انضم إلينا
اغلاق
عن الكتابة الساخرة ومعارضة السلطة.. ميدان يحاور أحمد الزعبي

عن الكتابة الساخرة ومعارضة السلطة.. ميدان يحاور أحمد الزعبي

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

ألهمته سهول حوران، فاعشوشبت نصوصه بتفاصيل الوطن والحي والمنزل، جامعا آلامه في الفقد والتعب إلى همّه لما يوجع وطنه، اتخذ من السخرية "سلاحا" يُشرعه في وجه الظلم والفساد، الكاتب الأردني الساخر أحمد حسن الزعبي يُحدثنا عن البدايات والتحولات. وحين سألناه عن جمعه بين العمل في حمى "الدولة" ونقدها ذلك النقد اللاذع الذي عُرف به، كان له وجهة نظر ربما تُزيل الغموض عن كثير من التساؤلات.

 

في حوار لـ "ميدان" مع أحمد حسن الزعبي نكشف كيف يمكن لمن يحمل "قنبلة مسيلة للضحك" أن يُشرع في لحظة نافذة الحزن والشجن، ويعزف "نزفا منفردا"من مواسم تُثير بركان عواطفه، وتستميله بقدر ما يستميلها. فمتى ومن الذي وضعه على قارعة الوصف الضاحك؟ وما أهم وأطرف اشتباكاته مع الشارع والسلطة والشهرة؟

    

 صورة خاصة لـ "ميدان" للكاتب الأردني "أحمد حسن الزعبي"

      

ميدان: يتشكّل وعي الكاتب ومحصوله الأدبي من عدة عوامل ومُدخلات تختلف من كاتب لآخر، فكيف تشكّل وعي أحمد الزعبي ومحصوله الفكري؟

- لا شك أن يكون لأي أحد يسير في مجال الكتابة والأدب ملكة ورغبة فيهما. فحين كنت في المرحلة الابتدائية كنت مهتما بالكتابة التعبيرية والإنشاء، وكانت مفرداتي مختلفة عن أبناء جيلي، منها موهبة من الله، ومنها أني كنت دائما أبحث عما هو خارج النمطي في صياغة الجملة أو الصورة التعبيرية. لم أقرأ في مرحلة مبكرة جدا، فقد بدأت القراءة في سن 12 سنة، وأول الكتب التي شدتني ديوان شعري للشاعر نزار قباني، كان استعارة من صديق، لذلك كان ينبغي لي أن أردّه خلال فترة قصيرة فنسخت منه ما استطعت بخط يدي، قبل أن تكتشف عائلتي أمر هذا الكتاب الذي كان في زمني من المحظورات.

  

استفدت من أسلوب قباني بشكل كبير، حيث كان يكسر التقليد في اختراع الجملة الشعرية. بدأت أقرأ بكثرة لنزار، ثم محمد الماغوط ومحمود درويش، وجميع هؤلاء أساتذة في رسم الصورة الشعرية والمفردات الجديدة. وبدأت أيضا بكتابة الشعر في تلك المرحلة، لكنها لم تكن ناضجة بالتأكيد، فالوزن مكسور والقافية ركيكة أحيانا. لكن المرحلة التي أعتبرها ذات نضج حقيقي كانت مرحلة الجامعة، فبدأت بكتابة القصة القصيرة لأول مرة، وأول قصة كتبتها تقدمت فيها بمسابقة في الجامعة وحازت على المركز الثاني.

  

نزار قباني (مواقع التواصل)

    

بالنسبة لعائلتي لم تكن مهتمة بالأدب، فإخوتي أكاديميون، لكني استفدت أكثر من بيئتي الأكبر وهي مدينتي "الرمثا" التي نشأت وعشت فيها، فهي مدينة غنية بمخزن اجتماعي فريد، وأهلها لديهم جرأة في الحوار وانتقاء الكلمات وإبداء الرأي، وهو مجتمع غير منغلق ومنفتح باعتبار المنطقة حدودية تجارية، لذلك تمتّع أهل المدينة بالجرأة في التعامل مع الآخر.

  

ميدان: شغفت بالأدب فكتبت القصة، وشغفت بالشعر فكانت أول ما تقرؤه عيناك بين دفتي كتاب، فما الذي جذبك للكتابة الساخرة؟

- بدأت بالكتابة وأنا أحب كتابة القصة وأنتمي لها، وحتى الآن أتمنى أن أتفرغ لأعود للكتابة القصصية، فالقصة خزعة من هذه الحياة. لكن بداية انجذابي للكتابة الساخرة كانت باهتمامي بما كان يكتبه الأديب محمد الماغوط وأهمية هذه الكتابات، كان يضعنا أمام مفارقات كثيرة، وأحداث محلية سواء أكانت سياسية أو اجتماعية، هذا جعلني أختزل كتابة القصة إلى مقال ساخر، فالمقال الساخر يصل للناس بصورة أسرع، خلاف القصة التي لا تزال نخبوية نوعا ما، لكن المقال يصل إلى جميع شرائح المجتمع، ويوصل الرسالة التي نريد.

    

محمد الماغوط (مواقع التواصل)

   

ميدان: أخذ الأدب الساخر موضعا مهما قبل الربيع العربي حيث كان للمقال القدرة على قلب الشارع وتغيير مجرى حدث ما، أما الآن، أي ما بعد الثورات، أصبحت السخرية والكوميديا السوداء مهنة يُتقنها غالب رواد مواقع التواصل، فما الدور الحقيقي الذي يلعبه الأدب الساخر في يومنا هذا؟ وهل غدا هذا النوع من الأدب وسيلة للتنفيس عن المشاعر دونما تغيير؟ أم ما زال لبنة أساسية في بناء وعي المجتمع؟

- دور الأدب الساخر دور مركب، فالغاية من الكتابة الساخرة أن تصنع وعيا للقارئ، وتكسر الأصنام التي وعينا عليها ولا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها والتي تتمثّل في السلطة؛ ليست السياسية فحسب، وإن كانت أهم سلطة تواجهك أثناء الوعي والتعبير عن الذات، وإنما أيضا السلطة المجتمعية التي عليك أن تكسر أصنامها، والسلطة الدينية التي عليك أن تسخر أحيانا ممن اعتبروا أنفسهم رموزا لها وصادروا آراءنا في التفكير. وإذا عُدنا لمفهوم الأدب الساخر فهو سلاح الضعيف على القوي، وهو السوط الذي يجابه سوط السلطة، وهو القنبلة المسيلة للضحك.

   

قبل الربيع العربي كانت الكتابة الساخرة ذات اختصاص، أي كان المقال له توجّه ويضرب بالمكان المحدد، أما الآن فأصبح مهنة لكثيرين أو مشرعا للكثيرين، وهذا ليس بالأمر السيئ، لكن علينا أن نعي تماما خطورة هذا الانتشار، فإذا أصبح الهدف السخرية من الحدث فقط أو الشخص فقط دون أن نخلق حالة الوعي أو لاتخاذ خطوة نحو التغيير فهنا تنشأ الكارثة، لأن الآخر الذي سُخر منه سيرضى بهذا الدور وينتظر حتى تذهب الموجة ويحل محلها حدثا آخر مثيرا للسخرية، وتمر القرارات المنتقدة وسط هذا الضجيج.

 

أما الأدب الساخر فوُجد ليُغيّر الواقع المزري. فقبل عشر سنوات كان المقال الساخر يُوجعهم؛ فأنا أذكر حين كنت أكتب مقالا ساخرا في تلك الفترة عن أحد السياسيين كان يُهاتفني إما لتبرّمه مني أو لتبرير ذلك القرار الذي انتقدته في المقال. أما الآن فهذا لا يحدث، لأن كل الجبهات مفتوحة للنقد، وهو -أي المسؤول- مستمر في قراراته. لذلك أصبحت في الفترة الأخيرة أقف وقفات جادة جدا بعيدا عن السخرية، لأن هدفي أن أُوجع خصمي، لأني وجدت أن الكثيرين أصبحوا ينشرون السخرية من أجل السخرية، فالكتابة الساخرة مهمتها التحفيز نحو التغيير وليس "التنفيس". لكن متى تكون الكتابة الساخرة جيدة للتنفيس؟ حين نتوقّع انفجارا دمويا قد يؤجّج الموقف ويُحدث بلبلة غير محمودة، تصبح الكتابة الساخرة حائط الصد الذي يتلقّى الارتطام.

      

كاريكاتير فكرة: أحمد حسن الزعبي (مواقع التواصل)

      

ميدان: إذن، كيف يُقاس الآن تأثير الكتابة الساخرة على الواقع؟ سواء على القُرّاء أو على التغيير المنشود في بعض القرارات أو الأحداث السياسية؟

- إذا عدنا إلى تقسيم المراحل، فسنجد أنه في مرحلة ما قبل الربيع العربي، كان الكُتّاب الساخرون أقل بكثير من الآن. فمثلا في الأردن كان نحو عشرة كُتّاب ساخرين فقط، فنجد أن المقال يضرب ضربته ويؤثر ويُحدث بلبلة. أما الآن أمام هذا الانفتاح وانتشار المنصات التي تسمح للجميع بالكتابة لم يعد هذا التأثير مهما، فأصبح المقال الجاد بمكانة المقال الساخر في التأثير. لذلك عندما أكتب مقالا جادا مُوجعا مُوجّها ضد السلطة يجد رواجا أكبر من المقال الساخر، لأن كثرة المعروض أحيانا تصيب المتلقي بالملل.

 

أما على صعيد التأثير في الأحداث السياسية، فأقول -للأسف- إنه في آخر خمس إلى عشر سنوات لم يعد هناك ما يعني صُنّاع القرار والمسؤولين بما نكتب، وكأنهم وصلوا لمرحلة من التبلد وعدم الاهتمام بالموضوعات المطروحة في المقالات، إلا إن تناولته بشكل شخصي فيشتكي للقضاء، أما النظر لمصلحة البلد أو لسياسة عامة فلم يعد هناك اهتمام بذلك. وقليل جدا من المسؤولين مَن يتصل ليشكر على مقال. أما القراء فلا يزال هناك تفاعل مع ما نكتب. الجميل في ثورة مواقع التواصل أنها كسرت حاجز الخوف عند الكثيرين، وتوحيدهم أحيانا على رأي، وصناعة الوعي هذه ستأتي ثمارها خلال سنوات قليلة.

 

ميدان: نسمع كثيرا عن القضايا والملاحقات التي تتعرض لها، فأنت لست كاتبا صحفيا فقط وإنما صاحب رأي سياسي ولصيق بالحراكات الشعبية مباشرة، فهل لا يزال وضع الملاحقات قائما في هذه الأيام التي تتسم بالانفتاح وكثرة المنصات ووسائل التعبير عن الرأي؟

- أُوقفت العام الماضي عن الكتابة في صحيفة الرأي لمدة ثلاثة أشهر بتهمة "الإساءة" لها، من خلال نشر خبر على موقعي الخاص اعتقدت إدارة الصحيفة أنه يُسيء لها، وهي تهمة لا أعترف بها وهي عارية عن الصحة. فكان من الواضح أن السبب متّصل بمواقفي السياسية من الأحداث التي حصلت في العام الماضي في الأردن بما سُمي "بأحداث الدوار الرابع" المناهضة للحكومة في حينها. الآن عُدت للصحيفة، لكنها للأسف ليست عودة حميدة! فوضعي الآن كمن يطلّق زوجته ثم يردها إليه لكنه لا يريد أن يكلّمها، فمقالاتي التي يُسمح لها بالنشر قليلة جدا، أي بمعدل مقال واحد من كل خمسة مقالات.

  

  

قبل ست سنوات سُجّل بحقي 13 قضية بالمحكمة، وأُلاحق ليس فقط على ما أكتب ولكن على مواقفي التي أنشرها على صفحتي الشخصية أيضا. فالاشتباك لا يزال قائما مع السلطة، ولا يزالون يتعاملون مع الرأي المعارض بمنطق الستينيات والسبعينيات؛ أي إذا مُنع المقال فلن تستطيع نشره بين الناس، لكن في هذا العصر الأمر مختلف، ولا يوجد شيء يصعب نشره. فمثلا المقال الذي مُنع اليوم من النشر، وصلت عدد مرات مشاهدته على مواقع التواصل لغاية الساعة 12 ظهرا إلى 10 آلاف مشاهدة، فلم يعد هناك إمكانية للحجر على الرأي.

 

لديّ عتب على الطبقة المثقفة والأدباء، لأنهم يتعاملون أحيانا بانفصال تام عن واقعهم الاجتماعي والسياسي، وهذه كارثة، فدور هؤلاء تنويري بالدرجة الأولى وليس البحث عن كثرة المبيعات. فمعنى المثقف والأديب أن يكون رائدا في مجتمعه لا أن يكون حبيسا بين رواياته وكتبه، فهناك اشتباك معيشي مع الناس، فلماذا لا تُمثّلهم! أصبحنا الآن بين طبقتين: طبقة سياسية واقتصادية مخملية لا ترى الشارع على الإطلاق، وطبقة تعيش بالعالم الرومانسي بين الروايات والشعر، فمَن يُمثّل الناس العادية المسحوقة؟! هذا تخلٍّ عن دور الأديب الحقيقي برأيي.

 

ميدان: كلما كان تأثير الكاتب أعمق في المجتمع زاد اشتباكه مع الواقع والمسؤول والقارئ، فما أطرف الاشتباكات التي حصلت معك؟

- هناك اشتباك البدايات، فحين كنت أكتب في صحيفة الخليج الإماراتية في زاوية مناصفة مع كاتب آخر، وكان دون مقابل لأني كنت مستجدا، رجعت في يوم إلى منزلي متضايقا بسبب نشر إدارة الجريدة مقال زميلي دون مقالي، فسألتني زوجتي عن السبب، فشرحت لها، وحين قرأت المقال أرادت أن تخفف عني فقالت: "من الغريب أن ينشروا مقاله! مع أن كتابته أتفه من كتابتك!".

  

واشتباك الشهرة، حدث ذلك حين ترجلت في مرة من سيارتي فرآني أحد حراس البنايات، فأقبل عليّ مستبشرا يرحب بي ويُعبِّر عن إعجابه بما أُقدِّم، وأراد التقاط صورة معي، فنادى أخاه ليقف معنا في الصورة، وناداه قائلا: "ها هو الأستاذ محمود الحويان (إعلامي أردني) نريد أن نتصور معه"!

   

أما من طرائف اشتباكات السُّلطة، فكان زمن رئيس الوزراء نادر الذهبي، حين ذهب لتفقد إحدى المحافظات، فكتب له أهالي المحافظة شكرا وتقديرا في الصحف، فكتبت منتقدا: "لِمَ تشكرونه على واجب يقع ضمن مهامه؟". فاستجاب لذلك الذهبي وأصدر تعميما بمنع كتابة أي رسائل شكر، فكتب أهالي المحافظة بعدها رسالة شكر على "منع الشكر"!

        

"الرأي" تحمل الناس ولا أحد يحملها، بغض النظر عمّن يُديرها، فهي تماما كالوطن إن حكمه شخص جيد أصبح جنة، وإن حكمه شخص سيئ لا يمكن أن تكرهه لأنه وطنك

مواقع التواصل
   

ميدان: من المفارقات التي تدور في خَلَد متابعيك أنه رغم مواقفك المعارضة للحكومة الأردنية وبعض المسؤولين فإنك تكتب مع "صحيفة الرأي"وهي صحيفة رسمية تابعة للدولة وتنطق باسمها، ألا ترى أن في ذلك تناقضا في الموقف، أم أنها حنكة سياسية؟ وماذا قدمت لك "الرأي" وماذا أخذت؟

- بداية أنا لا أتفق كثيرا على كلمة "معارض"، فأنا صاحب رسالة، أكتب ما أشاهده وما أحسه وما أراه، ولا يعنيني تصنيفي ضمن المعارضة أو الموالاة، فالرسالة أهم من التصنيف. المُعارض الحقيقي بنظري هو مَن يمشي نحو هاوية الدولة ومن يُطبّل للقرارات الخاطئة.

 

أما صحيفة الرأي، فلقد بدأت الكتابة فيها بالمقالات الاجتماعية الساخرة، وأعتقد أن الصحيفة بتوجّهها المعروف بأنها حكومية قد ابتلعت هذا الطُّعم، رغم أني لم أضعه عن قصد، فقد كانت كتاباتي موجهة لنقد المجتمع فقط. وبقيت على هذا الحال حتى قبيل الربيع العربي حين تكشفت في الأردن بعض قضايا الفساد، فلم تعد كتابة المقال الاجتماعي فقط مُجدية، ولا هي تُرضي ضميري، فكان لا بد من قول كلمة حق في هذا المضمار. فبدأت بكتابة المقالات السياسية الساخرة والمُوجعة، وبدأت رحلة "مُنع من النشر". فأحست إدارة الصحيفة أني مصدر إزعاج، رغم أن المنع كان يعتمد على إدارة التحرير المناوبة، فبعضهم كان لا يمرر المقال انسياقا لسياسة التحرير، رغم إعجابهم به، وبعضهم ملكيون أكثر من الملك فيمنعون النشر وينزعجون من المقال.

 

العمل في الصحفية أضاف لي الكثير، ففيها تعرفت على مجالات كثيرة أخرى عملت فيها، ولولا صحيفة الرأي لربما كنت في مهنة أخرى. فكتبت بعد تجربة الصحيفة في فن المسرح، ودخلت إلى عالم "منصات التواصل الاجتماعي" و"يوتيوب". "الرأي" تحمل الناس ولا أحد يحملها، بغض النظر عمّن يُديرها، فهي تماما كالوطن إن حكمه شخص جيد أصبح جنة، وإن حكمه شخص سيئ لا يمكن أن تكرهه لأنه وطنك.

 

ميدان: لديك أربعة مؤلفات، "سواليف"، و"الممعوط"، و"أو.. جاع وطن" و"نزف منفرد"، أي هذه المؤلفات أقرب إلى نفسك ولماذا؟

     

     

- أقربهم إلى نفسي "نزف منفرد"، فهو يختلف عن غيره بعدم احتوائه على مقالات ساخرة، فكل المقالات التي جمعتها فيه مقالات وجدانية، وهو مُقسَّم إلى مواسم، لأني أخصص ضمن كتاباتي مقالات موسمية لا أستغني عنها أبدا. فموسم عودة المغتربين عن أوطانهم في أيلول له مكانة خاصة عندي. وللأم موسمها الخاص، فقبل أن ترحل وحين رحلت لا أملّ الكتابة في "آذار" عن أمي، فتشكّل "نزف آذار" في الكتاب. وعلى هذا النهج قسّمت كتابي إلى فصول، وكل فصل هو نزف منفرد بذاته.

  

ميدان: كانت لك تجربة وحيدة في الكتابة المسرحية "الآن فهمتكم"، وأخرى في الكتابة الدرامية تمثّلت في مسلسل "شوفة عينك" الكرتوني، كيف كانت تجربة الكتابة خارج حدود المقال إلى فضاء أكثر اتساعا، ولماذا لم تتكرر هذه التجارب؟

مشكلتنا مع الكتابة الدرامية أن أحلامنا تكون كبيرة جدا والواقع بعيد جدا عن هذه الأحلام، فلا يوجد ميزانيات جيدة لأعمال درامية جيدة. وأن تجتر وتعيد ما يُنتج هذه الأيام فتلك تجربة بائسة، فإما أن نصنع ما هو مختلف وإما ألّا نُعيد ما أُنتج. التجربة الدرامية في الأردن لم تقفز قفزات مهمة -للأسف- وما زلنا نراوح في مكاننا وغيرنا سبقنا بأشواط كثيرة، والسبب غياب شركات إنتاج حقيقية قادرة على أن تصنع وتنتج دراما، فالكُتّاب الجيدون موجودون وبكثرة.

  

بالنسبة للكتابة المسرحية وتجربة "الآن فهمتكم" مع الممثل الأردني موسى حجازين، كانت تجربة ناجحة جدا بدليل استمرار عرضها نحو سنتين لكثرة الإقبال عليها، وتركت علامة فارقة في المسرح الأردني في السنوات الأخيرة. لا أقول إن الأفكار جفت، لديّ أفكار كثيرة لكنها حالمة، وهي بحاجة إلى ممثلين يستطيعون حمل هذه المسرحية، كالأستاذ موسى حجازين، فإن وجدت ما يوازي هذا الفنان العظيم سأُعيد التجربة المسرحية بالتأكيد.

  

(مسرحية "الآن فهمتكم")

   

ميدان: ماذا عن تجربة برامج الفيديو على يوتيوب وبعض القنوات، ألا ترى أن التخصصية والاكتفاء بالكتابة مُقدَّم على الخوض في جميع أصناف الأعمال الإبداعية؟

- الكاتب الذي لا يواكب التطور يتعرّض هو وفكره للاحتراق. وبما أنك تقاتل من أجل رسالة فعليك أن تنوّع أسلحتك، فلو أن المعركة الآن تُدار بالسيف والرمح لخسرناها -ونحن خاسرون الآن للأسف-. لكن بما أننا في عالم مختلف تماما وهو يعتمد على الصورة، كان لا بد من التنويع في السلاح حتى توجع الآخر وتوصل الفكرة التي تحارب من أجلها. لذلك كانت البداية بالتفكير بعرض الفكرة الساخرة من خلال فيديو على يوتيوب، خاصة وأن الجيل الحالي يلتفت للصورة أكثر من غيرها، فأنتجنا "مُنع في الصين" لنقد قضايا محلية وعربية.

   

ثم برنامج "من سفّ بلدي" الذي خُصص لانتقاد السلطة بشكل مباشر في قالب كوميدي أيضا، ولاقى رواجا وقبولا جيدين. ثم كانت التجربة الأخيرة مع التلفزيون العربي في برنامج "وطن 3D". هي تجارب مهمة بالنسبة لي لأنني أصبحت أستطيع أن أوصل فكرتي بشكل جديد يصل لشريحة أكبر من الناس، واستطعت أن أصل لمختلف الأعمار.

     

(مقطع من برنامج "من سفّ بلدي")

  

ميدان: لكل كاتب بصمته الخاصة التي تجعل القارئ يعرفه من بين سطوره وفي ثنايا أفكاره، فما البصمة التي تُميّز أحمد الزعبي عن غيره من الكُتّاب الساخرين؟

- من الأجدر أن يجيب القارئ عن هذا السؤال، إلا أنني أستطيع أن أقول إني لا أكتب من أجل أن أكتب أو أملأ الفراغ؛ فحين أريد أن أُوجع جيدا أكتب، أو للتعبير عن موقف ما، أقصد أنه حين تكتب بصدق تكون بصمتك واضحة أكثر وكلما كنت قريبا من الناس وهمومهم تكون أكثر صدقا. كما أني إن كنت لا أشعر بالرغبة بالكتابة أو أن لا شيء يدعو حقيقة للكتابة فإني لا أُجبر نفسي عليها أبدا. كما أظن -ولا أُزكّي نفسي- أن التميز في رسم الصورة والوصف يجعل القارئ يعيش جو النص وكأنه أحد شخوصه.

  

ميدان: بماذا تُشبّه الحالة السياسية العامة والحالة السياسية في الأردن؟

أكتفي بوصف الحالة السياسية في الأردن، فالحالة السياسية العامة لا تزال في حالة تحوّل وتشكّل غير مفهومة. أما الحالة السياسية في وطني الحبيب فأُشبّهها برسمة فنان تجريدي؛ لا الرسام يفهمها ولا المشاهد يفهمها، والطرفان يحاولان فلسفة هذه اللوحة وتفسيرها، لكن دون جدوى!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار