انضم إلينا
اغلاق
رواية الساعة الخامسة والعشرون.. كيف أثبتت أن الحياة أسمى من الفكر؟

رواية الساعة الخامسة والعشرون.. كيف أثبتت أن الحياة أسمى من الفكر؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"كل صفحة من كتابي كتبت بالدم، دمي، دم أصدقائي، دم أولئك الذين عانوا والذين ما زالوا يعانون في المعتقلات، أجل كل ما كتبه تريان عن المجتمع التقني في الرواية حول تحويل الإنسان إلى آلة هو ما أفكر فيه فعلا"

(قسطنطين فيرجيل جيورجيو)
  

الحياة أسمى من الفكر، تبدو هذه المقولة فلسفية جدا ومُوغلة في التجريد، لكن بمجرد أن نترك وراءنا تنظيرات العلوم الإنسانية والتاريخية ونتجّه للأدب تبدو الجملة مقنعة ومفهومة تماما، إن ما يجعل الفن والرواية جزءا من الحياة أنها حافظة لتجربة الإنسان ومُوثّقة لحاضره وماضيه، فالرواية توثيق لتاريخ واسع لم يكتبه المؤرخون ولم تُحط به الأفلام ولا الصور، تاريخ من التفاصيل والقصص الصغيرة تُشكل في مُجملها حياة الأفراد داخل حدث تاريخي ما ربما لم نكن لنعرف أي شيء عن أوجاع وآمال من عاشوا خلاله إلا من خلال الأدب.

في رواية "الساعة الخامسة والعشرون" اختار الكاتب فترة الحرب العالمية الثانية(1)، إلا أننا نشعر معها خلال القراءة بواقعنا العربي البئيس بعد هزيمة الثورات العربية، تتحرك شخصيات الرواية بين الأرياف والمصانع ومعسكرات العمل، وبين القرى والمدن، بين القصور والمعتقلات، بين الكنائس والبُيوت، والمنافي، ترحّلت في دول كثيرة مُجبرة دونما أمل في النجاة، وانقلبت مصائرها رأسا على عقب، وتقلّبت بها الأحوال بين الكرامة والإذلال، والأمل واليأس، والفقر والثراء، والصحة والمرض، والمقاومة والاستسلام، ودائما تضاربت أحلامها مع واقعها المرير.

ما يجعل هذه الرواية حية أنها ما زالت نابضة كألم عميق في وجدان كل من عاشوا الأحداث التاريخية الكبرى في العصر الحديث، الثورات أو الحروب أو الانقلابات العسكرية وحفلات القتل الجماعي وحتى حركات التطهير والإبادة، رواية تجعلنا نرى الحياة فوق خطوط النار وداخل أسوار السجون والمعتقلات، وفي المُدن المنكوبة والمُحاصرة، وتحت نير الأنظمة الشمولية التي تسحق فردية الإنسان ولا تبالي به ولا بآلامه وأحلامه، وتوظّفه كترسٍ في آلة ضخمة عملاقة في سبيل قضايا لم يخترها ولم يفهمها.

فيرجيل جيورجيو (مواقع التواصل)

 

فيرجيل جيورجيو.. من هامش العالم نرى العالم

"أولئك الذين يعيشون على الهوامش، هوامش العالم، هوامش الحضارة، هوامش المجتمع، هم المخوّلون لرؤية الحقائق المُرّة للعالم"

(قسطنطين فيرجيل جيورجيو)

 

ينتمي قسطنطين فيرجيل جيورجيو إلى أحد التيارات الهامشية والمهزومة في أوروبا الحديثة(2)، فهو سليل أسرة رومانية عريقة من اللاهوتين والرُهبان الأرثوذكس المعروفة بالتربية الدينية الصارمة والزهد والانعزال عن المجتمع، وهو المصير الذي كان مقررا له، ولكن بسبب التحولات التي أحدثتها الرأسمالية في المجتمعات، رأت العائلة أن يخرج أفراد من العائلة للاندماج في المجتمع والعمل من أجل تحصيل المال الذي يعينهم على تحمل أعباء الحياة، وكان نصيب فيرجيل جيورجيو أن يكون أحد هؤلاء.

وكان لحياة العزلة والزهد التي تربى عليها جيورجيو أثر كبير في تكوين وعيه السياسي وحِسّه الجمالي ورؤيته للحياة، فهو كما يقول دائما أحد الذين لم يجدوا لهم مكانا في العالم الحديث، تماما كاليهود والأقليات العرقية والغجر في أوروبا، وفي فترة تعليمه بدأت أولى مواهب فيرجيل في التفتح، فكان يكتب الشعر ونُشر بعضه في الصحف، وفي العام 1939 توجه فيرجيل إلى بوخارست ليدرس الفلسفة، فتربيته اللاهوتية كانت حافزا قويا له لدراسة الفلسفة بشقّيها اللاهوتية الخاصة بالعصور الوسطى، والعلمانية الخاصة بالعصور الحديثة، وهي المُفارقة التي ستطبع كل أشعاره وأعماله الأدبية.

بالنسبة لجيورجيو كانت أعوام الحرب العالمية الثانية حافلة بالأحداث، ففي العام 1939 كان زواجه بأكتارينا بورينا، وفي العام الذي يليه حصل على الجائزة الملكية الرومانية للشعر، ثم عمل بعد حصوله على الجائزة كمُلحق ثقافي في سفارة رومانيا في زغرب، وفي العام 1944 مع دخول السوفييت والأمريكان إلى بلاده تم إلقاء القبض عليه وإيداعه في السجن، وبعد عدة محاولات للهرب استطاع هو وزوجته عبور الحدود لفرنسا عام 1945، حيث عاش حتى مات، وحين عبوره لحدود فرنسا كان جيورجيو يحمل في يده المخطوطة الأولى لرواية قُدر لها فيما بعد أن تخلق ضجة كبرى لسنوات تلت منذ انتهاء الحرب.

 

الساعة الخامسة والعشرون.. عالم من العداوة
رواية الساعة الخامسة والعشرون لـ "قسطنطين فيرجيل جيورجيو" (مواقع التواصل)


قرية رومانية صغيرة، كان الشاب يوهان موريتز هو من بدأت به الأحداث، ذلك الشاب الريفي خشن الطباع يُخبر أهله وأقرانه في قريته عن نيته للسفر إلى أميركا للعمل وتوفير المال اللازم لبناء بيته وامتلاك أرض يزرعها وليتزوج الفتاة التي يحب، نراه وهو يسير بين الحقول وقت الغروب حالما بالزواج والحُب والبيت الجديد، مُختالا بوعد الحياة.

 

كانت تلك الفترة في عصر الحداثة الصلبة، كما يسميها عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، عصرا لا مكان فيه للأفراد كأفراد أبدا، وإنما دائما كجزء من كيان أعلى وأسمى منه، رقم ومواطن في سجلّات البيروقراطية وفي دفاتر السجون أو في معسكرات العمل، وكان من سوء حظ يوهان أن يكون اسمه اسما يتسمى به اليهود، في الوقت الذي كانت دولته واقعة تحت تهديد وابتزاز النظام النازي الألماني، فأصابته لعنة هذا الاسم الذي لم يَختره لنفسه، فطُلّق من زوجته بتلك الذريعة، وإرضاء للنظام النازي حليف رومانيا في تلك الفترة تنقل يوهان بين المعتقلات سنوات، أخذنا قُسطنطين جيورجيو من خلالها في رحلة سردية مؤلمة لما عاناه الجنس البشري في ذلك الزمان، فقد كان البشر يُصادرون استنادا إلى انتمائهم ولون بشرتهم كما تُصادر العربات والأبقار والمحاريث وسيارات النقل، بلا أي خصوصية أو هوية إنسانية فريدة وخاصة.

 


خلال أحداث الرواية نرى عالما بالكامل تحول إلى مأساة، مأساة لا تعرف شخوصها، لا خصوصية فيه لأحد، عالم بيروقراطي كل شيء فيه مُنظم وهندسي له غرض محدد وواضح، لا مجال فيه للفراغ أو التعاطف غير العقلاني، عالم يسعى لاستئصال كل ما هو مُبهم وغير خاضع للنظام الهندسي البيروقراطي، قضى يوهان رحلة استمرت 13 عاما معجونة بالتشرد والسجن والمَهانة والقمع خارج وداخل عشرات السجون، من دون أن يقترف ذنبا، وخلال رحلة السجون رأى كيف مات الكاهن كوروغا الذي تولى مساعدته في وقت أن كان يوهان في ريعان شبابه، وكيف انتحر ابنه تريان الشاعر صاحب الحس الجمالي المُرهَف بدخول المنطقة المُحرمة من المُعسكر وهو يعلم يقينا أن الحراس سيقتلونه على الفور من شدة فقدان الأمل والرغبة في الحياة.

وفي حدث فاصل في الرواية تغيّر مسار الأحداث ليوهان، لأن أحد الضباط الألمان اعتقد أنه من جنس آري مميز عاش خارج ألمانيا، وأكد أحد "خبراء الأجناس البشرية النازيين" أن موريتز ينتمي بالفعل عرقيا إلى فصيلة نادرة من الأعراق الألمانية النبيلة، فاكتسب الجنسية الألمانية مرغما، ويتحوّل، أو يُحوّل، إلى سجّان كجزء من نظام الهيمنة البيروقراطي النازي، لا يتساءل يوهان كثيرا عن إرادته الحرة وعن ما الذي يريده فعلا ولا يستاء كثيرا، لكن تمتم في قرارة نفسه لعل قابل الأيام يكون أفضل من سابقها.

رؤية قسطنطين جورجيو، الروائي الفيلسوف، شديدة الوضوح، فهي تعتبر الجميع مُعتقلين تحت رحمة التقنية والبيروقراطية والنظام العسكري الصارم

مواقع التواصل
 

تمر الأيام ويوهان يعمل كآلة سواء كسجين في معسكرات العمل أو كسجان في المعسكرات نفسها، تخسر ألمانيا الحرب ويحاول يوهان النجاة مجددا، إلا أنه مرة أخرى يقع أسيرا في قبضة الحلفاء المنتصرين، كعدوّ ألماني، وتستمر الرحلة في سلسلة طويلة من الاعتقالات العبثية المجنونة التي يقف يوهان موريتز إزاءها حائرا لا يفهم شيئا من إجراءاتها التي تحطّم كيانه وتسرق عمره الذي لا يَملك سواه واحدة بعد أخرى.

وفي حديث دال جدا عن الشر الرتيب الاعتيادي، بتعبير حنة أرندت، يشتكي يوهان بعد أن تقطعت به السُّبل لأحد الضباط الفرنسيين بعد أن تأكد من أنه ليس نازيا ولا يهوديا، فيخبره الضابط بلغة الخبير بعالمه: "لقد ظللت قرويا ساذجا رغم كل ما مررت به يا يوهان، إنك تعتقد أن أي ضابط يستطيع إطلاق سراح سجين بمجرد الاطمئنان لأنه غير مذنب، إنه حتى مع حدوث أمر كهذا، فإن إطلاق السراح لا يتحقق إلا بناء على أمر الأركان العامة في فرانكفورت، ومن فرانكفورت تُرسل الأوراق إلى واشنطن فيحول القرار منها إلى مدينة ويسبادن، فيتم تشكيل لجنة في مدينة إسلنجن، التي ترسل ما تتوصل إليه إلى برلين، ويُرسل في الوقت إلى هيدلبرج، فلما يصل الأمر إلى هيدلبرج، تُرفع البطاقة الخاصة بالسجين من المحفوظات في مئات من المكاتب حول العالم كما ترى، وعندئذ تكون حرا بالفعل، هذه معاملات شديدة التعقيد، ولا مجال فيها للخطأ أو المصادفة غير المُتوقعة، إنها آلة عالية تعمل بشكل آلي تلقائي".

 

"عِشنا فلم يعبأ أحد
ضِعنا فلم يعبأ أحد
صِحنا فلم يعبأ أحد
مِتنا فلم يعبأ أحد
***
أرقامُنا أسماؤنا عند ازدحام الموت
أرقامُنا أسماؤنا"

(الشاعر أحمد أبازيد)

 

نقد العقل الأداتي.. دفاعا عن الإنسان

"لا أظن أن من اليسر إيجاد عمل فني أكثر تعبيرا عن الوضع المريع الذي تجد الإنسانية نفسها غارقة فيه اليوم مثل رواية(الساعة الخامسة والعشرون)"

(الفيلسوف جابريل مارسيل)

الفيلم الصامت "العصور الحديثة" (modern times) لشارلي شابلن (مواقع التواصل)


في أحد التبصرات العبقرية في العام 1936، خرج الفيلم الصامت "العصور الحديثة" (Modern Times) لشارلي شابلن، وهو فيلم يدور في إطار طريف حول عامل في أحد المصانع له مهمة محددة جدا، وهي شد صامولات في شريط مُتحرك طيلة سنين عمله بالمصنع، وفي صورة كاريكاتورية يقدم شابلن صورة لعامل تقلصت كل مهاراته الحياتية وحِسه الاجتماعي، فلم يعد يُجيد أي شيء في الحياة إلا تحريك يده بمهارة وخفة لشد الصامولات داخل الشريط المتحرك.

وفي سياق متصل مثّلت أهوال الحرب العالمية الثانية صدمة عميقة في وعي ووجدان المجتمعات الأوروبية على مستوى النُّخب والشعوب بشكل عام، حيث ظهرت إحدى أهم المراجعات التي أعقبت الحرب من خلال مدرسة فرانكفورت النقدية في العلوم الإنسانية، حيث كتب أحد أبرز مؤسسيها هربرت ماركيوز كتابه الأهم تحت عنوان "الإنسان ذو البُعد الواحد"، حذر فيه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني من هيمنة النزعة التكنوقراطية على كافة مناحي الحياة في المُجتمعات الغربية، مُؤكدا أن من شأن هيمنة كتلك أن تقتل الحس النقدي والإبداعي والجمالي داخل الأفراد، ما يجعل هيمنة السلطة البيروقراطية التكنوقراطية هيمنة كلية وشاملة.

وفي إشارة ذكية في حوار داخل الرواية يستعرض جيورجيو على لسان الشاعر تريان ووالده القس نقده للحظة القاسية التي يعيشها الإنسان الغربي الحديث: "إن المجتمع التقني الغربي يريد أن يعطي للحياة هدفا موضوعيا عاما، فخضعت أنشطة الحياة للإحصائيات، هذة هي جريمة التقنية الأساسية، إنها تقتل الإنسانية في سبيل سلامة النظرية، وتسحق الفرد في سبيل الخطة العامة والمسيرة الكبرى، ذلك هو لون التضحية القربانية التقنية الحديثة".

 

كان جورجيو يرى من موقعه في هامش العالم انهيار الإنسان الكبير في المجتمعات الصناعية العسكرية

مواقع التواصل
 

"العالم الحديث هو عبارة عن آلة هندسية جبارة، إنك في صميم آلة جبارة. فمهما بذلت من مجهود وتحركت وناضلت فإنك لن تخرج منها. إن الآلة صماء، إنها لا تسمع وترى، بل تعمل فقط. تعمل عملا مدهشا تبلغ فيه الكمال الذي لا يستطيع الإنسان بلوغه أبدا. فعلى المرء أن ينتظم فيها وهو مطمئن تماما أن دوره سيحين. إن الآلة لا تنسى كما ينسى المخلوق البشري"

(قسطنطين فيرجيل جيورجيو)


الرواية هي صرخة الإنسان في عالم الحداثة الصلبة، عالم البيروقراطيات الضخمة والهويات القومية والإثنية المُغلقة، لم يكن يوهان مُوريتز المُعتقل الوحيد في هذا العالم. فرؤية قسطنطين جورجيو، الروائي الفيلسوف، شديدة الوضوح والتي تعتبر الجميع مُعتقلين تحت رحمة التقنية والبيروقراطية والنظام العسكري الصارم، كان جورجيو يرى من موقعه في هامش العالم انهيار الإنسان الكبير في المجتمعات الصناعية العسكرية، حيث لم يعد هناك بشر، فقط جنود يقعون ضمن فرق كبيرة يجب أن تقاتل دون أن تعرف لماذا تقاتل، في محاولة فقط للنجاة والعيش، دون أن يكون لتحديد هذه الاصطفافات مع أي جهة أهمية، فالجميع تروس داخل آلات ومؤسسات عِملاقة تُحدد لهم ما الذي ينبغي فعله في هذه الحياة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار