انضم إلينا
اغلاق
"الأدب التاريخي".. كيف تكتب تاريخا يرغب الناس بقراءته؟

"الأدب التاريخي".. كيف تكتب تاريخا يرغب الناس بقراءته؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

بعد قرابة 200 عام، يبدو أننا ما زلنا نخوض الحوار نفسه. فمن ينبغي أن يكتب عن الماضي ويترجمه، وكيف ينبغي لهذا الماضي أن يكتب (أو يدرس)، تظل كلها أسئلة محل نزاع. كان هذا ملموسا عندما أخذ المؤرخون والكتّاب على عاتقهم تأدية مهمتهم في أعقاب نشر كتاب الكاتبة التاريخية كيت غرينفيل الخيالي المثير للعواطف عن فترة الاستعمار الأولى في نيو ساوث ويلز أستراليا، بعنوان "النهر السري" 2005.

  

إن الدفاع الشائع اليوم عن إضفاء طابع خيالي على الماضي لا يختلف عن الدفاع الذي قدمه السير والتر سكوت؛ فبدلا من إقامة حدود فاصلة بين الماضي والحاضر، يعلن الروائيون غالبا أن هدفهم هو التفاعل مع "الأرضية المحايدة الواسعة" بينهما.

  

          

إن الأرضية المحايدة، بكلمات سكوت، هي "العادات والمشاعر المشتركة بيننا وبين أسلافنا في الماضي"، والتي يمكن من خلالها استدعاء تعاطف وتفاعل القارئ. حتى اليوم، لا يزال روائيون من أمثال كيم سكوت (المتخصص في الكتابة عن تاريخ الأسلاف) الذين يسعون للتصدي لمثل هذه الذكريات الخيالية المريحة والمفعمة بالعاطفة يحظون باهتمام أقل. لكن الجدل يمتد إلى ما هو أبعد من "الخيال مقابل الكتابة الواقعية"، ليصبح غضبا بين المؤرخين في مجال التاريخ نفسه. اتهم المؤرخ الشهير بول هام المؤرخين الأكاديميين بالتركيز أكثر من اللازم على النظرية والتحليل، والذي "غالبا ما يكون مرهونا بآفاق سياسية تحزّبية"، مما أدى بهم إلى إنتاج تواريخ "غير مقروءة عالميا".

 

أعرب المؤرخون الأكاديميون عن قلقهم حيال كتابة التاريخ، كما اتضح في كتاب "كيف تكتب تاريخا يرغب الناس في قراءته" (2011) لآن كورتيز وآن ماكغراث. مرة أخرى، يردد هذا الكتاب صدى مخاوف سكوت حول المؤرخين الذين ينتجون روايات خالية من "تفاصيل مثيرة للاهتمام" و"مرصعة بصدأ العصور القديمة". بطبيعة الحال، الصورة النمطية للمؤرخ الأكاديمي غير القابل للقراءة غير صحيحة؛ فقد حاز مؤرخون كثر على جوائز كبرى في الأدب. في حين قام آخرون بتأليف أعمال ذات تأثير شعبي واسع، بينما ساهم آخرون في النقاش العام من خلال التلفزيون والإذاعة والوسائل الرقمية.
     
وعلاوة على ذلك، فإن مسألة سهولة ووضوح الكتابة تؤثر في جميع الأكاديميين وليس المؤرخين وحدهم. وحتى سكوت يعترف بالاستثناءات، "الأسلاف المحترمون" لإيفانهوي بمن فيهم مؤرّخ الفن هوراس والبول الذي "كتب حكاية جنونية أثارت الحميمية في الكثير من الناس" (في إشارة إلى الرواية القوطية الشهيرة لـوالبول عام 1764، "قلعة أوترانتو").

    

من السمات البارزة للمناقشات المعاصرة في الكتابة الخيالية للتاريخ هي تسييس الماضي، ولا سيما في تدريس ذلك الماضي. سواء أكان في أسف المؤلف والكاتب التاريخي كريستوف باين على الاختفاء الظاهر للحضارة الغربية من المناهج الدراسية، أو نقد جون هوارد[1] للنظرة السوداء للتاريخ، فإن بعض التخصصات الأكاديمية الأخرى تتلقى النوع البيداغوجي نفسه من الاستجواب السياسي.

   

جون هوارد، رئيس وزراء أستراليا الأسبق (رويترز)

   
في الواقع، يمكن النظر إلى الجدل حول "قابلية قراءة" التاريخ على أنه سياسي جزئيا على الأقل، بمعنى أن المعرفة التاريخية هي معرفة تتصل بتجربة اجتماعية مشتركة، مفتوحة على المناقشة والتدقيق، مع التركيز على الوظائف الاجتماعية والثقافية التي يقدمها التاريخ. في الآونة الأخيرة، يبدو أن التاريخ والذاكرة أصبحا محور النقاشات الأوسع نطاقا حول الديمقراطية والهوية والعدالة الاجتماعية، بل إن التاريخ غالبا ما يُشكل الأرضية الفعلية التي تتنازع عليها مثل هذه القضايا. وكل التاريخ، بهذا المعنى، هو تاريخ عام.

  

النصوص التاريخية باعتبارها أدبا

من بين العدد الهائل من النصوص التاريخية المتاحة لنا، لا يكتسب إلا القليل منها سمعة باعتباره نوعا من الأدب. تشمل الأمثلة القديمة "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" (1782) لإدوارد غيبون[2]، و تاريخ إنجلترا لتوماس ماكولي[3](1848). والنموذج الأحدث هو "خلق الطبقة العاملة الإنجليزية" للكاتب إدوارد بالمر تومبسون [4]، الذي نُشر لأول مرة (1963). وهو نص شهير ومحبوب من العديد من القراء، فما المميز فيه بحيث حصدت خواصُّه الأدبية الكثير من الثناء؟
 

يحكي كتاب "خلق الطبقة العاملة الإنجليزية" (The Making of the English Working Class) الشهير قصة اختبار العمال الإنجليز الذين كانوا بين عامي 1790 و1832 آثار الثورات الزراعية والصناعية والنظام السياسي الاستبدادي القمعي، حتى أصبح لديهم تدريجيا إحساس بالهوية باعتبارهم "طبقة عاملة". هو دراما تاريخية، يجد الناس فيها مجتمعاتهم القديمة وقد تم تحدّيها وتشتيتها في ظل ظروف التغيير التكنولوجي والاقتصادي والسياسي والثقافي الهائل، فيكون رد فعلهم تشكيل مجموعات جديدة.

في مواجهة المفاهيم السوسيولوجية للطبقة باعتبارها فئة ثابتة ونماذج اقتصادية مصيرية للماركسية، إن "صناعة الطبقة العاملة الإنجليزية" يؤكد على أولوية العمل الإنساني -أو التمثيل الإنساني-، في سياقات سياسية واقتصادية وثقافية محددة. ويكمن جزء من انجذاب أجيال من دارسي التاريخ لهذا الكتاب في تدفق وإيقاع كتابة تومبسون، وجاء في اقتباس من مقال عن الكتاب:

"لم تبزغ الطبقة العاملة كالشمس في وقت معين، بل كانت حاضرة أثناء تخلقها".

  
"لا أرى الطبقة بوصفها "بنية اجتماعية"، ولا حتى "فئة"، ولكن باعتبارها أمرا يحدث في الواقع (ويمكن أن يثبت أنه حدث) في العلاقات الإنسانية. ومثل أي علاقة أخرى، إنها [أي الطبقة] سلاسة تتجنب التحليلات إذا حاولنا إيقافها في أي لحظة وتفسير هيكلها"

  

    
ومع ذلك، فإن مذهب تومبسون الماركسي يؤدي به إلى مسائل تتعلق بالبناء السردي أيضا، لا سيما الطابع المتغير للاقتصاد وعلاقاته المعقدة مع السياسة والثقافة. وما يتم اقتباسه بشكل متكرر أيضا هي تحذيرات تومبسون من قراءات التاريخ الغائية[5] والأخلاقية، ومن كتابة التاريخ بشكل صارم جدا في ضوء انهماكنا الحالي. وفيما أصبح أكثر الجمل خلودا في روايته، يكتب:
 
