انضم إلينا
اغلاق
أسطورة "مدام عفاف".. كيف تستعرض رواية "العيب" تحول موظفات الحكومة؟

أسطورة "مدام عفاف".. كيف تستعرض رواية "العيب" تحول موظفات الحكومة؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

داخل قصر الزعفران، نجفة فخمة، وسقف مرتفع بنقوش زاهية، وسلالم دائرية وسجاد أحمر يوحي بالمهابة التي تقاوم الأتربة وغبار الزمن. حينما تصعد هذه السلالم الدائرية، وتدلف إلى إحدى حجرات القصر بأبوابه العالية، ستجد مدام عفاف جالسة على مقعد خشبي، ويوجد أمامها على المكتب الخشبي بمفرشه الأخضر الباهت الكثير من الملفات والأوراق والسجلات وشطيرة الفول، ودرج موارب قليلا ترى فيه مرآة ومصحفا وبقية شطائر الفول. لقد قادك حظك العَثِر أو قدرك الذي لا مفر منه لمقابلة مدام عفاف، تحرج قليلا أنك دخلت مباغتة على مدام عفاف بينما هي تلتهم إفطارها (ثلاث شطائر من الفول بالخبز البلدي).

   

كنت تتمنى لو تأخرت قليلا، وأن تصل بعد انتهائها من الإفطار، ورشفها الرشفة الأخيرة من كوب الشاي، لتنهي لك إجراءات الالتماس بدلا من أن تُعاقبك برفضها إنهاء أوراقك لقدومك في هذا الوقت. ربما كنت تستحق هذا العقاب، فأنت لم تُمهلها دقائق معدودة تتمكّن معها من إغلاق درج المكتب.

  

مدام عفاف، ليست النموذج الأوحد في المصالح الحكومية، سواء كانت في قصر الزعفران أو مكتب للسجل المدني لأحد المراكز التي لا يُعرف اسمها على الخريطة، ففي كل مصلحة حكومية ستجد مدام عفاف، وإن تغير اسمها. ستنتهي من إجراءات الالتماس بعد طول تردد على مكاتب موظفي الحكومة، وسيبقى درس تعلمته وسؤال عالق، أما الدرس المستفاد فهو ألا تدخل مباغتة على موظف في موعد إفطاره المُقدس، أما السؤال العالق فهو؛ ماذا حدث لتتحول مدام عفاف لهذه الصورة؟ وهذا ما نجد إجابة له في رواية يوسف إدريس، "العيب".

    

رواية العيب لـ "يوسف إدريس" (مواقع التواصل)

   

لحظة التوظيف.. لحظة ميلاد البيروقراطية

يوثّق يوسف إدريس في رواية "العيب" اللحظات الأولى لتوظيف النساء في المصالح الحكومية، ويتعقّب ارتباك الموظفات ورحلتهن في العمل وخوضهن تجربة الوظيفة لأول مرة في مصر بعد تاريخ طويل من احتكار الرجال للعمل الحكومي، ويُبيّن كيفية تفاعل الموظفين الرجال مع مجاورتهم الموظفات في المكاتب نفسها وتنافسهم على أداء مهام العمل، وكيف تزدوج معايير وقوانين العمل الرسمية وغير الرسمية واختلافها في الحكم على النساء والرجال، ليكون سقوط الأنثى الموظفة في فخ القوانين غير الرسمية سقوطا أخلاقيا، يقدم إدريس ذلك كله من خلال قصة سناء.

  

فتدور أحداث الرواية حول سناء التي استلمت العمل الحكومي بعد تخرجها في مصلحة حكومية لاستخراج التراخيص، وتتحول من موظفة ملتزمة تدافع عن القيم وتمثل البراءة المثالية وترفض تلقي الرشاوي إلى شخص آخر، وترضخ في نهاية الأمر لضغوط المعيشة المادية وأزمة أخيها الصغير الذي هُدد من الانفصال من المدرسة لعدم دفع المصروفات، فتتلقى الرشوة، ولكن لكونها أنثى في المجتمع المصري فإنها لا تُعامل بجرم الرشوة كموظفة فحسب، وإنما يتضاعف جرمها الوظيفي بسقوط شرفها الأنثوي كذلك.

  

يفتتح إدريس رواية "العيب" التي كتبها في أوائل الستينيات بمشهد دخول الفتيات إلى المصالح الحكومية، لا كطالبات لمعاش أو راغبات في تصديق شهادات أو ختم أوراق، وإنما كموظفات لأول مرة في تاريخ المؤسسات الحكومية المصرية، بتعيين سناء وأربع فتيات أخريات في إحدى المصالح، قائلا: "ثلاث مرات في تاريخ المصلحة ازدحمت مثل هذا الازدحام، يوم توفي سعد زغلول ونعاه الناعي، ويوم طُرد الملك، واليوم الذي عُيّنت فيه سناء، ففي نفس اليوم تم تعيين خمس من زميلاتها الناجحات في المسابقة، ولقد انقلبت المصلحة سوقا أرخص ما فيه الكلام، المصلحة منذ يوم نشأتها وكل العاملين فيها رجال، هم من وضعوا فيها اللوائح والقوانين وتولوا تنفيذها، ورسموا التقاليد فتحولت المصلحة إلى وكر رجالي لا تسمع فيه إلا أصواتهم ووقع خطواتهم دارسين لكادر العمل وأمزجة الرؤساء".

    

المصلحة الحكومية لها شكل خارجي من القوانين واللوائح التنظيمية، وسراديب داخلية من عالم خفي قوامه القوانين غير الرسمية

مواقع التواصل
   

"فقد ذهب الموظفون إلى عملهم ذات يوم كالمعتاد لا بهم ولا عليهم، فوجدوا في أكثر من حجرة من حجرات المصلحة فتيات، وأكثر من هذا وجدوا قرارات بسرعة قد كُتبت على الآلة الكاتبة في أقسام المستخدمين، ومكاتب جديدة… أُعدت وجلست عليها الفتيات".

  

في واقع الأمر لا تعني تلك المقاعد الجديدة التي خُصصت للموظفات أنهن قد حظين بمكانة مميزة داخل المكاتب الحكومية، فقد استقرت سناء -الشخصية الرئيسة لرواية "العيب"- في أسوأ مكان في الحجرة. فالمكتب الحكومي عبارة عن حجرة لها أربعة أركان، وكل موظف قد اختار ركنا تشبث به واحتمى، واحتله احتلالا أبديا، وكل ما يميز ركن الباشكاتب رئيس الموظفين الثلاثة أن مكتبه أكبر قليلا ومتقدم قليلا بحيث يواجه الداخل إلى الحجرة. وجاءت سناء لتحتل الركن الخامس في الحجرة، في مكتب متطرف على مقربة من الباب، كأنها نتوء شاذ عن أركان الغرفة الأربعة المستقرة منذ اليوم الأول لإنشاء المصلحة.

  

كان دخول الموظفات لهذا الوكر الرجالي حدثا جللا، أحدث إرباكا لدى الموظفين الرجال، فلجأوا إلى سلاح السخرية، وأطلقوا النكات والقهقهات العالية كرد فعل على هذا الحدث المفاجئ، وتنمروا على موظف الخزانة ساخرين بأنه ينبغي أن يُعين مكانه موظفة في جمال مارلين مونرو بدلا منه لأنه دميم، وأخبروا الحاج إبراهيم الفراش بأنه سيذهب لشراء الخضار لأجل الموظفات وسيقوم بإرضاع أطفالهن، واقترحوا على موظف البوفيه أن يضم الروج ومستحضرات التجميل الأنثوية إلى جانب بضاعته.

  

وعقب انتهاء فقرة السخرية، سرعان ما لجأ الموظفون إلى التركيز البصري مع كل الموظفات لا سيما سناء، فقد استدارت الأنظار إلى الآنسة سناء تتفحصها وتحلل ملابسها إلى عواملها الأولية وأثمانها، ووجهها إلى أنف وعيون ونوع بودرة وطريقة تصفيف شعر، وحذاءها الواضح من تحت المكتب لتحدد إلى أي الطبقات الاجتماعية تنتمي. بذلك أرسى يوسف إدريس في مفتتح رواياته عناصر المكان والزمان وخيوط الحبكة، فعمَّ تتحدث الرواية؟ وما علاقة بطلتها سناء بمدام عفاف؟

   

النساء والقوانين غير الرسمية التي صنعها الرجال

  

تناقش رواية "العيب" قضيتين مركزيتين؛ أولاهما: القوانين غير الرسمية التي تنظم الإدارة في المصالح الحكومية التي تعلو في قوتها ونفاذها القوانين الرسمية، تلك القوانين غير الرسمية التي يتوارثها الموظف عن أسلافه ويورثها لمن يعقبه. فالمصلحة لها شكل خارجي من القوانين واللوائح التنظيمية، وسراديب داخلية من عالم خفي قوامه القوانين غير الرسمية، ويعبر إدريس عن ذلك المعنى على لسان الراوي:

  

"وكان أسفل البناء الضخم الذي أنفق الرجال عشرات السنين في إقامته سراديب خفية، حفروها وجعلوا لها أبوابا محصنة سرية لا يمكن أن يفطن لها غريب، واستخراج التصاريح هو عمل المصلحة الرسمية وأهون العملين وأقلهما شأنا واهتماما وأبطؤها سرعة إنجاز، بل هو مجرد لافتة رسمية معلقة لتدل الزبائن على المكان الذي يتوجهون إليه لإنهاء العمل الثاني، ذلك العمل الحقيقي الدائب، بيع التراخيص، بيعها بأثمان لم تحددها المصلحة ولا الوزارة إنما حددتها تقاليد ورثها الموظفون جيلا عن جيل وباشكاتبا عن باشكاتب".

  

أما القضية الثانية التي تتناولها الرواية فهي تفاعل المرأة مع عالم الرجال وقوانينه الرسمية وغير الرسمية منذ اللحظة الأولى لولوجها عالم الوظيفة الحكومية، ذاك الحرم الرجالي، وكيف حاولت استيعابه، وكيف كانت استجاباتها له، وذلك من خلال سناء وزميلاتها.

  

تحكي الرواية عن سناء، تلك الفتاة حديثة التخرج التي تعلمت قيم الإتقان والنزاهة في البيت والمدرسة، وتتطلع بطموح لوظيفة تنفق بها على أمها وأخيها، خاصة أن معاش والدها قد انقطع بعدما تسلمت عملها الوظيفي. تحاول سناء اكتشاف خبايا الحرم الذكوري منذ اليوم الأول لاستلامها العمل، يصيبها الذهول وعدم الاستيعاب ثم القبول ثم الاشتراك، ولكن ما يلبث أن يكون اشتراكها -المرجو من قِبل الموظفين- سقوطا تاما.

       

كانت سناء تستشعر أن المصلحة عالم الرجال الذين تراهم أكثر جرأة وأعنف انفعالا ولغضبهم قدرة كبيرة على التحطيم والتخريب

مواقع التواصل
    

فثمة فارق بين المرأة والرجل في العمل الحكومي، وتوضح الرواية هذا الاختلاف من اليوم الأول لتعيين سناء. فبينما كان الموظفون يمتلكون سلطة إطلاق النكات والسخرية اللاذعة، فإن الفتيات لا يمتلكن هذه السلطة، وتسرد الرواية تعرض سناء المستمر للصدام والمواقف المثيرة لغضبها ولجوءها الدائم للبكاء في الفضاء الأنثوي الخالص في هذه المصلحة الحكومية، حيث لم تجد سوى دورات المياه للسيدات. وبعدما استقرت سناء في موضعها في الركن الخامس في المكتب، قامت بسد فتحة المكتب بورق مقوى، لتفادي النظرات المختلسة لها. كانت سناء تستشعر أن المصلحة عالم الرجال الذين تراهم أكثر جرأة وأعنف انفعالا ولغضبهم قدرة كبيرة على التحطيم والتخريب.

  

إلا أن التحول الذي أصاب سناء بعد تعيينها في الوظيفة لم يصبها وحدها، فها هي إحداهن تتغير من رؤيتها للوظيفة باعتبارها ساحة للبحث عن الزوج المناسب، إلى السعي للترقي الوظيفي واحتلال المكانة التي يتنافس على خطبتها المتنافسون. ولا بأس حينئذ من استعمال أي طريق، مثل كسب رضا الرؤساء بالشوكولاتة والبونبون أو بدلالها الأنثوي. فقد ذهبت صاحبتها تفتش عن الرجال في العمل كأزواج أكثر ملاءمة لها، فانتهت في أقل من شهرين إلى التفتيش عن العمل ونتائج العمل في الرجال حتى لو تطلب الأمر استعمال أنوثتها.

  

كانت الفتيات الخمس في أحاديثهن -التي اتخذت أبعادا أخرى عن المعتاد قبل تعيينهن- يتعجبن من الرجال في الحكومة وتبريراتهم للرشوة، فلم يستوعبن كيف لمَن يحج بيت الله من الأفندية أن يأخذ على الاستمارة جنيها كاملا، ويظل يتصف بالكرم والنخوة والتدين، متعجبين من المدير الذي يقرأ الفاتحة قبل أن يلمس الورق مكتسبا ماله من الحرام، وحينما نقلت سناء تعجبها من ذلك التناقض إلى الباشكاتب، دار هذا الحوار بينهما:

  

"فيخبرها البشكاتب مستخدما نبرة أبوية عطوفة:

- "يا بنتي الأخلاق الكويسة حاجة وأكل العيش حاجة تانية".

- فتجيبه سناء: "أكل العيش حتى بالسرقة؟".

- ويرد الباشكاتب عليها قائلا:

"يا بنتي أنتي لسه صغيرة على البر، ما شلتيش هم المسؤولية، لما تكوني مسؤولة عن جيش زي اللي مسؤول عنه، ماهيتي كلها بعد الخصومات 19 جنيه، 230 مليم، ومصاريف بيتي في الشهر ما تقلش عن 50 أو ستين، عندي ولدين في الجامعة ولد في الثانوية وبنت في المعهد، وعيلين صغيرين في ابتدائي، ولي أخت مطلقة، قاعدة معايا هي وولادها الثلاثة، منهم واحد طلع من المدارس، وبيشتغل عامل في مصنع، وساكن في بيت الناس تحسدنا عليه، إيجاره ثمانية جنيه ونص، بند الأدوية بياخد بالميت خمسة جنيه في الشهر، غير الدكاتره، لو مكاني هتعملي ايه؟".

   

  

تتعاطف سناء مع الباشكاتب، ثم تقرر أن تصمت عما تراه من مخالفات عاقدة العزم على ألا تشترك معهم، ثم يقرأون الفاتحة، في الأول أثار ذلك السلوك استغراب سناء، كيف يقرأون الفاتحة لتكريس اتفاق على الرشوة والسكوت عنها فيما بينهم! ومع مرور الوقت لم يعد ذلك يثير في سناء أي استغراب. ولكن لم يكن صمت سناء وموقفها السلبي مما تراه من فساد ورشاوى يلقى قبولا لدى الموظفين، فقد كان حضورها بمنزلة كارثة لهم؛ كارثته أنها ضمير مؤنث، فالرجل لا يخجله كثيرا أن يرتكب الخطأ أو الحماقة أمام زميله الرجل، أي رجل، ولكنه يخجل ببشاعة أمام الأنثى، أي أنثى.

  

لذلك ساد التوتر والارتباك بين الموظفين في إتمام صفقاتهم، أحيانا يعدل بعضهم عن الرشوة، معطيا الزبون درسا في الأخلاق والقانون، فبدأوا يتبارون في إعلان دفاعهم عن القانون، يتنافسون في العلن إعلان مواقفهم للجدران والمكاتب والأثاث، وبينما يرفض الموظفون الرشوة في العلن، يأخذونها في السر بعيدا عن أعين الزملاء وبعيدا عن الركن الخامس "سناء". فجعل إدريس من حضور سناء الأنثوي عنصرا لمنع الغواية وإرساء الفضيلة حتى لو مؤقتا.

  

فلطالما اعتُبرت المرأة مرادفا للغواية، ولكن في رواية "العيب" تتحول الوظيفة الحكومية إلى غواية بالنسبة للمرأة، وتقع سناء في شراكها حينما تستجيب لأخذ الرشوة. فيصبح المال هو عنصر الغواية، فمن خلال قوة المال وضغط الحاجة والمصاريف سقطت سناء وسقط من قبلها الموظفون، ليرسخ إقرار زميلها في المكتب "الجندي" بأن المال هو وسيلة الغواية، تلك الحكمة التي يكررها كل مرة: "الفلوس يا حبيبي is the master key".

  

إلا أن سناء لم تكن لتستجيب لغواية المال دون مشاهدة سلوكيات الموظفين ورسوخ قوانينهم غير الرسمية الفاسدة، وتعايش المصلحة بأكملها على هذه القوانين، وكأن الرجال وأسلوب حياتهم هم العنصر الآخر للغواية في رواية "العيب" لا النساء، وخاصة مواقف شخصية الجندي، "الموظف اللزج" كما تصفه سناء والذي يحاول التقرب منها ومغازلتها وترقب اللحظة المناسبة للإغواء والإيقاع بسناء وتوريطها في الرشوة، حتى تقع في شراكه.

    

  

وللجندي نظريته الخاصة في رؤيته للنساء وحكمه على مدى نجاحه أو فشله في الإيقاع بهن، هذه النظرية التي يسميها الجندي نظرية "الرضا الموارب". فهو في نظراته لجنس النساء عامة كان دائما ما يحاول أن يجد فيهن أو في شخصياتهن ما يسميه بعلامة "الرضا الموارب" فقد حكم الجندي على طِيب خصال سناء وأدب طباعها من درجة لون أحمر الشفاه الذي تستعمله، فقد وصفه الجندي بأنه "روج مؤدب"؛ فليس داكنا أو مشعا لافتا للنظر. ولكنه حينما رأى طلاء أظافر قدميها استدل منه على قابلية سناء للإفساد من خلاله كعلامة أنثوية على الرضا الموارب.

  

لم تسقط سناء بسهولة، لكن حاولت كثيرا مقاومة السقوط في منظومة القوانين غير الرسمية الفاسدة، فترد على محاولات الجندي لغوايتها للمشاركة في قبول الرشوة معهم، وتقول: "أنت مش غلطان، أنت فسدان، كلكم كنتم في يوم من الأيام بني آدميين، وبعدين لقيتم حد علمكم الكلام ده وفسدكم، وخلاص دلوقتي كل همكم أنكم تفسدوا الناس، وتحللوا الفساد في نظرهم، عشان يغلطوا ويتورطوا ويبقوا زيكم ما يصبحش في حد أحسن من حد".

  

يبيّن الاقتباس السابق من رواية "العيب" أن إرساء الفساد وتحوله إلى عمل معتاد له منزلة القانون يمر بآليات وميكانيزمات كثيرة، أولها أن يتم تحليل العمل إلى عناصر أولية، مجرد توقيع ورق رسمي أو تقديم تصريح إلى رئيس العمل، وعدم النظر إليه باعتباره رشوة أو فسادا وإنما فعل وظيفي يستم بـ "الحياد الأخلاقي" وليس فسادا وظيفيا، ثم يتورط الرافض للانخراط في هذه المنظومة، ومع الوقت يصبح الجميع متورطين أخلاقيا، وهذا التورط الجماعي يقلل من الشعور بحقيقة أنهم -في واقع الأمر- "جميعهم فاسدون. جميعهم يرتكبون هذا العيب الذي يتوافق عليه الجميع بألا يعتبرونه عيبا إلا إذا ارتكبته امرأة"، مثلما حدث مع سناء.

  

فالعيب عنوان يحمل دلالات اجتماعية ويناقش عادات وتقاليد المجتمع المزدوجة والمتناقضة حول ما العيب، هل هو قبول سناء الرشوة؟ أم قبول الموظفين جميعهم الرشوة؟ لقد تعددت تأويلات النقاد لماهية العيب، ولكننا نجد تعريف العيب عند يوسف إدريس في قصته "حادثة شرف"، فالعيب هو الخطيئة التي تتحمل الأنثى دوما التهديد بوقوعها بمجرد حضورها، لمجرد كونها أنثى، فنجد فاطمة بطلة حادثة الشرف التي تمتعت بالجمال الأنثوي الباهر لأهل القرية جميعهم قد مثّلت تهديدا لأخيها، لم تسلم منه إلا بفرار الخُطّاب منها، وبنظرات أخيها الصارمة المهددة لها دوما: ألا تقع في العيب.

     

مدام عفاف لا تختلف عن سناء فيما يتعلق بخضوعها لقواعد العمل الحكومي الرسمية وغير الرسمية الذي أرساها الرجال، أو اتباع ممارستهم اليومية كالإفطار واحتساء الشاي

مواقع التواصل
    

حتى تفاجأ أهل القرية بالحدث الذي طالما انتظروه، صرخات فاطمة وسط أحد الحقول وهرب غريب، ذلك الشاب المعروف بسوء خلقه ومغازلته للفتيات، غريب رمز الذكورة المكتملة المواجه لفاطمة رمز الأنوثة المكتملة في القرية. وبعد إثارة الشائعة أخذت القرية تزف فاطمة للتأكد من ارتكابها العيب من عدمه، لتكشف عن عذريتها، تُعلن براءة فاطمة من الوقوع في العيب، ولكنها تفقد ماهيتها النقية للأبد.

  

سناء لم تختلف كثيرا عن فاطمة سوى أنها في المدينة، حيث يقل حضور العيب الآثم على النساء مقارنة بنساء الريف، ظنت سناء أن العمل الحكومي مساحة للأدوار المتساوية بلا أحكام قيمية، حيث القوانين الحيادية التي تعامل الفرد كموظف دون تفرقة بين رجل وأنثى، تراتبية الوظائف لا حضور فيها للأنوثة والرجولة ولا تراكم لإرث المجتمع القيمي هناك. ولكن ما توقن سناء بمعرفته أن قيم النساء كتلة واحدة، ما هو عيب في البيت عيب في العمل، أما قيم الرجال فموزعة على أدراج وملفات، بحيث يحيا الرجل صادقا بأكثر من مقياس وأكتر من شرف وأكثر من حرام وحلال، فقد يكون زير نساء وفي الوقت نفسه صادقا وشجاعا وأمينا وشاعرا. لذا فإن سقوط أي أنثى في "العيب المهني" هو سقوط لشرفها الأنثوي؛ فالشرف المهني للموظفة هو شرف جسدي في وجهه الآخر.

  

تنتهي رواية "العيب" بسناء وقد اكتست اللا مبالاة كفاطمة التي صارت أكثر قدرة على صد نظرات أخيها المتشككة وعباراته الصادمة، فقد أخذت سناء تكرر كلمة "ولا يهمك" كثيرا، وتقوم بتقليد أفعال الرجال آنذاك، فتدخن السجائر، ويصبح الفعل الوظيفي مجردا من قيمته الأخلاقية، فقد ابتلعت سناء هذا الإرث الذي صكه الرجال، تتبع في سلوكها خطاه وتقتفي أثره.

     

يؤكد يوسف إدريس برواية "العيب" أن البنية الاجتماعية لتقسيم الأدوار بين الأنوثة والذكورة يُعاد تشكيلها في منطق العمل الحكومي كما في المجال الخاص

مواقع التواصل
    

لا تختلف سناء عن مدام عفاف بالتهامها لشطائر الفول والشاي وحرصها على ألا يعطلها عملها عن تناول الإفطار، فكلاهما كسبا هذا الإرث الذي أقامه الرجال في المصالح الحكومية المختلفة، منهن مَن تمثّلته تماما، ومنهن مَن قاومت ولكن بصعوبة، خاصة ما يتعلّق بأعمال مثل الرشوة أو الاختلاس أو غيرهما، أما فيما يتعلق بالشاي فمعظهن سواء.

  

ومدام عفاف كذلك لا تختلف عن سناء فيما يتعلق بخضوعها لقواعد العمل الحكومي الرسمية وغير الرسمية الذي أرساها الرجال، أو اتباع ممارستهم اليومية كالإفطار واحتساء الشاي، وهذا ليس مبالغة ولا افتراء؛ فقد ذكر مورو بيرجر، الأستاذ المساعد للعلوم الاجتماعية بجامعة برنستون، في إحدى دراساته عن الموظفين الحكوميين في مصر 1953-1954 حينما قام برحلة إلى الشرق الأوسط أنهى خلالها كتابه عن البيروقراطية والمجتمع في مصر، أن شرب الشاي (وإلى درجة متزايدة شرب الكوكاكولا) هو عادة أول ما يقوم به الموظف عند دخوله المكتب.

  

تؤكد رواية "العيب" أن البنية الاجتماعية لتقسيم الأدوار بين الأنوثة والذكورة يُعاد تشكيلها في منطق العمل الحكومي كما في المجال الخاص، وتُعيد رواية "العيب" مساءلة مبدأ العقلانية الذي وضعه عالم الاجتماع ماكس فيبر في نظريته عن النموذج المثالي للبيروقراطية، فمن سمات البيروقراطية -وفقا لفيبر- العقلانية ونزع العواطف والمثيرات الشعورية، ولكن في رواية "العيب" لا نرى لتلك العقلانية المفترضة أثرا، فخلف كل سلوك مشاعر متضاربة. ويوجه إدريس كذلك نقدا آخر لفيبر، فبينما سلط إدريس الضوء على القوانين غير الرسمية التي تسير العمل في المصالح الحكومية، لم يُلقِ فيبر بالا للقوانين غير الرسمية، ويظل أهم ما أظهرته رواية "العيب" الازدواجية التي يعاني منها المجتمع المصري، تلك الازدواجية التي تدفع النساء ثمنها أضعافا مضاعفة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار