتم أنكم أصبحتم أكثر قدرة على الحديث عني، ازدادت حريتي إزاءكم"[12].

تقارير متصدرة


آخر الأخبار