"إنني أسعى لإنقاذ صانع الجوارب الفقير، و الحاصد اللاضي[6]، وحيّاك النول "الذي عفا على مهنته الزمن"، والحرفي "اليوتوبي"، وحتى تابع جوانا ساوثكوت[7] المخدوع، من تنازل الأجيال القادمة عنهم. ربما كانت حرفهم وتقاليدهم تموت. قد يكون عداؤهم للصناعة الجديدة رجعيا. ربما كانت أفكارهم التشاركية أوهاما. وقد تكون مؤامراتهم المتمردة تهورا. لكنهم عاشوا في هذه الأوقات من الاضطرابات الاجتماعية الحادة، في حين لم نعش نحن". لم تكن هناك دعوة أكثر احتراما من هذه لتطلعات الناس في الماضي، ومحاولة فهم تجاربهم.
 
 

حين يجتمع السرد والتحليل

إن واحدة من أكثر الخواصّ المدهشة في رواية تومبسون هي الطريقة التي يمزج فيها بين السرد والتحليل. يتحرك النص باستمرار من واحد إلى الآخر. ويحدث هذا بطريقتين. في بعض الأحيان يبدأ النص بإحدى النوادر أو القصص، عن شخص أو حدث فردي، ثم يتراجع ليرسم المضامين والسياقات التاريخية الأوسع لهذه القصة، وإلقاء الضوء على بعض العمليات الاجتماعية الواسعة.
 
في الفصل الأول، على سبيل المثال، نقرأ عن الاجتماع الأول لجماعة متطرفة تسمى "مجتمع لندن المتماثل" في 1792، ونتعرف على أعضائها الفرديين وقواعدها. ثم يوسع النص بسرعة التركيز للتعليق على طبيعة العلاقات الطبقية في هذا الوقت، ويكتب: "إنّ الصدامات الدقيقة على الصعيد الشخصي هي تمرين لصدامات ضخمة على صعيد غير شخصي في جعبة المستقبل".

 
تتشابه تقنية تومبسون هنا مع الرواية التاريخية، التي رادها كاتبات نساء مثل ماريا إدجورث والتي اشتهرت بفضل والتر سكوت. إنما في كثير من الأحيان، يقوم النص بعكس هذه العملية، ويغرقنا في نقاش تاريخي، وربما حتى مناقشة مشاكل المصادر التاريخية، قبل أن يقدم لنا سردا مفصلا لأحداث معينة. في القسم المطول بالكتاب عن اللاضية مثلا، نجد تأملا مطولا حول محدودية المصادر والمنافسة المستمرة حول معنى اللاضية قبل أن يكون لدينا أي قصة مفصلة لثورة الحركة اللاضية. وأيا يكن ما يأتي أولا، نجد حركة مستمرة بين دراسة الحالة الفردية والمسح التاريخي الموسع.
   

 والتر سكوت، روائي وشاعر اسكتلندي (مواقع التواصل)

   

دراسة الشخصيات

إن التاريخ المقروء روائي وفيلميّ الطابع، لا يتطلب الكثير من الإثارة وشعورا بالتمثيل فحسب، بل يحتاج إلى الشخصية كذلك. لكي تصبح السردية مهمة، علينا أن نهتم بما يحدث لهؤلاء الفاعلين التاريخيين، وأن يكون هناك شعور بفرديتهم وطموحاتهم، وغرائبهم ومشاعرهم.
 
يحتوي "خلق الطبقة العاملة الإنجليزية" على العديد من الشخصيات، بعضها معروف للقراء في المجتمع الإنجليزي والمجتمع العالمي، والبعض الآخر لا. بالنسبة للبعض، مثل وليام كوبيت، الصحافي والمصلح الراديكالي الرائد في العقود القليلة الأولى من القرن التاسع عشر، يملك القارئ معلومات شاملة عنه ويتعرف عليه بشكل جيد عبر طيات الكتاب.
 
بالنسبة للآخرين، لا توجد سوى نبذات مختصرة عنهم، مثل الحضور في اجتماع أو المشاركين في أعمال شغب. ومع ذلك، فإن هذه الأسماء التاريخية تُعامل دائما كشخصيات في الحبكة، سواء أكانت مذكورة بشكل عابر أو بتفصيل دقيق مما يؤثر على مسار التاريخ بطريقة ما. وتظهر الاقتباسات القصيرة والطويلة في جميع أنحاء النص، مما يبث الحياة في السرد والشخصيات ويطمئن القارئ بشأن معقولية دورها الذي تؤديه.
 
إن أحد مصادر سحر الكتاب هو ترحيبه بالنزاع التاريخي، ورؤيته التفسيرات التاريخية على أنها مؤقتة بالضرورة ومفتوحة دائما على المراجعة. إنه يعترف بالطبيعة التعاونية للتاريخ، حيث يطور المؤرخون المعرفة والفهم بشكل مشترك، شيئا فشيئا. يكتب تومبسون في ملحق صدر عام 1968: "لا أفترض بأي حال من الأحوال أنني أكشف الحقيقة دائما"، "ولا يمكن لأي واحد من المؤرخين أن يأمل في تغطية كل هذه الأرضية بكل تفاصيل". إنها أفكار جذابة للمؤرخ، وربما لأي كاتب غير روائي؛ مشاركة طبيعة ومصادر المعرفة وعمليات استكشافها وتوسيعها مع القارئ.
 

كان تركيز "خلق الطبقة العاملة" منصبا على إنجلترا، واكتسب قدرا كبيرا من الألفة (ربما بالنسبة إلى العديد من القراء) مع تاريخ اللغة الإنجليزية. وقد أشار تعليق لاحق إلى محدوديته في إيلاء الاهتمام -على سبيل المثل- إلى السياق الإمبريالي البريطاني الأوسع، على الرغم من أنه يتعلق بفترة ازدهرت فيها المغامرات الإمبريالية.
    

 وليام كوبيت، الصحافي والمصلح الراديكالي الرائد في العقود القليلة الأولى من القرن التاسع عشر (مواقع التواصل)

  

ومع ذلك، رأى تومبسون أن التاريخ الإنجليزي مهم خارج حدود إنجلترا، معربا عن أمله في أن يوفر كتابه دروسا للعالم النامي أثناء خضوعه لحركة التصنيع. وكتب في المقدمة: "القضايا التي خسرت في إنجلترا، ربما يمكن في آسيا أو أفريقيا، الفوز بها".

وكما تبين، فإن الدروس التي استنتجها القراء بالفعل من كتابه لم يكن لها علاقة بالتصنيع بقدر ما كان لها علاقة بالعادات التاريخية ومفاهيم الطبقة والثقافة آنذاك. وحتى في الوقت الذي قد نتحدى فيه حججه الخاصة، وبعض ثغراته حول مسائل الإمبراطورية والعِرق والجنس، يمكننا أن نعجب بنص تاريخي أدبي يجمع بين أصالة الحجة وعمق البحث العلمي والكتابة الآسرة الخيالية. لا عجب إذن أنها أصبحت كلاسيكية عالمية ملهمة.

-------------------------------------------------------------

الهوامش:

(1) رئيس وزراء أستراليا الأسبق

(2) مؤرخ إنجليزي

(3) سياسي ومؤرخ وشاعر بريطاني

(4) إدوارد بالمر تومبسون (1924 - 1993) هو مؤرخ بريطاني وكاتب ومفكر اشتراكي. ويشتهر تومبسون بسبب عمله في مجال التاريخ الذي يبحث في الحركات الراديكالية البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

(5) التي تُفعل بغاية

(6) اللاضية (بالإنجليزية: Luddite) هي حركة اجتماعية ثورية نشأت في إنجلترا مع بدايات الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر هاجمت الآلات التي هددت أرزاق الطبقة العاملة.

(7) امرأة ادعت أنها نبية

------------------------------------------------------------

ترجمة (سارة المصري)

هذا التقرير مترجم عن: The Conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار